و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ الأوَّل: في موضع نصب، والثاني: في موضع رفع.
- التاسعة عشرة: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود، و ﴿الضَّالِّينَ﴾: النصارى، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي ﷺ (١).
وقيل: ذلك عامٌّ في كل مغضوب عليه، وكل ضالّ.
والأول أرجح؛ لأربعة أوجه:
[١] روايته عن النبي ﷺ .
[٢] وجلالة قائليه (٢).
[٣] وتكرار «لا» في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ دليلٌ على تغاير الطائفتين.
[٤] وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن؛ كقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلال صفة النصارى؛ لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم ﵇، ولقول الله فيهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
- الموفِّيَةُ عشرين: هذه السورة جمعت معاني القرآن كلِّه، فكأنها نسخةٌ مختصرة منه، فتأملها بعد تحصيل «الباب الثالث» من «المقدِّمة الأولى» تعلم ذلك.
стр. 247
فالإلهيات حاصلةٌ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾.
والدار الآخرة في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
والعبادات كلُّها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
والشريعة كلها في قوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
والأنبياء وغيرهم في قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
وذِكْر طوائف الكفار في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
* خاتمة: أُمِر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة؛ للدعاء الذي فيها.
وقولك: «آمين»: اسم فعلٍ معناه: اللهمَّ استجب.
وقيل: هو من أسماء الله.
ويجوز فيه مدُّ الهمزة وقصرُها، ولا يجوز تشديد الميم.
ويؤمَّن في الصلاة: المأموم، والفذ، والإمام إذا أسرَّ، واختلف إذا جهر.
стр. 248
(سورة البقرة)
[﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾].
﴿الم﴾ اختلف فيه وفي سائر حروف الهجاء في أوائل السور، وهي: ﴿المص﴾، و ﴿الر﴾، و ﴿المر﴾، و ﴿كهيعص﴾، و ﴿طه﴾، و ﴿طسم﴾، و ﴿طس﴾، و ﴿يس﴾، و ﴿ص﴾، و ﴿ق﴾، و ﴿حم﴾، و ﴿عسق﴾، و ﴿ن﴾.
فقال قومٌ: لا تفسَّر؛ لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلَّا الله.
قال أبو بكر الصديق: «لله في كل كتاب سرٌّ، وسرُّه في القرآن فواتح السور» (١).
стр. 249
وقال قوم: تفسَّر؛ ثم اختلفوا فيها:
فقيل: هي أسماء للسور.
وقيل: أسماء لله.
وقيل: أشياء (١) أقسم الله بها.
وقيل: هي حروف مقطَّعة من كلمات؛ فالألف من: «الله»، واللام من: «جبريل»، والميم من: «محمد» ﷺ ، ومِثْل ذلك في سائرها.
وورد في الحديث: أن بني إسرائيل فهموا أنها تدلُّ بعدد حروف «أبي جاد» على السنين التي تبقى هذه الأمةُ، وسمع النبيُّ ﷺ منهم ذلك فلم ينكره (٢).
وقد جمع أبو القاسم السُّهَيلي (٣) عددَها على ذلك، بعد أن أسقط المكرَّر، فبلغت تسعَ مئة وثلاثةً (٤).
وإعراب هذه الحروف: يختلف بالاختلاف في معناها (٥):
فيُتَصوَّر أن تكون في موضع رفع، أو نصب، أو خفض.
стр. 250
فالرفع: على أنها مبتدأ، أو خبر ابتداء مضمر.
والنصب: على أنها مفعولة بفعل مضمر.
والخفض: على قول من جعلها مُقْسَمًا بها؛ كقولك: «اللهِ لأفعلَنَّ».
وإنما سُكِّنت لأنها لم يدخل عليها عاملٌ يقتضي حركة؛ فسكونها للوقف، لا للبناء، كقولك في العدد: «واحد، اثنان».
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هو هنا: القرآن.
وقيل: التوراة والإنجيل.
وقيل: اللوح المحفوظ.
والأول هو الصحيح الذي يدلُّ عليه سياق الكلام، ويشهد (١) له مواضع من القرآن المقصودُ فيها إثبات أن القرآن من عند الله؛ كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢] يعني: القرآن باتفاق.
وخبر ﴿ذَلِكَ﴾: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
وقيل: خبره ﴿الْكِتَابُ﴾؛ فعلى هذا: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملة مستقلة؛ فيوقف عليها
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شكَّ أنه من عند الله؛ في نفس الأمر، وفي اعتقاد أهل الحق. ولم يعتبر اعتقاد أهل الباطل.
﴿فِيهِ﴾ خبر ﴿لَا﴾ (٢)؛ فيوقف عليه.
стр. 251
وقيل: خبرها محذوف؛ فيوقف على: ﴿لَا رَيْبَ﴾.
والأول أرجح؛ لتعيُّنه في قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في مواضع أُخَرَ.
فإن قيل: فهلا قدَّم قوله: ﴿فِيهِ﴾ على الريب كقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]؟
فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه، ولو قدَّم ﴿فِيهِ﴾ لكان إشارةً إلى أنَّ ثَمَّ كتابًا آخر فيه ريبٌ، كما أن ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول، وهذا المعنى يبعد قصده؛ فلم يقدَّم الخبر (١).
﴿هُدًى﴾ هنا بمعنى: الإرشاد؛ لتخصيصه بالمتقين.
ولو كان بمعنى البيان لعمَّ؛ كقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وإعرابه:
خبر ابتداءٍ.
أو مبتدأ، وخبره: ﴿فِيهِ﴾ عند من يقف (٢): ﴿لَا رَيْبَ﴾.
أو منصوب على الحال، والعامل فيه الإشارة.
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مُفتعلين؛ من التقوى، وقد تقدَّم معناه في «اللغات» (٣).
[١٣] والبشرى؛ لقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤].
[١٤] ودخول الجنة؛ لقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤].
[١٥] والنجاة من النار؛ لقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢].
- الفصل الثاني: البواعث على التقوى (١) عشرة:
[١] خوف العقاب الأخراوي.
[٢] وخوف العقاب الدنياوي.
[٣] ورجاء الثواب الدنيوي.
[٤] ورجاء الثواب الأخروي.
[٥] وخوف الحساب.
[٦] والحياء من نظر الله، وهو مقام المراقبة.
[٧] والشُّكر على نعمه بطاعته.
[٨] والعلم؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
[٩] وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة.
[١٠] وصدق المحبة فيه؛ لقول القائل:
تعصي الإله وأنت تُظهرُ حبَّه! … هذا محالٌ في القياس بديعُ
стр. 254
لو كان حبُّك صادقًا لأطعته … إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مُطيعُ (١)
ولله درُّ القائل:
قالت -وقد سألت عن حال عاشقها-: … بالله صفْهُ ولا تُنقص ولا تَزِدِ
فقلتُ: لو كان رهنَ الموت من ظمإٍ … وقلتِ: قفْ عن ورود الماء: لم يَرِدِ (٢)
- الفصل الثالث: درجات التقوى خمس:
[١] أن يتَّقيَ العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام.
[٢] وأن يتقي المعاصي والمحرَّمات، وهو مقام التوبة.
[٣] وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع.
[٤] وأن يتقي المباحات، وهو مقام الزهد.
[٥] وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة.
стр. 255
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فيه قولان:
يؤمنون بالأمور المغيَّبات، كالآخرة وغيرها؛ فالغيب -على هذا-: بمعنى الغائب؛ إمَّا:
تسميةً بالمصدر، كعدْلٍ.
وإما تخفيفًا من فَعِيْل؛ كَمَيْت.
والآخر: يؤمنون في حال غيبتهم، أي: باطنًا وظاهرًا.
و ﴿بِالْغَيْبِ﴾:
على القول الأوَّل: يتعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾.
وعلى الثاني: في موضع الحال.
ويجوز في ﴿الَّذِينَ﴾ أن يكون:
خفضًا على النعت.
أو نصبًا على إضمار فعل.
أو رفعًا على أنه خبر ابتداء.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ إقامتها: عملها؛ من قولك: «قامت السوق»، وشبه ذلك.
والكمال: المحافظة عليها في أوقاتها، وبالإخلاص لله في فعلها، وتوفية شروطها، وأركانها، وسننها، وفضائلها، وحضور القلب، والخشوع فيها، وملازمة الجماعة في الفرائض، والإكثار من النوافل.
стр. 256
﴿يُنْفِقُونَ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
الزكاة؛ لاقترانها مع الصلاة.
والثاني: أنه التطوُّع.
والثالث: العموم، وهو الأرجح؛ لأنه لا دليل على التخصيص.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ اخْتُلِفَ:
هل هم المذكورون قبلُ؛ فيكون (١) من عطف الصفات؟ أو هم غيرهم - وهم مَنْ أسلم من أهل الكتاب -؛ فيكون عطفًا للمغايرة؟ أو مبتدأ، وخبره: الجملة بعده؟
﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: القرآن.
﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: التوراة، والإنجيل، وغيرهما من كتب الله .
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيةُ فيمن سبق القدر أنه لا يؤمن، كأبي جهل.
فإن كان ﴿الَّذِينَ﴾ للجنس: فلفظها عامٌّ يراد به الخصوص.
وإن كان للعهد: فهو إشارةٌ إلى قوم بأعيانهم، وقد اختلف فيهم:
فقيل: المراد من قُتِل ببدر من كفار قريش.
وقيل: المراد حُيَيُّ بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديَّان.
﴿سَوَاءٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، و ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ فاعلٌ به؛ لأنه في تقدير المصدر.
стр. 257
أو ﴿سَوَاءٌ﴾ مبتدأ، و ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ خبره.
أو العكس؛ وهو أحسن.
و ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ على هذه الوجوه:
استئناف للبيان، أو للتأكيد.
أو خبر بعد خبر.
أو تكون الجملة اعتراضًا، و ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الخبر.
والهمزة في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ لمعنى التسوية، قد انسلخت من معنى الاستفهام.
﴿خَتَمَ﴾ الآية تعليل لعدم إيمانهم، وهو عبارة عن إضلالهم؛ فهو مجاز.
وقيل: حقيقة، وأن القلب كالكف، يُقبض مع زيادة الضلال إصبعًا إصبعًا حتى يختم عليه.
والأوَّل أبرع.
﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ معطوف على ﴿قُلُوبِهِمْ﴾؛ فيوقف عليه.
وقيل: الوقف على ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، والسمع راجع إلى ما بعده.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣].
﴿غِشَاوَةٌ﴾ مجاز باتفاق.
وفيه دليل على وقوع المجاز في القرآن، خلافًا لمن منعه.
ووحد السمع؛ لأنه مصدر في الأصل، والمصادر لا تجمع.
﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ هم المنافقون، وكانوا جماعة من الأوس والخزرج، رأسهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول، يظهرون الإسلام ويسرُّون الكفر.
ويسمَّى الآن من كان كذلك: زنديقًا.
وهم في الآخرة: مخلَّدون في النار.
وأما في الدنيا:
فإن لم تقم عليهم بينةٌ: فحكمهم كالمسلمين في دمائهم وأموالهم.
وإن شهد على معتقدهم شاهدان عدلان:
فمذهب مالك: القتل، دون الاستتابة.
ومذهب الشافعي: الاستتابة وترك القتل.
فإن قيل: كيف جاء قولهم ﴿آمَنَّا﴾ جملةً فعلية، و ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ جملةً اسمية؛ فهلاَّ طابقتها؟
فالجواب: أن قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أبلغ وأوكد في نفي الإيمان عنهم من أن لو قال: «وما آمنوا» (١).
فإن قيل: لم جاء قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ مقيدًا بالله واليوم الآخر، و ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مطلقًا؟
فالجواب: أنه يحتمل وجهين:
التقييد؛ وتَرَكَه (٢) لدلالة الأوّل عليه.
стр. 260
والإطلاق، وهو أعمُّ في سلبهم عن الإيمان (١).
﴿يُخَادِعُونَ﴾ أي: يفعلون فعل المخادع، ويرومون الخَدْعَ بإظهار خلاف ما يسرُّون.
وقيل: معناه يخادعون رسول الله ﷺ .
والأول أظهر.
﴿وَمَا يُخَادِعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ أي: وبالُ فعلهم راجعٌ عليهم.
وقرئ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ - بفتح الياءِ من غير ألف -: مِنْ خَدَع، وهو أبلغ في المعنى؛ لأنه يقال: خادع: إذا رام الخداع، وخدع: إذا تمَّ له.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ حُذف معموله (٢)، أي: لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَحتملُ:
أن يكون حقيقةً؛ وهو الألم الذي يجدونه من الخوف وغيره.
وأن يكون مجازًا؛ بمعنى الشك، أو الحسد.
﴿فَزَادَهُمُ﴾ يَحتمل: الدعاء والخبر.
﴿يُكَذِّبُونَ﴾ -بالتشديد- أي: يكذِّبون الرسول ﷺ .
وقرئ بالتخفيف؛ أي: يَكْذِبون في قولهم: آمنا.
стр. 261
﴿لَا تُفْسِدُوا﴾ أي: بالكفر والنميمة وإيقاع الشرِّ وغير ذلك.
﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يحتمل:
أن يكون جحودًا للكفر؛ لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾.
أو اعتقادًا أنهم على إصلاح
﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ أصحاب النبي ﷺ .
والكاف يحتمل: أن تكون للتشبيه، أو التعليل.
و ﴿مَا﴾ يحتمل:
أن تكون كافّةً مُهَيِّئَةً (١)؛ كما هي في «ربما».
وأن تكون مصدريةً.
﴿أَنُؤْمِنُ﴾ إنكارٌ منهم وتقبيحٌ.
﴿هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ ردٌّ عليهم، وإناطةٌ للسَّفه بهم.
وكذلك: ﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾.
وجاء بالألف واللام؛ ليفيد حصر السفه والفساد فيهم، وأكَّده بـ «إنَّ» وبـ «أَلَا» التي تقتضي الاستئناف وتنبيه المخاطب.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ كَذِبًا؛ خوفًا من المؤمنين.
﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ هم: رؤساء الكفَّار (٢).
стр. 262
وقيل: شياطين الجن، وهو بعيد.
وتعدَّى «خلا» بـ «إلى»؛ لأنه ضُمِّن معنى: مشوا، أو ذهبوا، أو ركنوا.
وقيل: «إلى» بمعنى «مع»، أو بمعنى الباء.
وجاء قولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بجملة اسمية؛ مبالغة وتأكيدًا بخلاف قولهم: ﴿آمَنَّا﴾؛ فإنه جاء بالفعل؛ لضعف إيمانهم.
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
تسمية العقوبة باسم الذنب؛ كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
وقيل: يُملي لهم؛ بدليل قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾.
وقيل: يفعل بهم في الآخرة ما يظهر لهم أنه استهزاء بهم؛ كما جاء في سورة «الحديد»: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ الآية [الحديد: ١٣] (١).
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يزيدهم.
وقيل: يُملي لهم.
وقد ذُكر ﴿يَعْمَهُونَ﴾ (٢).
﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ عبارةٌ عن تركهم الهدى مع تمكُّنهم منه، ووقوعهم في الضلالة؛ فهو مجاز بديع.
стр. 263
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ترشيحٌ للمجاز؛ لمّا ذكر الشراءَ ذكر ما يتبعه من الربح والخسران.
وإسناد عدم الربح إلى التجارة مجازٌ -أيضًا-؛ لأن الرابح أو الخاسر هو التاجر.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ في هذا الشراء، أو على الإطلاق.
قال الزمخشري: نفى الربحَ في قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ﴾، ونفى سلامة رأس المال في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١).
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ﴾ إن كان المثل -هنا- بمعنى: حالُهم وصفتهم: فالكاف للتشبيه.
وإن كان المثل بمعنى: الشبه: فالكاف زائدة.
﴿اسْتَوْقَدَ﴾ أي: أوقد.
وقيل: طلب الوقود؛ على الأصل في «استفعل».
﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ إن تعدّى: فـ ﴿مَا حَوْلَهُ﴾ مفعولٌ به.
وإن لم يتعدّ: فـ ﴿مَا﴾ زائدة، أو ظرفية.
﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: أذهبه، وهذه الجملة جواب ﴿لَمَّا﴾؛ فالضمير في ﴿بِنُورِهِمْ﴾ عائدٌ على ﴿الَّذِي﴾؛ وهو على هذا بمعنى: «الذين»، وحذفُ النون منه لغةٌ.
стр. 264
وقيل: جواب ﴿لَمَّا﴾ محذوفٌ تقديره: طَفِئتِ النار؛ و ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: جملةٌ مستأنفةٌ، والضمير عائد على المنافقين؛ فعلى هذا يكون ﴿الَّذِي﴾ على بابه من الإفراد.
(والأول أرجح) (١)، والأرجح: أنه إنَّما أُعيد عليه ضمير الجماعة؛ لأنه لم يُقصد بالذي: واحدٌ بعينه، إنما المقصود التشبيه بمن استوقد نارًا، سواء كان واحدًا أو جماعة، ثم أُعيد الضمير بالجمع ليطابق المشبَّه؛ لأنهم جماعة.
فإن قيل: ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمت؟
فالجواب: من ثلاثة أوجه (٢):
أحدها: أنَّ منفعتهم في الدنيا -بدعوى الإيمان- شبيهةٌ بالنور، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده.
والثاني: أنَّ اختفاء كفرهم كالنور، وفضيحتهم بعده كالظلمة.
والثالث: أنَّ ذلك فيمن آمن منهم ثم كفر، فإيمانه نورٌ، وكفره بعده ظلمة.
ويرجِّح هذا قولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: ٣].
فإن قيل: لم قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: «ذهب الله بضوئهم»؛ مشاكلةً لقوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾؟
стр. 265
فالجواب: أنَّ ذهاب (١) النور أبلغ؛ لأنه إذهاب للقليل والكثير، بخلاف الضوء؛ فإنما (٢) يَنطلقُ (٣) على الكثير.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يُحتمل أن يراد به: المنافقون، أو المستوقدون المشبَّه بهم.
وهذه الأوصاف مجازٌ، عبارةٌ عن عدم انتفاعهم بسمعهم وأبصارهم وكلامهم، وليس المراد فقدَ الحواسِّ.
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إن أريد به المنافقون فمعناه: لا يرجعون إلى الهدى.
وإن أريد به أصحاب النار فمعناه: أنهم متحيِّرون في الظلمة، لا يَبْرَحُونَ (٤)، ولا يهتدون إلى الطريق.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ عطف على: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾، والتقدير: أو كصاحب صيِّبٍ.
و ﴿أَوْ﴾ للتنويع؛ لأنَّ هذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين.
والصيب: المطر، وأصله: صَيْوِب، ووزنه فَيْعِل، وهو مشتق من قولك: صاب يصوب.
وفي قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إشارةٌ إلى قوَّته وشدَّة انصبابه.
стр. 266
قال ابن مسعود: إنَّ رجلين من المنافقين هربا إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر وأيقنا بالهلاك، فعزما على الإيمان، ورجعا إلى النبي ﷺ وحسن إسلامهما، فضرب الله ما نزل بهما مثلًا للمنافقين.
وقيل: المعنى: تشبيهُ المنافقين في حيرتهم في الدين وفي خوفهم على أنفسهم: بمن أصابه مطر فيه ظلمات ورعد وبرق، فضلَّ عن الطريق وخاف الهلاك على نفسه؛ وهذا التشبيه على الجملة.
وقيل: إنَّ التشبيه على التفصيل؛ فالمطر: مَثَلٌ للقرآن أو الإسلام، والظلمات: مثل لما فيه من الإشكال على المنافقين، والرعد: مثل لما فيه من الوعيد والزجر لهم، والبرق: مثل لما فيه من البراهين الواضحة.
فإن قيل: لم قال: ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ بالإفراد، ولم يجمعه كما جمع ﴿ظُلُمَاتٌ﴾؟
فالجواب: أنَّ الرعد والبرق مصدران، والمصدر لا يجمع.
ويحتمل أن يكونا اسمين، وترك جمعهما لأنهما في الأصل مصدران (١).
﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ أي: من أجل الصواعق.
قال ابن مسعود: كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم؛ لئلا يسمعوا القرآن في مجلس النبي ﷺ .
فهو -على هذا- حقيقةٌ في المنافقين.
стр. 267
والصواعق على هذا: ما يكرهون من القرآن، والموت: هو ما يتخوفونه؛ فهما مجازان.
وقيل: إنه راجع لأصحاب المطر المشبَّه بهم، فهو حقيقة فيهم.
والصواعق على هذا حقيقة، وهي التي تكون مع المطر من شدَّة الرعد، ونزول قطعة نار، والموت -أيضًا- حقيقة.
وقيل: إنه راجع للمنافقين على وجه التشبيه لهم في خوفهم بمن جعل أصابعه في أُذُنِه (١) من شدة الخوف من المطر والرعد.
فإن قيل: لم قال: ﴿أَصَابِعَهُمْ﴾ ولم يقل: «أناملهم»؛ والأنامل هي التي تجعل في الآذان؟
فالجواب: أنَّ ذكر الأصابع أبلغ؛ لأنها أعظم من الأنامل؛ ولذلك جَمعها، مع أن الذي يجعل في الآذان السبابة خاصة (٢).
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي لا يفوتونه، بل هم تحت قهره، وهو قادر على عقابهم.
﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ إن رجع الضمير إلى أصحاب المطر -وهم الذين شبه بهم المنافقين-: فهو بيّن المعنى.
وإن رجع إلى المنافقين: فهو تشبيه بمن أصابه البرق على وجهين:
أحدهما: تكاد براهين القرآن تلوح لهم كما يُضيءُ البرق؛ وهذا مناسبٌ
стр. 268
لتمثيل البراهين بالبرق حسبما تقدَّم.
والآخر: يكاد زجر القرآن ووعيده يأخذهم كما يكاد البرق يخطف أبصار أصحاب المطر المشبَّه بهم.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى: أنهم يمشون بضوء البرق إذا لاح لهم.
وإن رجع إلى المنافقين فالمعنى: أنه (١) يلوح لهم من الحق ما يقرُبون به من الإيمان.
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى: أنهم إذا زال عنهم الضوء وقفوا متحيّرين لا يعرفون الطريق.
وإن رجع إلى المنافقين فالمعنى:
أنه إذا ذهب عنهم ما لاح لهم من الإيمان: ثبتوا على كفرهم.
وقيل: إنَّ المعنى: كلما صلحت أحوالهم في الدنيا قالوا: هذا دين مبارك؛ فهذا مثل الضوء، وإذا أصابتهم شدَّةٌ أو مصيبة عابوا الدين وسخطوه؛ فهذا مثل الظلمة.
فإن قيل: لم قال مع الإضاءة: ﴿كُلَّمَا﴾، ومع الإظلام: ﴿وَإِذَا﴾؟
فالجواب: أنَّهم لما كانوا حِرَاصًا على المشي: ذكر معه ﴿كُلَّمَا﴾؛ لأنها تقتضي التكرار والكثرة (٢).
стр. 269
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية: إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى: لو شاء الله لأذهب سمعهم بالرعد، وأبصارهم بالبرق.
وإن رجع إلى المنافقين فالمعنى: لو شاء الله لأوقع بهم العذاب والفضيحة؛ وجاءت العبارة عن ذلك بإذهاب سمعهم وأبصارهم.
والباء للتعدية؛ كما هي في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾.
﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ يدخل فيه: الإيمانُ به سبحانه، وتوحيده، وطاعته.
فالأمر بالإيمان به: لمن كان جاحدًا.
والأمر بالتوحيد: لمن كان مشركًا.
والأمر بالطاعة: لمن كان مؤمنًا.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يتعلق:
بـ ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ أي خلقكم لتتقوه؛ كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
أو بفعل مقدَّر من معنى الكلام أي: دعوتُكم إلى عبادة الله؛ لعلكم تتقون؛ وهذا أحسن.
وقيل: يتعلق بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾؛ وهذا ضعيف.
وإن كانت «لعل» للترجي فتأويله: أنه في حق المخلوقين؛ جريًا على عادة كلام العرب.
وإن كانت للمقاربة أو التعليل: فلا إشكال.
والأظهر فيها: أنها لمقاربة الأمر؛ نحو: «عسى»؛ فإذا قالها الله فمعناها: إطماع العباد، وهكذا القول فيها حيثما وردت في كلام الله تعالى.
﴿الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ تمثيلٌ؛ لَمَّا كانوا يقعدون وينامون عليها كالفراش؛ فهو مجاز.
وكذلك ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.
стр. 272
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: «من»: للتبعيض، أو لبيان الجنس؛ لأن الثمر هو المأكول من الفواكه وغيرها.
والباء في ﴿بِهِ﴾: سببيةٌ، أو كقولك: «كتبت بالقلم»؛ لأنَّ الماء سببٌ في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى.
﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾: «لا»:
ناهية.
أو نافية؛ وانتصب الفعل بإضمار «أن» بعد الفاء في جواب ﴿اعْبُدُوا﴾.
والأول أظهر.
﴿أَندَادًا﴾ يراد به هنا: الشركاء المعبودون مع الله جلَّ وعلا.
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حُذف مفعوله مبالغةً وبلاغةً؛ أي: وأنتم تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين.
وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد معرفتهم بالحق.
ويتعلَّق قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾ بما تقدَّم من البراهين.
ويحتمل أن يتعلَّق بقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾.
والأول أظهر.
* فوائد ثلاث:
الأولى: هذه الآية تضمنَّت دعوةَ الخلق إلى عبادة الله بطريقين:
أحدهما: إقامة البراهين بخِلقتهم وخلقة السموات والأرض والمطر والثمرات.
стр. 273
والآخر: ملاطفةٌ جميلةٌ بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام، فذكر أوَّلًا ربوبيته لهم، ثم ذكر خلقته لهم وآبائهم؛ لأن الخالق يستحقُّ أن يعبد، ثم ذكر ما أنعم به عليهم من جعل الأرض فراشًا والسماء بناءً، ومن إنزال المطر، وإخراج الثمرات؛ لأنَّ المنعم يستحق أن يعبد ويشكر، وانظر قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾، و ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ يدلك على ذلك؛ لتخصيصه ذلك بهم؛ فما أجملها من ملاطفةٍ وخطاب بديع!.
الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه؛ لقوله في آخرها: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾، وذلك هو الذي يُترجَم عنه بقولنا: «لا إله إلا الله»؛ فيقتضي ذلك: الأمر بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد، وقول «لا إله إلا الله».
الثالثة: تكرَّر في القرآن ذكر المخلوقات، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسموات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار؛ وذلك أنها تدلُّ بالعقل على عشرة أمور؛ وهي:
[١] أن الله موجود؛ لأنَّ الصنعة دليل على الصانع لا محالة.
[٢] وأنه واحدٌ لا شريك له؛ لأنه لا خالق إلَّا هو (١)، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].
стр. 274
[٣ - ٦] وأنه حيٌّ، قدير، عالم (١)، مُريد؛ لأنَّ هذه الصفات الأربع من شروط الصانع؛ إذ لا تصدر صنعة عمَّن عَدِم صفةً منها.
[٧] وأنه قديم؛ لأنه صانع للمحدثات، فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث.
[٨] وأنه باقٍ؛ لأن ما (٢) ثبت قِدَمُه استحال عدمه.
[٩] وأنه حكيم؛ لأن آثار حكمته ظاهرة في إتقانه للمخلوقات، وتدبيره للملكوت.
[١٠] وأنه رحيم؛ لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم، سخر لهم ما في السموات وما في الأرض.
وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى، أو على وحدانيته (٣).
стр. 275
فإن قيل: لم قصر الخطاب بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ على المخاطبين دون الذين من قبلهم، مع أنه أمر الجميع بالتقوى؟
فالجواب: أنه لم يقصره عليهم في المعنى، ولكنه غلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمراد الجميع (١).
فإن قيل: هلّا قال: «لعلكم تعبدون»؛ مناسبةً لقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾؟
فالجواب: أنَّ التقوى غايةُ العبادة وكمالها؛ فكان قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أبلغَ وأوقعَ في النفوس (٢).
﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ الآية إثبات لنبوة محمد ﷺ ؛ بإقامة الدليل على أنَّ القرآن الذي جاء به من عند الله.
فلما قدّم إثبات الإلهية: أعقبها بإثبات النبوة.
فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، ومعلوم أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟
فالجواب: أنه ذكر حرف «إنْ» إشارةً إلى أنَّ الريب بعيد عند العقلاء في
стр. 276
مثل هذا الأمر الساطع البرهان؛ فلذلك وضع حرف التوقع والاحتمال في الأمر (١) الواقع؛ لبعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء، كما قال تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٢).
﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ هو النبي ﷺ .
والعبودية على وجهين:
عامة، وهي التي بمعنى الملك.
وخاصة، وهي التي يراد بها التشريف والتخصيص، وهي من أشرف أوصاف العباد، ولله در القائل:
لا تدعني إلَّا بيا عبده … فإِنَّه أشرفُ أسمائي (٣)
﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ أمر يراد به التعجيز.
﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الضمير عائد:
على: ﴿مَا نَزَّلْنَا﴾، وهو القرآن، و «من»: لبيان الجنس.
وقيل: يعود على النبي ﷺ ؛ فـ «من» -على هذا-: لابتداء الغاية، ومعناه: من بشر مثله.
стр. 277
والأول أرجح؛ لتعيُّنه (١) في «يونس» و «هود».
ومعنى: ﴿مِثْلِهِ﴾: في فصاحته، وفيما تضمَّن من العلوم، والحكم العجيبة، والبراهين الواضحة.
﴿شُهَدَاءَكُم﴾: آلهتكم، أو أعوانكم، أو من يشهد لكم.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غير الله.
وقيل: هو من الدنيء الحقير؛ فهو مقلوب اللفظ.
﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ اعتراض بين الشرط وجوابه، فيه مبالغةٌ وبلاغةٌ، وهو إخبار ظهر مصداقُه في الوجود؛ إذ لم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن، مع فصاحة العرب في زمان نزوله، وتصرُّفهم في الكلام، وحرصهم على التكذيب.
وفي الإخبار بذلك معجزةٌ أخرى.
وقد اختلف في عجز الخلق عنه على قولين:
أحدهما: أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله، وهو الصَّحيح.
والثاني: أنه كان في قدرتهم وصُرِفوا عنه.
والإعجاز حاصل على الوجهين.
وقد بيَّنا سائر وجوه إعجازه في المقدمات (٢).
стр. 278
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ أي: فآمنوا؛ لتنجوا من النار، وعبر بالملازم عن ملازمه؛ لأنَّ ذكر النار أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف.
﴿وَقُودُهَا﴾ حطبها.
﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت؛ لسرعة اتِّقادها، وشدَّة حرِّها، وقبح رائحتها.
وقيل: الحجارة المعبودة.
وقيل: الحجارة على الإطلاق.
﴿أُعِدَّتْ﴾ دليلٌ على أنها قد خُلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة، خلافًا لمن قال: إنها تخلق يوم القيامة.
وكذلك الجنة.
﴿وَبَشِّرِ﴾ يحتمل أن يكون:
خطابًا للنبي ﷺ .
أو خطابًا لكل أحد، ورجَّح الزمخشري هذا (١)؛ لأنه أفخم.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ دليلٌ على أنَّ الإيمان خلاف العمل؛ لعطفه عليه، خلافًا لمن قال: الإيمان اعتقاد، وقول، وعمل.
وفيه دليلٌ على أن السعادة بالإيمان مع الأعمال، خلافًا للمرجئة (٢).
стр. 279
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تحت أشجارها وتحت مبانيها.
وهي: أنهار الماء، واللبن، والخمر، والعسل. وهكذا (١) تفسيره حيث وقع.
وروي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود (٢).
﴿مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ «من» الأولى: للغاية، أو للتبعيض، أو لبيان الجنس. و «من» الثانية: لبيان الجنس.
﴿رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا؛ بدليل قولهم: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٦] أي: في الدنيا، فإن في الجنة أجناس ثمر الدنيا، وإن كانت خيرًا منها في المطعم والمنظر.
стр. 280
﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أي: يشبه ثمر الدنيا في جنسه.
وقيل: يشبه بعضه بعضًا في المنظر، ويختلف في المطعم.
والضمير المجرور يعود على: المرزوق الذي يدلُّ عليه المعنى.
﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض وأقذار النساء ومن سائر الأقذار التي لا تختصُّ بالنساء، كالبول وغيره.
ويحتمل أن يريد: طهارة الطِّباع، وطيب الأخلاق.
﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ تأوَّل قومٌ أن معناه: لا يترك؛ لأنهم زعموا أنَّ الحياء مستحيل على الله؛ لأنه -عندهم-: انكسارٌ يمنع من الوقوع في أمرٍ.
وليس كذلك؛ وإنما هو: كرم وفضيلة تمنع من الوقوع فيما يعاب.
ويردُّ عليهم: قوله ﷺ : «إن الله حييٌّ كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صفرًا» (١)(٢).
﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ سبب الآية: أنَّه لمَّا ذُكر في القرآن الذباب والنمل والعنكبوت عاب الكفار ذلك.
стр. 281
وقيل: لما ضرب المثلين المتقدِّمين في المنافقين تكلَّموا في ذلك؛ فنزلت الآية ردًّا عليهم.
﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ إعراب ﴿بَعُوضَةً﴾:
مفعول بـ ﴿يَضْرِبَ﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ حال.
أو ﴿مَثَلًا﴾ مفعول، و ﴿بَعُوضَةً﴾ بدل منه، أو عطف بيان.
أو هما مفعولان بـ ﴿يَضْرِبَ﴾؛ لأنها - على هذا المعنى - تتعدَّى إلى مفعولين، كجعل.
و ﴿مَا﴾: صفة للنكرة، أو زائدة.
﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ في الكِبَر.
وقيل: في الصِّغَر. والأول أظهر.
﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ لأنه لا يستحيل على الله أن يذكر ما شاء، ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمةٌ، وضَرْبُ أمثالٍ، وبيانٌ للناس، ولأنَّ الصادق جاء بها من عند الله.
﴿مَاذَا أَرَادَ﴾ لفظه: الاستفهام، ومعناه: الاستبعاد والاستهزاء والتكذيب.
وفي إعراب ﴿مَاذَا﴾ وجهان:
أن تكون «ما» مبتدأً، و «ذا» خبره، وهي موصولة.
وأن تكون كلمة مركَّبة في موضع نصب على المفعول بـ ﴿أَرَادَ﴾.
стр. 282
و ﴿مَثَلًا﴾ منصوب على: الحال، أو التمييز.
﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ من كلام الله؛ جوابًا للذين قالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
وهو -أيضًا- تفسيرٌ لما أراد الله بضرب المثل من الهدى والضلال.
﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ مطلقٌ في العهود، وكذلك ما بعده من القطع والفساد.
ويحتمل:
أن يشارَ بنقض عهد الله إلى اليهود؛ لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ الله عليهم في الإيمان بمحمد ﷺ .
ويشار بقطع ما أمر الله به أن يوصل إلى قريش؛ لأنهم قطعوا الأرحام التي بينهم وبين المؤمنين.
ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين؛ لأن الإفساد (١) من أفعالهم، حسَبما تقدَّم في وصفهم (٢).
﴿مِيثَاقِهِ﴾ الضمير: للعهد، أو لله تعالى.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ موضعُها (٣): الاستفهام، ومعناها هنا: الإنكار والتوبيخ.
стр. 283
﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أي: معدومين، أو في أصلاب الآباء، أو نُطَفًا في الأرحام.
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: أخرجكم إلى الدنيا.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ الموت المعروف.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء.
وقيل: الحياة الأولى: حين أخرجهم من صلب آدم لأخذ العهد.
وقيل: في الحياة الثانية: إنها في القبور.
والراجح القول الأول؛ لتعيُّنه في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج: ٦٦].
* فوائد ثلاث:
الأولى: هذه الآية في معرض الردِّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم.
فإن قيل: إنما يصحُّ الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتجُّ عليهم بالبعث وهم منكرون له؟
فالجواب: أنهم أُلزِموا، من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت، ثبوتَ البعث؛ لأن القدرة صالحة لذلك كلّه.
الثانية: قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ في موضع الحال.
стр. 284
فإن قيل: كيف جاء دون «قد» وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال؟
فالجواب: أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل، والمراد: مجموع الكلام؛ كأنه يقول: وحالكم هذه؛ فلذلك لم تلزم «قد» (١).
الثالثة: عطف ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالفاء؛ لأن الحياة إثْرُ العدم، لا تراخي بينهما، وعطف ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ و ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بـ «ثم»؛ للتَّراخي الذي بينهما.
﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ دليلٌ على إباحة الانتفاع بما في الأرض.
﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد لها.
والسماء -هنا-: جنس؛ ولأجل ذلك أعاد عليها بَعْدُ ضميرَ الجماعة.
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أي: أتقن خَلْقَتهنَّ؛ كقوله: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]. وقيل: جعلهنَّ سواءً.
* فائدة: هذه الآية تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠] ظاهرهُ خلاف ذلك؛ والجواب من وجهين:
أحدهما: أن الأرض خُلِقت قبل السماء، ودُحِيت بعد ذلك، فلا تعارض.
والآخر: أن تكون «ثمَّ» لترتيب الإخبار.