← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقيل: لما ضرب المثلين المتقدِّمين في المنافقين تكلَّموا في ذلك؛ فنزلت الآية ردًّا عليهم. ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ إعراب ﴿بَعُوضَةً﴾: مفعول بـ ﴿يَضْرِبَ﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ حال. أو ﴿مَثَلًا﴾ مفعول، و ﴿بَعُوضَةً﴾ بدل منه، أو عطف بيان. أو هما مفعولان بـ ﴿يَضْرِبَ﴾؛ لأنها - على هذا المعنى - تتعدَّى إلى مفعولين، كجعل. و ﴿مَا﴾: صفة للنكرة، أو زائدة. ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ في الكِبَر. وقيل: في الصِّغَر. والأول أظهر. ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾؛ لأنه لا يستحيل على الله أن يذكر ما شاء، ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمةٌ، وضَرْبُ أمثالٍ، وبيانٌ للناس، ولأنَّ الصادق جاء بها من عند الله. ﴿مَاذَا أَرَادَ﴾ لفظه: الاستفهام، ومعناه: الاستبعاد والاستهزاء والتكذيب. وفي إعراب ﴿مَاذَا﴾ وجهان: أن تكون «ما» مبتدأً، و «ذا» خبره، وهي موصولة. وأن تكون كلمة مركَّبة في موضع نصب على المفعول بـ ﴿أَرَادَ﴾.

стр. 282

و ﴿مَثَلًا﴾ منصوب على: الحال، أو التمييز. ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾ من كلام الله؛ جوابًا للذين قالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. وهو -أيضًا- تفسيرٌ لما أراد الله بضرب المثل من الهدى والضلال. ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ مطلقٌ في العهود، وكذلك ما بعده من القطع والفساد. ويحتمل: أن يشارَ بنقض عهد الله إلى اليهود؛ لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ الله عليهم في الإيمان بمحمد ﷺ . ويشار بقطع ما أمر الله به أن يوصل إلى قريش؛ لأنهم قطعوا الأرحام التي بينهم وبين المؤمنين. ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين؛ لأن الإفساد (١) من أفعالهم، حسَبما تقدَّم في وصفهم (٢). ﴿مِيثَاقِهِ﴾ الضمير: للعهد، أو لله تعالى. ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ موضعُها (٣): الاستفهام، ومعناها هنا: الإنكار والتوبيخ.

стр. 283

﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ أي: معدومين، أو في أصلاب الآباء، أو نُطَفًا في الأرحام. ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: أخرجكم إلى الدنيا. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ الموت المعروف. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء. وقيل: الحياة الأولى: حين أخرجهم من صلب آدم لأخذ العهد. وقيل: في الحياة الثانية: إنها في القبور. والراجح القول الأول؛ لتعيُّنه في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج: ٦٦]. * فوائد ثلاث: الأولى: هذه الآية في معرض الردِّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم. فإن قيل: إنما يصحُّ الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتجُّ عليهم بالبعث وهم منكرون له؟ فالجواب: أنهم أُلزِموا، من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت، ثبوتَ البعث؛ لأن القدرة صالحة لذلك كلّه. الثانية: قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ في موضع الحال.

стр. 284

فإن قيل: كيف جاء دون «قد» وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال؟ فالجواب: أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل، والمراد: مجموع الكلام؛ كأنه يقول: وحالكم هذه؛ فلذلك لم تلزم «قد» (١). الثالثة: عطف ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بالفاء؛ لأن الحياة إثْرُ العدم، لا تراخي بينهما، وعطف ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ و ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بـ «ثم»؛ للتَّراخي الذي بينهما. ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ دليلٌ على إباحة الانتفاع بما في الأرض. ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد لها. والسماء -هنا-: جنس؛ ولأجل ذلك أعاد عليها بَعْدُ ضميرَ الجماعة. ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أي: أتقن خَلْقَتهنَّ؛ كقوله: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]. وقيل: جعلهنَّ سواءً. * فائدة: هذه الآية تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠] ظاهرهُ خلاف ذلك؛ والجواب من وجهين: أحدهما: أن الأرض خُلِقت قبل السماء، ودُحِيت بعد ذلك، فلا تعارض. والآخر: أن تكون «ثمَّ» لترتيب الإخبار.

стр. 285

[﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾]. ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ جمع مَلَك، واختلف في وزنه: فقيل: فَعْلٌ؛ فالميم أصلية، ووزن ملائكة على هذا: فعائلة. وقيل: هو من الألوكة، وهي الرِّسالة، فوزنه مَفْعَلٌ وأصله: مَأْلُكٌ، ثم حذفت الهمزة، ووزن ملائكة على هذا: مَفَاعِلة، ثم قلب وأخرت الهمزة؛ فصار: مَعَافِلة؛ وذلك بعيد. ﴿خَلِيفَةً﴾ هو آدم ﵇؛ لأنَّ الله استخلفه في الأرض. وقيل: ذُرِّيته؛ لأنَّ بعضهم يخلف بعضًا.

стр. 286

والأوَّل أرجح، ولو أراد الثاني لقال: خلفاء. ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ الآية؛ سؤالٌ محضٌ؛ لأنهم استبعدوا أن يستخلف الله مَنْ يعصيه. وليس فيه اعتراضٌ؛ لأنَّ الملائكة منزَّهون عنه. وإنما علِموا أنَّ بني آدم يفسدون: بإعلام الله إياهم بذلك. وقيل: كان في الأرض جنٌّ فأفسدوا، فبعث الله إليهم ملائكةً فقتلتهم، فقاس الملائكة بني آدم عليهم. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ اعترافٌ، والتزام للتسبيح، لا افتخارٌ ولا منَّةٌ. ﴿بِحَمْدِكَ﴾ أي: حامدين لك، والتقدير: نسبِّح مُلتبسين (١) بحمدك؛ فهو في موضع الحال. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ يحتمل: أن تكون الكاف مفعولًا، ودخلت عليها اللام؛ كقولك: ضربتُ لزيدٍ. أو أن يكون المفعول محذوفًا، أي: نقدِّسك، على معنى: ننزِّهك أو نعظِّمك، وتكون اللام في ﴿لَكَ﴾ للتعليل؛ أي: لأجلك. أو يكون التقدير: نقدِّس أنفسنا -أي نطهِّرها- لك. ﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما يكون في بني آدم من الأنبياء والأولياء،

стр. 287

وغير ذلك من المصالح والحكمة. ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أي: أسماء بني آدم. أو (١) أسماء أجناس الأشياء، كتسمية الفرس والشجرة وغير ذلك. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ أي: عرض المسمّيات، وهي أشخاص بني آدم، أو (٢) أجناس الأشياء. ﴿أَنْبِئُونِي﴾ أمرٌ على وجه التعجيز. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في قولكم: إنَّ الخليفة يُفسد في الأرض ويسفك الدماء. وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء. ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ اعترافٌ. ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ أي: أنبئ الملائكة بأسماء ذرِّيتك، أو بأسماء أجناس الأشياء. ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ السجود له على وجه التحيَّة. وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة. ﴿فَسَجَدُوا﴾ روي أنَّ أوَّل من سجد إسرافيل؛ ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ (٣).

стр. 288

﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناءٌ متصلٌ عند من قال: إنه كان مَلَكًا. ومنقطع عند من قال: إنه كان من الجن. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ لقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]. ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود؛ وذلك بناء على أن المعصية كفر. والأظهر: أنه كفر باعتراضه على الله، وتسفيهه له في أمره بالسجود لآدم، وليس كفره كفر جحود؛ لاعترافه بالربوبية. ﴿وَزَوْجُكَ﴾ هي حواء، خلقها الله من ضِلَعِ آدم. ويقال: زوجةٌ، وزوجٌ؛ وهذا أفصح. ﴿الْجَنَّةَ﴾ هي جنةُ الخلد عند الجماعة وأهل السنة، خلافًا لمن قال: هي غيرها. ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ النهي عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدًّا للذريعة؛ فهذا أصل في سد الذرائع. ﴿الشَّجَرَةَ﴾ قيل: هي شجرة العنب، وقيل: شجرة التين، وقيل: الحنطة. وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم. ﴿فَتَكُونَا﴾ عطف على ﴿تَقْرَبَا﴾. أو: نصب بإضمار «أنْ» بعد الفاء في جواب النهي. ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ متعدٍّ: من زَلَلِ القدم.

стр. 289

و ﴿أَزَالَهُمَا﴾ بالألف: من الزوال. ﴿عَنْهَا﴾ الضمير عائد: على الجنة. أو على الشجرة؛ فتكون «عن» -على هذا- سببية. * فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة: فالأظهر: أنه كان على وجه النِّسيان؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. وقيل: سَكِر من خمر الجنة، وحينئذٍ أكل منها؛ وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تُسكِر. وقيل: أكلها عمدًا، وهي معصية صغرى؛ وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر. وقيل: تأوَّل آدم أن النهي كان عن شجرة معينة، فأكل من غيرها من جنسها. وقيل: لما حلف له إبليس صدَّقه؛ لأنه ظنَّ أنه لا يحلف أحدٌ كاذبًا. ﴿اهْبِطُوا﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس؛ بدليل: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ موضعُ استقرار؛ وهو في مدَّة الحياة. وقيل: في بطن الأرض بعد الموت. ﴿وَمَتَاعٌ﴾ ما يتمتَّع به.

стр. 290

﴿إِلَى حِينٍ﴾ إلى الموت. ﴿فَتَلَقَّى﴾ أي: أخذ وقَبِلَ على قراءة الجماعة. وقرأ ابن كثير بنصب "آدم" ورفع الكلمات؛ فـ ﴿تَلَقَّى﴾ - على هذا -: من اللقاء. ﴿كَلِمَاتٍ﴾ هي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]؛ بدليل ورودها في «الأعراف». وقيل غير ذلك. ﴿اهْبِطُوا﴾ كُرِّر؛ لِيُناط به ما بعده. ويحتمل: أن يكون أحدُ الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة. وأن يكون هذا الثاني: لذريّة آدم؛ لقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾، والأول: لآدم وزوجه وإبليس. وروي أن آدم نزل بسَرَنْديب من أرض الهند، وحواء بجدَّة، وإبليس بالأُبُلَّة (١). ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ «إنْ»: شرطية، و «ما» زائدة؛ للتأكيد. والهدى هنا يراد به: كتاب (٢) الله ورسالاته. ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ شرطٌ، وهو جواب الشرط الأول. وقيل: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ جواب الشرطين.

стр. 291

﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لمَّا قدَّم دعوة الناس عمومًا، وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصًا، وهم اليهود. وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾. فتارةً دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم. وتارة بالتخويف. وتارةً بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم. * فذكر من النِّعم عليهم عشرة أشياء، وهي: [١] ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]. [٢] و ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]. [٣] و ﴿بَعَثْنَاكُم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]. [٤] و ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧].

стр. 292

[٥] و ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]. [٦] و ﴿عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]. [٧] و ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. [٨] و ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]. [٩] و ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣]. [١٠] و ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]. * وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: [١] قولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]. [٢] و ﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٢]. [٣] وقولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]. [٤] و ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]. [٥] و ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]. [٦] و ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥]. [٧] و ﴿تَوَلَّيْتُم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤]. [٨] و ﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤]. [٩] و ﴿وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٥]. [١٠] و ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء: ١٥٥].

стр. 293

* وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: [١ - ٢ - ٣] ﴿مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]. [٤] و ﴿يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. [٥] و ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]. [٦] و ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥]. [٧] و ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٥٩]. [٨] و ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥]. [٩] و ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]. [١٠] و ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. وهذا كُله جرى لآبائهم المتقدمين، وخوطب به المعاصرون لمحمد ﷺ ؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم. * وقد وَبَّخ المعاصرين (١) لمحمد ﷺ بتوبيخات أخر، وهي عشرة: [١] كتمانهم أمر محمد ﷺ مع (٢) معرفتهم به. [٢] و ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦].

стр. 294

[٣] و ﴿يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. [٤ - ٥] و ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. [٦] وحرصهم على الحياة. [٧] وعداوتهم لجبريل. [٨] واتباعهم للسحر. [٩] وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨]. [١٠] وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]. ﴿نِعْمَتِيَ﴾ اسم جنس؛ فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناها عام في جميع النِّعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم، أو اختصوا هم به، كالمن والسلوى. وللمفسرين فيه أقوال؛ تُحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعمُّ جميعها. ﴿بِعَهْدِي﴾ مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود. وقيل: الإيمان بمحمد ﷺ ، وذلك قوي؛ لأنه مقصود الكلام. ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾ دخول الجنة. ﴿وَإِيَّايَ﴾ مفعول بفعل مضمر مؤخَّر؛ لانفصال الضمير، وليفيد الحصر، يفسره: ﴿فَارْهَبُونِ﴾؛ لأنَّه قد أخذ معمولَه (١).

стр. 295

وكذلك: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. ﴿بِمَا أَنزَلْتُ﴾ يعني: القرآن. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: مصدِّقًا للتوراة. * وتصديقُ القرآن للتوراة وغيرِها، وتصديقُ محمدٍ ﷺ للأنبياء المتقدمين له ثلاثة معان: أحدها: أنهم أخبروا به، ثم ظهر كما قالوا؛ فتبيَّن صدقهم في الإِخبار به. والآخر: أنه ﷺ أخبر أنهم أنبياء، وأن الله أنزل عليهم الكتب؛ فهو مصدِّقٌ لهم؛ أي: شاهدٌ بصدقهم. والثالث: أنه ﷺ وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع؛ فهو مصدق لهم؛ لاتفاقه معهم في الإِيمان بذلك. ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ الضمير عائد على القرآن. وهذا نهيٌ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر به في ثاني حالٍ؛ لأن هذا مفهوم معطَّل، بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإِيمان به؛ لما يجدون في كتبهم من ذكره، ولما يعرفون من علاماته. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الاشتراء هنا: استعارة في الاستبدال؛ كقوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾. والآيات هنا: هي الإِيمان بمحمدٍ ﷺ .

стр. 296

والثمن القليل: ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رئاستهم، وأخذ الرُّشَا على تغيير أمر محمد ﷺ ، وغير ذلك. وقيل: كانوا يعلِّمون دينهم بالأجرة فنُهوا عن ذلك. واحتجَّ الحنفية بهذه الآية على منع الأُجرة (١) على تعليم القرآن. ﴿الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الحق هنا يراد به: نبوة محمد ﷺ ، والباطل: الكفر به. وقيل: الحق: التوراة، والباطل: ما زادوا فيها. ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ معطوف على النهي. أو منصوب بإضمار «أنْ» في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع. والأول أرجح؛ لأنَّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو؛ فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده. ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنه حق. ﴿الصَّلَاةَ﴾ و ﴿الزَّكَاةَ﴾ يراد بها: صلاة المسلمين وزكاتهم؛ فهو يقتضي الأمر بالدخول في الإسلام. ﴿وَارْكَعُوا﴾ خصَّص الركوع بعد ذكر الصلاة؛ لأنَّ صلاة اليهود بلا ركوع، فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع. وقيل: الركوع: الخضوع والانقياد.

стр. 297

﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ هم المسلمون؛ فيقتضي ذلك: الأمر بالدخول في دينهم. وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة. ﴿أَتَأْمُرُونَ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود. ﴿بِالْبِرِّ﴾ عام في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس به وتركهم له. وقيل: كان الأحبار يأمرون مَنْ نصحوه في السرّ باتباع محمد ﷺ ، ولا يتَّبعونه. وقال ابن عباس: كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفونها في جحدهم منها صفة محمد ﷺ . ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ أي: تتركون، وهذا تقريع. ﴿تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ حجة عليهم. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قيل: معناه: استعينوا بهما على مصائب الدنيا، وقد روي أنَّ رسول الله ﷺ : «كان إذا حزبه (١) أمر فزع إلى الصلاة» (٢)، ونُعي إلى ابن عباس أخوه قُثَم فصلى ركعتين وقرأ الآية (٣). وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة. وقيل: الصبر هنا الصوم.

стр. 298

وقيل: الصلاة هنا الدعاء. ﴿وَإِنَّهَا﴾ الضمير عائد: على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة. أو على الاستعانة. أو على الصلاة. ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: شاقَّةٌ صعبة. ﴿يَظُنُّونَ﴾ هنا: يتيقَّنون. * * *

стр. 299

[﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾]. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي أهل زمانهم. وقيل: تفضيلٌ من وجهٍ ما، وهو كثرةُ الأنبياء و (١) غيرُ ذلكَ. ﴿لَا تَجْزِي﴾ لا تغني، و ﴿شَيْئًا﴾: مفعولٌ بهِ.

стр. 300

أو صفةٌ لمصدر محذوف. والجملة في موضع الصفة، وحُذِف الضميرُ؛ أي: فيه. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقًا؛ فإنَّ مذهب أهل الحق ثبوتُ شفاعة النبي ﷺ ، وشفاعة الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وإنما المراد: أنه لا يشفع أحدٌ إلَّا بعد أن يأذن الله له؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣]، ولقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وانظر ما ورد في الحديث أنَّ رسول الله ﷺ يسجد يوم القيامة يستأذن في الشفاعة، فيقال له: «اشفع تشفع» (١). فكلُّ ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقًا يحمل على هذا؛ لأنَّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة. ﴿عَدْلٌ﴾ هنا: فدية. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ جمع؛ لأنَّ النفس المذكورة يراد بها نفوس. ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم﴾ تقديره: اذكروا إذ نجيناكم، أي: نجينا آباءكم. وجاء الخطاب للمعاصرين للنبي ﷺ ؛ لأنهم ذريَّتهم وعلى دينهم ومتبعون لهم، فحكمهم كحكمهم، وكذلك فيما بعد هذا: من تَعداد النعم؛ لأنَّ الإنعام على الآباء إنعامٌ على الأبناء.

стр. 301

ومن ذكر مساوئهم؛ لأنَّ ذريتهم راضون بها. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ المراد: من فرعون وآله؛ وحذف لدلالة المعنى. وآل فرعون: هم جنوده وأشياعه وآل دينه، لا قرابته خاصة. ويقال: إنَّ اسمه: الوليد بن مصعب، وهو من ذرية عمليق. ويقال: «فرعون»: لكل مَنْ ولي مصر. وأصل «آل»: أهل، ثم أبدل من الهاء همزةٌ، وأبدل من الهمزة ألفٌ. * فائدة: كلُّ ما ذُكر في هذه السورة من الأخبار معجزاتٌ للنبي ﷺ ؛ لأنه أخبر بها من غير تعلُّم. ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: يُلزِمونه لكم، وهو استعارة من السَّوم في البيع. وفسَّر سوء العذاب بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ ولذلك لم يعطفه هنا. وأما حيث عطفه في سورة «إبراهيم» فيحتمل: أن يراد بـ ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ غير ذلك؛ فيكون عطف مغايرة. أو أراد به ذلك؛ وعطفه لاختلاف اللفظ. وكان سبب قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل: أنه أخبره الكهان والمنجمون أنَّ هلاكه على يد مولود ذكرٍ من بني إسرائيل.

стр. 302

وقيل: إنَّ آل فرعون تذاكروا وعد الله لإبراهيم بأن يجعل في ذرّيته ملوكًا وأنبياء فحسدهم (١) على ذلك. وروي: أنه وكَّل بالنساء رجالًا يحفظون من يحمل منهنَّ (٢). وقيل: بل وكَّل على ذلك القوابل؛ ولأجل هذا قيل: معنى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: يُفتّشون الحيا من كل امرأة، وهو فرجها، وهذا بعيد. والأظهر: أنه من الحياة ضدَّ الموت. ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ أي: فصلناه، وجعلناه فِرَقًا، اثني عشر طريقًا، على عدد الأسباط. والباء: سببية، أو للمصاحبة. والبحر المذكور هنا: هو بحر القُلْزُوم. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ هي: شهر ذي قعدة وعشر ذي الحجة. وإنما خصَّ الليالي بالذكر لأنَّ التاريخ بها، والأيام تابعة لها، والمراد: أربعين ليلة بأيامها. ﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: اتخذتموه إلها؛ فحذف لدلالة المعنى. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: (٣) بعد غيبته في الطُّور. ﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: التوراة.

стр. 303

﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ أي: المفرّق بين الحق والباطل، وهو صفة للتوراة؛ عطف عليها لاختلاف اللفظ. وقيل: الفرقان هنا: فَرَق البحر. وقيل: المعنى: آتينا موسى الكتاب، وآتينا محمّدًا الفرقان؛ وهذا بعيد؛ لما فيه من الحذف من غير دليل عليه. ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ أي: يقتل بعضكم بعضًا؛ كقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. وروي: أن من لم يعبد العجل قُتل من عبده (١). وروي: أنَّ الظلام أُلْقي عليهم فقتل بعضهم بعضًا، حتى بلغ القتلى سبعين ألفًا، فعفا الله عنهم (٢). وإنما خصَّ هنا اسم البارئ؛ لأن فيه توبيخًا للذين عبدوا العجل؛ كأنه يقول: كيف عبدتم غير الذي برأكم. ومعنى البارئ: الخالق. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ قبله محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، وهو فحوى الخطاب، أي: ففعلتم ما أُمرتم به من القتل فتاب عليكم. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ تعدَّى باللام؛ لأنه تضمَّن معنى الانقياد. ﴿جَهْرَةً﴾ عيانًا. ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ الموت.

стр. 304

وكانوا سبعين، وهم الذين اختارهم موسى وحملهم إلى الطور، فسمعوا كلام الله، ثم طلبوا الرؤية فعوقبوا؛ لسوء أدبهم، وجرأتهم على الله. ﴿وَظَلَّلْنَا﴾ أي: جعلنا الغمام فوقهم كالظُّلة يقيهم حرَّ الشمس، وكان ذلك في التِّيه. وكذلك أنزل عليهم فيه المنَّ والسلوى لما عَدِموا الطعام. وقد فسَّرنا ﴿الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ في «اللغات» (١). ﴿كُلُوا﴾ معمول لقول محذوف. ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ بيت المقدس، وقيل: أريحاء، وقيل: قريب من بيت المقدس. ﴿فَكُلُوا﴾ جاء هنا بالفاء التي للترتيب؛ لأن الأكل بعد الدخول فيها. وجاء في «الأعراف» بالواو بعد قوله: ﴿اسْكُنُوا﴾؛ لأن الأكل مقارن للسكنى. ﴿سُجَّدًا﴾ قيل: معناه رُكَّعًا؛ لأن الدخول لا يتأتَّى معه السجود. وقيل: متواضعين. ﴿حِطَّةٌ﴾ تقدَّم في «اللغات» (٢). ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: نزيدهم أجرًا إلى المغفرة.

стр. 305

﴿فَبَدَّلَ﴾ روي أنه قالوا: حنطة. وروي: حبة في شعرة. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: المذكورين، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ لقصد ذمهم بالظلم. وكرَّره زيادة في تقبيح أمرهم. ﴿رِجْزًا﴾ روي أنهم أصابهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفًا. * * *

стр. 306

[﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾]. ﴿اسْتَسْقَى﴾ طَلَبَ السُّقْيا لمَّا عطشوا في التيه. ﴿الْحَجَرَ﴾ كان مربَّعًا؛ ذراعًا في ذراع، تنفجر من كل جهة ثلاث عيون. وروي: أنَّ آدم كان أهبطه من الجنة. وقيل: هو جنس غير معيَّن؛ وذلك أبلغ في الإعجاز. ﴿فَانفَجَرَتْ﴾ قبله محذوف تقديره: فضربه فانفجرت. ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ أي: موضع شربهم، وكانوا اثني عشر سِبْطًا؛ لكل سبط عينٌ. ﴿كُلُوا﴾ أي: من المنِّ والسلوى. ﴿وَاشْرَبُوا﴾ من الماء المذكور. ﴿وَفُومِهَا﴾ هي الثوم. وقيل: الحنطة. ﴿أَدْنَى﴾ من الدنيء الحقير. وقيل: أصله «أدون»، ثم قُلب بتأخير عينه وتقديم لامه.

стр. 307

﴿مِصْرًا﴾ قيل: البلد المعروف؛ وصُرِف لسكون وسطه. وقيل: هو غير معين فهو نكرة؛ لما روي أنهم نزلوا بالشام. والأول أرجح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] يعني: مصر. ﴿وَضُرِبَتْ﴾ أي قُضِي عليهم بها، وأُلزموها. وجعله الزمخشري استعارة؛ مِنْ ضربِ القُبَّة؛ لأنها تعلو الإنسان وتحيط به (١). ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ الفاقة، وقيل: الجزية. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارة إلى: ضرب الذِّلَّة، والمسكنة، والغضب. والباء للتعليل. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات المتلوة، أو العلامات. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ معلوم أنه لا يقتل نبيٌّ إلا بغير حق، وإنما نصَّ عليه تشنيعًا لقبح فعلهم، ولأنهم اجترؤوا على قتلهم مع معرفتهم بأنه بغير حق؛ وذلك أقبح. * فائدة: قال هنا: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بالتعريف، فاللام للعهد؛ لأنه قد تقرَّرت الموجبات لقتل النفس. وقال في الموضع الآخر من «آل عمران»: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ٢١]

стр. 308

بالتنكير؛ لاستغراق النفي؛ لأن تلك نزلت في المعاصرين لمحمد ﷺ . ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ يحتمل: أن يكون تأكيدًا للأول. أو تكون الإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى القتل والكفر، والباء لتعليل ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: اجترأوا على الكفر وقتل الأنبياء لمَّا انهمكوا في العصيان والعدوان. * * *

стр. 309

[﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية: قال ابن عباس: نسخها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقيل: معناها: إنَّ هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيمانًا صحيحًا فله أجره؛ فيكون في حق المؤمنين: الثبات إلى الموت، وفي حق غيرهم: الدخول

стр. 310

في الإسلام؛ فلا نسخ. وقيل: إنها فيمن كان قبل بعث النبي ﷺ ؛ فلا نسخ. ﴿مَنْ آمَنَ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، والجملة خبر ﴿إِنَّ﴾. أو: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بدل، و ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها؛ فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن لم تأخذوها وقع عليكم. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ جدّ في تعلم التوراة، أو العمل بها. ﴿اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ اصطادوا فيه الحوت، وكان محرّمًا عليهم. ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ عبارةٌ عن مسخهم. و ﴿خَاسِئِينَ﴾: صفة، أو خبر ثان؛ ومعناه: مُبْعَدين كما يُخسأ الكلب. ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ الضمير للفعلة؛ وهي المسخ. ﴿نَكَالًا﴾ أي: عقوبةً لما تقدّم من ذنوبهم وما تأخّر. وقيل: عبرةً لمن تقدّم ومن تأخّر. ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قصَّتُها: أن رجلًا من بني إسرائيل قَتل قريبَه ليرثه، وادَّعى على قوم أنهم قتلوه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا، فقام وأخبر بمن قتله، ثم عاد ميتًا. ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ جفاءً وقلَّة أدب، أو تكذيب. ﴿فَارِضٌ﴾ مسنّةٌ.

стр. 311

﴿بِكْرٌ﴾ صغيرة. ﴿عَوَانٌ﴾ متوسطة. ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين ما ذُكر؛ ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ﴾ مع أن الإشارة إلى شيئين. ﴿صَفْرَاءُ﴾ من الصفرة المعروفة. وقيل: سوداء؛ وهو بعيد. والظاهر: صفراء كلُّها. وقيل: القرن والظلف فقط؛ وهو بعيد. ﴿فَاقِعٌ﴾ شديد الصفرة. ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ لحسن لونها. وقيل: لِسِمَنِها ومنظرها كلِّه. ﴿لَا ذَلُولٌ﴾ أي: غير مذلَّلةٍ للعمل. ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: تحرثها، وهو داخل تحت النفي على الأصح. ﴿وَلَا تَسْقِي﴾ لا يسقى عليها. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العمل، أو من العيوب. ﴿لَا شِيَةَ﴾ لا لُمعة غير الصفرة؛ وهو من «وشَى»؛ ففاؤه واو محذوفة، كعِدَةٍ. ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ العامل في الظرف: ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.

стр. 312

وقيل: العامل فيه مضمر تقديره: الآن نذبحها. والأول أظهر. فإن كان قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ تكذيبًا: فهذا تصديق. وإن كان غير ذلك فالمعنى: بالحق البين. ﴿وَمَا كَادُوا﴾؛ لعصيانهم وكثرة سؤالهم عن شأنها. أو لغلاء البقرة؛ فقد جاء أنها كانت ليتيم، وأنهم اشتروها بوزنها ذهبًا. أو لقلة وجود تلك الصفات؛ فقد روي أنهم لو ذبحوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشُدّد عليهم. ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ هو أوّل قصة البقرة؛ فرتبته التقديم قبل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾!. قال الزمخشري: إنما أُخّر لتعدّد توبيخهم بقصتين؛ وهما: ترك المسارعة إلى الأمر، وقتل النفس؛ ولو قدّم لكان قصةً واحدة بتوبيخ واحد (١). ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ أي اختلفتم؛ وهو من المدارأة؛ أي: المدافعة. ﴿مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ من أمر القتيل، ومَن قتله. ﴿اضْرِبُوهُ﴾ القتيل، أو قبره. ﴿بِبَعْضِهَا﴾ مطلقٌ. وقيل: الفَخِذ. وقيل: اللسان. وقيل: الذنَب. ﴿كَذَلِكَ﴾ إشارة إلى حياة القتيل، واستدلالٌ بها على الإحياء للبعث.

стр. 313

وقبله محذوف لا بدَّ منه؛ وهو: ففعلوا ذلك فقام القتيل. * فائدة: استدلَّ المالكية بهذه القصة على قبول قول المقتول: «فلان قتلني»؛ وهو ضعيف؛ لأن هذا المقتول قام بعد موته ومعاينة الآخرة، وقصَّته معجزة لنبيٍّ، فلا يتأتَّى أن يكذب المقتول، بخلاف غيره واستدلوا -أيضًا- بها على أن القاتل لا يرث؛ ولا دليل فيها على ذلك. ﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ خطاب لبني إسرائيل. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد إحياء القتيل، وما جرى في القصة من العجائب. وذلك بيانٌ لقبح قسوة قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات. ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ عطف على موضع الكاف. أو: خبر ابتداء؛ أي: هي أشَدُّ. و ﴿أَوْ﴾ هنا إمَّا: للإبهام. أو للتخيير؛ كأنَّ من علم حالها مخيَّرٌ بين أن يشبهها بالحجارة، أو بما هو أشد قسوة، كالحديد. أو للتفصيل؛ أي: فيهم كالحجارة، وفيهم أشَدُّ. وإنما قال: ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ولم يقل «أقسى» مع أن فعل القسوة يبنى منه «أفعل»: لكون ﴿أَشَدُّ﴾ أدلَّ على فرط القسوة.

стр. 314

﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ الآية: تفضيلٌ للحجارة على قلوبهم. ﴿يَهْبِطُ﴾ أي: يتردَّى من عُلُو إلى سُفْل (١). والخشية: عبارة عن انقيادها. وقيل: حقيقة؛ وأن كل حجر يهبط فمن خشية الله. * * *

стр. 315

[﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾]. ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ خطاب للمؤمنين. و ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ يعني: اليهودَ، وتعدَّى باللام؛ لما تضمن معنى الانقياد. ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ السبعون الذي سمعوا كلام الله على الطور، ثم حرفوه. وقيل: بنو إسرائيل، حرفوا التوراة. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) بيانٌ لقبح فعلهم. ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ قالها من ادَّعى الإسلام من اليهود. وقيل: قالوها ليدخلوا إلى المؤمنين ويسمعوا أخبارهم.

стр. 316

﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ توبيخٌ. ﴿بِمَا فَتَحَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: بما حكم عليهم من العقوبات. وبما في كتبهم من ذكر محمد ﷺ . وبما فتح الله عليهم من الخير والإنعام. وكلُّ وجهٍ حجةٌ عليهم؛ ولذلك قالوا: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ﴾. ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: في الآخرة. وقيل: أي: في حكم ربكم وما أنزل في كتابه؛ فعنده بمعنى: حكمه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من بقية كلامهم؛ توبيخًا لقومهم. ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية: من كلام الله؛ ردًّا عليهم، وفضيحةً لهم. ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: لا يقرؤون ولا يكتبون؛ فهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾. والمراد: قوم من اليهود. وقيل: من المجوس؛ وهذا غير صحيح؛ لأن الكلام كلَّه مع اليهود. ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ تلاوةً بغير فهم، أو أكاذيب، أو ما تتمناه النفس. ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ تحقيق لافترائهم. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عرَضَ الدنيا؛ من الرئاسة، أو (١) الرشوة، وشبه ذلك.

стр. 317

﴿يَكْسِبُونَ﴾ من الدنيا، أو من الذنوب. ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أربعين يومًا عددَ عبادتهم العجل. وقيل: سبعة أيام. ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ الآيةَ: تقريرٌ يقتضي إبطال قولهم. ﴿بَلَى﴾ تحقيقٌ: لطول مكثهم في النار. أو لقولهم ما لا يعلمون. ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيةُ في الكفار؛ لأنها ردٌّ على اليهود، ولقوله بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة في النار.

стр. 318

[﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾]. ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ جوابٌ لقسم (١)؛ يدلُّ عليه: الميثاق. وقيل: خبر بمعنى النهي؛ ويرجحه قراءة: «لا تعبدوا». وقيل: الأصل: «بأن لا تعبدوا»، ثم حذفت الباء، و «أنْ». ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ يتعلق بـ ﴿إِحْسَانًا﴾. أو: بمحذوف، تقديره: أحسنوا، ووُكِّد بـ ﴿إِحْسَانًا﴾. ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ القرابة. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم؛ وهو من فقد والده قبل البلوغ. واليتيم من سائر الحيوان: مَنْ فقد أمه.

стр. 319

وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهمّ: فقدَّم الوالدين؛ لحقّهما الأعظم، ثم القرابة؛ لأن فيهم أجرُ الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى؛ لقلة حيلتهم، ثم المساكين. ﴿لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا يسفك بعضكم دم بعض. وإعرابه: مثل: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يخرج بعضكم بعضًا. ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق، واعترفتم بلزومه. ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بأخذ الميثاق عليكم. ﴿هَؤُلاء﴾ منصوب -على التخصيص- بفعل مضمر. وقال ابن الباذش (١): مبتدأ، وخبره ﴿أَنتُمْ﴾، و ﴿تَقْتُلُونَ﴾ حالٌ لازمة تمّ بها المعنى (٢). ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنَّضير حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، وينفيه من موضعه إذا ظفر به. ﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ أي: تتعاونون.

стр. 320

﴿تُفَادُوهُم﴾ قرئ: بالألف وبحذفها؛ والمعنى واحد. وكذلك ﴿أُسَارَى﴾ بالألف وحذفها؛ جمع أسير. ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ الضمير: للإخراج من ديارهم، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مُحَرَّمٌ﴾، و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ بدل. أو: الضمير للأمر والشأن، و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبره، والجملة خبر الضمير. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ فداؤهم الأسارى؛ موافقةً لما في كتابهم (١). ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ القتلُ والإخراج من الديار؛ مخالفةً لما في كتابهم. ﴿خِزْيٌ﴾ الجزية، أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلقٌ.
следующие страницы →