فأما الرقبة: فاشترط مالك أن تكون مؤمنة؛ لأن مذهبه حمل المطلق على المقيد، وجاءت هنا مطلقة، وجاءت في كفارة القتل مقيدة بالإيمان.
وأما صيام الشهرين: فاشترط فيه التتابع، فإن أفسد الصائم التتابع باختياره: ابتدأه من أوله باتفاق.
وإن أفسده بعذر كالمرض والنسيان:
فقال مالك: يبني على ما كان معه.
وقال أبو حنيفة: يبتدئ.
وروي القولان عن الشافعي.
وأما الإطعام: فمشهور مذهب مالك: أنه مدٌّ لكل مسكين بمد هشام (١)، واختلف في مد هشام:
فقيل: إنه مدَّان غيرُ ثلث بمد النبي ﷺ .
وقيل: إنه مدٌّ وثلث.
وقيل: إنه مدان.
وقال الشافعي وابن القصَّار: يطعم مدًّا بمد النبي ﷺ لكل مسكين.
ولا يجزئه إلا كمال عدد الستين، فإن أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا: لم يُجْزِه عند مالك والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة، وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين.
стр. 2557
والطعام يكون من غالب قوت البلد.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ مذهب مالك والجمهور: أن المسيس هنا يراد به الوطء وما دونه من اللمس والتقبيل، فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئًا من ذلك حتى يكفِّر.
وقال الحسن والثوري: أراد الوطء خاصة، فأباحا ما دونه قبل الكفارة.
وذكر الله قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في التحرير والصوم، ولم يذكره في الإطعام، فاختلف العلماء في ذلك:
فحمل مالك الإطعام على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلا قبل المسيس، وجعل ذلك من المطلق الذي يحمل على المقيد.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمظاهر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة؛ لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس.
﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا﴾ قال ابن عطية: الإشارة إلى الرخصة في النقل من التحرير إلى الصوم (١).
وقال الزمخشري: المعنى: ذلك البيان والتعليم لتؤمنوا (٢)، وهذا أظهر؛ لأنه أعم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾ أي: يخالفون ويعادون.
﴿كُبِتُوا﴾ أي: أُهلكوا.
стр. 2558
وقيل: لعنوا.
وقيل: كُبِت الرجل: إذا بقي خَزْيان.
ونزلت الآية في المنافقين واليهود.
بينهم ويتغامزون على المؤمنين، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك فعادوا. وقيل: نزلت في المنافقين.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا من فعل اليهود.
والأحسن أن يريد اليهود والمنافقين معًا؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فنزلت في الطائفتين.
﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ كانت اليهود يأتون رسول الله ﷺ فيقولون: «السام عليك يا محمد»، بدلًا من «السلام عليكم (١)»، والسام: الموت، وهو ما أرادوه بقولهم، فكان رسول الله ﷺ يقول لهم: «وعليكم»، فسمعتهم عائشة يومًا فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : «مهلًا يا عائشة!؛ إن الله يكره الفحش والتفحش»، قالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال: «أما سمعت ما قلت لهم؟ إني قلت: وعليكم (٢)».
ويريد بقوله: ﴿بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾: قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩].
﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: لو كان نبيًا لعذَّبنا الله بإذايته، فقال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: يكفيهم ذلك عذابًا.
﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل (٣): يعني: النجوى
стр. 2561
بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وحذف وصفها بذلك؛ لدلالة الأول عليه.
وقيل: أراد نجوى اليهود والمنافقين، ويؤيد هذا قوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَلِسِ فَافْسَحُوا﴾ اختلف في سبب الآية: فقيل: نزلت في مقاعد الحرب والقتال.
وقيل: نزلت بسبب ازدحام الناس في مجلس رسول الله ﷺ وحرصهم على القرب منه.
وقيل: أقام النبي ﷺ قومًا ليُجلسَ أشياخًا من أهل بدر في مواضعهم، فنزلت الآية.
ثم اختلف هل هي مقصورة على مجلس النبي ﷺ أو هي عامة في جميع المجالس؟
فقال قوم: إنها مخصوصة، ويدلُّ على ذلك قراءة ﴿الْمَجْلِسِ﴾ بالإفراد.
وذهب الجمهور إلى أنها عامة، ويدل على ذلك قراءة ﴿الْمَجَالِسِ﴾ بالجمع، وهذا هو الأصح، ويكون ﴿الْمَجْلِسِ﴾ بالإفراد على هذا للجنس.
والتفسُّح المأمور به: هو التوسع دون القيام، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «لا يقم أحدٌ أحدًا من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا» (١).
стр. 2562
وقد اختلف في هذا النهي عن القيام من المجلس لأحد؛ هل هو على التحريم أو الكراهة؟
﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: يوسّع لكم في جنته ورحمته.
﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا﴾ أي: إذا قيل لكم: ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك.
واختلف في هذا النشوز المأمور به:
فقيل: إذا دُعوا إلى قتال أو صلاة أو فعل طاعةٍ.
وقيل: إذا أُمروا بالقيام من مجلس رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان يحب الانفراد أحيانًا، وربما جلس قوم حتى يؤمروا بالقيام. وقيل: المراد: القيام في المجلس للتوسع.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فيها قولان:
أحدهما: يرفع اللهُ المؤمنين العلماء درجاتٍ، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ صفة لـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، كقولك: «جاءني العاقل والكريم»، وأنت تريد رجلًا واحدًا.
والثاني: يرفع اللهُ المؤمنين والعلماء الصنفين جميعًا درجاتٍ.
فالدرجات:
على الأول: للمؤمنين بشرط أن يكونوا علماء.
وعلى الثاني: للمؤمنين الذين ليسوا علماء، وللعلماء أيضًا، ولكن
стр. 2563
بين درجات العلماء وغيرهم تفاوت يؤخذ من موضع آخر، كقوله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» (١)، وقوله ﷺ : «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلًا» (٢)، وقوله ﷺ : «يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» (٣) فإذا كان لهم فضل على العابدين والشهداء، فما ظنك بفضلهم على سائر المؤمنين!.
﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال ابن عباس: سببها أن قومًا من شبان المسلمين كثرت مناجاتهم للنبي ﷺ في غير حاجة، إلا لتظهر (٤) منزلتهم، وكان النبي ﷺ سَمْحًا لا يرد أحدًا، فنزلت الآية مشَدَّدةً في أمر المناجاة.
وقيل: سببها: أن الأغنياء غلبوا الفقراء على مناجاته ﷺ .
وهذه الآية منسوخة باتفاق، نسخها قوله بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية، فأباح الله لهم المناجاة دون تقديم صدقة، بعد أن كان قد أوجب تقديم الصدقة قبل مناجاته ﵇.
واختُلف هل كان هذا النسخ بعد أن عُمِل بالآية أم لا؟
فقال قوم: لم يعمل بها أحد.
стр. 2564
وقال قوم: عمل بها عليّ بن أبي طالب ﵁ ?؛ فإنه روي أنه كان له دينار فصرفه بعشرة دراهم وناجاه عشر مرات، تصدق في كل مرة منها بدرهم، وقيل: تصدق في كل مرة بدينار.
ثم أنزل الله الرخصة لمن كان قادرًا على الصدقة، وأما من لم يجد فالرخصة لم تزل ثابتة له بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ التوبة هنا يراد بها:
عفو الله عنهم في تركهم للصدقة التي أمروا بها.
أو (١) تخفيفها بعد وجوبها.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم، دون ما كنتم قد كُلّفتم من الصدقة عند المناجاة.
стр. 2565
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾].
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ نزلت في قوم من المنافقين تولوا قومًا من اليهود، وهم الذين غضب الله عليهم.
﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ يعني: أن المنافقين ليسوا من المسلمين، ولا من اليهود، فهو كقوله فيهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣].
﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا على سوء أقوالهم وأفعالهم حلفوا أنهم ما قالوا ولا فعلوا، وقد صدر ذلك منهم مرارًا كثيرة هي مذكورة في السير وغيرها.
стр. 2566
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أصل الجُنَّة: ما يُستتَر به ويُتَّقَى به المحذورُ كالتُّرْسِ ثم استُعمل هنا استعارةً؛ لأنهم كانوا يظهرون الأيمان لتُعصم دماؤهم وأموالهم.
وقرى ﴿اتَّخَذُوا إِيْمَانَهُمْ﴾ بكسر الهمزة.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: غلب عليهم وتملَّك نفوسهم.
﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾ أي: في جملة الأذلين؛ أي: معهم.
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ أي: قضى وقدَّر.
﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآية؛ معناها: لا تجد مؤمنًا يحب كافرًا ولو كان أقرب الناس إليه، وهذه حال المؤمن الصادق الإيمان، ولذلك كان الصحابة ﵃ يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم إذا كانوا كفارًا، فقد قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه يوم أحد، وقتل مصعب بن عمير أخاه عزيز (١) بن عمير يوم أحد، ودعا أبو بكر الصديق ابنه يوم بدر للبراز فأمره النبي ﷺ أن يقعد.
وقيل: إن الآية نزلت في حاطب حين كتب إلى المشركين يخبرهم بأخبار رسول الله ﷺ .
والأحسن أنها على العموم.
وقيل: نزلت فيمن يصحب السلطان، وذلك بعيد.
﴿يُوَادُّونَ﴾ هذه مفاعلة من المودَّة، فتقضي أن المودَّة من الجهتين.
﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ أي: عاداه وخالفه.
стр. 2567
﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أي: أثبته فيها كأنه مكتوب.
﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي: بلطف وهدى وتوفيق.
وقيل: بالقرآن.
وقيل: بجبريل.
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ هذه (١) في مقابلة قوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾.
والحزب: هم الجماعة المتحزبون لمن أُضيفوا إليه.
стр. 2568
(سورة الحشر)
نزلت هذه السورة (١) في اليهود (٢) بني النَّضير، وكانوا في حصون بمقربة من المدينة، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فأرادوا غدره، فأطلعه الله على ذلك فخرج إليهم وحاصرهم إحدى وعشرين ليلة حتى صالحوه على أن يخرجوا من حصونهم، فخرجوا منها وتفرقوا في البلاد.
[﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
стр. 2569
وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾].
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: بني النضير.
﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ في معناه أربعة أقوال:
أحدها: أنه حشر القيامة، أي: خروجهم من حصونهم أولُ الحشرِ، والقيامُ من القبورِ آخرهُ، وروي في هذا المعنى: أن رسول الله ﷺ قال لهم: «امضوا هذا أول الحشر، وأنا على الأثرِ» (١).
الثاني: أن المعنى: لأول موضع الحشر وهو الشامُ، وذلك أن أكثر بني النضير خرجوا إلى الشام، وقد جاء في الأثر: أن حشرَ (٢) القيامةِ إلى أرضِ الشامِ.
وروي في هذا المعنى: أن النبي ﷺ قال لبني النضير: «اخرجوا». قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» (٣).
стр. 2570
الثالث: أن المراد: الحشر في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فإخراجهم من حصونهم: أول الحشر، وإخراج أهل خيبر: آخره.
الرابع: أن معناه: إخراجهم (١) من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم؛ لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله ﷺ .
وقال الزمخشري: اللام في قوله: ﴿لِأَوَّلِ﴾ بمعنى: «عند»، كقولك: جئت لوقت كذا (٢).
﴿مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ يعني: لكثرة عدتهم ومنعة حصونهم.
﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ﴾ عبارة عن أخذ الله لهم.
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أما إخراب المؤمنين: فهو هدم أسوار الحصون ليدخلوها، وأسند ذلك إلى الكفار في قوله: ﴿يُخْرِبُونَ﴾؛ لأنه كان بسبب كفرهم وغدرهم.
وأما إخراب الكفار لبيوتهم فثلاثة مقاصد:
أحدها: حاجتهم إلى الخشب والحجارة؛ ليسدوا بها أفواه الأزقة ويحصنوا ما خرَّبه المسلمون من الأسوار.
والآخر: ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسواري وغير ذلك.
والثالث: أن لا تبقى مساكنهم مبنيةً للمسلمين، فهدموها شحًّا عليهم.
стр. 2571
﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ استدلَّ الذين أثبتوا القياس في الفقه بهذه الآية، واستدلالهم بها ضعيف خارج عن معناها.
﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ الجلاء: هو الخروج عن الوطن، فالمعنى: لولا أن كتب الله على بني النضير خروجهم عن أوطانهم لعذبهم في الدنيا بالسيف كما فعل بإخوانهم بني قريظة، ولهم مع ذلك عذاب النار.
﴿شَاقُّوا﴾ ذكر في «الأنفال» (١).
﴿مَا قَطَعْتُم مِن لِينَةٍ﴾ اللينة: هي النخلة.
وقيل: هي الكريمة من النخل.
وقيل: النخلة التي ليست بعَجْوة.
وقيل: ألوان النخل المختلطة.
وسبب الآية: أن رسول الله ﷺ لما نزل على حصون بني النضير قطع المسلمون بعض نخلهم، وأحرقوا، فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد!، فنزلت الآية مُعْلِمةً أن كل ما جرى من قطع أو إمساك فإن الله أذن للمسلمين في ذلك؛ ليخزي الفاسقين بني النضير.
واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب، فإن الله قد صوب فعل من قطع النخل ومن تركها.
стр. 2572
واختلف العلماء في قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم:
فأجازه الجمهور؛ لهذه الآية، ولإقرار رسول الله ﷺ على تحريق نخل بني النضير.
وكرهه قوم؛ لوصية أبي بكر الصديق ﵁ الجيش الذي وجههم (١) إلى الشام أن لا يقطعوا شجرًا مثمرًا.
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ معنى ﴿أَفَاءَ اللَّهُ﴾: جعله فيئًا لرسول الله ﷺ .
و ﴿أَوْجَفْتُمْ﴾ من الوجيف، وهو سرعة السير.
والركاب: هي الإبل.
والمعنى: أن ما أعطى الله رسوله من أموال بني النضير لم يمش المسلمون إليه بخيل ولا إبل ولا تعبوا فيه، ولا حصّلوه بقتال، ولكن حصل بتسليط رسوله ﷺ على بني النضير، فأعلم الله من هذه الآية أن ما أخذ لبني النضير (٢) وما أُخذ من فَدَك فهو فيءٌ خاص للنبي (٣) ﷺ ، يفعل فيه ما يشاء؛ لأنه لم يُوجَف عليها، ولا قوتلت كبير قتال، فهي بخلاف الغنيمة التي تؤخذ بالقتال، فأخذ رسول الله ﷺ لنفسه من أموال بني النضير قوت عياله، وقسم سائرها في المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئًا، غير أن أبا دُجانة وسهل
стр. 2573
ابن حنيف شَكَوْا فاقة فأعطاهما رسول الله ﷺ منها، هذا قول جماعة.
وقال عمر بن الخطاب: كان رسول الله ﷺ ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في السلاح والكُراع عدة في سبيل الله.
قال قوم من العلماء: وكذلك كل ما فتحه الأئمة مما لم يوجف عليه، فهو لهم خاصة يأخذون منه حاجتهم ويصرفون باقيه في مصالح المسلمين.
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية؛ اضطرب الناس في تفسير هذه الآية وحكمها اضطرابًا عظيمًا، فإن ظاهرها: أن الأموال التي تؤخذ للكفار تكون لله وللرسول ومن ذكر بعد ذلك ولا يُخرج منها خمسٌ، ولا تقسم على من حضر الوقيعة، وذلك يعارض ما ورد في «الأنفال» من إخراج الخمس، وقسمة سائر الغنيمة على من حضر الوقيعة!
فقال بعضهم: إن هذه الآية منسوخة بآية «الأنفال»، وهذا خطأ؛ لأن آية «الأنفال» نزلت قبل هذه بمدة.
وقال بعضهم: إن آية «الأنفال» في الأموال التي تغنم ما عدا الأرض، وإن هذه الآية في أرض الكفار، قالوا: ولذلك لم يقسم عمر بن الخطاب ﵁ أرض مصر والعراق بل تركها لمصالح المسلمين، وهذا التخصيص لا دليل عليه.
وقيل غير ذلك.
والصحيح: أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين آية «الأنفال»:
فإن آية «الأنفال» في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل
стр. 2574
والركاب، فهذا يخرج منه الخمس ويقسم (١) بقيته على الغانمين.
وأما هذه الآية: ففي حكم الفيء، وهو ما يؤخذ من أموال الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وإذا كان كذلك، فكل واحدة من الآيتين في معنى غير معنى الأخرى، ولها حكم غير حكم الأخرى فلا تعارض بينهما ولا نسخ.
وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء وفي «الأنفال» لفظ الغنيمة، وقد تقرر في الفقه الفرق بين الغنيمة والفيء، وأن حكمهما مختلف.
قال أبو محمد ابن الفرس: وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه، وهو أظهر الأقوال (٢).
وأما فعل عمر في أرض مصر والعراق، فالصحيح: أنه فعل ذلك لمصلحة المسلمين بعد استطابة نفوس الغانمين.
فقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يريد بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب كما كانت أموال بني النضير، ولكنه حذف هذا؛ لقوله في الآية قبل هذا: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، فاستغنى بذكر ذلك أولا عن ذكره ثانيا، ولذلك لم تدخل الواو العاطفة في أول هذه الجملة؛ لأنها من تمام الأولى فهي غير أجنبية منها، فإنه بين في الآية الأولى حكم أموال بني النضير، وبين في هذه حكم ما كان مثلها من أموال غيرهم على العموم.
стр. 2575
ويصرف الفيء فيما يصرف فيه خمس الغنائم؛ لأن الله سوّى بينهما في قوله: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وقد ذكرنا ذلك في «الأنفال» فأغنى عن إعادته.
وقد ذكرنا في «الأنفال» معنى قوله: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ وما بعد ذلك (١).
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ أي: كي لا يكون الفيءُ الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولةً ينتفع به الأغنياء دون الفقراء، وذلك أن رسول الله ﷺ قسّم أموال بني النضير على المهاجرين فإنهم كانوا حينئذ فقراء، ولم يعط الأنصار منها شيئًا، فإنهم كانوا أغنياء، فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء، فأنزل الله هذه الآية.
والدولة - بالضم والفتح -: ما يدول الإنسان (٢)؛ أي: يدور عليه من الخير.
ويحتمل أن يكون من المداولة؛ أي: كي لا يتداول ذلك المال الأغنياء بينهم، ويبقى الفقراء بلا شيء.
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ نزلت بسبب الفيء المذكور، أي: ما آتاكم الرسول من الفيء فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فكأنها أمرٌ للمهاجرين بأخذ الفيء ونهيٌ للأنصار عنه.
ولفظ الآية مع ذلك عامٌّ في أوامر رسول الله ﷺ ونواهيه، ولذلك استدلَّ
стр. 2576
بها عبد الله بن مسعود على أن المنع من لبس المُحْرِمِ المخيط، ولعنَ الواشمة والواصلة: في القرآن؛ لورود ذلك عن رسول الله ﷺ (١).
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ هذا بدلٌ من قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ ليبين بذلك أن المراد المهاجرون، ووصفهم بأنهم ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾؛ لأنهم هاجروا من مكة وتركوا فيها أموالهم وديارهم.
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هم الأنصار، و ﴿الدَّارَ﴾: هي المدينة؛ لأنها كانت بلدهم، والضمير في ﴿قَبْلِهِمْ﴾ للمهاجرين.
فإن قيل: كيف قال ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ وإنما تُتبوَّأُ الدار -أي: تُسكن- ولا يُتبوأ الإيمان؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن معناه: تبوؤوا الدار وأخلصوا الإيمان فهو كقوله:
فعلفتها (٢) تبنًا وماء باردًا (٣)
تقديره: علفتها تبنًا وسقيتها ماء.
الثاني: أن المعنى: أنهم جعلوا الإيمان كأنه موطنٌ لهم؛ لتمكنهم فيه، كما جعلوا المدينة كذلك.
стр. 2577
فإن قيل: قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يقتضي أن الأنصار سبقوا المهاجرين بنزول المدينة وبالإيمان، فأما سبقهم لهم بنزول المدينة فلا شك فيه؛ لأنها كانت بلدهم، وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل؛ لأن أكثر المهاجرين أسلموا قبل الأنصار.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه أراد بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من قبل هجرتهم.
والآخر: أنه أراد: تبوؤوا الدار مع الإيمان معًا؛ أي: جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان لا بتبوُّئ (١) الدار، فيكون: ﴿الإِيمَانَ﴾ على هذا مفعولًا معه، وهذا الوجه أحسن؛ لأنه جواب عن هذا السؤال، وعن السؤال الأول، فإنه إذا كان ﴿الإِيمَانَ﴾ مفعولًا معه لم يلزم السؤال الأول؛ إذ لا يلزم إلا إذا كان ﴿الإِيمَانَ﴾ معطوفًا على ﴿الدَّارَ﴾.
﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ قيل: إن الحاجة هنا: بمعنى الحسد.
ويحتمل أن تكون بمعنى الاحتياج على أصلها.
والضمير في ﴿يَجِدُونَ﴾ للأنصار، وفي ﴿أُوتُوا﴾ للمهاجرين، والمعنى: أن الأنصار تطيب نفوسهم بما يعطاه المهاجرون من الفيء وغيره، فلا يجدون في صدورهم شيئًا بسبب ذلك.
стр. 2578
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي: يؤثرون غيرهم بالمال على أنفسهم ولو كانوا في غاية الاحتياج.
والخصاصة: هي الفاقة.
وروي أن سبب هذه الآية: أن رسول الله ﷺ لما قسم هذه القرى على المهاجرين دون الأنصار قال للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه» فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة (١).
وروي أيضًا أن سببها: أن رجلًا من الأنصار أضاف رجلًا من المهاجرين فذهب الأنصاري بالضيف إلى منزله فقالت له امرأته: والله ما عندنا إلا قوت الصبيان، فقال لها: نوّمي صبيانك وأطفئي السراج، وقدّمي ما عندك للضيف، ونوهمه نحن أنا نأكل ولا نأكل، ففعلا ذلك، فلما غدا على رسول الله ﷺ قال له: «عجب الله من فعلكما البارحة» ونزلت الآية (٢).
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ شُحُّ النفس: هو البخل والطمع.
وفي هذا إشارةٌ إلى أن الأنصار وقاهم الله شح أنفسهم فمدحهم الله بذلك، وبأنهم يؤثرون على أنفسهم، وبأنهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون، وأنهم يحبون المهاجرين.
стр. 2579
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هذا معطوفٌ على المهاجرين والأنصار المذكورين قبل.
فالمعنى: أن الفيء للمهاجرين والأنصار ولهؤلاء الذين جاؤوا من بعدهم، ويعني بهم: الفرقة الثالثة من الصحابة وهم ما عدا المهاجرين والأنصار، كالذين أسلموا يوم فتح مكة.
وقيل: يعني: من جاء بعد الصحابة وهم التابعون ومن تبعهم إلى يوم القيامة، وعلى هذا حملها مالك فقال: إن مَنْ قال في أحدٍ من الصحابة قول سوء فلا حظَّ له في الغنيمة والفيء؛ لأن الله وصف الذين جاؤوا بعد الصحابة بأنهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ فمن قال ضدَّ ذلك فقد خرج عن الذين وصفهم الله.
стр. 2580
[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾].
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ الآية؛ نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول وقوم من المنافقين، بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم: اثبتوا في حصونكم فإنا معكم كيفما تقلَّبت حالكم.
﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ أي: لا نسمع فيكم قول قائل، ولا نطيع مَنْ يأمرنا بخذلانكم.
ثم كذَّبهم الله في هذه المواعيد التي وعدوا بها.
فإن قيل: كيف قال: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ بعد قوله: ﴿لَا يَنصُرُونَهُمْ﴾؟
فالجواب: أن المعنى: على الفرض والتقدير؛ أي: لو فرضنا أن ينصروهم لَوَلَّوا الأدبار.
﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ الرهبة: هي الخوف.
стр. 2581
والمعنى: أن المنافقين واليهود يخافون الناس أكثر مما يخافون الله.
﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ أي: لا يقدرون على قتالكم مجتمعين إلا وهم في قرى محصنة بالأسوار والخنادق، أو من وراء الحيطان دون أن يخرجوا إليكم.
﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُم شَدِيدٌ﴾ يعني: عداوة بعضهم لبعض.
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أي: تظن أنهم مجتمعون بالألفة والمودة وقلوبهم متفرقة (١) بالمخالفة والشحناء.
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ أي: هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم، يعني: اليهود بني قينقاع؛ فإن رسول الله ﷺ أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير، فكانوا مثلًا لهم.
وقيل: يعني: أهل بدر الكفار، فإنهم قبلهم ومثلٌ لهم في أنْ غُلِبوا وقُهِروا.
والأول أرجح؛ لأن قوله: ﴿قَرِيبًا﴾ يقتضي أنهم كانوا قبلهم بمدة يسيرة، وذلك أوقعُ على بني قينقاع، وأيضًا فإن تمثيل بني النضير ببني قينقاع أليقُ؛ لأنهم يهود مثلهم، وأُخرجوا من ديارهم كما فُعل بهم، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾.
و ﴿قَرِيبًا﴾ ظرف زمان.
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ﴾ مثَّل الله المنافقين الذين أغووا
стр. 2582
اليهود بني النضير ثم خذلوهم بعد ذلك بالشيطان؛ فإنه يُغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه.
والمراد بالشيطان والإنسان هنا: الجنس.
وقيل: أراد الشيطان الذي أغوى قريشًا يوم بدر وقال لهم: إني جارٌ لكم.
وقيل: المراد بالإنسان بَرْصِيص العابد؛ فإنه استُودع امرأة فزين له الشيطان الوقوع عليها فحَمَلت فخاف الفضيحة فزين له الشيطانُ قَتْلَها فلما وُجدت مقتولة تبيَّن ما فعل، فتعرض له الشيطانُ وقال له: اسجد لي وأنجيك، فسجد له فتركه الشيطان وقال له: إني بريء منك، وهذا ضعيف في النقل.
والأول أرجح.
﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ الضميران يعودان على الشيطان والإنسان، وفي ذلك تمثيل للمنافقين واليهود.
стр. 2583
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾].
﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ هذا أمرٌ بأن تنظر كلُّ نفس ما قدمت من أعمالها ليوم القيامة.
ومعنى ذلك: محاسبة النفس لتكفَّ عن السيئات وتزيد من الحسنات، وإنما عبَّر عن يوم القيامة بـ ﴿غَدٍ﴾ تقريبًا له؛ لأن كل ما هو آت قريب.
فإن قيل: لم كرر الأمر بالتقوى؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه تأكيد.
والآخر - وهو الأحسن -: أنه أمر بالتقوى أولًا استعدادًا ليوم القيامة، ثم أمر به ثانيًا؛ لأن الله خبير بما يعملون، فلما اختلف الموجبان كرره مع كل واحد منهما.
стр. 2584
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ يعني: الكفار (١).
والنسيان هنا يحتمل أن يكون: بمعنى الترك، أو الغفلة؛ أي: نسوا حقَّ الله فأنساهم حقوق أنفسهم والنظرَ لها.
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية؛ توبيخٌ لابن آدم على قسوة قلبه، وقلة خشوعه عند تلاوة القرآن، فإنه إذا كان الجبل يخشع ويتصدَّع لو سمع القرآن فما ظنك بابن آدم!.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم ما غاب عن المخلوقين وما شاهدوه.
وقيل: الغيب: الآخرة، والشهادة: الدنيا.
والعموم أحسن.
﴿الْقُدُّوسُ﴾ مشتقٌ من التقدُّس (٢)، وهو التنزُّه عن صفات المخلوقين، وعن كل نقص وعيب، وصيغة فُعُّول للمبالغة كالسُّبُّوح.
﴿السَّلَامُ﴾ في معناه قولان:
أحدهما: الذي سَلِم عبادُه من جَوْره.
والآخر: السليم من النقائص.
وأصله مصدر بمعنى السلامة، ثم وُصِفَ به مبالغةً، أو على حذف مضاف تقديره: ذو السلام.
стр. 2585
﴿الْمُؤْمِنُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه من الأمن؛ أي: الذي أَمَّنَ عباده.
والآخر: أنه من الإيمان؛ أي: المصدق لعباده في إيمانهم، أو في شهادتهم على الناس يوم القيامة، أو المصدق نفسه في أقواله.
﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ في معناه ثلاثة أقوال: الرقيب والشاهد والأمين.
قال الزمخشري: أصله «مؤيمن» بالهمزة ثم أبدلت هاء (١).
﴿الْجَبَّارُ﴾ في معناه قولان:
أحدهما: أنه من الإجبار بمعنى القهر.
والآخر: أنه من الجبر؛ أي: يجبر عباده برحمته.
والأول أظهر.
﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ أي: الذي له التكبر حقًّا.
﴿الْبَارِئُ﴾ أي: الخالق، يقال: برأ الله الخلق أي: خلقهم، ولكن البارئ والفاطر يراد بهما: الذي بدأ الخلق واخترعه.
﴿الْمُصَوِّرُ﴾ أي: خالق الصور.
﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (٢).
стр. 2586
قال المؤلف: قرأت القرآن على الأستاذ الصالح أبي عبد الله بن الكَمَّاد فلما بلغت إلى آخر سورة «الحشر» قال لي: ضع يدك على رأسك، فقلت له: ولم ذلك؟ قال: لأني قرأت على القاضي أبي علي بن أبي الأحوص فلما انتهيت إلى خاتمة «الحشر» قال لي: ضع يدك على رأسك، وأسند الحديث إلى عبد الله بن مسعود قال: قرأت على النبي ﷺ فلما انتهيت إلى خاتمة «الحشر» قال لي: «ضع يدك على رأسك». قلت: ولم ذاك يا رسول الله فداك أبي وأمي؟ قال: «أقرأني جبريل القرآن فلما انتهيت إلى خاتمة «الحشر»، قال لي: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولم ذاك؟ قال: إن الله ﵎ افتتح القرآن فضرب فيه فلما انتهى إلى خاتمة سورة «الحشر» أمر الملائكة أن تضع أيديها على رؤوسها، فقالت: يا ربنا ولم ذاك؟ قال: إنه شفاء من كل داء إلا السام، والسام الموت» (١).
стр. 2587
(سورة الممتحنة)
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ العَدُوُّ: ينطلق على الواحد والجماعة، والمراد به: هنا كفار قريش، وهذه الآيات (١) نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن رسول الله ﷺ أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية، فورَّى عن ذلك بخيبر، فشاع في الناس أنه خارج إلى خيبر، وأخبر
стр. 2588
هو جماعةٌ من كبار أصحابه بقصده إلى مكة، منهم حاطب، فكتب بذلك حاطب إلى قوم من أهل مكة، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ من السماء، فبعث علي بن أبي طالب والزبير والمقداد وقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخٍ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين»، فانطلقوا حتى وجدوا المرأة، فقالوا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب، ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا شيئًا، فقال بعضهم: ما معها كتاب!، فقال عليّ ابن أبي طالب: ما كَذَب رسول الله ﷺ ولا كُذب، والله لتُخرجنَّ الكتاب أو لنجردَّنكِ! قالت: أعرضوا عني، فأخرجته من قرون رأسها، وقيل: أخرجته من حُجْزَتِها، فجاؤوا به إلى رسول الله ﷺ فقال لحاطب: «من كتب هذا؟» قال: أنا يا رسول الله، ولكن لا تعجل عليّ، فوالله ما فعلت ذلك ارتدادًا عن ديني، ولا رغبة في الكفر، ولكني كنت امرأً مُلصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، فأحببت أن تكون لي عندهم يدٌ يرعونني بها في قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : «صَدَق حاطبٌ، إنه من أهل بدر، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، لا تقولوا لحاطب إلا خيرًا» (١). فنزلت الآية عتابًا لحاطب، وزجرًا عن أن يفعل أحد مثل فعله، وفيها مع ذلك تشريف له؛ لأن الله شهد له بالإيمان في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ عبارةٌ عن إيصال المودَّة إليهم.
стр. 2589
و «ألقى» يتعدَّى بحرف جر، وبغير حرف جر كقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩].
وهذه الجملة:
في موضع الحال من الضمير في قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾.
أو في موضع الصفة لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾.
أو استئناف.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ حال من الضمير في ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، أو في ﴿تُلْقُونَ﴾.
﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: يخرجون الرسول ويخرجونكم، يعني: إخراجهم من مكة، فإنهم ضيقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا مهاجرين إلى المدينة، ومنهم من خرج (١) إلى أرض الحبشة.
﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ مفعولٌ من أجله؛ أي: يخرجونكم من أجل إيمانكم.
﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ جواب هذا الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه وهو ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، والتقدير: إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوّي وعدوَّكم أولياء.
و ﴿جِهَادًا﴾:
مصدر في موضع الحال.
أو مفعول من أجله.
стр. 2590
وكذلك ﴿ابْتِغَاءَ﴾.
﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ معناه: إن يظفروا بكم.
﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: تمنوا أن تكفروا فتكونوا مثلهم.
قال الزمخشري: وإنما قال: ﴿وَدُّوا﴾ بلفظ الماضي بعد أن ذكر جواب الشرط بلفظ المضارع؛ لأنه أراد: ودّوا كفْركم قبل كل شيء (١).
﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما قصد حاطب من رعي قرابته.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون:
من الفصل بالحكم بينهم.
أو من الفصل بمعنى التفريق؛ أي: يُفرَّق بينكم وبين قرابتكم يوم القيامة. وقيل: إن العامل في ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ما قبله، وذلك بعيد.
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الإسوة: هو الذي يُقتدى به.
فأمر الله المسلمين أن يقتدوا بإبراهيم الخليل ﵇ وبالذين معه في عداوة الكفار والتبري منهم.
ومعنى ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: من آمن به من الناس.
وقيل: الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبًا من عصره، ورجح ابن
стр. 2591
عطية (١) هذا القول بما ورد في الحديث أن إبراهيم ﷺ قال لزوجته: «ما على الأرض مؤمن بالله غيري وغيرك» (٢).
﴿بُرَآءُ﴾ جمع بريء.
﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: كذَّبناكم في أقوالكم.
ويحتمل أن يكون عبارةً عن إفراط البغض فيهم والمقاطعة لهم.
﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ هذا استثناءٌ من قوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فالمعنى: اقتدوا بهم في عداوتهم للكفار، ولا تقتدوا بهم في هذا؛ لأن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.
وقيل: الاستثناء من التبري والقطيعة، والمعنى: تبرأ إبراهيم والذين معه من الكفار، إلا أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له.
﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ هذا من كلام إبراهيم ﷺ والذين معه، وهو متصل بما قبل الاستثناء، فهو من جملة ما أُمر أن يُقتدَى به.
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في معناه قولان:
أحدهما: لا تنصرهم علينا فيكون ذلك لهم فتنةً وسببَ ضلالةٍ؛ لأنهم يقولون: غلبناهم لأنَّا على الحق، وهم على الباطل.
والآخر: لا تسلِّطهم علينا فيفتنونا عن ديننا، ورجح ابن عطية هذا؛ لأنه
стр. 2592
دعاء لأنفسهم، وأمَّا على القول الآخَر فهو دعاء للكفَّار، ولكن مقصدهم ليس الدعاء للكفار، وإنَّما هو دعاء لأنفسهم بالنَّصر؛ بحيث لا يفتتن الكفَّار بذلك (١).
стр. 2593
[﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾].
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِنْهُم مَوَدَّةً﴾ لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار ومقاطعتهم امتثلوا ذلك على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة، فعلم الله صدقهم فآنسهم بهذه الآية، ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة، وهذه المودة كملت في فتح مكة فإنه أسلم حينئذ سائر قريش.
وقيل: المودة تزوُّج النبي ﷺ أُمَّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب سيد قريش ورد ابن عطية هذا القول بأن تزوج أم حبيبة كان قبل نزول هذه الآية (١).
стр. 2594
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ رخص الله للمسلمين في مبرَّة (١) من لم يقاتلهم (٢) من الكفار، واختلف فيهم على أربعة أقوال:
الأول: أنهم قبائل من العرب منهم خزاعة وبنو الحارث بن كعب؛ كانوا قد صالحوا رسول الله ﷺ على أن لا يقاتلوه، ولا يُعينوا عليه.
الثاني: أنهم من كفار قريش، من لم يقاتل المسلمين ولا أخرجهم من مكة.
والآية على هذين القولين منسوخة بالقتال.
الثالث: أنهم النساء والصبيان، وفي هذا ورد أن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ وهي مشركة أفأصلها؟ قال: «نعم صِلِي أُمَّكِ» (٣).
الرابع: أنه أراد من كان بمكة من المؤمنين الذين لم يهاجروا.
وأما الذين نهى الله عن مودتهم لأنهم قاتلوا المسلمين وظاهروا على إخراجهم: فهم كفار قريش.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ أي: اختبروهن لتعلموا صدق إيمانهن، وإنما سماهن مؤمنات لظاهر حالهن.
وقد اختلف في هذا الامتحان على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن تُستحلف المرأة أنها ما هاجرت بسبب بغضها في زوجها،
стр. 2595
ولا لخوفٍ ولا غير ذلك من أغراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة.
والثاني: أن يُعرض عليها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
والثالث: أن تُعرض عليها الشروط المذكورة بعد هذا؛ من ترك الإشراك والسرقة وقتل أولادهن، وترك الزنا والبهتان والعصيان فإذا أقرَّت بذلك فهو امتحانها، قالته عائشة ﵂.
﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ نزلت هذه الآية إثر صلح الحديبية، وكان ذلك الصلح قد تضمن أن يَرُدَّ المسلمون إلى الكفار كل من جاء مسلمًا من الرجال والنساء، فنسخ الله أمر النساء بهذه الآية، ومنع من ردِّ المؤمنة إلى الكفار إذا هاجرت إلى المسلمين، وكانت المرأة التي هاجرت حينئذٍ أميمة بنت بشر امرأة حسان بن الدَّحداحة، وقيل: سُبيعة الأسلمية، ولما هاجرت جاء زوجها فقال: يا محمد ردها علينا، فإن ذلك في الشرط لنا عليك، فنزلت الآية، فامتحنها رسول الله ﷺ فلم يردَّها، وأعطى مهرها لزوجها.
وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، هربت من زوجها إلى المسلمين.
واختلف في الرجال هل حكمهم في ذلك كالنساء فلا تجوز المهادنة على ردّ من أسلم منهم، أو تجوز حتى الآن؟ على قولين.
والأظهر: الجواز؛ لأنه إنما نسخ ذلك في النساء.