← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

عطية (١) هذا القول بما ورد في الحديث أن إبراهيم ﷺ قال لزوجته: «ما على الأرض مؤمن بالله غيري وغيرك» (٢). ﴿بُرَآءُ﴾ جمع بريء. ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: كذَّبناكم في أقوالكم. ويحتمل أن يكون عبارةً عن إفراط البغض فيهم والمقاطعة لهم. ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ هذا استثناءٌ من قوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فالمعنى: اقتدوا بهم في عداوتهم للكفار، ولا تقتدوا بهم في هذا؛ لأن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وقيل: الاستثناء من التبري والقطيعة، والمعنى: تبرأ إبراهيم والذين معه من الكفار، إلا أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له. ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ هذا من كلام إبراهيم ﷺ والذين معه، وهو متصل بما قبل الاستثناء، فهو من جملة ما أُمر أن يُقتدَى به. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في معناه قولان: أحدهما: لا تنصرهم علينا فيكون ذلك لهم فتنةً وسببَ ضلالةٍ؛ لأنهم يقولون: غلبناهم لأنَّا على الحق، وهم على الباطل. والآخر: لا تسلِّطهم علينا فيفتنونا عن ديننا، ورجح ابن عطية هذا؛ لأنه

стр. 2592

دعاء لأنفسهم، وأمَّا على القول الآخَر فهو دعاء للكفَّار، ولكن مقصدهم ليس الدعاء للكفار، وإنَّما هو دعاء لأنفسهم بالنَّصر؛ بحيث لا يفتتن الكفَّار بذلك (١).

стр. 2593

[﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾]. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِنْهُم مَوَدَّةً﴾ لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار ومقاطعتهم امتثلوا ذلك على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة، فعلم الله صدقهم فآنسهم بهذه الآية، ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة، وهذه المودة كملت في فتح مكة فإنه أسلم حينئذ سائر قريش. وقيل: المودة تزوُّج النبي ﷺ أُمَّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب سيد قريش ورد ابن عطية هذا القول بأن تزوج أم حبيبة كان قبل نزول هذه الآية (١).

стр. 2594

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ رخص الله للمسلمين في مبرَّة (١) من لم يقاتلهم (٢) من الكفار، واختلف فيهم على أربعة أقوال: الأول: أنهم قبائل من العرب منهم خزاعة وبنو الحارث بن كعب؛ كانوا قد صالحوا رسول الله ﷺ على أن لا يقاتلوه، ولا يُعينوا عليه. الثاني: أنهم من كفار قريش، من لم يقاتل المسلمين ولا أخرجهم من مكة. والآية على هذين القولين منسوخة بالقتال. الثالث: أنهم النساء والصبيان، وفي هذا ورد أن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت عليّ وهي مشركة أفأصلها؟ قال: «نعم صِلِي أُمَّكِ» (٣). الرابع: أنه أراد من كان بمكة من المؤمنين الذين لم يهاجروا. وأما الذين نهى الله عن مودتهم لأنهم قاتلوا المسلمين وظاهروا على إخراجهم: فهم كفار قريش. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ أي: اختبروهن لتعلموا صدق إيمانهن، وإنما سماهن مؤمنات لظاهر حالهن. وقد اختلف في هذا الامتحان على ثلاثة أقوال: أحدها: أن تُستحلف المرأة أنها ما هاجرت بسبب بغضها في زوجها،

стр. 2595

ولا لخوفٍ ولا غير ذلك من أغراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة. والثاني: أن يُعرض عليها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. والثالث: أن تُعرض عليها الشروط المذكورة بعد هذا؛ من ترك الإشراك والسرقة وقتل أولادهن، وترك الزنا والبهتان والعصيان فإذا أقرَّت بذلك فهو امتحانها، قالته عائشة ﵂. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ نزلت هذه الآية إثر صلح الحديبية، وكان ذلك الصلح قد تضمن أن يَرُدَّ المسلمون إلى الكفار كل من جاء مسلمًا من الرجال والنساء، فنسخ الله أمر النساء بهذه الآية، ومنع من ردِّ المؤمنة إلى الكفار إذا هاجرت إلى المسلمين، وكانت المرأة التي هاجرت حينئذٍ أميمة بنت بشر امرأة حسان بن الدَّحداحة، وقيل: سُبيعة الأسلمية، ولما هاجرت جاء زوجها فقال: يا محمد ردها علينا، فإن ذلك في الشرط لنا عليك، فنزلت الآية، فامتحنها رسول الله ﷺ فلم يردَّها، وأعطى مهرها لزوجها. وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، هربت من زوجها إلى المسلمين. واختلف في الرجال هل حكمهم في ذلك كالنساء فلا تجوز المهادنة على ردّ من أسلم منهم، أو تجوز حتى الآن؟ على قولين. والأظهر: الجواز؛ لأنه إنما نسخ ذلك في النساء.

стр. 2596

﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ هذا تعليلٌ للمنع من ردِّ المرأة إلى الكفار، وفيه دليل على ارتفاع النكاح بين المشركين والمسلمات. ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا﴾ يعني: أعطوا الكفار ما أعطوا نساءهم من الصَّدُقات إذا هاجرن، ثم أباح للمسلمين تزوجُهن بالصَّداق. ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ العِصَم: جمع عصمة النكاح، فأمر الله المسلمين أن يفارقوا نساءهم الكوافر، يعني: المشركات من عبدة الأوثان، فالآية على هذا محكمة. وقيل: يعني: كل كافرة، فعلى هذا: نُسخ منها جواز تزوج الكتابيات بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وروي أن الآية نزلت في امرأة لعمر بن الخطاب، كانت كافرة فطلقها. ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ أي: اطلبوا من الكفار ما أنفقتم من الصَّدُقات على أزواجكم، اللاتي فَرَرْنَ إلى الكفار، وليطلب الكفار منكم ما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِثْلَ مَا أَنفَقُوا﴾ معنى ﴿فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: هروب نساء المسلمين إلى الكفار. والخطاب في قوله: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ و ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم﴾: للمسلمين. وقوله: ﴿عَاقَبْتُمْ﴾ ليس من العقاب على الذنب، وإنما هو:

стр. 2597

من العُقْبى؛ أي: أصبتم عقبى وهي الغنيمة. أو من التعاقب على الشيء، كما يتعاقب الرجلان على الدابة إذا ركبها هذا مرة وهذا مرة أخرى، فلما كان نساء المسلمين يهربون (١) إلى الكفار ونساء الكفار يهربون (٢) إلى المسلمين جعل ذلك كالتعاقب على النساء. وسبب الآية: أنه لما قال الله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ قال الكفار: لا نرضى بهذا الحكم، ولا نعطي صَداق من فَرَّت زوجته إلينا من المسلمين، فأنزل الله هذه الآية الأخرى، وأمر الله المسلمين أن يدفعوا الصَّداق لمن فَرَّت زوجته من المسلمين إلى الكفار. ويكون هذا المدفوع من مال الغنائم على قول من قال: إن معنى ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: غنمتم. وقيل: من مال الفيء. وقيل: من الصَّدُقات التي كانت تدفع للكفار إذا فرَّ أزواجهم إلى المسلمين، فأزال الله دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه. وهذه الأحكام التي تضمنتها هذه الآية قد ارتفعت؛ لأنها نزلت في قضايا معينة، وهي مهادنة النبي ﷺ مع مشركي العرب، ثم زالت هذه الأحكام بارتفاع الهدنة؛ إذ لا تجوز لنا مهادنة المشركين من العرب، إنما هو في حقهم الإسلام أو السيف، وإنما تجوز مهادنة أهل الكتاب والمجوس؛ لأن

стр. 2598

الله قال في المشركين: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال في أهل الكتاب: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وقال النبي ﷺ في المجوس: «سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب» (١). ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ هذه البيعة بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، وكان رسول الله ﷺ يبايعهن بالكلام، ولا تَمَسُّ يده يد امرأة، ورد هذا في الحديث الصحيح عن عائشة (٢). وقيل: إنه غمس يده في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء فغمسنَ أيديهن فيه. ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ﴾ معناه عند الجمهور: أن تُنسب المرأة إلى زوجها ولدًا ليس له، وكانت المرأة تلتقط الولد فتقول لزوجها: هذا ولدي منك. وإنما قال: ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها وفرجها الذي تلد به بين رجليها. واختار ابن عطية: أن يكون البهتان هنا على العموم في أن يُنسب إلى الرجل غيرُ ولده، أو يُفترى على أحد بالقول، أو تكذب المرأة فيما ائتمنها الله عليه من الحيض والحمل وغير ذلك (٣). وإلى هذا أشار بعض الناس بأن قال: ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ﴾ يراد به: اللسان والفم، وبين الأرجل يراد به: الفروج. ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي: لا يعصينك فيما جاءت به الشريعة من

стр. 2599

الأوامر والنواهي، ومن ذلك: النهي عن النياحة وشق الجيوب، ووصل الشعر وغير ذلك مما كان نساء الجاهلية يفعلنه. وورد في الحديث: «أن النساء لما بايعنَ رسول الله ﷺ هذه المبايعة، فقرَّرهنَّ على أن لا يسرقن قالت هند بنت عتبة - وهي امرأة أبي سفيان بن حرب -: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليَّ إن أخذت من ماله بغير إذنه، قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، فلما قررهن على أن لا يزنين، قالت هند: يا رسول الله أتزني الحرة؟ فقال ﷺ : «لا تزني الحرة»، يعني في غالب الأمر، وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء، فلما قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قالت: نحن ربَّيناهم صغارًا وقتلتهم أنت ببدر كبارًا، فضحك رسول الله ﷺ ، فلما وَقفهنَّ على أن لا يعصينه في معروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك» (١). وهذه المبايعة للنساء غير معمول بها اليوم؛ لأنه أجمع العلماء على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا، فإما أن تكون منسوخة ولم يذكر الناسخ، أو يكون تَرْكُ هذه الشروط؛ لأنها قد تقرَّرت (٢) وعُلِمت من الشريعة بالضرورة، فلا حاجة إلى اشتراطها. ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود، وكان بعض فقراء المسلمين يتودَّد إليهم ليصيبوا من أموالهم. وقيل: يعني: كفار قريش.

стр. 2600

والأول أظهر؛ لأن الغضب قد صار عرفًا لليهود كقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ من قال: إن القوم الذين غضب اللَّه عليهم هم اليهود: فمعنى ﴿يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾: يئسوا من خير الآخرة والسعادة فيها. ومن قال: إن القوم الذين غضب اللَّه عليهم هم كفار قريش: فالمعنى: يئسوا من وجود الآخرة وصحتها؛ لأنهم مكذبون بها تكذيبًا جزمًا. وقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد: كما يئس الكفار المكذبون بالبعث من بعث أصحاب القبور، فقوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ﴾ يتعلق بـ ﴿يَئِسَ﴾، وهو على حذف مضاف. والآخر: أن يكون ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ لبيان الجنس؛ أي: كما يئس الكفار الذين في القبور من سعادة الآخرة؛ لأنهم تيقنوا أنهم يعذَّبون (١) فيها.

стр. 2601

(سورة الحواريين (١)) [﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾]. ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ في سببها ثلاثة أقوال: أحدها: -قول ابن عباس-: أن جماعة قالوا: وددنا أن نعرف أحب الأعمال إلى الله فنعمله، ففرض الله الجهاد، فكرهه قوم، فنزلت الآية. والآخر: أن قومًا من شبان المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو

стр. 2602

بما لم يفعلوا، ويقولون: فعلنا وصنعنا، وذلك كذب، فنزلت؛ زجرًا لهم. والثالث: أنها نزلت في المنافقين؛ لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين: نحن معكم ومنكم، ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك، وهذا ضعيف؛ لأنه خاطبهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، إلا أن يريد أنهم آمنوا بزعمهم، وفيما يُظهِرون. ومع ذلك فحكم الآية على العموم في زجر مَنْ يقول ما لا يفعل. ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) كان بعض السلف يستحيي أن يعظ الناس؛ لأجل هذا الآية، ويقول: أخاف من مقت الله. والمقت: هو البغض لريبة أو نحوها. وانتصب ﴿مَقْتًا﴾ على التمييز، و ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ فاعل ﴿كَبُرَ﴾. وقيل: فاعل ﴿كَبُرَ﴾ محذوف، تقديره: كبر فعلُكم مقتًا، و ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ بدل من الفاعل المحذوف، أو خبر ابتداء مضمر. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ ورود هذه الآية هنا دليل على أن الآية التي قبلها في شأن القتال. وقال بعض الناس: قتال الرَّجَّالة أفضل من قتال الفرسان؛ لأن التراصَّ فيه يتمكَّن أكثر مما يتمكن للفرسان، قال ابن عطية: هذا ضعيف، خفي على قائله مقصدُ الآية، وليس المراد نفس التصافِّ، وإنما المقصد: الثبوت والجد في القتال (١).

стр. 2603

﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ المرصوص: هو الذي ضُمَّ بعضه إلى بعض. وقيل: هو المعقود بالرصاص، ولا يبعد أن يكون هذا أصل اللفظة. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ كانوا يؤذونه بسوء الكلام وبعصيانه وتنقصُّه (١). وانظر في «الأحزاب» قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩] (٢). ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ هذا إقامة حجة عليهم، وتوبيخ لهم، وتقبيح لإذايته مع علمهم بأنه رسول الله، ولذلك أدخل «قد» الدالة على التحقيق. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ هذه عقوبة على الذنب بذنب. وزيغ القلب: هو ميله عن الحق. ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إنما قال موسى: ﴿يَاقَوْمِ﴾، وقال عيسى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ لأنه لم يكن له فيهم أبٌ. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ معناه مذكور في «البقرة» في قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] (٣). ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ عن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء.

стр. 2604

﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ قال رسول الله ﷺ : «لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب فلا نبي بعدي» (١). وأحمد: مشتق من الحمد. ويحتمل أن يكون: فعلًا سمّي به، أو يكون صفة سمي بها كأحمر. ويحتمل أن يكون: بمعنى حامد، أو بمعنى محمود كمحمد. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يحتمل أن يريد: عيسى أو محمد عليهما الصلاة والسلام. ويؤيد الأول: اتصاله بما قبله. ويؤيد الثاني: قوله: ﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾؛ لأن الداعي إلى الإسلام هو محمد ﷺ . ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ ذكر في «براءة» (٢).

стр. 2605

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾]. ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ تفسيرٌ للتجارة المذكورة. قال الأخفش: هو عطف بيان عليها. وقال الزمخشري: هو استئناف (١). ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ جزمٌ في جواب ﴿تُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنه بمعنى الأمر، وقد قرأ ابن مسعود: «آمنوا وجاهدوا» على الأمر. وقال الفراء: هو جواب ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾؛ لأنه يقتضي التحضيض. ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ ارتفع ﴿أُخْرَى﴾ على أنه خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكم نعمة أخرى. أو (٢) انتصب على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره: ويمنحكم أخرى. وقيل: هو مخفوض بالعطف على ﴿تِجَارَةٍ﴾، وهذا ضعيف.

стр. 2606

﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ تفسير للأخرى، فهو بدل منها، أو خبر ابتداء مضمر تقديره هي نصرٌ. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الزمخشري: عطفٌ على ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ لأنه في معنى الأمر (١). ﴿كُونُوا أَنصَارًا لِلَّهِ﴾ جمع ناصر، وقد غلب اسم الأنصار على الأوس والخزرج، وسماهم الله به، وليس ذلك المراد هنا. ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هذا التشبيه محمول على المعنى؛ لأن ظاهره: كونوا أنصارًا لله كقول عيسى، والمعنى: كونوا أنصارًا لله كما كان الحواريون حين قال لهم عيسى: من أنصاري إلى الله. وقد ذكر في «آل عمران» معنى الحواريين و ﴿أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢). ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ قيل: إنهم ظهروا بالحجة. وقيل: بل غلبوا الكفار بالقتال بعد رفع عيسى ﵇. وقيل: إن ظهور المؤمنين منهم هو بمحمد ﷺ .

стр. 2607

(سورة الجمعة) [﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾]. ﴿الْقُدُّوسِ﴾ ذكر في «الحشر» (١). ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني: محمدا ﷺ . و ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾: هم العرب، وقد ذكر معنى الأمي في «الأعراف» (٢). ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾، وأراد بهؤلاء: فارس، سئل

стр. 2608

رسول الله ﷺ : من هؤلاء الآخرون؟ فأخذ بيد سليمان الفارسي، وقال: «لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء» (١) يعني: فارس. وقيل: هم الروم. و ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذين القولين يريد به: في البشرية وفي الدين، لا في النسب. وقيل: هم أهل اليمن. وقيل: هم التابعون. وقيل: هم سائر المسلمين. والأول أرجح؛ لوروده في الحديث الصحيح. ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي: لم يلحقوا بهم وسيلحقون، وذلك أن «لما» لنفي الماضي القريب من الحال. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ﴾ إشارةٌ إلى نبوة محمد ﷺ وهداية الناس به. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ يعني: اليهود، ومعنى ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ كُلِّفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها، و ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: لم يطيعوا (٢) أمرها، ولم يعملوا بها، شبههم الله بالحمار الذي يحمل الأسفار على ظهره، ولا يدري ما فيها.

стр. 2609

﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: اليهود الذين كذبوا محمدًا ﷺ وهم الذين حملوا التوراة ولم يحملوها؛ لأن التوراة تنطق بنبوته ﷺ ، فكل من قرأها ولم يؤمن به فقد خالف التوراة. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ ذكر في «البقرة» (١).

стр. 2610

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾]. ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ النداء للصلاة: هو الأذان لها. و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ بيان لـ ﴿إِذَا﴾، وتفسير له. و ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يراد به: الخطبة والصلاة. * ويتعلق بهذه الآية ثماني مسائل: الأُولى: اخْتُلِفَ في الأذان للجمعة: هل هو سنة كالأذان لسائر الصلوات؟ أو واجب لظاهر هذه الآية؟؛ لأنَّه شرط في السعي لها أن يكون عند الأذان، والسعي واجب فالأذان واجب. الثانية: كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله ﷺ على جدار المسجد. وقيل: على باب المسجد. وقيل: كان بين يديه ﷺ وهو على المنبر، وقد كان بنو أمية يأخذون بهذا، وبقي بقرطبة زمانًا وهو باق بالمشرق إلى الآن.

стр. 2611

قال أبو محمد بن الفرس: قال مالك في «المجموعة» (١): إن هشام بن عبد الملك هو الذي أحدث الأذان بين يديه، قال: وهذا دليل على أن الحديث في ذلك ضعيف (٢). الثالثة: كان المؤذن (٣) للجمعة واحدًا، ثم زاد عثمان ﵁ النداء على الزَّوراء ليسمع الناس، واختلف الفقهاء هل المستحب أن يؤذن فيها اثنان أو ثلاثة؟ الرابعة: السعي في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري، وقرأ عمر بن الخطاب: «فامضوا إلى ذكر الله» وهذا تفسير للسعي، فهو بخلاف السعي في قول رسول الله ﷺ : «إذا نودي للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون» (٤). الخامسة: حضور الجمعة واجب؛ لحمل الأمر الذي في الآية على الوجوب باتفاق، إلا أنها لا تجب على المرأة ولا الصبي ولا المريض باتفاق. ولا على العبد والمسافر عند مالك والجمهور، خلافًا للظاهرية، وتعلقوا بعموم الآية. وحجة الجمهور: قول رسول الله ﷺ : «الجمعة واجبة على كل مسلم في

стр. 2612

جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» (١). وحجتهم في المسافر: أن رسول الله ﷺ كان لا يقيم الجمعة في السفر. واختُلف هل تسقط الجمعة بسبب المطر أم لا؟ وهل يجوز للعروس التخلف عنها أم لا؟ والمشهور: أنها لا تسقط عنهما؛ لعموم الآية. السادسة: اختلف متى يتعين الإقبال إلى الصلاة؟ فقيل: إذا زالت الشمس. وقيل: إذا أذن المؤذن، وهو ظاهر الآية. السابعة: اختُلف في الموضع الذي يجب منه السعي إلى الجمعة؟ فقيل: ثلاثة أميال وهو مذهب مالك. وقيل: ستة أميال. وقيل: تجب على مَنْ داخل المصر. وقيل: على من سمع النداء. وقيل: على من آواه الليل إلى أهله. الثامنة: اختلف في الوالي هل هو من شرط (٢) الجمعة أم لا؟ على قولين، والمشهور: سقوطه؛ لأن الله لم يشترطه في الآية.

стр. 2613

﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أمرٌ بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ المؤذنون في الأذان، وذلك على الوجوب، فيقتضي تحريم البيع. واختلف في البيع الذي يعقد في ذلك الوقت هل يفسخ أم لا؟ واختلف في بيع من لا تلزمهم الجمعة من النساء والعبيد؛ هل يجوز في ذلك الوقت أم لا؟ والأظهر: جوازه؛ لأنه إنما منع منه مَنْ يُدْعَى إلى الجمعة، ويجري النكاح في ذلك الوقت مجرى البيع في المنع. ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا الأمر للإباحة باتفاق، حكى الإجماع على ذلك ابن عطية (١) وابن الفرس (٢). ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قيل: معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا إباحة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «الفضل المبتغى: عيادة مريض، أو صلة صديق، أو اتباع جنازة» (٣). وقيل: هو طلب العلم. وإن صح الحديث لم يُعدَل إلى سواه. ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ سبب الآية: أن رسول الله ﷺ كان قائمًا على المنبر يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام بطعام،

стр. 2614

وصاحب أمرها دحية بن خليفة الكلبي، وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح سرورًا بها، فلما دخلت العير كذلك انفضَّ أهل المسجد إليها، وتركوا رسول الله ﷺ قائمًا على المنبر، ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، قال جابر بن عبد الله: أنا أحدهم. وذكر بعضهم: أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة. واختُلف في الثاني عشر: فقيل: عبد الله بن مسعود. وقيل: عمار بن ياسر. وقيل: إنما بقي معه ﷺ ثمانية. وروي أنه ﷺ قال: «لولا هؤلاء لكانت الحجارة سُوِّمت في السماء على المنفضّين» (١). وظاهر الآية: يقتضي أن الجماعة شرط في الجمعة وهو مذهب مالك والجمهور، إلا أنهم اختلفوا في مقدار الجماعة الذين تنعقد بهم الجمعة؟ فقال مالك: ليس في ذلك عدد محدود، وإنما هم جماعة تقوم بهم قرية. وروى ابن الماجشون عن مالك: ثلاثون (٢). وقال الشافعي: أربعون. وقال أبو حنيفة: ثلاثة مع الإمام.

стр. 2615

وقيل: اثنا عشر، عددُ الذي بقوا مع النبي ﷺ . فإن قيل: لم قال: ﴿انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ بضمير المفرد وقد ذكر التجارة واللهو؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه أراد: انفضوا إلى اللهو وانفضوا إلى التجارة، ثم حَذف أحدهما؛ لدلالة الآخر عليه. قاله الزمخشري (١). والآخر: أنه قال ذلك تهمُّمًا بالتجارة؛ إذ كانت أهم، وكانت هي سبب اللهو، ولم يكن اللهو سببها، قاله ابن عطية (٢). ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ اختلفوا في القيام في الخطبة هل هو واجب أم لا؟ وإذا قلنا بوجوبه فهل هو شرط فيها أم لا؟ فمن أوجبه واشترطه: أخذ بظاهر الآية من ذكر القيام. ومن لم يوجبه: رأى أن ما فعله النبي ﷺ من ذلك لم يكن على الوجوب. ومذهب مالك: أن مِنْ سنة الخطبة الجلوس قبلها والجلوس بين الخطبتين. وقال أبو حنيفة: لا يجلس بين الخطبتين؛ لظاهر الآية، وذِكْرِ القيام فيها دون جلوس. وحجة مالك: فعل رسول الله ﷺ .

стр. 2616

﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ إن قيل: لم قدَّم اللهو هنا على التجارة وقدم التجارة قبل هذا على اللهو؟ فالجواب: أن كل واحد من الموضعين جاء على ما ينبغي فيه؛ وذلك أن العرب تارة يبتدئون بالأكثر ثم ينزلون إلى الأقل، كقولك: «فلان يخون في الكثير والقليل» فبدأت بالكثير ثم أردفت عليه الخيانة فيما دونه، وتارة يبتدئون بالأقل ثم يرتقون إلى الأكثر، كقولك: «فلان أمين على القليل والكثير» فبدأت بالقليل ثم أردفت عليه الأمانة فيما هو أكثر منه، ولو عُكس في كل واحد من المثالين لم يكن حسنًا؛ فإنك لو قدمتَ في الخيانة ذكر القليل لَعُلِمَ أنه يخون في الكثير من باب أولى وأحرى، ولو قدمتَ في الأمانة ذكر الكثير لَعُلِمَ أنه أمين في القليل من باب أولى وأحرى، فلم يكن لذكره بعد ذلك فائدة. وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ قدم التجارة هنا ليبين أنهم ينفضون إليها، وأنهم مع ذلك ينفضون إلى اللهو الذي هو دونها، وقوله: ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ قدم اللهو ليبين أن ما عند الله خير من اللهو، وأنه أيضًا خير من التجارة التي هي أعظم منه، ولو عكس كل واحد من الموضعين لم يَحسن.

стр. 2617

(سورة المنافقين) [﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾]. ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ كانوا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فلذلك كذبهم الله في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: كذبوا في دعواهم الشهادة بالرسالة. وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ فليس من كلام المنافقين، وإنما هو من كلام الله تعالى، ولو لم يذكره لكان يوهم أن قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ

стр. 2618

الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ إبطالٌ للرسالة، فوسَّطه بين حكاية قول المنافقين وبين تكذيبهم؛ ليُزيل هذا الوهم وليحقِّق الرسالة، وعلى هذا ينبغي أن يوقف على قوله: ﴿لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. ﴿جُنَّةً﴾ ذكر في «المجادلة» (١). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الإشارةُ: إلى سوء عملهم. أو إلى فضيحتهم وتوبيخهم. وأما قوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون فيمن آمن منهم إيمانًا صحيحًا، ثم نافق بعد ذلك. والآخر: أن يريد: آمنوا في الظاهر، كقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ يعني: أنهم حِسانُ الصُّور. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ يعني: أنهم فصحاء. والخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ﴾ وفي قوله: ﴿تَسْمَعْ﴾: للنبي ﷺ ، ولكل مخاطب. ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ شبَّههم بالخشب في قلة أفهامهم، فكان لهم مَنظر بلا مَخْبر.

стр. 2619

وقال الزمخشري: إنما شبههم بالخشب المسندة إلى حائط؛ لأن الخُشب إذا كانت كذلك لم يكن فيها منفعة، بخلاف الخشب التي تكون في سقف أو مغروسةً في جدار؛ فإن فيها حينئذ منفعة فالتشبيه على هذا في عدم المنفعة (١). وقيل: كانوا يستندون في مجلس رسول الله ﷺ ، فشبههم في استنادهم بالخشب المسندة إلى الحائط. ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ عبارةٌ عن شدَّة خوفهم من المسلمين، وذلك أنهم كانوا إذا سمعوا صياحًا ظنوا أن النبي ﷺ يأمر بقتلهم. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاءٌ عليهم يتضمن ذمَّهم وتقبيح أحوالهم. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يصرفون عن الإيمان مع (٢) ظهوره؟ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ أي: أمالوها إعراضًا واستكبارًا. وقَصَصُ هذه الآية وما بعدها: أن رسول الله ﷺ خرج في غزوة بني المصطلق، فبلغ الناس إلى ماء ازدحموا عليه، فكان ممن ازدحم جَهْجاه ابن سعيد (٣) أجير لعمر بن الخطاب، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، فلطم الجهجاه سنانًا، فغضب سنان ودعا

стр. 2620

بالأنصار ودعا الجهجاه بالمهاجرين، فقال عبد الله بن أبيّ: والله ما مثلنا ومثلُ هؤلاء - يعني المهاجرين - إلا كما قال الأول: «سَمِّنْ كَلبَكَ يأكلك»، ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعزّ: نفسه وأتباعه، ويعني بالأذلّ: رسول الله ﷺ ومن معه، ثم قال لقومه: إنما يقيم هؤلاء المهاجرون بالمدينة بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم لفرُّوا عن مدينتكم، فسمعه زيد بن أرقم فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك عبد الله بن أبيّ، فحلف أنه ما قال شيئًا من ذلك، وكذب زيدًا، فنزلت السورة عند ذلك، فبعث رسول الله ﷺ في زيد، وقال له: «لقد صدَّقك الله يا زيد»، فخزِيَ عبد الله بن أبيّ، ومقته الناس، فقيل له: امض إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك!، فلوى رأسه إنكارًا لهذا الرأي، وقال: أمرتموني بالإسلام فأسلمت، وأمرتموني بأداء زكاة مالي ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني أن أسجد لمحمد!، ثم مات عبد الله بن أبيّ بعد ذلك بقليل (١). وأسندت هذه الأقوال التي قالها عبد الله بن أبيّ إلى ضمير الجماعة؛ لأنه كان له أتباع من المنافقين يوافقونه عليها. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ روي أنه لما نزلت ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال رسول الله ﷺ : «لأزيدن على السبعين» فلما فعل عبد الله بن أبيّ وأصحابه ما فعلوا شدَّد الله

стр. 2621

عليهم في هذه السورة، وأخبر أنه لا يغفر لهم بوجه (١). وفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة نزلت في غزوة بني المصطلق قبل الآية الأخرى بمدَّة.

стр. 2622

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾]. ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: لا تشغلكم. و ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هنا: على العموم في الصلاة والدعاء والعبادة. وقيل: يعني: الصلاة المكتوبة. والعموم أولى. ﴿وَأَنفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُم﴾ عمومٌ في الزكاة وصدقة التطوع والنفقة في الجهاد وغير ذلك. وقيل: يعني: الزكاة المفروضة. والعموم أولى. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ بالجزم: عطفٌ على موضع جواب الشرط (١). وقرأ أبو عمرو ﴿وَأَكُونَ﴾ بالنصب عطفٌ على ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾.

стр. 2623

(سورة التغابن) [﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾]. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ في تأويل الآية وجهان: أحدهما: هو الذي خلقكم فكان يجب على كل واحد منكم الإيمان به، لكن منكم من كفر ومنكم من آمن، فالكفر والإيمان على هذا: هو اكتساب العبد. والآخر: أن المعنى: هو الذي خلقكم على صنفين: فمنكم من خلقه

стр. 2624

مؤمنًا ومنكم من خلقه كافرًا، فالإيمان والكفر على هذا: هو ما قضَى الله على كل أحد. والأول أظهر؛ لأن عطفه على ﴿خَلَقَكُمْ﴾ بالفاء يقتضي أنَّ الكفر والإيمان واقعان بعد الخلقة، لا في أصل الخلقة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ذكر معناه في مواضع (١). ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ تعديد نعمةٍ في حُسنِ خلقةِ بني آدم؛ لأنهم أحسن صورة من جميع أنواع الحيوان وإن وجد بعض الناس قبيح المنظر، فلا يخرجه ذلك عن حسن الصورة الإنسانية، وإنما هو قبيحٌ بالنظر إلى من هو أحسن منه من الناس. وقيل: يعني: العقل والإدراك الذي خُصَّ به الإنسان. والأول أرجح؛ لأن الصورة إنما تنطلق على الشكل. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ خطاب لقريش وسائر الكفار. ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ معناه: أنهم استبعدوا أن يرسل الله بشرًا، أو تكبروا عن اتباع بشر. والبشر: يقع على الواحد والجماعة. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ قال عبد الله بن عمر: زعم كناية عن كذب (٢).

стр. 2625

﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾: ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾. أو ﴿خَبِيرٌ﴾. أو محذوفٌ تقديره: اذكر. ويحتمل أن يكون مبتدأ وخبره ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، يعني: يوم القيامة. و ﴿التَّغَابُنِ﴾: مستعارٌ من تغابُن الناس في التجارة، وذلك إذا فاز السعداء بالجنة، فكأنهم غَبَنوا الأشقياء في منازلهم التي كانوا ينزلون منها لو كانوا سعداء، فالتغابن على هذا بمعنى الغَبْن، وليس على المتعارف في صيغة تفاعل من كونها بين اثنين، كقولك: تضارب وتقاتل، إنما هي فعلٌ واحدٍ كقولك: تواضع، قاله ابن عطية (١). وقال الزمخشري: يعني: نزول السعداء منازل الأشقياء ونزول الأشقياء منازل السعداء، والتغابن على هذا بين اثنين، قال: وفيه تهكُّم بالأشقياء؛ لأن نزولهم في جهنم ليس في الحقيقة بغَبْن للسعداء (٢).

стр. 2626

[﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾]. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد بالمصيبة: الرزايا، وخصَّها بالذكر لأنها أهم على الناس. أو يريد جميع الحوادث من خير وشر. و ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ عبارةٌ عن قضائه وإرادته تعالى. ﴿وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قيل: معناه: من يؤمن بأن كل شيء بإذن الله يهد الله قلبه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا حسَنٌ، إلا أن العموم أحسن منه. ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ سببها: أن قومًا أسلموا وأرادوا الهجرة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة، فحذرهم الله من طاعتهم في ذلك. وقيل: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أراد الجهاد فاجتمع

стр. 2627

أهله وأولاده (١) فشكوا من فراقه، فرقَّ لهم ورجع، ثم إنه ندم وهم بمعاقبتهم فنزلت الآية محذرة من فتنة الأولاد، ثم صرف تعالى عن معاقبتهم بقوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ الآية. ولفظ الآية مع ذلك على عمومه في التحذير ممن يكون للإنسان عدوًّا من أهله وأولاده، سواء كانت عداوتهم بسبب الدين أو الدنيا. ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ترغيب في الآخرة وتزهيد في الأموال والأولاد التي فتن الناس بها. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قيل: إن هذا ناسخ لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وروي أنه لما نزل ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ شق ذلك على الناس حتى نزل ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وقيل: لا نسخ بينهما؛ لأن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ معناه: فيما استطعتم؛ إذ لا يمكن أن يفعل أحد إلا ما يستطيع، فهذه الآية - على هذا - مبيّنة لتلك، وتحرز بالاستطاعة من الإكراه والنسيان وما لا يؤاخذ به العبيد. وإعراب ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ظرفية. ﴿خَيْرًا لِأَنفُسِكُمْ﴾ منصوبٌ بإضمار فعل لا يظهر عند سيبويه. وقيل: هو مفعول بـ ﴿أَنفِقُوا﴾؛ لأن الخير بمعنى المال. وقيل: هو نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: أنفقوا إنفاقًا خيرًا لأنفسكم.

стр. 2628

﴿وَمَنْ يُوقَ﴾ ذكر في «الحشر» (١). ﴿إِنْ تُقْرِضُوا﴾ ذكر في «البقرة» (٢). ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ذكر في «اللغات» (٣).

стр. 2629

(سورة الطلاق) [﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إن قيل: لم نودي النبي ﷺ وحده ثم جاء بعد ذلك خطاب الجماعة؟

стр. 2630

فالجواب: أنه لما كان حكم الطلاق يشترك فيه النبي ﷺ وأمته، قيل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خطابًا له ولهم، وخُصَّ هو ﷺ بالنداء أولًا تعظيمًا له، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: «يا فلان افعلوا»، أي: افعل أنت وقومك، ولأنه ﷺ هو المبلِّغ إلى أمته (١)، فكأنه قال: يا أيها النبي إذا طلقت أنت وأمتك. وقيل: تقديره: يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم، وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي أن هذا الحكم مختص بأمته دونه. وقيل: إنه خوطب النبي ﷺ بـ ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ تعظيمًا له، كما تقول للرجل المعظّم: «أنتم فعلتم»، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأنه يقتضي اختصاصه ﷺ بالحكم دون أمته. ومعنى ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ هنا: إذا أردتم الطلاق. واختلف في الطلاق هل هو مباح أو مكروه؟ وأما إذا كان على غير وجه السنة فهو ممنوع، ولكن يلزم. وأما اليمين بالطلاق فممنوع (٢). ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ تقديره: طلقوهن مستقبلات لعدتهن، ولذلك قرأ عثمان وابن عباس وأبي بن كعب: «فطلقوهن في قُبُلِ عِدَّتِهن»، وقرأ
следующие страницы →