[﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾].
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد بالمصيبة:
الرزايا، وخصَّها بالذكر لأنها أهم على الناس.
أو يريد جميع الحوادث من خير وشر.
و ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ عبارةٌ عن قضائه وإرادته تعالى.
﴿وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قيل: معناه: من يؤمن بأن كل شيء بإذن الله يهد الله قلبه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا حسَنٌ، إلا أن العموم أحسن منه.
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ سببها: أن قومًا أسلموا وأرادوا الهجرة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم عن الهجرة، فحذرهم الله من طاعتهم في ذلك.
وقيل: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أراد الجهاد فاجتمع
стр. 2627
أهله وأولاده (١) فشكوا من فراقه، فرقَّ لهم ورجع، ثم إنه ندم وهم بمعاقبتهم فنزلت الآية محذرة من فتنة الأولاد، ثم صرف تعالى عن معاقبتهم بقوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ الآية.
ولفظ الآية مع ذلك على عمومه في التحذير ممن يكون للإنسان عدوًّا من أهله وأولاده، سواء كانت عداوتهم بسبب الدين أو الدنيا.
﴿وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ترغيب في الآخرة وتزهيد في الأموال والأولاد التي فتن الناس بها.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ قيل: إن هذا ناسخ لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وروي أنه لما نزل ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ شق ذلك على الناس حتى نزل ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وقيل: لا نسخ بينهما؛ لأن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ معناه: فيما استطعتم؛ إذ لا يمكن أن يفعل أحد إلا ما يستطيع، فهذه الآية - على هذا - مبيّنة لتلك، وتحرز بالاستطاعة من الإكراه والنسيان وما لا يؤاخذ به العبيد.
وإعراب ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ظرفية.
﴿خَيْرًا لِأَنفُسِكُمْ﴾ منصوبٌ بإضمار فعل لا يظهر عند سيبويه.
وقيل: هو مفعول بـ ﴿أَنفِقُوا﴾؛ لأن الخير بمعنى المال.
وقيل: هو نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: أنفقوا إنفاقًا خيرًا لأنفسكم.
стр. 2628
﴿وَمَنْ يُوقَ﴾ ذكر في «الحشر» (١).
﴿إِنْ تُقْرِضُوا﴾ ذكر في «البقرة» (٢).
﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ذكر في «اللغات» (٣).
فالجواب: أنه لما كان حكم الطلاق يشترك فيه النبي ﷺ وأمته، قيل: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خطابًا له ولهم، وخُصَّ هو ﷺ بالنداء أولًا تعظيمًا له، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: «يا فلان افعلوا»، أي: افعل أنت وقومك، ولأنه ﷺ هو المبلِّغ إلى أمته (١)، فكأنه قال: يا أيها النبي إذا طلقت أنت وأمتك.
وقيل: تقديره: يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم، وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي أن هذا الحكم مختص بأمته دونه.
وقيل: إنه خوطب النبي ﷺ بـ ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ تعظيمًا له، كما تقول للرجل المعظّم: «أنتم فعلتم»، وهذا أيضًا ضعيف؛ لأنه يقتضي اختصاصه ﷺ بالحكم دون أمته.
ومعنى ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ هنا: إذا أردتم الطلاق.
واختلف في الطلاق هل هو مباح أو مكروه؟
وأما إذا كان على غير وجه السنة فهو ممنوع، ولكن يلزم.
وأما اليمين بالطلاق فممنوع (٢).
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ تقديره: طلقوهن مستقبلات لعدتهن، ولذلك قرأ عثمان وابن عباس وأبي بن كعب: «فطلقوهن في قُبُلِ عِدَّتِهن»، وقرأ
стр. 2631
ابن عمر: «لقُبُل عدتهن»، ورويت القراءتان عن رسول الله ﷺ (١).
ومعنى ذلك كله: أن لا يطلقها وهي حائض، فهو منهي عنه بإجماع؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمره الله بها وهو استقبال العدة.
واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض هل هو معلَّل بتطويل العدة، أو هل هو تعبد؟
والصحيح أنه معلل بذلك.
وينبني على هذا الخلاف فروع:
منها: هل يجوز إذا رضيت به المرأة أم لا؟
منها: هل يجوز طلاقها وهي حامل أم لا؟
ومنها: هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا؟
فالتعليل بتطويل العدَّة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبد يقتضي المنع.
ومن طلق في الحيض لزمه الطلاق، ثم أُمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، ودون إجبار عند الشافعي حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال له: «مرة فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر؛ فإن شاء طلق وإن شاء أمسك» (٢).
стр. 2632
واشترط مالك أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه؛ لتعتد بذلك الطهر، فإنه إن طلقها في طهر بعد أن جامعها فيه فلا تدري هل تعتد بالوضع أو بالأقراء؟ فليس طلاقًا لعدتها كما أمره الله.
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ أمر بذلك؛ لما يبنَى عليها من الأحكام، في الرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك.
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ نهى الله أن يُخرج الرجل المرأة المطلقة من المسكن الذي طلقها فيه، ونهاها أن تخرج هي باختيارها، فلا يجوز لها المبيت عن بيتها، ولا أن تغيب عنه نهارًا إلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب وصيانة المرأة، فإن كان المسكن مِلكًا للزوج، أو مكترى عنده لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كراؤه مدة العدة، وإن كانت قد أمتعته فيه مدة الزوجية؛ ففي لزوم خَرْجِ (١) العدة له قولان في المذهب، والصحيح لزومه؛ لأن الإمتاع قد انقطع بالطلاق.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ اختلف في هذه الفاحشة التي أباحت خروج المعتدة ما هي؟ على خمسة أقوال:
الأول: أنها الزنا، فتَخرج لإقامة الحدِّ، قاله الليث بن سعد والشعبي.
الثاني: أنه سوء الكلام مع الأصهار، فتخرج ويسقط حقها من السكنى، ويلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظًا للنسب، قاله ابن عباس، ويؤيده قراءة أبي بن كعب: «إلا أن يفحشن عليكم».
стр. 2633
الثالث: أنه جميع المعاصي من القذف والزنا والسرقة وغير ذلك، فمتى فعلت شيئا من ذلك سقط حقها في السكنى، قاله ابن عباس أيضًا، وإليه مال الطبري (١).
الرابع: أنه الخروج عن (٢) بيتها خروج انتقال فمتى فعلت ذلك سقط حقها في السكنى، قال ابن الفرس: وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة (٣).
الخامس: أنه النشوز قبل الطلاق، فإذا طلقها بسبب نشوزها فلا يكون عليه سكنى، قاله قتادة.
﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ المراد به: الرجعة عند الجمهور، أي: أحصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به، لعل الله يحدث الرجعة لنسائكم.
وقيل: المعنى: لعل الله يحدث أمرًا من نسخ هذه الأحكام، وهذا بعيد.
وقيل: إن سبب الرجعة المذكورة في الآية: تطليق النبي ﷺ لحفصة بنت عمر، فأمره الله بمراجعتها.
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ يريد: آخر العدة.
والإمساك بمعروف: هو تحسين العشرة، وتوفية النفقة.
والفراق بالمعروف: هو أداء الصداق، والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط ونحو ذلك.
стр. 2634
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ هذا خطاب للأزواج، والإشهاد المأمور به: هو على الرجعة عند الجمهور، وقد اختلف فيه هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين في المذهب.
وقال ابن عباس: هو الشهادة على الطلاق وعلى الرجعة، وذلك أظهر؛ لأن الإشهاد به يرفع الإشكال والنزاع، ولا فرق في هذا بين الرجعة والطلاق.
وقد ذكرنا العدالة في «البقرة» (١).
وقوله: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ يدل على إنه إنما يشهد في الطلاق والنكاح الرجال دون النساء، وهو مذهب مالك، خلافًا لمن أجاز شهادة النساء في ذلك.
وقوله: ﴿مِنكُمْ﴾ يعني: من المسلمين.
وقيل: من الأحرار، فيؤخذ من ذلك: ردُّ شهادة العبيد، وهو مذهب مالك.
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ هذا خطاب للشهود.
وإقامة الشهادة:
يحتمل أن يريد به: القيام بها، فإذا استُشهد وجب عليه أن يشهد، وهو فرض كفاية، وإلى هذا المعنى أشار ابن الفرس (٢).
стр. 2635
ويحتمل أن يريد: إقامتها بالحق دون ميل ولا غرض، وبهذا فسره الزمخشري (١)، وهو أظهر؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ فهو كقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥].
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدم من الأحكام.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ قيل: إنها في الطلاق، ومعناها: من يتق الله فيطلق طلقة واحدة، حسبما تقتضيه السنة يجعل له مخرجًا بجواز الرجعة متى ندم على الطلاق، وفي هذا المعنى روي عن ابن عباس أنه قال لمن طلق ثلاثًا: إنك لم تتق الله فبانت منك امرأتك، ولا أرى لك مخرجًا؛ أي: لا رجعة لك.
وقيل: إنها على العموم؛ أي: من يتق الله في أقواله وأفعاله يجعل الله له مخرجًا من كرب الدنيا والآخرة، وقد روي هذا أيضًا عن ابن عباس، وهذا أرجح لخمسة أوجه:
أحدها: حمل اللفظ على عمومه، فيدخل في ذلك الطلاق وغيره.
الثاني: أنه روي أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أُسر ولده وضُيق عليه رزقُه، فشكى ذلك إلى رسول الله ﷺ فأمره بالتقوى، فلم يلبث إلا يسيرًا وانطلق ولده ووسع الله رزقه.
والثالث: أنه روي عن رسول الله ﷺ أنه قرأها فقال: «مخرجًا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة» (٢).
стр. 2636
والرابع: روي أنه ﷺ قال: «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾» الآية، فما زال يقرؤها ويعيدها.
الخامس: قوله: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فإن هذا لا يناسب الطلاق وإنما يناسب التقوى على العموم.
قال بعض العلماء: الرزق على نوعين:
رزق مضمون لكل حي طول عمره، وهو الغذاء الذي تقوم به الحياة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
ورزق موعود للمتقين خاصة، وهو المذكور في هذه الآية.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: كافيه بحيث لا يحتاج معه إلى غيره. وقد تكلمنا على التوكل في «آل عمران» (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ أي: يبلغ ما يريد ولا يُعجزه شيء، وهذا حضٌّ على التوكل وتأكيد له؛ لأن العبد إذا تحقق أن الأمور كلها بيد الله توكل عليه وحده ولم يعوّل على سواه (٢).
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أي: مقدارًا معلومًا ووقتًا محدودًا.
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ روي أنه لما نزل قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: يا رسول الله فما عدة من لا قُرْءَ لها من صِغَرٍ أو كبر؟ فنزلت هذه الآية
стр. 2637
مُعلمة أن المطلقة إذا كانت ممن لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، فقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ يعني: التي انقطعت حيضتها لكبر سنها، وقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يعني: الصغيرة التي لم تبلغ المحيض، وهو معطوف على ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾، أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره: واللائي لم يحضن كذلك.
وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ هو من الريب بمعنى الشك، وفي معناه قولان:
أحدهما: إن ارتبتم في حكم عدتها فاعلموا أنها ثلاثة أشهر.
والآخر: إن ارتبتم في حيضتها هل انقطع أو لم ينقطع.
فهي على التأويل الأول: في التي انقطعت حيضتها لكبرها حسبما ذكرنا، وهو الصحيح.
وهي على التأويل الثاني: في المرتابة وهي التي غابت عنها الحيضة وهي في سن من تحيض، وقد اختلف العلماء في عدتها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها ثلاثة أشهر خاصة حسبما تقتضيه الآية على هذا التأويل.
والآخر: أنها ثلاثة أشهر بعد تسعة أشهر تستبرئ بها أمد الحمل، وهذا مذهب مالك، وقدوته في ذلك عمر بن الخطاب ﵁.
والثالث: أنها تعتد بالأقراء ولو بقيت ثلاثين سنة حتى تبلغ سن من لا تحيض، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ هذه الآية عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء: عامة في المطلقات والمتوفى عنهن، فمتى كانت إحداهن حاملًا فعدتها وضع حملها.
стр. 2638
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس: إنما هذه الآية في المطلقات الحوامل فهن اللاتي عدتهن وضع حملهن، وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملًا فعدتها - عندهما - أبعد الأجلين: إما الوضع أو انقضاء الأربعة الأشهر وعشر.
فحجة الجمهور: حديث سبيعة الأسلمية أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي في حجة الوداع وهي حبلى، فلما وضعت خطبها أبو السنابل بن بَعْكَك، فسألت رسول الله ﷺ فقال لها: «انكحي من شئت» (١).
وقد ذُكر أن ابن عباس رجع إلى هذا الحديث لما بلغه، ولو بلغ عليًا ﵁ لرجع إليه.
وقال عبد الله بن مسعود: إن هذه الآية التي نزلت في سورة النساء القصرى - يعني: سورة «الطلاق» - نزلت بعد الآية التي في «البقرة»: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. فهي مخصَّصة لها حسبما قاله جمهور العلماء.
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أمر الله بإسكان المطلقات طول العدة.
فأما المطلقة غير المبتوتة: فيجب لها على زوجها السكنى والنفقة باتفاق.
وأما المبتوتة: ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها يجب لها السكنى دون النفقة، وهو مذهب مالك والشافعي.
والثاني: أنها يجب لها السكنى والنفقة، وهو مذهب أبي حنيفة.
стр. 2639
والثالث: أنها ليس لها سكنى ولا نفقة.
فحجة مالك: حديث فاطمة بنت قيس، وهو أن زوجها طلقها ألبتة، فقال لها رسول الله ﷺ : «ليس لك عليه نفقة» (١)، فيؤخذ من هذا أن لها السكنى دون النفقة.
وحجة من أوجب لها السكنى والنفقة: قول عمر بن الخطاب: لا ندع آيةً من كتاب ربنا لقول امرأة، فإني سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: «لها السكنى والنفقة» (٢).
وحجة من لم يجعل لها لا سكنى ولا نفقة: أن في بعض الروايات عنها أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى (٣).
وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ معناه: أسكنوهن مكانًا من بعض مساكنكم، فـ ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، ويفسّر ذلك قول قتادة: لو لم يكن له إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه.
﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ الوُجْد: هو الطاقة والسعة في المال، فالمعنى: أسكنوهن مسكنًا مما تقدرون عليه.
وإعرابه: عطف بيان لقوله: ﴿حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾.
ويجوز في الوجد ضم الواو وفتحها وكسرها بمعنى واحد، والضم أكثر وأشهر.
стр. 2640
﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ اتفق العلماء على وجوب النفقة في العدة للمطلقة الحامل؛ عملا بهذه الآية؛ سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا.
واتفقوا على أن للمطلقة غير الحامل النفقة في العدة إذا كان الطلاق رجعيا.
فإن كان بائنا فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه.
وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملا:
فلا نفقة لها عند مالك والجمهور؛ لأنهم رأوا أن هذه الآية إنما هي في المطلقات.
وقال قوم: لها النفقة في التركة.
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ المعنى: إن أرضع هؤلاء الزوجات المطلقات أولادكم فآتوهن أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن حسبما ذكر في كتب الفقه.
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ هذا خطاب للرجال والنساء، والمعنى: أن يأمر كل واحد صاحبه بخير من المسامحة والرفق والإحسان.
وقيل: معنى ﴿وَأْتَمِرُوا﴾ تشاوروا، ومنه: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠].
﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ المعنى: أن تشططت الأم على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيرا؛ فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما
стр. 2641
هو أرفق به، إلا أن لا يقبل الطفل غير ثدي أمه، فتجبر حينئذ على رضاعه بأجرة مثلها ومثل الزوج.
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ أمر بأن ينفق كل أحد على مقدار حاله (١)، ولا يكلف الزوج ما لا يطيق، ولا تُضيَّع الزوجة بل يكون الحال معتدلًا.
وفي الآية دليل على أن النفقة تختلف باختلاف أحوال الناس، وهو مذهب مالك، خلافًا لأبي حنيفة فإنه اعتبر الكفاية.
ومن عجز عن نفقة امرأته: فمذهب مالك والشافعي أنها تطلق عليه، خلافًا لأبي حنيفة.
وإن عجز عن الكسوة دون النفقة: ففي التطليق عليه قولان في المذهب.
стр. 2642
[﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾].
﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ أي: حاسبنا أهلها.
قيل: يعني: الحساب في الآخرة، وكذلك العذاب المذكور بعده.
وقيل: يعني: في الدنيا، وهذا أرجح؛ لأنه ذكر عذاب الآخرة بعد ذلك في قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، ولأن قوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ و ﴿وَعَذَّبْنَاهَا﴾ بلفظ الماضي؛ فهو حقيقة فيما وقع، مجاز فيما لم يقع.
فمعنى ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ أي: واخذناهم بجميع ذنوبهم ولم يغتفر لهم شيء من صغائرها.
والعذاب: هو عقابهم في الدنيا.
والنُّكْر: هو الشديد الذي لم يعهد مثله.
﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا﴾ الذكر هنا: هو القرآن، والرسول: هو محمد ﷺ .
وإعراب ﴿رَسُولًا﴾: مفعول بفعل مضمر تقديره: أرسل رسولًا، هذا
стр. 2643
الذي اختاره ابن عطية (١)، وهو أظهر الأقوال.
وقيل: إن الذكر والرسول معًا يراد بهما القرآن، والرسول على هذا: بمعنى الرسالة.
وقيل: إنهما يراد بهما القرآن، على حذف مضاف تقديره: ذكرًا ذا رسول.
وقيل: يراد بهما النبي ﷺ ، والذكر من أسمائه، وهذا ضعيف.
وقيل: ﴿رَسُولًا﴾ مفعول بالمصدر الذي هو الذكر.
وقال الزمخشري: الرسول هو جبريل أُبدل من الذكر؛ لأنه نزل به، أو سمي ذكرًا لكثرة ذكره لله (٢).
وهذا كله بعيد.
﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ لا خلاف أن السموات سبع.
وأما الأرض فاختلف فيها:
فقيل: إنها سبع أرضين؛ لظاهر هذه الآية، ولقوله ﷺ : «من غصب شبرًا من أرض طوَّقه يوم القيامة من سبع أرضين» (٣).
وقيل: إنما هي واحدة.
فقوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾:
على القول الأول: يعني به المماثلة في العدد.
стр. 2644
وعلى القول الثاني: يعني به المماثلة في عِظَم الجِرْم وكثرة العُمَّار، وغير ذلك.
والأول أرجح.
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ يحتمل أن يريد بالأمر:
الوحي.
أو أحكام الله وتدبيره لخلقه.
стр. 2645
(سورة التحريم)
[﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾].
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ في سبب نزولها روايتان:
إحداهما: أن رسول الله ﷺ جاء يومًا إلى بيت زوجه حفصة بنت عمر ابن الخطاب، فوجدها قد مرت لزيارة أبيها، فبعث في جاريته مارية فقال معها (١) في البيت، فجاءت حفصة فقالت: يا رسول الله أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ أتفعل هذا في بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها رسول الله ﷺ
стр. 2646
مترضيًا (١) لها: «أيرضيك أن أحرمها؟»، قالت: نعم، فقال: «إني قد حرَّمتها» (٢).
والرواية الأخرى: أن رسول الله ﷺ كان يدخل على زوجه زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلًا، فاتفقت عائشة وحفصة وسودة بنت زمعة على أن تقول له من دنا منها: أكلت مَغافير، والمغافير: صمغ العُرْفُط، وهو حلو كريه الريح، ففعلن ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «لا ولكني شربت عسلًا»، فقلن له: جرستْ نحله العرفط (٣)، فقال رسول الله ﷺ : «لا أشربه أبدًا»، وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب فقالت: ألا أسقيك من ذلك العسل؟ فقال: «لا حاجة لي به» (٤).
فنزلت الآية عتابًا له على أن يضيق على نفسه بتحريم الجارية أو تحريم العسل.
والرواية الأولى أشهر، وعليها تكلم الناس في فقه السورة.
وقد خرَّج الرواية الثانية البخاري وغيره.
ولنتكلم على فقه التحريم:
فأما تحريم الطعام والمال وسائر الأشياء ما عدا النساء:
فلا يلزم، ولا شيء عليه عند مالك.
стр. 2647
وأوجب عليه أبو حنيفة كفارة.
وأما تحريم الأمة:
فإن نوى به العتق لزم.
وإن لم ينوِ به ذلك لم يلزم. وكان حكمه ما ذكرنا في الطعام.
وأما تحريم الزوجة: فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة:
فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم: إنما يلزم (١) فيه كفارة يمين.
وقال مالك في المشهور عنه: ثلاث تطليقات في المدخول بها، ويُنَوَّى في غير المدخول بها فيُحكم بما نوى من طلقة أو اثنتين أو ثلاث.
وقال ابن الماجشون: هي ثلاث في الوجهين.
وروي عن مالك: أنها طلقة بائنة.
وقيل: طلقة رجعية.
﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ أي: تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحل الله لك، يعني: تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، وهذا يدلُّ على أنها نزلت في تحريم الجارية.
وأما تحريم العسل فلم يقصد به رضا أزواجه، وإنما تركه لرائحته.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في هذا إشارة إلى أن الله غفر له ما عاتبه عليه من
стр. 2648
التحريم، على أن عتابه في ذلك إنما كان كرامة له، وإنما وقع العتاب على تضييقه ﷺ على نفسه، وامتناعه مما كان له فيه أرب.
وبئس ما قال الزمخشري في أن هذا كان منه زلة؛ لأنه حرَّم ما أحل الله! (١)، وذلك قلة أدب على منصب النبوة.
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ التَّحلَّة: هي الكفارة.
وأحال تعالى هنا على ما ذكر في سورة «المائدة» من صفتها (٢).
واختلف في المراد بها هنا:
[أـ] فأما على قول من قال: إن الآية نزلت في تحريم الجارية: فاختلف في ذلك:
فمن قال: إن التحريم يلزم فيه كفارة يمين استدلَّ بها.
ومن قال: إن التحريم يلزم منه (٣) طلاق قال: إن الكفارة هنا إنما هي لأن رسول الله ﷺ حلف، فقال: «والله لا أطؤها أبدًا».
[بـ] وأما على القول بأن الآية نزلت في تحريم العسل: فاختلف أيضًا:
فمن أوجب في تحريم الطعام كفارةً قال: هذه الكفارة للتحريم.
ومن قال: لا كفارة فيه قال: إنما هذه الكفارة؛ لأنه حلف أن لا يشربه.
стр. 2649
وقيل: هي في يمينه ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا.
﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ يَحتمل أن يكون:
بمعنى الولي الناصر.
أو بمعنى السيد الأعظم.
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ اختُلف في هذا الحديث على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه تحريم الجارية، فإنه لما حرمها قال لحفصة: «لا تخبري بذلك أحدًا».
والآخر: أنه قال (١): إن أبا بكر وعمر يليان الأمر من بعده (٢).
والثالث: أنه قوله: «شربت عسلًا».
والأول أشهر.
و ﴿بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ حفصة.
﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ كانت حفصة قد أخبرت عائشة بما أسرَّ إليها رسول الله ﷺ من تحريم الجارية، فأخبر الله رسوله ﵇ بذلك، فعاتب حفصة عن إفشائها لسره وطلقها، ثم أمره الله بمراجعتها فراجعها، وقيل: لم يطلقها.
стр. 2650
فقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ حذف المفعول وهو عائشة، وقوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: أطلعه على إخبارها به.
وقيل: معناه: أظهر الله عليه (١) الحديث، من الظهور.
وقوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أي: عاتب حفصة على بعضه وأعرض عن بعضه؛ حياء وتكرُّمًا، فإن من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات والتقصير في العتاب.
وقرئ ﴿عَرَفَ﴾ بالتخفيف؛ من المعرفة.
﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ أي: لما أخبر النبي ﷺ حفصة بأنها قد أفشت سره، ظنت أن عائشة هي التي أخبرته به، فقالت له: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ فلما أخبرها أن الله هو الذي أنبأه به سكتت وسلَّمت.
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ هذا خطاب لعائشة وحفصة، وتوبتهما: مما جرى منهما في قصة تحريم الجارية أو العسل.
ومعنى ﴿صَغَتْ﴾: أي: مالت عن الصواب، وقرأ ابن مسعود: «زاغت».
والمعنى: إن تتوبا إلى الله فقد صدر منكما ما يوجب التوبة.
﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ المعنى: إن تعاونتما عليه ﷺ بما يسوؤه من إفراط الغيرة، وإفشاء سره ونحو ذلك فإن له من ينصره.
و ﴿مَوْلَاهُ﴾ هنا:
يحتمل أن يكون بمعنى السيد الأعظم، فيوقف على ﴿مَوْلَاهُ﴾، ويكون
стр. 2651
﴿وَجِبْرِيلُ﴾ مبتدأ، و ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبره وخبر ما عُطف عليه.
ويحتمل أن يكون المولى هنا بمعنى: الولي الناصر، فيكون ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ معطوفًا، فيوصل مع ما قبله، ويوقف على ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ويكون ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ مبتدأ و ﴿ظَهِيرٌ﴾ خبره، وهذا أظهر وأرجح لوجهين:
أحدهما: أن معنى الناصر أليق بهذا الموضع، فإن ذلك كرامة للنبي ﷺ وتشريف له، وأما إذا كان بمعنى السيد فذلك يشترك فيه النبي ﷺ مع غيره؛ لأن الله تعالى مولى جميع خلقه بهذا المعنى، فليس في ذلك إظهار مزية له.
الوجه الثاني: أنه ورد في الحديث الصحيح: أنه لما وقع ذلك جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء؛ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل معك وأبو بكر معك وأنا معك» (١)، فنزلت الآية موافقة لقول عمر، فقوله: «معك» يقتضي معنى النصرة.
﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اختلف في ﴿وَصَالِحُ﴾ هل هو مفرد أو جمع محذوف النون للإضافة؟
فعلى القول بأنه مفرد: هو أبو بكر الصديق، وقيل: علي بن أبي طالب.
وعلى القول بأنه جمع: فهو على العموم في كل صالح.
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية؛ نصرة للنبي ﷺ .
وروي أن عمر قال ذلك ونزل القرآن بموافقته، ولقد قال عمر حينئذ
стр. 2652
للني ﷺ : «والله يا رسول الله لئن أمرتني بضرب عنق حفصة لضربت عنقها» (١).
وقد ذكرنا معنى الإسلام والإيمان والقنوت (٢).
والسائحات: معناه الصائ مات، قاله ابن عباس، وقد روي عن النبي ﷺ (٣).
وقيل: معناه مهاجرات.
وقيل: ذاهبات إلى الله؛ لأن أصل السياحة الذهاب في الأرض.
وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ قال بعضهم: المراد بالأبكار هنا: مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون (٤)؛ فإن الله يزوج النبي ﷺ إياهما في الجنة، وهذا يفتقر إلى نقل صحيح.
ودخلت الواو هنا للتقسيم، ولو سقطت لاختل المعنى؛ لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان.
وقال الكوفيون: هي واو الثمانية، وذلك ضعيف.
﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ أي: أطيعوا الله، وأمروا أهليكم بطاعته؛ لتقوا
стр. 2653
أنفسكم وأهليكم بطاعته من النار، فعبر بالمسبَّب وهو وقاية النار عن السبب وهو الطاعة.
﴿وَقُودُهَا﴾ ذكر في «البقرة» (١).
﴿مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ يعني: زبانية النار.
وغِلَظُهم (٢) وشدتهم: يحتمل أن يريد:
في أجرامهم.
أو في قسوة (٣) قلوبهم.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ قيل: إن هذا تأكيد لقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ﴾.
وقيل: إن معنى ﴿لَا يَعْصُونَ﴾ امتثال الأمر، ومعنى ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
جِدُّهم ونشاطهم فيما يؤمرون به من عذاب الناس.
﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ يعني: يوم القيامة.
ويحتمل أن يكون هذا:
خطابًا من الله للكفار.
أو خطابًا من الملائكة.
стр. 2654
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾].
﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ قال عمر بن الخطاب: التوبة النصوح: هي أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه أبدًا، ولا يريد أن يعود.
وقيل: معناه: توبة خالصة، فهو من قولهم: عسل ناصح: إذا خلص من الشمع.
وقيل: هي أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، كتوبة الثلاثة الذين خلفوا.
وقال الزمخشري: وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي، والنصح في الحقيقة صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم (١).
стр. 2655
وقد تكلمنا على التوبة في قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١] في «النور» (١).
﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ يحتمل أن يكون: ما قبله.
أو ما بعده.
أو محذوف تقديره: اذكر.
والوقف والابتداء يختلف على ذلك.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن يكون:
معطوفًا على ﴿النَّبِيَّ﴾.
أو مبتدأ وخبره بعده.
﴿نُورُهُمْ يَسْعَى﴾ ذكر في «الحديد» (٢).
﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ذكر في «براءة» (٣).
﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ قيل: اسم امرأة نوح والغة، واسم امرأة لوط والهة، وهذا يفتقر إلى صحة النقل.
﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال ابن عباس: خانت امرأة نوح في أنها كانت تقول: إنه
стр. 2656
مجنون، وخانت امرأة لوط بأنها كانت تخبر قومه بأضيافه إذا قدموا عليه، وكانتا مع ذلك كافرتين.
وقيل: خانتا بالزنا، وأنكر ابن عباس ذلك وقال: ما زنت امرأة نبي قط؛ تنزيهًا من الله لهم عن هذا النقص.
وضرب الله المثل بهاتين المرأتين للكفار الذين بينهم وبين الأنبياء وسائل، كأنه يقول: لا يغني أحد عن أحد ولو كان أقرب الناس إليه؛ كقرب امرأة نوح وامرأة لوط من أزواجهما.
وقيل: هو مثل لأزواج النبي ﷺ فيما ذكر في أول السورة، وهذا باطل؛ لأن الله إنما ضربه للذين كفروا.
﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ اسمها آسية، وكانت قد آمنت بموسى ﵇، فبلغ ذلك فرعون فأمر بقتلها، فدعت بهذا الدعاء فقبض الله روحها، وروي في قصصها غير هذا مما يطول وهو غير صحيح.
﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ تعني: كفره وظلمه.
وقيل: مضاجعته لها، وهذا ضعيف.
﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يعني: الفرج الذي هو الجارحة، وإحصانها له: هو صيانتها وعفّتها عن كل مكروه.
وقيل: يعني فرج درعها، وهذا ضعيف.
﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ عبارةٌ عن نفخ جبريل في فرجها، فخلق الله فيه عيسى ﵇.
стр. 2657
وأضاف الله الروح إلى نفسه إضافة مخلوق إلى خالقه، وفي ذلك تشريف له.
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكِتَابِهِ﴾ كلمات ربها: يحتمل أن يريد بها: الكتب التي أنزل.
أو كلامه مع الملائكة وغيرهم.
و ﴿وَكِتَابِهِ﴾ بالتوحيد: يحتمل أن يريد به: التوراة، أو الإنجيل، أو جنس الكتب.
وقرئ بالجمع يعني: جميع كتب الله.
﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ أي: من العابدين.
فإن قيل: لم قال ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ بجمع المذكر وهي أنثى؟
فالجواب: أن القنوت صفة تجمع الرجال والنساء، فغلَّب الذكور.
وقيل: معناه: تعاظم.
وهو مختص بالله تعالى، ولم يُنطق له بمضارع.
﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ يعني: مُلك السموات والأرض والدنيا والآخرة.
وقيل: يعني: مُلْك الملوك في الدنيا، فهو كقوله: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦].
والأول أعم وأعظم.
﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ يعني: موت الخلق وحياتهم.
وقيل: الموت: الدنيا؛ لأن أهلها يموتون، والحياة: الآخرة؛ لأنها باقية، فهو كقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وهو على هذا وصفٌ بالمصدر.
والأول أظهر.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: ليختبركم، واختبار الله لعباده إنما هو لتقوم عليهم الحجة بما يصدر منهم، وقد كان الله علم ما يفعلون قبل كونه.
والمعنى: ليبلوكم فيجازيكم بما ظهر منكم.
﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ روي أن رسول الله ﷺ قرأها فقال: «أيكم أحسن عقلًا (١)، وأشدكم لله خوفًا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله» (٢).
стр. 2660
﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ أي: بعضها فوق بعض. والطباق:
مصدرٌ وُصفت به السموات.
أو على حذف مضاف تقديره: ذوات طباق.
وقيل: إنه جمع طَبقة.
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ أي: من قلةِ تناسُبٍ وخروجٍ عن الإتقان، والمعنى: أن خلقة السموات في غاية الإتقان، بحيث ليس فيها ما يَعيبها من الزيادة والنقصان والاختلاف.
وقيل: أراد خلقة جميع المخلوقات.
ولا شك أن جميع المخلوقات متقنةٌ، ولكن تخصيص الآية بخلقة السماوات أظهر؛ لورودها بعد قوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، فكأن قوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ بيانٌ وتكميل لما قبله.
والخطاب في قوله: ﴿مَا تَرَى﴾ و ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ وما بعده: للنبي ﷺ ، أو لكل مخاطب ليعتبر.
﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ الفطور: الشقوق، جمع فَطْر وهو الشَّق.
ورجْعُ البصر: ترديده في النظر.
ومعنى الآية: الأمر بالنظر إلى السماء فلا يرى فيها شقاق ولا خَلل (١)،
стр. 2661
بل هي ملتئمة مستوية.
﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي: انظر نظرًا بعد نظر للتثبت والتحقيق.
وقال الزمخشري: معنى التثنية في ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ التكثير، لا مرتين خاصة، كقولهم: «لبيك» فإن معناه إجاباتٌ كثيرةٌ (١).
﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ الخاسئ: هو المبعد عن الشيء الذي طلب.
والحسير: هو الكليل الذي أدركه التعب.
فمعنى الآية: أنك إذا نظرت إلى السماء مرة بعد مرة لترى فيها شقاقًا أو خَلَلًا رجع بصرك ولم تر شيئًا من ذلك؛ فكأنه خاسئ؛ لأنه لم يحصل له ما طلب من رؤية الشقاق والخلل، وهو مع ذلك كليلٌ من شدة النظر وكثرة التأمل.
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ السماء الدنيا: هي القريبة منا.
والمصابيح: يراد بها النجوم.
فإن كانت النجوم كلها في السماء الدنيا فلا إشكال.
وإن كانت في غيرها من السماوات فقد زُيّنت السماء الدنيا؛ لأنها ظاهرة فيها لنا.
ويحتمل أن يريد أنه زيَّن السماء الدنيا بالنجوم التي فيها دون التي في
стр. 2662
غيرها، على أن القول بمواضع الكواكب وفي أيِّ سماءٍ هي لم يرد في الشريعة.
﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ أي: جعلنا منها رجومًا؛ لأن الكواكب الثابتة ليست ترجم الشياطين، فهو كقولك: «أكرمت بني فلان»: إذا أكرمتَ بعضهم.
والرجوم: جمع رجْمٍ، وهو مصدر سُمِّي به ما يُرجم به.
قال الزمخشري: معنى كون النجوم رجومًا للشياطين: أن الشهب تنقضُّ من النجوم لرجم الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء، فالشهب الراجمة منفصلة من نار الكواكب، لا أن الراجمة هي الكواكب أنفسها؛ لأنها ثابتة في الفلك (١).
قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: زينةٌ السماء، ورجومٌ الشياطين وليهتدى بها في ظلمات البر والبحر.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ يعني: للشياطين.
﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ الشهيق: أقبح ما يكون من صوت الحمار، ويعني به هنا:
ما يُسمع من صوت جهنم؛ لشدَّة غليانها وهَوْلها.
أو شهيق أهلها.
والأول أظهر.
стр. 2663
﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ أي: تغلي بأهلها غليان القدر بما فيها.
﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: تكاد جهنم ينفصل بعضها من بعض؛ لشدَّة غيظها على الكفار.
فيحتمل:
أن تكون هي المغتاظة بنفسها.
ويحتمل أن يريد غيظ الزبانية.
والأول أظهر؛ لأن حال الزبانية يُذكر بعد هذا.
وغيظ النار يحتمل:
أن يكون حقيقة بإدراك يخلقه الله لها.
أو يكون عبارةً عن شدتها.
﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ أي: كلما أُلقي في جهنم جماعة من الكفار سألهم الزبانية: هل جاءكم (١) نذير؟ أي: رسول، وهذا السؤال على وجه التوبيخ وإقامة الحجة عليهم، ولذلك اعترفوا فقالوا: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿كُلَّمَا﴾ يقتضي أن يقال ذلك لكل جماعةٍ تُلْقَى في النار.
﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ يحتمل أن يكون:
من قول ملائكة النار للكفار.
أو من قول الكفار للرسل في الدنيا.
стр. 2664
﴿وَقَالُوا﴾ الضمير للكفار؛ أي: لو كنا نسمع كلام الرسل ونعقل الصواب ما كنا في أصحاب السعير.
﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ اعترافهم هذا في وقتٍ لا ينفعهم الاعتراف.
وذنبهم هنا: يراد به تكذيب الرسل.
﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ انتصب ﴿فَسُحْقًا﴾ بفعل مضمر على معنى الدعاء عليهم.
﴿بِالْغَيْبِ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن معناه: وهم غائبون عن الناس، ففي ذلك وصفٌ لهم بالإخلاص.
والآخر: أن الغيب ما غاب عنهم من أمور الآخرة وغيرها، على أن هذا القول إنما يحسن في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣].
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ المعنى: سواء جهرتم أو أسررتم فإن الله يعلم الجهر والسر.
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ هذا برهان على أن الله تعالى يعلم كل شيء؛ لأن الخالق يعلم مخلوقاته.
ويحتمل أن يكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾:
فاعلًا يراد به الخالق، والمفعول محذوف تقديره: ألا يعلم الخالق خَلْقَه.
стр. 2665
أو يكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ مفعولًا، والفاعل مضمر تقديره: ألا يعلم الله من خلق.
والأول أرجح؛ لأن ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ إذا كان مفعولًا اختصَّ بمن يعقل، والمعنى الأول يعم من يعقل ومن لا يعقل.