← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

بل هي ملتئمة مستوية. ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي: انظر نظرًا بعد نظر للتثبت والتحقيق. وقال الزمخشري: معنى التثنية في ﴿كَرَّتَيْنِ﴾ التكثير، لا مرتين خاصة، كقولهم: «لبيك» فإن معناه إجاباتٌ كثيرةٌ (١). ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ الخاسئ: هو المبعد عن الشيء الذي طلب. والحسير: هو الكليل الذي أدركه التعب. فمعنى الآية: أنك إذا نظرت إلى السماء مرة بعد مرة لترى فيها شقاقًا أو خَلَلًا رجع بصرك ولم تر شيئًا من ذلك؛ فكأنه خاسئ؛ لأنه لم يحصل له ما طلب من رؤية الشقاق والخلل، وهو مع ذلك كليلٌ من شدة النظر وكثرة التأمل. ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ السماء الدنيا: هي القريبة منا. والمصابيح: يراد بها النجوم. فإن كانت النجوم كلها في السماء الدنيا فلا إشكال. وإن كانت في غيرها من السماوات فقد زُيّنت السماء الدنيا؛ لأنها ظاهرة فيها لنا. ويحتمل أن يريد أنه زيَّن السماء الدنيا بالنجوم التي فيها دون التي في

стр. 2662

غيرها، على أن القول بمواضع الكواكب وفي أيِّ سماءٍ هي لم يرد في الشريعة. ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ أي: جعلنا منها رجومًا؛ لأن الكواكب الثابتة ليست ترجم الشياطين، فهو كقولك: «أكرمت بني فلان»: إذا أكرمتَ بعضهم. والرجوم: جمع رجْمٍ، وهو مصدر سُمِّي به ما يُرجم به. قال الزمخشري: معنى كون النجوم رجومًا للشياطين: أن الشهب تنقضُّ من النجوم لرجم الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء، فالشهب الراجمة منفصلة من نار الكواكب، لا أن الراجمة هي الكواكب أنفسها؛ لأنها ثابتة في الفلك (١). قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: زينةٌ السماء، ورجومٌ الشياطين وليهتدى بها في ظلمات البر والبحر. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ يعني: للشياطين. ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ الشهيق: أقبح ما يكون من صوت الحمار، ويعني به هنا: ما يُسمع من صوت جهنم؛ لشدَّة غليانها وهَوْلها. أو شهيق أهلها. والأول أظهر.

стр. 2663

﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ أي: تغلي بأهلها غليان القدر بما فيها. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: تكاد جهنم ينفصل بعضها من بعض؛ لشدَّة غيظها على الكفار. فيحتمل: أن تكون هي المغتاظة بنفسها. ويحتمل أن يريد غيظ الزبانية. والأول أظهر؛ لأن حال الزبانية يُذكر بعد هذا. وغيظ النار يحتمل: أن يكون حقيقة بإدراك يخلقه الله لها. أو يكون عبارةً عن شدتها. ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ أي: كلما أُلقي في جهنم جماعة من الكفار سألهم الزبانية: هل جاءكم (١) نذير؟ أي: رسول، وهذا السؤال على وجه التوبيخ وإقامة الحجة عليهم، ولذلك اعترفوا فقالوا: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾. وقوله: ﴿كُلَّمَا﴾ يقتضي أن يقال ذلك لكل جماعةٍ تُلْقَى في النار. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ يحتمل أن يكون: من قول ملائكة النار للكفار. أو من قول الكفار للرسل في الدنيا.

стр. 2664

﴿وَقَالُوا﴾ الضمير للكفار؛ أي: لو كنا نسمع كلام الرسل ونعقل الصواب ما كنا في أصحاب السعير. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ اعترافهم هذا في وقتٍ لا ينفعهم الاعتراف. وذنبهم هنا: يراد به تكذيب الرسل. ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ انتصب ﴿فَسُحْقًا﴾ بفعل مضمر على معنى الدعاء عليهم. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن معناه: وهم غائبون عن الناس، ففي ذلك وصفٌ لهم بالإخلاص. والآخر: أن الغيب ما غاب عنهم من أمور الآخرة وغيرها، على أن هذا القول إنما يحسن في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ المعنى: سواء جهرتم أو أسررتم فإن الله يعلم الجهر والسر. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ هذا برهان على أن الله تعالى يعلم كل شيء؛ لأن الخالق يعلم مخلوقاته. ويحتمل أن يكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾: فاعلًا يراد به الخالق، والمفعول محذوف تقديره: ألا يعلم الخالق خَلْقَه.

стр. 2665

أو يكون ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ مفعولًا، والفاعل مضمر تقديره: ألا يعلم الله من خلق. والأول أرجح؛ لأن ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ إذا كان مفعولًا اختصَّ بمن يعقل، والمعنى الأول يعم من يعقل ومن لا يعقل.

стр. 2666

[﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾]. ﴿الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ فعول هنا بمعنى: مفعول، أي: مذلولة، فهي كركوب وحلوب. ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ابن عباس: هي الجبال. وقيل: الجوانب والنواحي. وقيل: الطرق. والمعنى: تعديد النعمة في تسهيل المشي على الأرض، فاستعار لها الذُّلَّ والمناكب؛ تشبيها بالدواب.

стр. 2667

﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ يعني: البعث يوم القيامة. ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ الآية؛ مقصودها التهديد والتخويف للكفار، وكذلك الآية التي بعدها. ﴿تَمُورُ﴾ ذكر في «الطور» (١). ﴿حَاصِبًا﴾ يحتمل أن يريد: حجارةً، أو ريحًا شديدة. ﴿نَذِيرِ﴾ بمعنى الإنذار، وكذلك ﴿نَكِيرِ﴾ بمعنى الإنكار. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ تنبيهٌ على الاعتبار بطيران الطيور في الهواء من غير شيء يمسكها. و ﴿صَافَّاتٍ﴾ جمع صافةٍ، وهي التي تبسط جناحيها للطيران. والقبض: ضم الجناحين إلى الجنب. وعطف ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ على ﴿صَافَّاتٍ﴾؛ لأن الفعل في معنى الاسم تقديره: قابضات. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل «قابضات» على طريقة ﴿صَافَّاتٍ﴾؟ فالجواب: أن بسط الجناحين هو الأصل في الطيران، كما أن مدَّ الأطراف هو الأصل في السباحة، فذُكر بصيغة اسم الفاعل؛ لدوامه وكثرته، وأما قبض الجناحين فإنما يفعله الطير (٢) قليلًا للاستراحة والاستعانة، فذَكره بلفظ الفعل؛ لقلته.

стр. 2668

﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ خطاب للكفار على وجه التوبيخ والتهديد وإقامة الحجة عليهم. ودخلت «أَمْ» التي يراد بها الإنكار على «مَنْ» فأدغمت فيها، وكذلك ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾. والضمير في ﴿أَمْسَكَ﴾: لله؛ أي: من يرزقكم إن مَنَع الله رزقه. ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أي: تمادوا في العتوِّ والنفور عن الإيمان. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية؛ توقيفٌ على الحالتين، أيهما أهدى، والمراد بها: توبيخ الكفار. وفي معناها قولان: أحدهما: أن المشي هنا استعارة في سلوك طريقة الهدى والضلال في الدنيا. والآخر: أنه حقيقة في المشي في الآخرة؛ لأن الكافر يُحمل إلى جهنم على وجهه. فأما على القول الأول: فقيل: إن الذي يمشي مكبًّا: أبو جهل، والذي يمشي سويًّا: محمد ﷺ ، وقيل: حمزة. وقيل: هي على العموم في كل مؤمن وكافر. وقد تمشي هذه الأقوال أيضًا على القول الثاني.

стр. 2669

والمكب: هو الذي يقع على وجهه، يقال: أكبَّ الرجل، وكبَّه غيره، فالمتعدي دون همزة، والقاصر بالهمزة، بخلاف سائر الأفعال. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الضمير للكفار، والوعد يراد به: البعث، أو عذابهم في الدنيا. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ ضمير الفاعل للكفار، وضمير المفعول للعذاب الذي يتضمنه الوعد. ﴿زُلْفَةً﴾ أي: قريبًا. وقيل: عيانًا. ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ظهر فيها السوء لما حل بهم. ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ تفتعلون من الدعاء؛ أي: تطلبون وتستعجلون به. والقائلون لذلك: الملائكة، أو يقال لهم بلسان الحال (١). ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ الآية؛ سببها: أن الكفار كانوا يتمنون هلاك

стр. 2670

النبي ﷺ والمسلمين، فأمره الله أن يقول لهم: إن أهلكني الله وأهلك من معي أو رحمنا؛ فإنكم لا تنجون من العذاب الأليم على كل حال. والهلاك هنا يحتمل أن يراد به: الموت، أو غيره. ومعنى ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾: من يمنعهم من العذاب. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ الآية؛ احتجاجٌ على المشركين. والغَوْر: مصدر وصف به فهو بمعنى غائر؛ أي: ذاهب في الأرض. والمعين: الكثير. واختلف هل وزنه فَعِيل أو مفعول؟ فالمعنى: إن غار ماؤكم الذي تشربون هل يأتيكم إله غير الله بماء معين؟

стр. 2671

(سورة ن والقلم) [﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾]. ﴿ن﴾ حرفٌ من حروف الهجاء، وقد تقدم الكلام عليها في «البقرة» (١). ويختص ﴿ن﴾ بأنه قيل: إنه حرف من «الرحمن»، فإن حروف الرحمن

стр. 2672

في ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾، و ﴿ن﴾. وقيل: إن نون (١) هنا يراد به: الحوت، وزعموا أنه الحوت الأعظم الذي عليه الأرضون السبع، وهذا لا يصح. على أن النون بمعنى الحوت معروف في اللغة، ومنه: ذو النون. وقيل: إن نون هنا يراد به الدَّواة، وهذا غير معروف في اللغة. ويبطل قول من قال إنه الحوت أو الدواة: بأنه لو كان كذلك لكان معربًا بالرفع أو النصب أو الخفض، ولكان في آخره تنوين، فكونه موقوفًا دليل على أنه حرف هجاء نحو ﴿الم﴾ وغيره من حروف الهجاء الموقوفة. ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ اختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه القلم الذي كُتب به في اللوح المحفوظ، فالضمير في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ للملائكة. والآخر: أنه القلم المعروف عند الناس، أقسم الله به لما فيه من المنافع والحِكَم، والضمير في ﴿يَسْطُرُونَ﴾ على هذا لبني آدم. ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ هذا جواب القسم، وهو خطاب لمحمد ﷺ معناه: نفي ما نسبه الكفار له من الجنون. و ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ اعتراض بين ﴿مَا﴾ وخبرها، كما تقول: «أنت - بحمد الله - فاضل».

стр. 2673

والمجرور في موضع الحال، وقال الزمخشري: إن العامل فيه: ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ (١). ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ذكر في «فصلت» (٢). ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ هذا ثناءٌ على خُلُقِ رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂: «كان خلق رسول الله ﷺ القرآن» (٣) تعني: التأدب بآدابه وامتثال أوامره. وعبَّر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع، وذلك رأس الخلق. وتفصيل ذلك: أن رسول الله ﷺ جمع كل فضيلة، وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك: شرف النسب، ووفور العقل، وصحة الفهم، وكثرة العلم، وكثرة العبادة، وشدَّة الحياء، والسخاء، والصدق، والشجاعة، والصبر، والشكر، والمروءة، والتؤدة، والاقتصاد، والزهد، والتواضع، والشفقة، والعدل، والعفو، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، وحسن المعاشرة، وحسن التدبير، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس، وحسن الصورة، وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره وسِيَره ﷺ ولذلك قال ﷺ : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٤). وقال الجنيد: سمي خُلُقه عظيمًا؛ لأنه لم تكن له همة سوى الله .

стр. 2674

﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ قيل: إن ﴿الْمَفْتُونُ﴾ هنا بمعنى المجنون. ويحتمل غير ذلك من معاني الفتنة. والخطاب في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ للنبي ﷺ ، وفي قوله: ﴿وَيُبْصِرُونَ﴾ لكفار قريش. واختلف في الباء التي في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنها زائدة. الثاني: أنها غير زائدة، والمعنى: بأيكم الفتنة، فأوقع ﴿الْمَفْتُونُ﴾ موقع الفتنة كقولهم: «ما له معقول» أي: عقل. الثالث: أن الباء بمعنى «في»، والمعنى: في أيّ فريق منكم المفتون، واستحسن ابن عطية هذا (١). الرابع: أن المعنى: «بأيكم فتنة المفتون» ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ المداهنة: هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي، وروي أن الكفار قالوا للنبي ﷺ : لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك، فنزلت الآية. ولم ينتصب ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ في جواب التمني؛ بل رفعه بالعطف على ﴿تُدْهِنُ﴾. قاله ابن عطية (٢).

стр. 2675

وقال الزمخشري: هو خبر مبتدإٍ محذوف تقديره: فهم يدهنون (١). ﴿حَلَّافٍ﴾ كثير الحَلِفِ في الحق والباطل. ﴿مَهِينٍ﴾ هو الضعيف الرأي والعقل. قال ابن عطية: هو مِنْ مَهُنَ: إذا ضعف، فالميم فاء الفعل (٢). وقال الزمخشري: هو من المهانة، وهي الذِّلة والحقارة (٣). وقال ابن عباس: المهين: الكذاب. ﴿هَمَّازٍ﴾ هو الذي يَعيب الناس. ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أي: كثير المشي بالنميمة، يقال: نميم ونميمة بمعنى واحد، قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» (٤). ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي: شحيح؛ لأن الخير هنا هو المال. وقيل: معناه: مناع من الخير؛ أي: يمنع الناس من الإسلام، والعمل الصالح. ﴿مُعْتَدٍ﴾ من العدوان، وهو الظلم. ﴿أَثِيمٍ﴾ من الإثم، وهو ارتكاب المحرمات. ﴿عُتُلٍّ﴾ أي: غليظ الجسم، قاسي القلب، بعيد الفهم، كثير الجهل.

стр. 2676

﴿زَنِيمٍ﴾ أي: ولد زنا. وقيل: هو الذي في عنقه زَنَمَةٌ كزنمة الشاة التي تتعلَّق في حلقها. وقيل: معناه: مريب قبيح الأفعال. وقيل: ظلوم. وقيل: لئيم (١). وقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد ما ذكرنا من عيوبه، فهذا الترتيب في الوصف لا في الزمان. واختلف في الموصوف بهذه الأوصاف الذميمة: فقيل: لم يُقصد بها شخصٌ معين، بل كل من اتصف بها. وقيل: المقصود بها: الوليد بن المغيرة؛ لأنه وصفه بأنه ذو مال وبنين، وكان كذلك. وقيل: أبو جهل. وقيل: الأخنس بن شَرِيق، ويؤيد هذا: أنه كانت له زَنَمة في عنقه، قال ابن عباس: عرفناه بزنمته، وكان أيضًا من ثقيف، ويعدُّ في بني زُهرة، فيصح وصفه بزنيم على القولين. وقيل: الأسود بن عبد يغوث. ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ في موضع مفعول من أجله، متعلّق بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ﴾ أي: لا تطعه بسبب كثرة ماله وبنيه.

стр. 2677

ويجوز أن يتعلق بما بعده، والمعنى على هذا: أنه قال في القرآن: أساطير الأولين؛ لأنه ذو مال وبنين، يتكبر بماله وبنيه، والعامل في ﴿أَنْ كَانَ﴾ على هذا فعلٌ من المعنى، ولا يجوز أن يعمل فيه ﴿قَالَ﴾ الذي هو جواب ﴿إِذَا﴾؛ لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله. والأول أظهر. وقد تقدم معنى ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١). ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ أصل الخرطوم: أنف السَّبُع، ثم استعير للإنسان استخفافًا به، وتقبيحًا له. والمعنى: نجعل له سِمَةً وهي العلامة على خرطومه. واختلف في هذه السمة: فقيل: هي الضربة بالسيف يوم بدر. وقيل: علامة من نار تجعل على أنفه في جهنم. وقيل: علامة تجعل على أنفه يوم القيامة؛ ليعرف بها. ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ أي: بلونا قريشًا كما بلونا أصحاب الجنة، وكانوا إخوة من بني إسرائيل لهم جنة، روي: أنها بمقربة من صنعاء، فحلفوا أن لا يعطوا مسكينًا منها شيئًا، وباتوا عازمين على ذلك، فأرسل الله على جنتهم طائفًا من نار فأحرقتها، فلما أصبحوا إلى جنتهم لم يروها، فحسبوا أنهم أخطؤوا الطريق، ثم تبينوها فعرفوها، وعلموا أن الله عاقبهم فيها بما

стр. 2678

قالوا، فندموا وتابوا إلى الله. ووجه تشبيه قريش بأصحاب الجنة: أن الله أنعم على قريش ببعث محمد ﷺ ، كما أنعم على أصحاب الجنة بالجنة، فكفر هؤلاء بهذه النعمة كما فعل أولئك، فعاقبهم الله كما عاقبهم. وقيل: شبَّه قريشًا لما أصابهم الجوع بشدة القحط، حين دعا عليهم رسول الله ﷺ ؛ بأصحاب الجنة لما هلَكت جنتهم. ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾ أي: حلفوا أن يقطعوا غَلَّة جنتهم عند الصباح، وكانت الغلة تمرًا (١). ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾ في معناه ثلاثة أقوال: أحدها: لم يقولوا: «إن شاء الله» حين حلفوا ليصرمنَّها. والآخر: لا يستثنون شيئًا من ثمرها إلا أخذوه لأنفسهم. والثالث: لا يتوقفون في رأيهم ولا ينثنوا عنه؛ أي: لا يرجعون عنه. ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ (١٩)﴾ قال الفراء: الطائف الأمر الذي يأتي بالليل. ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ فيه أربعة أقوال: الأول: أصبحت كالليل؛ لأنها اسودَّت لِما أصابها، والصريم في اللغة: الليل. الثاني: أصبحت كالنهار؛ لأنها ابيضَّت كالحصيد، ويقال: «صريم» لليل وللنهار.

стр. 2679

الثالث: أن الصريم: الرماد الأسود بلغة بعض العرب. الرابع: أصبحت كالمصرومة؛ أي: المقطوعة. ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي: نادى بعضهم بعضًا حين أصبحوا، وقال بعضهم لبعض: ﴿اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ أي: جنتكم ﴿إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾ لها أي: حاصدين (١) لثمرها. ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ يكلّم بعضهم بعضًا في السر، ويقولون: ﴿لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِسْكِينٌ﴾. و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ و ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا﴾ حرف عبارة وتفسير. ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾ في الحرد أربعة أقوال: الأول: أنه المنع. والثاني: أنه القصد. الثالث: أنه الغضب. الرابع: أن الحرد اسم عَلَمٍ للجنة. و ﴿قَادِرِينَ﴾ يحتمل أن يكون: من القدرة؛ أي: قادرين في زعمهم. أو من التقدير بمعنى التضييق؛ أي: ضيَّقوا على المساكين. ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ أي: أخطأنا طريق الجنة، قالوا ذلك لما لم يعرفوها، فلما

стр. 2680

عرفوها ورأوا ما أصابها قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: حرمنا الله خيرها. ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي: خيرهم وأفضلهم، ومنه: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: خيارا. ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ أي: تقولون: «سبحان الله». وقيل: هو عبارة عن طاعة الله وتعظيمه. وقيل: أراد الاستثناء في اليمين بقولهم (١): «إن شاء الله». والأول أظهر؛ لقولهم بعد ذلك: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾. والمعنى: أن هذا الذي هو أفضلهم كان قد حضهم على التسبيح. ﴿يَتَلَاوَمُونَ﴾ أي: يلوم (٢) بعضهم بعضًا: على ما كانوا عزموا عليه من منع المساكين. أو على غفلتهم عن التسبيح، بدليل قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا﴾ يحتمل أنْ طلبوا البدل: في الدنيا، أو في الآخرة. والأول أرجح؛ لأنه روي عن ابن مسعود أن الله أبدلهم جنة يحمل البغل منها عنقودًا. ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ أي: مثل هذا العذاب الذي نزل بأهل الجنة ينزل بقريش.

стр. 2681

[﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾]. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣٥) الهمزة للإنكار؛ أي: كيف يُسوِّي الله بين المسلمين والمجرمين؟ بل يجازي كل أحد بعمله. والمراد بالمجرمين هنا: الكفار. ﴿مَا لَكُمْ﴾ توبيخ للكفار، و ﴿مَا﴾ مبتدأ و ﴿لَكُمْ﴾ خبره، وتمَّ الكلام هنا؛ فينبغي أن يوقف عليه. ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ توبيخ آخر، أي: كيف تحكمون بأهوائكم وتقولون ما ليس لكم به علم؟ ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ هذه الجملة معمول ﴿تَدْرُسُونَ﴾، وكان أصل ﴿إِنَّ﴾ الفتح وكسرت لأجل اللام التي في خبرها، و ﴿تَخَيَّرُونَ﴾ معناه: تختارون لأنفسكم.

стр. 2682

ومعنى الآية: هل لكم كتاب من عند الله تدرسون فيه أنَّ لكم ما تختارونه لأنفسكم. ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ المعنى: هل حلفنا لكم أيمانًا أن لكم ما تحكمون؟ ومعنى ﴿بَالِغَةٌ﴾: ثابتة واصلة إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ﴾ هو جواب القسم الذي يقتضيه (١) الأيمان، ولذلك أكده بـ ﴿إِنَّ﴾ واللام. و ﴿مَا تَحْكُمُونَ﴾ هو اسم ﴿إِنَّ﴾، دخلت عليه اللام المؤكدة. ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي: يا محمد! اسأل قريشًا أيهم زعيم بهذه الأمور؟ والزعيم: هو الضامن للأمر، القائم به. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ هذا تعجيز للكفار، ومعناه: إن كان لكم شركاء يقدرون على شيء فأتوا بهم. واختلف هل قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾: في الدنيا؛ أي: أحضروهم حتى يرى حالهم؟ أو هل يقال لهم ذلك يوم القيامة؟ والشركاء: هم المعبودون من الأصنام وغيرها.

стр. 2683

وقال الزمخشري: معناه: أم لكم ناس يشاركونكم في هذا القول، ويوافقونكم عليه؟ فأتوا بهم، يعني: أنهم لا يوافقهم أحد عليه (١). والأول أظهر. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال المتأولون: ذلك عبارة عن هول يوم القيامة وشدّته، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ينادي منادٍ يوم القيامة لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيَتْبَع الشمس من كان يعبد الشمس، ويتبع القمر من كان يعبد القمر، ويتبع كل أحد ما كان يعبد، ثم تبقى هذه الأمة وغُبَّرات (٢) من أهل الكتاب معهم منافقوهم فيقال لهم: ما شأنكم؟ فيقولون: ننتظر ربنا، قال: فيجيئهم الله في غير الصورة التي عرفوه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، قال فيقول: أتعرفونه بعلامة ترونها؟ فيقولون: نعم، فيكشف لهم عن ساق، فيقولون: نعم أنت ربنا ويخرون للسجود فيسجد كل مؤمن، وترجع أصلاب المنافقين عظمًا واحدًا فلا يستطيعون سجودًا» (٣). وتأويل الحديث كتأويل الآية (٤).

стр. 2684

﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ تفسيره في الحديث الذي ذكرنا. فإن قيل: كيف يُدعون في الآخرة إلى السجود وليست الآخرة دار تكليف؟ فالجواب: أنهم يدعون إليه على وجه التوبيخ لهم على تركهم السجود لله في الدنيا، لا على وجه التكليف والعبادة. ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ أي: قد كانوا في الدنيا يُدعون إلى السجود فيمتنعون منه، وهم سالمون في أعضائهم قادرون عليه. ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ تهديد للمكذبين بالقرآن. وإعراب ﴿وَمَنْ يُكَذِّبُ﴾ مفعول معه، أو معطوف. وقد ذكرنا في «الأعراف» ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ وما بعده (١). ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ معناه: أنت لا تسألهم أجرة على الإسلام فتثقل عليهم، فلا عذر لهم في تركهم الإسلام. وقد فسرنا هذا وما بعده في «الطور» (٢).

стр. 2685

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يقتضي مسالمة للكفار، نُسخت بالسيف. ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ هو يونس ﵇، وسماه صاحب الحوت؛ لأن الحوت ابتلعه، وهو أيضًا ذو النون، والنون هو الحوت. وقد ذكرنا قصته في «الأنبياء» (١) و «الصافات» (٢). فنهى الله محمدًا ﷺ أن يكون مثله في الضجر والاستعجال حتى ذهب مغاضبًا. وروي أن هذه الآية نزلت لما همَّ النبي ﷺ أن يدعو على الكفار. ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ هذا آخر ما جرى ليونس، ونداؤه: هو قوله في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. والمكظوم: الشديد الحزن. ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ هذا جواب ﴿لَوْلَا﴾، والمنفي هو الذم، لا نَبْذُه بالعراء؛ فإنه قد قال في «الصافات»: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥]. فالمعنى: لولا رحمة الله لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه نبذ وهو غير مذموم. وقد ذكرنا العراء في «الصافات» (٣). ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ﴾ عبارة عن شدة عداوتهم.

стр. 2686

و ﴿إِنْ﴾ مخفَّفة من الثقيلة، بدليل دخول اللام. و ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ معناه: يُهْلِكونك، كقولك: «نظر فلان إلى عدوه نظرًا كاد يصرعهُ»، وأصله: من زلق القدم. وقرئ بفتح الياء وضمها، وهما لغتان. وقيل: إن المعنى: يأخذونه بالعين، وكان ذلك في بني أسد، كان الرجل منهم يجوع ثلاثة أيام فلا يتكلم على شيء إلا أصابهُ بالعين، فأراد بعضهم أن يصيب النبي ﷺ فعصمهُ الله من ذلك. وقال الحسن: دواء الإصابة بالعين قراءة هذه الآية. ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يعني: القرآن؛ أي: هو موعظة وتذكير للخلق.

стр. 2687

(سورة الحاقة) [﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾]. ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ هي القيامة، ووزنها فَاعِلة.

стр. 2688

وسميت الحاقة: لأنها تَحِقُّ، أي: يصح وجودها، ولا ريب في وقوعها. أو لأنها حقَّت (١) لكل أحد جزاء عمله. أو لأنها تبدي حقائق الأمور. ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ ﴿مَا﴾ استفهامية يراد بها التعظيم، وهي مبتدأ وخبرها ما بعده، والجملة خبر ﴿الْحَاقَّةُ﴾. وكان الأصل: «الحاقة ما هي؟»، ثم وضع الظاهر موضع المضمر زيادةً في التعظيم والتهويل. وكذلك ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ لفظه الاستفهام، والمراد به: التعظيم والتهويل. ﴿بِالْقَارِعَةِ﴾ هي القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تَقْرع القلوب بأهوالها. ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾ يعني: الصيحة التي أخذت ثمود، وسميت بذلك لأنها جاوزت الحدَّ في الشدة. وقيل: الطاغية مصدر، فكأنه قال: أهلكوا بطغيانهم، فهو كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]. وقيل: هي صفة لمحذوف تقديره: أهلكوا بسبب الفعلة الطاغية، أو الفئة الطاغية.

стр. 2689

والباء: على هذين القولين: سببية. وعلى القول الأول: كقولك: «قتلت زيدًا بالسيف». ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ ذكر في «فصلت» (١). ﴿عَاتِيَةٍ﴾ أي شديدة، وسميت بذلك؛ لأنها عَتَتْ على عاد. وقيل: عتت على خُزَّانها (٢)، فخرجت بغير إذنهم. ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ﴾ روي أنها بدأت صبيحة يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال، وتمادت بهم إلى آخر يوم الأربعاء تكملة الشهر. ﴿حُسُومًا﴾ ابن عباس: معناه: كاملةً متتابعة لم يتخلَّلْها غير ذلك. وقيل: معناه شؤمًا ونَحسًا. وقيل: هو جمع حاسم، من الحسم وهو القطع؛ أي: قطعتهم بالإهلاك. فـ ﴿حُسُومًا﴾: على القولين الأولين: مصدر في موضع الحال. وعلى الثالث: حال، أو مفعول من أجله. ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾ جمع صريع، وهو المطروح بالأرض.

стр. 2690

والضمير المجرور يعود: على منازلهم؛ لأن المعنى يقتضيها وإن لم يتقدم ذكرها. أو على الأيام والليالي. أو على الريح. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ تقدم في «القمر» معنى تشبيههم بأعجاز النخل (١). والخاوية: هي التي خَلَتْ من طول بِلَاها وفسادِها. ﴿مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي: من بقيّة. وقيل: من فئة باقية. وقيل: إنه مصدر بمعنى البقاء. ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ يريد: من تقدم قبله من الأمم الكافرة، وأقربهم إليه قوم شعيب، والظاهر أنهم المراد؛ لأن عادًا وثمود قد ذُكِرَا، وقوم لوط هم المؤتفكات، وقوم نوح قد أشير إليهم في قوله: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾. وقرئ ﴿قِبَلَهُ﴾ بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه: جنده وأتباعه. ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ إما أن يكون: مصدرًا بمعنى الخطيئة. أو صفةً لمحذوف تقديره: بالفعلة الخاطئة.

стр. 2691

﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ إن عاد الضمير على فرعون وقومه: فالرسول موسى ﵇. وإن عاد على المؤتفكات: فالرسول لوط ﵇. وإن عاد على الجميع: فالرسول اسم جنس، أو بمعنى الرسالة. ﴿رَابِيَةً﴾ أي: عظيمة، وهو من قولك: ربا الشيء: إذا كثر. ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ عبارة عن كثرته، فيحتمل أن يريد: أنه طغى على أهل الأرض. أو على خُزَّانه. يعني: وقت طوفان نوح ﵇. ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ هي السفينة. فإن أراد سفينة نوح: فمعنى ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾: حملنا آباءكم؛ لأن كل مَنْ على الأرض من ذرية نوح وأولاده الثلاثة الذين كانوا معه في السفينة. وإن أراد جنس السفن: فالخطاب على حقيقته. ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ الضمير للفعلة، وهي الحمل في السفينة. وقيل: للسفينة: فإن أراد جنس السفن: فالمعنى: أنها تذكرة بقدرة الله ونعمته لمن ركبها أو سمع بها. وإن أراد سفينة نوح: فقد قيل: إن الله أبقاها حتى رأى بعض عيدانها أوائل هذه الأمة.

стр. 2692

﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ الضمير يعود على ما عاد عليه ضمير ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾، وهذا يقوّي أن يكون للفعلة. والأذن الواعية: هي التي تفهم ما تسمع وتحفظه، يقال: وَعَيْتُ العلم: إذا حصَّلته، ولذلك عبَّر بعضهم عنها بأنها التي عقلت عن الله. وروي أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: «إني دعوت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ»، قال عليّ: فما نسيت بعد ذلك شيئًا سمعته (١). قال الزمخشري: إنما قال: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ بالتوحيد والتنكير؛ للدلالة على قلة الوعاة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا عقلت عن الله تعالى فهي المعتبرة عند الله دون غيرها (٢). ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ يعني: نفخة الصعق، وهي الأولى. ﴿فَدُكَّتَا﴾ الضمير للأرض والجبال. ومعنى ﴿دُكَّتَا﴾: ضرب بعضها ببعض حتى تندَقَّ، وقال الزمخشري: والدكُّ أبلغ من الدق (٣). وقيل: معناه: بسطت حتى تستوي الأرض والجبال. ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ أي: قامت القيامة. وقيل: صخرة بيت المقدس، وهذا ضعيف.

стр. 2693

﴿وَاهِيَةٌ﴾ أي: مسترخية ساقطة القوة، ومنه قولهم: «دار واهية» أي: ضعيفة الجدرات. ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ الملك هنا: اسم جنس. والأرجاء: الجوانب، واحدها رَجا - مقصور -، والضمير يعود على السماء. والمعنى: إن الملائكة يكونون يوم القيامة على جوانب السماء؛ لأنها إذا وهت وقفوا على أطرافها. وقيل: يعود على الأرض؛ لأن المعنى يقتضيه، وإن لم يتقدم ذكرها، وروي في ذلك أن الله يأمر الملائكة فتقف صفوفًا على جوانب الأرض. والأول أظهر وأشهر. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم أحد عدتهم. وقيل: ثمانية أملاك، رؤوسهم تحت العرش وأرجلهم تحت الأرض السابعة، ويؤيد هذا: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة قوّاهم الله بأربعة سواهم» (١). ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ خطاب لجميع العالم. والعرض: البعث و (٢) الحساب.

стр. 2694

﴿خَافِيَةٌ﴾ أي: حالٌ خافية من الأعمال والسرائر. ويحتمل المعنى: لا يخفى من أجسادكم شيء؛ لأنهم يحشرون حفاة عراة. ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ الكتاب هنا: صحائف الأعمال. ﴿فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ ﴿هَاؤُمُ﴾ اسم فعل. قال ابن عطية: معناه: تعالوا (١). وقال الزمخشري: هو صوت يفهم منه معنى: «خُذْ»، و ﴿كِتَابِيَهْ﴾ مفعول يطلبه ﴿هَاؤُمُ﴾ و ﴿اقْرَءُوا﴾ من طريق المعنى، تقديره: «هاؤم كتابي اقرؤوا كتابي» ثم حُذف (٢) لدلالة الآخر عليه (٣). وعمل فيه: العامل الثاني، -وهو ﴿اقْرَءُوا﴾ - عند البصريين. والعامل الأول -وهو ﴿هَاؤُمُ﴾ - عند الكوفيين. والدليل على صحة قول البصريين: أنه لو أُعمل الأول لقال: «اقرؤوه». والهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ للوقف، وكذلك في ﴿حِسَابِيَهْ﴾ و ﴿مَالِيَهْ﴾ و ﴿سُلْطَانِيَهْ﴾ وكان الأصل أن تسقط في الوصل، لكنها ثبتت فيه مراعاة لخط المصحف، وقد أسقطها في الوصل بعضهم.

стр. 2695

ومعنى الآية: أن العبد الذي يُعطى كتابه بيمينه يقول للناس: «اقرؤوا كتابيه» على وجه الاستبشار والسرور بكتابه. ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ الظن هنا: بمعنى اليقين. ﴿رَاضِيَةٍ﴾ أي: ذات رضا، كقولهم: تامرٌ لصاحب التمر. قال ابن عطية: ليست بناء اسم فاعل (١). وقال الزمخشري: يجوز أن يكون اسم فاعل، نُسب الفعل إليها مجازًا، وهو لصاحبها حقيقة (٢). ﴿قُطُوفُهَا﴾ جمع قِطْف - بكسر القاف - (٣) وهو ما يُجتنى من الثمار ويقطف كالعنقود. ﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة، وروي أن العبد يأخذها بفمه من شجرها، على أيّ حال كان من قيام أو جلوس أو اضطجاع. ﴿أَسْلَفْتُمْ﴾ أي: قدمتم من الأعمال الصالحة. ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أي: الماضية، يعني: أيام الدنيا. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ هم الكفار بدليل قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾، فجعل علة إعطائهم كتبهم (٤) بشمالهم عدم إيمانهم.

стр. 2696

وأما المؤمنون فيعطون كتبهم (١) بأيمانهم. لكن اختلف فيمن يدخل النار منهم، هل يعطى كتابه قبل دخوله النار؟ أو بعد خروجه منها؟ وهذا أرجح لقوله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾؛ لأن هذا كلام مسرور، فيبعد أن يقوله من يُحمل إلى النار. ﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ أي: يتمنى أنه لا يعطاه (٢) كتابه. وقال ابن عطية: يتمنى أن يكون معدومًا لا يجري عليه شيء (٣). والأول أظهر. ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ أي: ليت الموتة الأولى كانت القاضية، بحيث لا يكون بعدها بعث ولا حياة. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ يحتمل أن يكون: نفيًا. أو استفهامًا يراد به النفي. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ أي: زال عني ملكي وقدرتي. وقيل: ذهبت عني حجتي. ﴿خُذُوهُ﴾ خطاب للزبانية، يقوله لهم: الله تعالى.

стр. 2697

أو الملائكة بأمر الله. ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أي: اجعلوا غُلًّا في عنقه. وروي أنها نزلت في أبي جهل. ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ معنى ﴿ذَرْعُهَا﴾: أي مبلغ أذرع كَيْلها. واختلف في هذا الذراع: فقيل: إنه الذراع المعروف. وقيل: هو بذراع المَلَك. وقيل: في الذراع سبعون باعًا، كل باع كما بين مكة والكوفة. ولله در الحسن البصري في قوله: الله أعلم بأي ذراع هي!. وجعلها سبعين ذراعًا؛ لإرادة وصفها بالطول، فإن السبعين من الأعداد التي تقصد بها العرب التكثير. ويحتمل أن تكون هذه السلسلة: لكل واحد من أهل النار. أو تكون بين جميعهم، وقد حكى الثعلبي ذلك (١). ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ أي: أدخلوه، وروي أن هذه السلسلة تدخل في فم الكافر وتخرج على دبره، فـ ﴿اسْلُكُوهُ﴾ على هذا من المقلوب في المعنى، كقولهم: «أدخلتُ القَلَنْسُوة في رأسي».

стр. 2698

وروي: أنها تُلْوى عليه حتى تَغُمَّه وتضغطه، فالكلام على هذا على وجهه وهو المسلوك فيها. وإنما قدم قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ على ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ لإرادة الحصر؛ أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة. وكذلك قدَّم ﴿الْجَحِيمَ﴾ على ﴿صَلُّوهُ﴾ لإرادة الحصر أيضًا. ﴿طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ يحتمل: أن أراد إطعام المسكين، فوضع الاسم موضع المصدر. أو يقدر: «لا يحض على بذل طعام المسكين». وأضاف الطعام إلى المسكين؛ لأن له إليه نسبةً. ووصْفُه بأنه لا يحض على طعام المسكين يدل على أنه لا يطعمه من باب أولى وأحرى. وهذه الآية تدل على عِظَم الصدقة وفضلها؛ لأنه قرن منع طعام المسكين بالكفر بالله. ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥)﴾ فيه قولان: أحدهما: ليس له صديق. والآخر: ليس له شراب، ولا طعام إلا من غسلين، فإن الحميم: الماء الحار، والغسلين: صديد أهل النار عند ابن عباس. وقيل: شجر يأكله أهل النار.

стр. 2699

وقال اللغويون: هو ما يجري من الجراح إذا غُسلت، وهو «فِعْلِين» من الغسل. ﴿الْخَاطِئُونَ﴾ جمع خاطئ وهو الذي يفعل ضد الصواب متعمدًا، والمخطئ: الذي يفعله بغير تعمُّد.

стр. 2700

[﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ «لا» زائدة غير نافية. ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ يعني: جميع الأشياء؛ لأنها تنقسم إلى ما يُبصر وما لا يبصر، كالدنيا والآخرة، والإنس والجن، والأجسام والأرواح، وغير ذلك. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هذا جواب القسم، والضمير للقرآن. والرسول الكريم: جبريل. وقيل: محمد عليهما الصلاة والسلام. ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عطية: يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾: نافية، فنفى إيمانهم بالجملة. أو تكون مصدرية، فوصف إيمانهم بالقلة (١). وقال الزمخشري: القلة هنا بمعنى العدم؛ أي: لا تؤمنون ولا تَذَّكَّرون ألبتة (٢).
следующие страницы →