← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وأما المؤمنون فيعطون كتبهم (١) بأيمانهم. لكن اختلف فيمن يدخل النار منهم، هل يعطى كتابه قبل دخوله النار؟ أو بعد خروجه منها؟ وهذا أرجح لقوله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾؛ لأن هذا كلام مسرور، فيبعد أن يقوله من يُحمل إلى النار. ﴿فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ أي: يتمنى أنه لا يعطاه (٢) كتابه. وقال ابن عطية: يتمنى أن يكون معدومًا لا يجري عليه شيء (٣). والأول أظهر. ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ أي: ليت الموتة الأولى كانت القاضية، بحيث لا يكون بعدها بعث ولا حياة. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ يحتمل أن يكون: نفيًا. أو استفهامًا يراد به النفي. ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾ أي: زال عني ملكي وقدرتي. وقيل: ذهبت عني حجتي. ﴿خُذُوهُ﴾ خطاب للزبانية، يقوله لهم: الله تعالى.

стр. 2697

أو الملائكة بأمر الله. ﴿فَغُلُّوهُ﴾ أي: اجعلوا غُلًّا في عنقه. وروي أنها نزلت في أبي جهل. ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ معنى ﴿ذَرْعُهَا﴾: أي مبلغ أذرع كَيْلها. واختلف في هذا الذراع: فقيل: إنه الذراع المعروف. وقيل: هو بذراع المَلَك. وقيل: في الذراع سبعون باعًا، كل باع كما بين مكة والكوفة. ولله در الحسن البصري في قوله: الله أعلم بأي ذراع هي!. وجعلها سبعين ذراعًا؛ لإرادة وصفها بالطول، فإن السبعين من الأعداد التي تقصد بها العرب التكثير. ويحتمل أن تكون هذه السلسلة: لكل واحد من أهل النار. أو تكون بين جميعهم، وقد حكى الثعلبي ذلك (١). ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ أي: أدخلوه، وروي أن هذه السلسلة تدخل في فم الكافر وتخرج على دبره، فـ ﴿اسْلُكُوهُ﴾ على هذا من المقلوب في المعنى، كقولهم: «أدخلتُ القَلَنْسُوة في رأسي».

стр. 2698

وروي: أنها تُلْوى عليه حتى تَغُمَّه وتضغطه، فالكلام على هذا على وجهه وهو المسلوك فيها. وإنما قدم قوله: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ على ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ لإرادة الحصر؛ أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة. وكذلك قدَّم ﴿الْجَحِيمَ﴾ على ﴿صَلُّوهُ﴾ لإرادة الحصر أيضًا. ﴿طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ يحتمل: أن أراد إطعام المسكين، فوضع الاسم موضع المصدر. أو يقدر: «لا يحض على بذل طعام المسكين». وأضاف الطعام إلى المسكين؛ لأن له إليه نسبةً. ووصْفُه بأنه لا يحض على طعام المسكين يدل على أنه لا يطعمه من باب أولى وأحرى. وهذه الآية تدل على عِظَم الصدقة وفضلها؛ لأنه قرن منع طعام المسكين بالكفر بالله. ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥)﴾ فيه قولان: أحدهما: ليس له صديق. والآخر: ليس له شراب، ولا طعام إلا من غسلين، فإن الحميم: الماء الحار، والغسلين: صديد أهل النار عند ابن عباس. وقيل: شجر يأكله أهل النار.

стр. 2699

وقال اللغويون: هو ما يجري من الجراح إذا غُسلت، وهو «فِعْلِين» من الغسل. ﴿الْخَاطِئُونَ﴾ جمع خاطئ وهو الذي يفعل ضد الصواب متعمدًا، والمخطئ: الذي يفعله بغير تعمُّد.

стр. 2700

[﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾]. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ «لا» زائدة غير نافية. ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ يعني: جميع الأشياء؛ لأنها تنقسم إلى ما يُبصر وما لا يبصر، كالدنيا والآخرة، والإنس والجن، والأجسام والأرواح، وغير ذلك. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هذا جواب القسم، والضمير للقرآن. والرسول الكريم: جبريل. وقيل: محمد عليهما الصلاة والسلام. ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عطية: يحتمل أن تكون ﴿مَا﴾: نافية، فنفى إيمانهم بالجملة. أو تكون مصدرية، فوصف إيمانهم بالقلة (١). وقال الزمخشري: القلة هنا بمعنى العدم؛ أي: لا تؤمنون ولا تَذَّكَّرون ألبتة (٢).

стр. 2701

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ التَّقوُّل: هو أن ينسب إلى أحد ما لم يقل. ومعنى الآية: لو تقوَّل علينا محمد لعاقبناه، ففي ذلك برهان على أن القرآن (١) من عند الله. ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ابن عباس: اليمين هنا: القوة، ومعناه: لو تقوَّل علينا لأخذناه بقوتنا. وقيل: هي عبارة عن الهوان، كما يقال لمن يُسجن: أُخِذ بيده وبيمينه. وقال الزمخشري: معناه: لو تقوَّل علينا لقتلناه، ثم صور صورة القتل ليكون أهول، وعبر عن ذلك بقوله: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾؛ لأن السيَّاف إذا أراد أن يضرب المقتول في جيده أخذ بيده اليمنى؛ ليكون ذلك أشد عليه؛ لنظره إلى السيف (٢). ﴿الْوَتِينَ﴾ نياط القلب، وهو عرق إذا قُطع مات صاحبه، فالمعنى: لقتلناه. ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ الحاجز: المانع، والمعنى: لو عاقبناه لم يمنعه أحد منكم ولم يدفع عنه عقابنا (٣). وإنما جمع ﴿حَاجِزِينَ﴾؛ لأن ﴿أَحَدٍ﴾ في معنى الجماعة. ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ الضمير: للقرآن.

стр. 2702

وقيل: لمحمد ﷺ . والأول أظهر. ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: حسرة عليهم في الآخرة؛ لأنهم يتأسفون إذا رأوا ثواب المؤمنين. ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾ قال الكوفيون: هذا من إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: مسجد الجامع. وقال الزمخشري: المعنى: عين اليقين، ومحض اليقين (١). وقال ابن عطية: ذهب الحذاق إلى أن الحق مضاف إلى الأبلغ من وجوهه (٢).

стр. 2703

(سورة المعارج) [﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾]. ﴿سَالَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ من قرأ ﴿سَأَلَ﴾ بالهمز: احتمل معنيين: أحدها: أن يكون بمعنى الدعاء؛ أي: دعا داع بعذاب واقع، وتكون الإشارة إلى قول الكفار: «أَمطِر علينا حجارة من السماء»، وكان الذي قالها النضر بن الحارث.

стр. 2704

والآخر: أن يكون بمعنى الاستخبار؛ أي: سأل سائل عن عذاب واقع، والباء على هذا بمعنى: «عن»، وتكون الإشارة إلى قولهم: «متى هذا الوعد؟» وشبه ذلك. وأما من قرأ ﴿سَالَ﴾ بغير همز: فيحتمل وجهين: الأول: أن يكون مخفَّفًا من المهموز، فيكون فيه المعنيان المذكوران. والثاني: أن يكون من سال السيل: إذا جرى، ويؤيد ذلك: قراءة ابن عباس: «سال سَيْلٌ»، وتكون الباء على هذا كقولك: «ذهبت بزيد». وإذا كان من السيل احتمل وجهين: أحدهما: أن يكون شبَّه العذاب في شدته وسرعة وقوعه بالسيل. وثانيهما: أن يكون حقيقة، قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يقال له: سائل. فتلخص من هذا: أن في القراءة بالهمز (١) معنيين، وفي القراءة بغير همز أربعة معان. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ يحتمل: [أ-] أن يتعلق بـ ﴿وَاقِعٍ﴾، وتكون اللام: بمعنى «على». أو تكون صفة للعذاب.

стр. 2705

[بـ] أو يتعلق بـ ﴿سَأَلَ﴾ إذا كانت بمعنى: دَعَا، أي: دعا للكافرين بعذاب. [جـ] أو يكون مستأنفًا، كأنه قال: هو للكافرين. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يتعلق: بـ ﴿وَاقِعٍ﴾؛ أي: واقع من عند الله. أو بـ ﴿دَافِعٌ﴾؛ أي: ليس له دافع من عند الله. أو يكون صفة لـ ﴿عَذَابٍ﴾. أو مستأنفًا. ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ جمع مَعْرَج، وهو المصعد إلى عُلْوٍ، كالسُّلَّم والمدارج التي يُرتقى بها. قال ابن عطية: هي هنا مستعارة في الفضائل والصفات الحميدة (١). وقيل: هي المراقي إلى السماء، وهذا أظهر؛ لأنه فسّرها بما بعدها من عروج الملائكة والروح إليه، أي: إلى عرشه، ومن حيث تهبط أوامره وقضاياه (٢). فالعروج: هو من الأرض إلى العرش (٣).

стр. 2706

والروح هنا: جبريل ﵇ بدليل قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤]. وقيل: الروح: ملائكة حَفَظَة على الملائكة، وهذا ضعيف مفتقر إلى صحة نقله. وقيل: الروح: جنس أرواح الناس وغيرهم. ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ اختلف في هذا اليوم على قولين: أحدهما: أنه يوم القيامة. والآخر: أنه في الدنيا. والصحيح: أنه يوم القيامة؛ لقول رسول الله ﷺ في حديث مانع الزكاة: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صُفِّحت له صفائح من نار يُكوى بها جبينه وجنبه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد» (١) يعني: يوم القيامة.

стр. 2707

ثم اختلف: هل مقداره خمسون ألف سنة حقيقة؟ وهذا هو الأظهر. أو هل وصف بذلك لشدة أهواله؟ كما يقال: «يوم طويل» إذا كان فيه مصائب وهموم. وإذا قلنا إنه في الدنيا: فالمعنى: أن الملائكة والروح يعرجون في يوم لو عَرَجَ فيه الناس لعرجوا في خمسين ألف سنة. وقيل: الخمسون ألف سنة هي مدة الدنيا، والملائكة تعرج وتنزل في هذه المدة. وهذا كله على أن يكون قوله: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ يتعلق بـ ﴿تَعْرُجُ﴾. ويحتمل أن يكون ﴿فِي يَوْمٍ﴾ صفةً للعذاب، فيتعيَّن أن يكون اليوم يوم القيامة، والمعنى على هذا مستقيم. ﴿فَاصْبِرْ﴾ هذا متصل بما قبله من العذاب وغيره، أي: اصبر على أقوال الكافرين حتى يأتيهم العذاب، ولذلك وصفه بالقرب؛ مبالغةً في تسلية النبي ﷺ . ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ يحتمل أن يعود الضمير: على العذاب. أو على اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة. والبعيد يحتمل أن يراد به: بُعد الزمان.

стр. 2708

أو بُعْد الإمكان. وكذلك القرب يحتمل أن يراد به: قرب الزمان؛ لأن كل آت قريب، ولأن الساعة قد قربت. أو قرب الإمكان؛ لقدرة الله عليه. ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾ ﴿يَوْمَ﴾ هنا: [أـ] بدل من ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. [بـ] أو بدل من الضمير المنصوب في ﴿وَنَرَاهُ﴾. [جـ] أو منصوب: بقوله: ﴿قَرِيبًا﴾. أو بقوله: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾. أو بفعل مضمر تقديره: اذكر، أو: يقعُ العذاب يوم تكون السماء كالمهل. والمهل: هو دُرْدِيُّ الزيت، شبه السماء به في سوادها وانكدار أنوارها يوم القيامة. وقيل: هو ما أذيب من الفضة ونحوها، شبَّه السماء به في تلوُّنه. ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ العهن: هو الصوف، شبَّه الجبال به في انتفاشه وتخلخل (١) أجزائه.

стр. 2709

وقيل: هو الصوف المصبوغ ألوانًا، فيكون التشبيه في الانتفاش، وفي اختلاف الألوان؛ لأن الجبال منها بيض وسود وحمر. ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ الحميم هنا: الصديق، والمعنى: لا يسأل أحد من حميمه نصرة ولا إغاثة (١)؛ لعلمه أنه لا يقدر له على شيء. وقيل: لا يسأله عن حاله؛ لأن كل أحد مشغول بنفسه. ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ يقال: بَصُرَ الرجلُ بالرجل: إذا رآه، وبصَّرتُه إياه -بالتشديد-: إذا أريته إياه. والضميران يعودان على الحميمين؛ لأنهما في معنى الجمع. والمعنى: أن كل حميم يُبَصَّر حميمَه يوم القيامة فيراه، ولكنه لا يسأله. ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني: امرأته. ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ يعني: القرابة الأقربين. ﴿تُؤْوِيهِ﴾ أي: تضمه، فيحتمل أن يريد: تضمه في الانتماء إليها. أو في نصرته وحفظه من المضرَّات. ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ الفاعل الافتداء الذي يقتضيه ﴿لَوْ يَفْتَدِي﴾، وهذا الفعل معطوف على ﴿لَوْ يَفْتَدِي﴾، وإنما عطفه بـ ﴿ثُمَّ﴾ إشعارًا ببعد النجاة وامتناعها، ولذلك زجره عن ذلك بقوله: ﴿كَلَّا﴾.

стр. 2710

﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ الضمير للنار؛ لأن العذاب يدل عليها. ويحتمل أن يكون ضمير القصة وفسَّره بالخبر. و ﴿لَظَى﴾ عَلَم لجهنم، مشتقٌّ من اللظى بمعنى اللهب. ﴿نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى (١٦)﴾ الشوى: أطراف الجسد. وقيل: جلد الرأس، فالمعنى: أن النار تنزعها ثم تعاد. و ﴿نَزَّاعَةٌ﴾ بالرفع: بدل من ﴿لَظَى﴾. أو خبر ابتداء مضمر. أو خبرٌ لـ ﴿إِنَّهَا﴾ إن جعلنا ﴿لَظَى﴾: منصوبًا على التخصيص، أو بدلًا من الضمير. أو خبرٌ ثانٍ لـ ﴿إِنَّهَا﴾ إن جعلنا ﴿لَظَى﴾ خبرًا لها. و ﴿نَزَّاعَةً﴾ بالنصب: حال. ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾ يعني: الكفار الذين تولوا عن الإسلام. ودعاؤها لهم: عبارة عن أخذها لهم. وقال ابن عباس: تدعوهم حقيقة بأسمائهم وأسماء آبائهم. وقيل: معناه: تُهلك، حكاه الخليل عن العرب. ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾ يقال: أوعيتُ المال وغيره: إذا جمعته في وعاء.

стр. 2711

فالمعنى: جمع المال وجعله في وعاء، وهذه إشارة إلى قوم من أغنياء الكفار جمعوا المال من غير حِلّه ومنعوه من حقه. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ الإنسان هنا: اسم جنس، بدليل الاستثناء منه. وسئل أحمد بن يحيى مؤلف «الفصيح» عن الهلوع؟ فقال: قد فسره الله فلا تفسير أَبْين من تفسيره وهو قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ (١). وذكر الله ذلك على وجه الذم لهذا الخُلُق، ولذلك استثنى منه المصلين؛ لأن صلاتهم تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها ولا يبخلون بخيرها. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ الدوام عليها: هو المواظبة بطول العمر. والمحافظة عليها المذكورة بعد هذا: هي أداؤها في أوقاتها وتوفية الطهارة لها. ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ قد ذكرنا في «الذاريات» معنى ﴿حَقٌّ﴾، والسائل والمحروم (٢). ووصفه هنا بالمعلوم: إن أراد الزكاة: فهي معلومة المقدار شرعًا.

стр. 2712

وإن أراد غيرها: فمعنى المعلوم: أن العبد يجعل على نفسه وظيفةً معلومة عنده. ﴿غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ أي: لا يكون أحد آمنًا منه؛ فإن الأمن من عذاب الله حرام، فلا ينبغي للعبد أن يزول عنه الخوف حتى يدخل الجنة. ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾ ذكر في «المؤمنين»، وكذلك ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (١). ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وقال الجمهور: يعني: الشهادة عند الحكام، ثم اختلف على هذا في معنى القيام بها؟ فقيل: هو التحقيق لها، كقوله ﷺ : «على مثل الشمس فاشهد (٢)» (٣). وقيل: هو المبادرة إلى أدائها من غير امتناع. فأما إن دعي الشاهد إلى الأداء: فهو واجب عليه. وأما إذا لم يُدع إلى الأداء: فإن الشهادة على ثلاثة أقسام: أحدها: حقوق الناس، فلا يجوز أداؤها حتى يدعوه صاحب الحق إلى ذلك.

стр. 2713

والثاني: حقوق الله التي يستدام فيها التحريم كالطلاق والعتق والأحباس، فيجب أداء الشهادة بذلك، دُعي أو لم يدع. الثالث: حقوق الله التي لا يستدام فيها التحريم كالحدود، فهذا ينبغي ستره حتى يدعى إليه.

стр. 2714

[﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾]. ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ أي: مسرعين مقبلين إليك بأبصارهم، كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى أقبل إليه الكفار ينظرون إليه ويستمعون قراءته. ومعنى ﴿قِبَلَكَ﴾: في جهتك وما يليك. ﴿عِزِينَ﴾ أي: جماعاتٍ شتى وهو جمع عِزَةٍ - بتخفيف الزاي -، وأصله: عِزْوَةٌ، وقيل: عِزْهَةٌ، ثم حذفت لامها وجمعت بالواو والنون عوضًا من اللام المحذوفة. ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ كانوا يقولون: إن كان ثَم جنة فنحن أهلها. ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ لهم عما طمعوا فيه من دخول الجنة. ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ كنايةٌ عن المنيِّ الذي خلق منه الإنسان. وفي المقصود بهذا الكلام ثلاثة أوجه: الأول: تحقير الإنسان والردُّ على المتكبرين، كما قال بعضهم: إن الإنسان خلق من نطفة مَذِرَةٍ (١)، ويصير جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العَذِرَة.

стр. 2715

الثاني: الردُّ على الكفار في طمعهم أن يدخلوا الجنة، كأنه يقول: إنا خلقناكم مما خلقنا منه سائر الناس، فلا يدخل أحد الجنة إلا بالعمل الصالح؛ لأنكم سواء في الخلقة. الثالث: الاحتجاج على البعث بأن الله خلقهم من ماء مهين، فهو قادر على أن يعيدهم، كقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ [القيامة: ٣٧] إلى آخر السورة. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ معناه: أقسم، و «لا» زائدة. ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ ذكرت في «الصافات» (١). ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ تهديد للكفار بإهلاكهم، وإبدال قومٍ خير منهم. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: مغلوبين، والمعنى: إنا لا نَعجز عن التبديل المذكور، أو عن البعث. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ وعيد لهم، وفيه مهادنة منسوخة بالسيف. ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ يعني: يوم القيامة، بدليل أنه أبدل منه: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ وهي القبور. ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نَصْبٍ يُوفِضُونَ﴾ النَّصْب: الأصنام، وأصله: كل ما نُصب إلى الإنسان، فهو يقصد إليه مسرعًا؛ من عَلَمٍ أو بناء أو غير ذلك.

стр. 2716

وفيه لغات: فتح النون وإسكان الصاد، وضمهما، وضم النون وإسكان الصاد. و ﴿يُوفِضُونَ﴾ معناه: يسرعون. والمعنى: أنهم يسرعون الخروج من القبور إلى المحشر، كما يسرعون المشي إلى أصنامهم في الدنيا.

стр. 2717

سورة نوح ﵇ [﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾]. ﴿أَنْ أَنذِرْ﴾ و ﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَنْ﴾: مفسِّرة. أو مصدرية على تقدير: «بأن أنذر» و «بأن اعبدوا». والأول أظهر.

стр. 2718

﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يحتمل أن يريد: عذاب الآخرة. أو الغرق الذي أصابهم. ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا للتبعيض أي: يغفر لكم ما فعلتم من الذنوب قبل أن تسلموا؛ لأن الإسلام يَجبُّ ما قبله، ولم يضمن أن يغفر لهم ما بعد إسلامهم؛ لأن ذلك في مشيئة الله تعالى. وقيل: إن ﴿مِنْ﴾ هنا زائدة، وذلك باطل؛ لأن «مِنْ» لا تزاد عند سيبويه إلا في غير الواجب. وقيل: هي لبيان الجنس. وقيل: لابتداء الغاية. وهذان قولان ضعيفان في المعنى. والأول هو الصحيح؛ لأن التبعيض فيه متجه. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ظاهر هذا: يقتضي أنهم إن فعلوا ما أُمِروا به أُخروا إلى أجل مسمى، وإن لم يفعلوا لم يؤخَّروا، وذلك مقتضى القول بالأجلين، وهو مذهب المعتزلة، وعلى هذا حملها الزمخشري (١). وأما على مذهب أهل السنة: فهي من المشكلات، وتأولها ابن عطية فقال: ليس للمعتزلة في الآية تعلق؛ لأن المعنى: أن نوحًا ﷺ لم يعلم هل هم ممن يؤخَّر أو ممن يعاجَل؟ ولا قال لهم: إنكم تؤخرون عن أجلٍ قد

стр. 2719

حان، لكن قد سبق في الأزل إنهم إمّا ممن قُضي له بالإيمان والتأخير، أو ممن قضي له بالكفر والمعاجلة (١). وكأنَّ نوحًا ﵇ قال لهم: آمنوا يظهر في الوجود أنكم ممن قُضي له بالإيمان والتأخير، وإن بقيتم على كفركم يظهر في الوجود أنكم ممن قُضي عليه بالكفر والمعاجلة، فكأنَّ الاحتمال الذي يقتضيه ظاهر الآية إنما هو فيما يُبرزه الغيب من حالهم؛ إذ يمكن أن يُبرز إمّا الإيمان والتأخير، وإما الكفر والمعاجلة، وأما عند الله: فالحال الذي يكون منهم معلوم مقدَّر محتوم، وأجلهم كذلك معلوم مقدر محتوم. ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ هذا يقتضي أن الأجل محتوم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]، وفي هذا حجة لأهل السنة وتقوية للتأويل الذي ذكرنا، وفيه أيضًا ردٌّ على المعتزلة في قولهم بالأجلين. ولما كان كذلك قال الزمخشري: إن ظاهر هذا مناقض لما قبله من الوعد بالتأخير إن آمنوا، وتأول ذلك على مقتضى مذهبه بأن الأجل الذي لا يؤخر هو الأجل الثاني، وذلك أن قوم نوح قضى الله أنهم إن آمنوا عمرهم الله مثلًا ألف عام، وإن لم يؤمنوا عمرهم تسع مئة عام، فالألف عام هي التي لا تؤخر إذا جاءت، والتسع مئة عام هي التي وعدوا بالتأخير عنها إلى الألف عام إن آمنوا (٢).

стр. 2720

﴿دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: دعوتهم ليؤمنوا فتغفر لهم، فذكر المغفرة التي هي مسبَّبٌ عن الإيمان؛ ليظهر قبح إعراضهم عنه؛ فإنهم أعرضوا عن سعادتهم. ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ فعلوا ذلك لئلا يسمعوا كلامه، فيحتمل: أنهم فعلوا ذلك حقيقة. أو يكون ذلك عبارة عن إفراط إعراضهم حتى كأنهم فعلوا ذلك. ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: جعلوها غِشاوة عليهم؛ لئلا يسمعوا كلامه، أو لئلا يراهم. ويحتمل: أنهم فعلوا ذلك حقيقة. أو يكون عبارة عن إفراط إعراضهم. ﴿وَأَصَرُّوا﴾ أي: داموا على كفرهم. ﴿دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ إعراب ﴿جِهَارًا﴾: مصدر من المعنى، كقولك: قعد القرفصاء. أو صفة لمصدر محذوف تقديره: دُعاءً جهارًا. أو مصدر في موضع الحال؛ أي: مجاهرًا. ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ذكر أولًا أنه دعاهم بالليل والنهار، ثم ذكر أنه دعاهم جهارًا، ثم ذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار، وهذه غاية

стр. 2721

الجد في النصيحة وتبليغ الرسالة صلى الله على نبينا وعليه. قال ابن عطية: الجهار: دعاؤهم في المحافل ومواضع اجتماعهم، والإسرار: دعاء كل واحد على حدته (١). ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ ﴿مِدْرَارًا﴾: مِفْعَالٌ من الدَّرِّ، وهو كثرة الماء. وفي الآية دليل على أن الاستغفار يوجب نزول الأمطار، ولذلك خرج عمر بن الخطاب إلى الاستسقاء فلم يزد على أن استغفر ثم انصرف، فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: «والله لقد استسقيت أبلغ الاستسقاء»، ثم نزل المطر (٢). وشكا رجل إلى الحسن الجدب، فقال له: استغفر الله. ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن الوقار بمعنى: التوقير والكرامة، فالمعنى: ما لكم لا ترجون أن يوقّركم الله في دار ثوابه. قال ذلك الزمخشري، وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ على هذا: بيان للموقَّر، ولو تأخر لكان صفة لـ ﴿وَقَارًا﴾ (٣). الثاني: أن الوقار بمعنى: التؤدة والتثبت، والمعنى: ما لكم لا ترجون الله تعالى متثبتين؛ حتى تتمكنوا من النظر بوقاركم (٤)، وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ على

стр. 2722

هذا: مفعول دخلت عليه اللام، كقولك: «ضربت لزيد»، وإعراب ﴿وَقَارًا﴾ على هذا: مصدر في موضع الحال. الثالث: أن الرجاء هنا بمعنى الخوف، والوقار بمعنى: العظمة والسلطان، فالمعنى: ما لكم لا تخافون عظمة الله وسلطانه، و ﴿لِلَّهِ﴾ على هذا صفة (١) للوقار في المعنى. الرابع: أن الرجاء بمعنى الخوف، والوقار بمعنى الاستقرار، من قولك: وَقَرَ في المكان: إذا استقر فيه، والمعنى: ما لكم لا تخافون الاستقرار في دار القرار إما في الجنة أو النار. ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ أي: طورًا بعد طور، يعني: أن الإنسان كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، إلى سائر أحواله. وقيل: الأطوار: الأنواع المختلفة، فالمعنى: أن الناس على أنواع في ألوانهم وأخلاقهم وألسنتهم وغير ذلك. ﴿طِبَاقًا﴾ ذكر في «الملك» (٢). ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ القمر إنما هو في السماء الدنيا، وساغ أن يقول ﴿فِيهِنَّ﴾ لأن القمر لما كان في إحداهن فهو في الجميع، كقولك: فلان في الأندلس كذا: إذا كان في بعضها.

стр. 2723

والشمس في السماء الرابعة، وقيل: في الخامسة. وجَعَل القمر نورًا والشمس سراجًا؛ لأن ضوء السراج أقوى من النور، فإن السراج هو الذي يضيء فيُبصَر به، والنور قد يكون أقل من ذلك. ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ هذه عبارة عن إنشائهم من تراب الأرض. و ﴿نَبَاتًا﴾: مصدر على غير الصَّدْرِ (١). أو يكون تقديره: أنبتكم فنبتُّم نباتًا. ويحتمل أن يكون منصوبًا على الحال. ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ يعني: بالدفن. ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ يعني: بالبعث من القبور. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ شبه الأرض بالبساط في امتدادها واستقرار الناس عليها. وأخذ بعضهم من لفظ البساط أن الأرض بسيطة غير كُرِيَّةٍ (٢)، خلافًا لما ذهب إليه أهل التعديل، وفي ذلك نظر. ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ذكر في «الأنبياء» (٣).

стр. 2724

[﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾]. ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ يعني: اتبعوا أغنياءهم وكبراءهم. وقرئ ﴿وَوَلَدُهُ﴾ بفتحتين، و ﴿وُلْدُهُ﴾ بضم الواو وسكون اللام، وهما بمعنى واحد. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ الكُبَّار - بالتشديد - أبلغ من الكُبَار - بالتخفيف -، والكُبَار المخفف أبلغ من الكبير. ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: وصَّى بعضهم بعضًا بذلك. ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ هذه أسماء أصنام كان قوم نوح يعبدونها. وروي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الدنيا، فلما ماتوا صوّرهم أهل ذلك العصر من حجارة، وقالوا: ننظر إليها لنتذكر أعمالهم، فهلك ذلك الجيل وكثر تعظيم مَنْ بعدهم لتلك الصور، حتى عبدوها من دون الله، ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها - وقيل: بل الأسماء فقط - إلى قبائل من العرب، فكان وُدٌّ لِكَلْبٍ بدُومة الجندل، وكان سواع لهذيل، وكان يغوث لمراد، وكان يعوق لهمَذان، وكان نسر لذي الكلاع من حمير. وقرئ ﴿وُدًّا﴾ بفتح الواو وضمها، وهما لغتان.

стр. 2725

﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ الضمير للرؤساء من قوم نوح، والمعنى: أضلوا كثيرًا من أتباعهم. وهذا من كلام نوح ﵇، وكذلك ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ من كلامه، وهو دعاء عليهم. وقال الزمخشري: إنه معطوف على قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ والتقدير: قال: رب إنهم عصوني، وقال: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ (١). ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ هذا من كلام الله، إخبار عن أمرهم. و «ما» زائدة للتأكيد. وإنما قدم هذا المجرور للتأكيد أيضًا؛ ليبين أن إغراقهم وإدخالهم النار إنما كان بسبب خطيئاتهم، وهي الكفر وسائر المعاصي. ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ يعني: جهنم، وعبَّر عن ذلك بالفعل الماضي؛ لأن الأمر محقَّق. وقيل: أراد عرضهم على النار، وعبر عنه بالإدخال. ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ ﴿دَيَّارًا﴾: من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما في الدار دَيَّارٌ؛ أي: ما بها أحد، ووزنه: فَيْعَال، وكان أصله: دَيْوَار، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. وليس وزنه فَعَّال؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: دوَّار؛ لأنه مشتق من الدَّوْر أو من الدار.

стр. 2726

وروي أن نوحًا ﵇ لم يدع على قومه بهذا الدعاء إلا بعد أن يئس من إيمانهم، وبعد أن أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ يؤخذ من هذا: أن سنة الدعاء أن يقدم الإنسان الدعاء لنفسه على الدعاء لغيره، وكان والدا نوح ﵇ مؤمنين. قال ابن عباس: لم يكن لنوح أب كافر ما بينه وبين آدم ﵇، واسم والد نوح: لَمَكُ بن مُتَوَشْلِخ وأمه شَمخا بيت أنوش، حكاه الزمخشري (١). ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ قيل: بيته: المسجد. وقيل: السفينة. وقيل: شريعته، سماها بيتًا استعارة، وهذا بعيد. وقيل: داره، وهذا أرجح؛ لأنه الحقيقة. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هذا دعاء بالمغفرة لكل مؤمن ومؤمنة على العموم، وفيه دليل على جواز ذلك، خلافًا لمن قال من المتأخرين أنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين على العموم، وهذا خطأ وتضييق لرحمة الله الواسعة. قال بعض العلماء: إن الإله الذي استجاب لنوح ﵇، فأغرق بدعوته جميع أهل الأرض الكفار، حقيق أن يستجيب له فيرحم بدعوته جميع المؤمنين والمؤمنات. ﴿تَبَارًا﴾ أي: هلاكًا.

стр. 2727

(سورة الجن) [﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾]. ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ تقدمت في «الأحقاف» قصة هؤلاء الجن الذين استمعوا القرآن من النبي ﷺ وأسلموا (١).

стр. 2728

﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. و ﴿عَجَبًا﴾ مصدر وصف به للمبالغة؛ لأن العجَب مصدر قولك: عجبتُ عَجَبًا. وقيل: هو على حذف مضاف تقديره: ذا عجب. ﴿وَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ جَدُّ الله: جلاله وعظمته. وقيل: غناه، من قولك: فلان مجدودٌ: إذا استغنى. وقرئ ﴿إِنَّهُ﴾ في هذا الموضع بفتح الهمزة وكسرها، وكذلك فيما بعده إلى قوله: ﴿وَإِنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾. فأما الكسر: فاستئنافٌ. أو عطف على ﴿إِنَّا سَمِعْنَا﴾؛ لأنه كُسر في معمول القول، فيكون ما عطف عليه من قول الجن. وأما الفتح: فقيل: إنه عطفٌ على قوله: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، وهذا خطأ من طريق المعنى؛ لأن قوله: ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ في موضع معمول ﴿أُوحِيَ﴾، فيلزم أن يكون المعطوف عليه مما أوحي، وأن لا يكون من كلام الجن!، وهو من كلام الجن. وقيل: إنه معطوف على الضمير المجرور في قوله: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ وهذا ضعيف؛ لأن الضمير المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة الخافض.

стр. 2729

وقال الزمخشري: هو معطوف على محل الجار والمجرور في ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ كأنه قال: صدقناه وصدقنا أنه تعالى جدُّ ربنا، وكذلك ما بعده (١). ولا خلاف في فتح ثلاثة مواضع هي: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، و ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾، و ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾؛ لأن ذلك مما أوحي، لا من كلام الجن. ﴿وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ هذا من كلام الجن، وسفيههم: أبوهم إبليس. وقيل: هو اسم جنس لكل سفيه منهم، واختار ذلك ابن عطية (٢). والشطط: التعدي ومجاوزة الحد. ﴿وَإِنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: ظننا أن الأقوال التي كان الجن والإنس يقولونها على الله صادقة وليست بكذب؛ لأنا ظننا أنه لا يكذب أحد على الله. ﴿وَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ تفسير هذا: ما روي أن العرب كانوا إذا حلَّ أحدهم بوادٍ صاح بأعلى صوته: «يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك»، ويعتقد أن ذلك الجني الذي بالوادي يحميه. ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ضمير الفاعل: للجن، وضمير المفعول: للإنس، والمعنى: أن الجن زادوا الإنس ضلالًا وإثمًا لما عاذوا بهم.

стр. 2730

أو زادوهم تخويفًا لما رأوا ضعف عقولهم. وقيل: ضمير الفاعل: للإنس، وضمير المفعول: للجن، والمعنى: إن الإنس زادوا الجن تكبرًا وطغيانًا لما عاذوا بهم، حتى كان الجني يقول: أنا سيد الجن والإنس. ﴿وَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ الضمير في ﴿ظَنُّوا﴾ لكفار الإنس، و ﴿ظَنَنتُمْ﴾ خطاب الجن بعضهم لبعض. فالمعنى: أن كفار الإنس والجن ظنوا أن لن يبعث الله أحدًا. والبعث هنا يحتمل أن يريد به: بعث الرسل. أو البعث من القبور. ﴿وَإِنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ هذا إخبار عما حدث عند مبعث النبي ﷺ من منع الجن من استراق السمع في السماء ورجمهم بالنجوم. واللمس: المس، واستعير هنا للطلب. والحرس: اسم مفرد في معنى الحُرَّاس، كَالخَدَم في معنى الخُدَّام، ولذلك وُصِفَ بشديد وهو مفرد. ويحتمل أن يريد به: الملائكة الحُرَّاس. النجوم الحارسة، وكرر الشهب؛ لاختلاف اللفظ.

стр. 2731

﴿وَإِنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ المقاعد: جمع مقعد، وقد فسر رسول الله ﷺ صورة قعود الجن أنهم كانوا واحدًا فوق واحد، فمتى أُحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها، ثم يزيد الكهان للكلمة مئة كذبة (١). ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ الرصد اسم جمع للراصد (٢)، كالحرس للحارس. وقال ابن عطية: هو مصدر وُصف به (٣)، ومعناه: مُنتظَر. قال بعضهم: إن رمي الجن بالنجوم إنما حدث بعد مبعث النبي ﷺ . واختار ابن عطية والزمخشري: أنه كان قبل المبعث قليلًا، ثم زاد بعد المبعث وكثر حتى منع الجن من استراق السمع بالكلية (٤). والدليل أنه كان قبل المبعث: قول رسول الله ﷺ لأصحابه وقد رأى كوكبًا انقضَّ: «ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟» قالوا: كنا نقول وُلد ملك أو مات ملك، فقال رسول الله ﷺ : «ليس الأمر كذلك»، ثم وصف استراق الجن للسمع (٥)، وقد ذكر شعراء الجاهلية ذلك في أشعارهم. ﴿وَإِنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، قال ابن عطية: معناه

стр. 2732

لا ندري أيؤمنُ الناسُ بهذا النبي فيرشدوا، أو يكفرون به فينزل بهم الشرُّ؟ (١) وقال الزمخشري: معناه: لا ندري هل أراد الله بأهل الأرض خيرًا أو شرًا من عذاب أو رحمة، أو من خذلان أو توفيق؟ ﴿وَإِنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: منا قومٌ دونَ ذَلِكَ فحذف الموصوف، وأراد به: الذين ليس صلاحهم كاملًا، أو الذين ليس لهم صلاح، فإن «دون» قد تكون بمعنى «أقل»، أو بمعنى «غير». ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ الطرائق: المذاهب والسِّير وشبهها، والقِدَد: المختلفة وهو جمع قِدَّة. وهذا بيان للقسمة المذكورة قبلُ، وهو على حذف مضاف؛ أي: كنا ذوي طرائق، أو كنا في طرائق. ﴿وَإِنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾ الظن هنا: بمعنى العلم. قال ابن عطية: هذا إخبار منهم عن حالهم بعد إيمانهم (٢). ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا هذا الاعتقاد قبل إسلامهم. ﴿وَإِنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ يعنون: القرآن. ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ البخس: النقص والظلم، والرهق: تحميل ما لا يطاق.

стр. 2733

وقال ابن عباس: البخس: نقص الحسنات، والرهق: الزيادة في السيئات. ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ يعني: الظالمين، يقال قَسَط الرجل: إذا جار، وأقسط - بالألف -: إذا عدل. وهاهنا انتهى ما حكاه الله من كلام الجن. وأما قوله: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ فيحتمل: أن يكون من بقية كلامهم. أو يكون ابتداء كلام الله تعالى، وهو الذي اختاره ابن عطية (١). وأما قوله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ فهو من كلام الله باتفاق، وليس من كلامهم. ﴿تَحَرَّوْا﴾ أي: قصدوا الرَّشد. ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقًا﴾ الماء الغدقُ: هو الكثير، وذلك استعارة في توسيع الرزق. والطريقة: هي طريقة الإسلام وطاعة الله، فالمعنى: لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم، فهو كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقيل: هي طريقة الكفر، والمعنى على هذا: لو استقاموا على الكفر لوسع الله عليهم في الدنيا؛ إملاءً لهم واستدراجًا، ويؤيد هذا قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.

стр. 2734

والأول أظهر. والضمير في ﴿اسْتَقَامُوا﴾ يحتمل أن يكون: للمسلمين. أو للقاسطين المذكورين. أو لجميع الجن. أو للجن الذين استمعوا النبي (١) ﷺ . أو لجميع الخلق. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ إن كانت الطريقة الإيمان والطاعة: فمعنى الفتنة: الاختبار هل يشكرون أم لا؟ وإن كانت الطريقة الكفر: فمعنى الفتنة: الإضلال والاستدراج. ﴿نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ معنى ﴿نَسْلُكْهُ﴾: ندخله. والصَّعَد: الشديد المشقة، وهو مصدر صَعِد يَصعَد، ووصف بالمصدر للمبالغة، يقال: فلان في صَعَد؛ أي: في مشقة. وقيل: صَعَدٌ: جبل في النار (٢). ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ أراد المساجد على الإطلاق وهي بيوت عبادة الله، وروي: أن الآية نزلت بسبب تغلُّب قريش على الكعبة.

стр. 2735

وقيل: أراد الأعضاء التي يُسجَد عليها، واحدها مَسجَد - بفتح الجيم -، وهذا بعيد. وعطف ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ على ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾. وقال الخليل: معنى الآية: لأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا؛ أي: لهذا السبب فلا تعبدوا غير الله، فالعامل في ﴿أَنْ﴾: ﴿فَلَا تَدْعُوا﴾. ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾ هنا: محمد ﷺ ووصفه بالعبودية؛ اختصاصًا له وتقريبًا (١) وتشريفًا. وقال الزمخشري: إنما سماه هنا ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾، ولم يقل الرسول أو النبي؛ لأن هذا واقع في كلام رسول الله ﷺ عن نفسه؛ لأنه مما أوحي إليه، فذكَر النبيُّ ﷺ نفسَه على ما يقتضيه التواضع والتذلل (٢). وهذا الذي قاله بعيد، مع أنه إنما يتمكن على قراءة ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ﴾ بفتح الهمزة، فيكون عطفًا على ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، وأما على القراءة بالكسر على الاستئناف: فيكون إخبارًا من الله، أو من جملة كلام الجن، فيبطل ما قاله. ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ اللَّبَد: الجماعات، واحدها لِبْدَة. والضمير في ﴿كَادُوا﴾ يحتمل: أن يكون للكفار من الناس، أي: كادوا يجتمعون على الردِّ عليه وإبطال أمره.
следующие страницы →