← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

﴿وَإِنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ المقاعد: جمع مقعد، وقد فسر رسول الله ﷺ صورة قعود الجن أنهم كانوا واحدًا فوق واحد، فمتى أُحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها، ثم يزيد الكهان للكلمة مئة كذبة (١). ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ الرصد اسم جمع للراصد (٢)، كالحرس للحارس. وقال ابن عطية: هو مصدر وُصف به (٣)، ومعناه: مُنتظَر. قال بعضهم: إن رمي الجن بالنجوم إنما حدث بعد مبعث النبي ﷺ . واختار ابن عطية والزمخشري: أنه كان قبل المبعث قليلًا، ثم زاد بعد المبعث وكثر حتى منع الجن من استراق السمع بالكلية (٤). والدليل أنه كان قبل المبعث: قول رسول الله ﷺ لأصحابه وقد رأى كوكبًا انقضَّ: «ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟» قالوا: كنا نقول وُلد ملك أو مات ملك، فقال رسول الله ﷺ : «ليس الأمر كذلك»، ثم وصف استراق الجن للسمع (٥)، وقد ذكر شعراء الجاهلية ذلك في أشعارهم. ﴿وَإِنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، قال ابن عطية: معناه

стр. 2732

لا ندري أيؤمنُ الناسُ بهذا النبي فيرشدوا، أو يكفرون به فينزل بهم الشرُّ؟ (١) وقال الزمخشري: معناه: لا ندري هل أراد الله بأهل الأرض خيرًا أو شرًا من عذاب أو رحمة، أو من خذلان أو توفيق؟ ﴿وَإِنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: منا قومٌ دونَ ذَلِكَ فحذف الموصوف، وأراد به: الذين ليس صلاحهم كاملًا، أو الذين ليس لهم صلاح، فإن «دون» قد تكون بمعنى «أقل»، أو بمعنى «غير». ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ الطرائق: المذاهب والسِّير وشبهها، والقِدَد: المختلفة وهو جمع قِدَّة. وهذا بيان للقسمة المذكورة قبلُ، وهو على حذف مضاف؛ أي: كنا ذوي طرائق، أو كنا في طرائق. ﴿وَإِنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾ الظن هنا: بمعنى العلم. قال ابن عطية: هذا إخبار منهم عن حالهم بعد إيمانهم (٢). ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا هذا الاعتقاد قبل إسلامهم. ﴿وَإِنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ يعنون: القرآن. ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ البخس: النقص والظلم، والرهق: تحميل ما لا يطاق.

стр. 2733

وقال ابن عباس: البخس: نقص الحسنات، والرهق: الزيادة في السيئات. ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ يعني: الظالمين، يقال قَسَط الرجل: إذا جار، وأقسط - بالألف -: إذا عدل. وهاهنا انتهى ما حكاه الله من كلام الجن. وأما قوله: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ فيحتمل: أن يكون من بقية كلامهم. أو يكون ابتداء كلام الله تعالى، وهو الذي اختاره ابن عطية (١). وأما قوله: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ فهو من كلام الله باتفاق، وليس من كلامهم. ﴿تَحَرَّوْا﴾ أي: قصدوا الرَّشد. ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقًا﴾ الماء الغدقُ: هو الكثير، وذلك استعارة في توسيع الرزق. والطريقة: هي طريقة الإسلام وطاعة الله، فالمعنى: لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم، فهو كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقيل: هي طريقة الكفر، والمعنى على هذا: لو استقاموا على الكفر لوسع الله عليهم في الدنيا؛ إملاءً لهم واستدراجًا، ويؤيد هذا قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.

стр. 2734

والأول أظهر. والضمير في ﴿اسْتَقَامُوا﴾ يحتمل أن يكون: للمسلمين. أو للقاسطين المذكورين. أو لجميع الجن. أو للجن الذين استمعوا النبي (١) ﷺ . أو لجميع الخلق. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ إن كانت الطريقة الإيمان والطاعة: فمعنى الفتنة: الاختبار هل يشكرون أم لا؟ وإن كانت الطريقة الكفر: فمعنى الفتنة: الإضلال والاستدراج. ﴿نَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ معنى ﴿نَسْلُكْهُ﴾: ندخله. والصَّعَد: الشديد المشقة، وهو مصدر صَعِد يَصعَد، ووصف بالمصدر للمبالغة، يقال: فلان في صَعَد؛ أي: في مشقة. وقيل: صَعَدٌ: جبل في النار (٢). ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ أراد المساجد على الإطلاق وهي بيوت عبادة الله، وروي: أن الآية نزلت بسبب تغلُّب قريش على الكعبة.

стр. 2735

وقيل: أراد الأعضاء التي يُسجَد عليها، واحدها مَسجَد - بفتح الجيم -، وهذا بعيد. وعطف ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ على ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾. وقال الخليل: معنى الآية: لأنَّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا؛ أي: لهذا السبب فلا تعبدوا غير الله، فالعامل في ﴿أَنْ﴾: ﴿فَلَا تَدْعُوا﴾. ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾ هنا: محمد ﷺ ووصفه بالعبودية؛ اختصاصًا له وتقريبًا (١) وتشريفًا. وقال الزمخشري: إنما سماه هنا ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾، ولم يقل الرسول أو النبي؛ لأن هذا واقع في كلام رسول الله ﷺ عن نفسه؛ لأنه مما أوحي إليه، فذكَر النبيُّ ﷺ نفسَه على ما يقتضيه التواضع والتذلل (٢). وهذا الذي قاله بعيد، مع أنه إنما يتمكن على قراءة ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ﴾ بفتح الهمزة، فيكون عطفًا على ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، وأما على القراءة بالكسر على الاستئناف: فيكون إخبارًا من الله، أو من جملة كلام الجن، فيبطل ما قاله. ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ اللَّبَد: الجماعات، واحدها لِبْدَة. والضمير في ﴿كَادُوا﴾ يحتمل: أن يكون للكفار من الناس، أي: كادوا يجتمعون على الردِّ عليه وإبطال أمره.

стр. 2736

أو يكون للجن الذين استمعوا، أيّ: كادوا يجتمعون عليه لاستماع القرآن، والتبرُّك به.

стр. 2737

[﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾] ﴿مُلْتَحَدًا﴾ أي: ملجأً. ﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾ بدل من ﴿مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: لا أجد ملجأً (١) إلا بلاغ الرسالة. أو بدل من ﴿ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾: أي: لا أملك شيئًا إلا بلاغ الرسالة. ويحتمل أن يكون استثناء منقطعًا. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ قال الزمخشري: هذا الجار والمجرور ليس بصلة لبلاغ، إنما هو بمعنى: بلاغًا كائنا من الله (٢). ويحتمل عندي: أن يكون متعلقًا بـ ﴿بَلَاغًا﴾، والمعنى: بلاغ عن الله. ﴿وَرِسَالَاتِهِ﴾ قال الزمخشري: إنه معطوف على ﴿بَلَاغًا﴾، كأنه قال: إلا التبليغ والرسالة (٣).

стр. 2738

ويحتمل أن يكون ﴿وَرَسُولِهِ﴾ معطوفًا على اسم الله. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ جمع ﴿خَالِدِينَ﴾ على معنى ﴿وَمَنْ يَعْصِ﴾؛ لأنه في معنى الجمع. والآية في الكفار، وحملها المعتزلة على عصاة المؤمنين؛ لأن مذهبهم خلودهم في النار. والدليل على أنها في الكفار وجهان: أحدهما: أنها مكية، والسور المكية إنما الكلام فيها مع الكفار. والآخر: دلالة ما قبلها وما بعدها على أن المراد بها الكفار. ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ تعلَّقت ﴿حَتَّى﴾ بقوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ وجُعلت غاية لذلك. والمعنى: أنهم يَكْفرون ويتظاهرون عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون، قال ذلك الزمخشري، وقال أيضًا: يجوز أن يتعلق بمحذوفٍ يدل عليه المعنى، كأنه قيل: لا يزالون على ما هم عليه من الكفر حتى إذا رأوا ما يوعدون (١)، وهذا أظهر. ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية، والمعنى: قل: لا أدري أقريب ما توعدون أم بعيد، وعبر عن بُعده بقوله: ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾. ويعني بـ ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾: قتلهم ببدر، أو يوم القيامة.

стр. 2739

﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ أي: لا يُطْلِع على علم الغيب أحدًا إلا من ارتضى، وهم الرسل؛ فإنه يُطَلِّعُهم على ما شاء من ذلك. و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ لبيان الجنس، لا للتبعيض. والرسول هنا يَحتمل أن يراد به: الرسل من الملائكة، وعلى هذا حملها ابن عطية (١). أو الرسل من بني آدم، وعلى هذا حملها الزمخشري (٢)، واستدل بها على نفي كرامات الأولياء الذين يَدَّعون المكاشفة بالغيوب؛ فإن الله خص الاطلاع على الغيب بالرسل دون غيرهم. وفيها أيضًا دليل على إبطال الكهانة والتنجيم وسائر الوجوه التي يدعي أهلها الاطلاع على الغيب؛ لأنهم ليسوا من الرسل. ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ المعنى: أن الله يسلك من بين يدي الرسول ومن خلفه ملائكة يكونون رَصَدًا يحفظونه من الشياطين (٣). وقد ذكرنا ﴿رَصَدًا﴾ في هذه السورة. قال بعضهم: ما بعث الله رسولًا إلا ومعه ملائكة يحرسونه حتى يبلغ رسالة (٤) ربه.

стр. 2740

﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ في الفاعل بـ ﴿لِيَعْلَمَ﴾ ثلاثة أقوال: الأول: أي: ليعلم اللهُ أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم، أي: يعلمه موجودًا، وقد كان علم ذلك قبل كونه. الثاني: ليعلم محمدٌ أن الملائكة الرصد قد أبلغوا رسالات ربهم. الثالث: ليعلم من كفر أن الرسل قد أبلغوا الرسالة. والأول أظهر. وجَمَعَ الضمير في ﴿أَبْلَغُوا﴾ وفي ﴿رَبِّهِمْ﴾ حملًا على المعنى؛ لأن ﴿مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ يراد به جماعة. ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي: أحاط الله بما عند الرسل من العلوم والشرائع. وهذه الجملة معطوفة على قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾؛ لأن معناه أنه قد علم، قال ذلك ابن عطية (١). ويحتمل أن تكون هذه الجملة في موضع الحال. ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ هذا عمومٌ في جميع الأشياء. و ﴿عَدَدًا﴾ منصوب: على الحال. أو تمييز. أو مصدر من معنى ﴿أَحْصَى﴾.

стр. 2741

(سورة المزمل) [﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾]. ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ نداء للنبي ﷺ . ووزن ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ مُتَفَعِّل فأصله: مُتَزَمِّل، ثم سكنت التاء وأدغمت في الزاي. وفي تسمية النبي ﷺ بالمزمل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان في وقت نزول الآية متزمِّلًا في كساء أو لحاف، والتزمُّل: الالتفاف في الثياب بضم وتشمير، هذا قول عائشة والجمهور.

стр. 2742

الثاني: أنه كان قد تزمل في ثيابه للصلاة. الثالث: أن معناه المتزمل للنبوّة، أي: المشمر، المُجِدُّ في أمرها. والأول هو الصحيح؛ لما ورد في البخاري ومسلم: «أن رسول الله ﷺ لما جاءه الملك وهو في غار حراء في ابتداء الوحي رجع ﷺ إلى خديجة ترعد فرائصه، فقال: زملوني زملوني»، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (١)، وعلى هذا نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، فالتزملُ (٢) على هذا: تزمله من أجل الرعب الذي أصابه أول ما جاء جبريل. وقال الزمخشري: كان نائمًا في قطيفة فنودي ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾؛ ليُهَجَّنَ (٣) إليه الحالة التي كان عليها من التزمل في القطيفة؛ لأنه سبب للنوم الثقيل المانع من قيام الليل (٤). وهذا القول بعيد غير سديد. وقال السهيلي: في ندائه بالمزمل فائدتان: إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي ﷺ لعلي: «قم أبا تراب» (٥). والفائدة الأخرى: التنبيه لكل متزمل راقد بالليل؛ ليتنبَّه إلى ذكر الله؛

стр. 2743

لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه المخاطب وكل من اتصف بتلك الصفة (١). ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ هذا الأمر بقيام الليل اختلف هل هو واجب أو مندوب؟ فعلى القول بالندب: هو ثابت غير منسوخ. وأما على القول بالوجوب: ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه فرض على النبي ﷺ وحده، ولم يزل فرضًا عليه حتى توفي. الثاني: أنه فرض عليه وعلى أمته، فقاموا حتى انتفخت أقدامهم، ثم نُسخ بقوله في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ الآية، وصار تطوعًا، هذا قول عائشة ﵂ وهو الصحيح. واختلف كم بقي فرضًا؟ فقالت عائشة: عامًا. وقيل: ثمانية أشهر. وقيل: عشرة أعوام، فالآية الناسخة على هذا مدنية. الثالث: أنه فرض عليه ﷺ وعلى أمته، وهو ثابت غير منسوخ، ولكن ليس الليل كله، إلا ما تيسر منه، وهو مذهب الحسن وابن سيرين. ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ في معنى هذا الكلام أربعة أقوال: الأول -وهو الأشهر والأظهر-: أن الاستثناء من الليل، وقوله: ﴿نِصْفَهُ﴾

стр. 2744

بدل من ﴿اللَّيْلَ﴾، أو من: «قليل»، وجعل النصف قليلًا بالنسبة إلى الجميع. والضميران في: ﴿انقُصْ مِنْهُ﴾، و ﴿زِدْ عَلَيْهِ﴾ عائدان على النصف. والمعنى: أن الله خيَّره بين ثلاثة أحوال، وهي: أن يقوم نصف الليل، أو يَنقص من النصف قليلًا، أو يزيد (١) عليه. القول الثاني: قال الزمخشري: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء من النصف، كأنه قال: «نصف الليل إلا قليلًا» (٢). فخيَّره على هذا بين حالتين، وهما: أن يقوم أقل من النصف أو أكثر منه، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ قد تضمن معنى النقص من النصف؛ فلا فائدة زائدة في استثناء القليل من النصف. القول الثالث: قال الزمخشري أيضًا: يجوز أن يريد بقوله: ﴿انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ نصف النصف، وهو الربع، ويكون الضمير في قوله: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ يعود على ذلك؛ أي: زد على الربع فيكون ثلثًا (٣). فالتخيير على هذا: بين قيام النصف أو الثلث أو الربع، وهذا أيضًا بعيد. القول الرابع: قال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ الليالي التي يمنعه العذر من القيام فيها، والمراد بـ ﴿اللَّيْلَ﴾ على هذا: الليالي، فهو جنس (٤)، وهذا بعيد؛ لأنه قد فسر هذا القليل المستثنى بما

стр. 2745

بعد ذلك من نصف الليل أو النقص منه أو الزيادة عليه، فدلَّ ذلك على أن المراد بالليل المستثنى بعضُ أجزاء الليل، لا بعض الليالي. فإن قيل: لم قيَّد النقص من النصف بالقلة فقال: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ وأطلق في الزيادة فقال: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ولم يقل «قليلًا»؟ فالجواب: أن الزيادة تحسن فيها الكثرة؛ فلذلك لم يقيدها بالقلة، بخلاف النقص، فإنه لو أطلقه لاحتمل أن ينقص من النصف كثيرٌ. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ الترتيل: هو التمهل والمد وإشباع الحركات وبيان الحروف، وذلك مُعينٌ على التفكر في معاني القرآن، بخلاف الهذِّ الذي لا يفقه صاحبه ما يقول، وكان رسول الله ﷺ يُقطِّع قراءته حرفًا حرفًا، ولا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب، إلا وقف وتعوَّذ (١). ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ هذه الآية اعتراض بين آيات قيام الليل. والقول الثقيل: هو القرآن، واختلف في وصفه بالثِّقَل على خمسة أقوال: أحدها: أنه سمي ثقيلًا؛ لِمَا كان النبي ﷺ يلقاه من الشدة عند نزول الوحي عليه، حتى إن جبينه ليتفصَّد (٢) عرقًا في اليوم الشديد البرد، وقد كان يثقل جسمه ﷺ بذلك حتى إنه إذا أُوحي إليه وهو على ناقته بركت به، وأوحي إليه وفَخِذه على فخذ زيد بن ثابت فكادت أن تَرُضَّ فَخِذَ زيد، والثقل على هذا: حقيقة.

стр. 2746

الثاني: أنه ثقيل على الكفار بإعجازه ووعيده. الثالث: أنه ثقيل في الميزان. الرابع: أنه كلام له وزنٌ ورجحان. الخامس: أنه ثقيل لما تضمَّن من التكاليف والأوامر والنواهي، وهذا اختيار ابن عطية (١)، وعلى هذا يناسب الاعتراضُ بهذه الآية قيامَ الليل؛ لمشقته. ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ في الناشئة سبعة أقوال: الأول: أنه النفس الناشئة بالليل؛ أي: التي تنشأ (٢) من مَضجعها وتقوم للصلاة. الثاني: الجماعة الناشئة الذين يقومون للصلاة. الثالث: العبادة الناشئة بالليل؛ أي: تحدث فيه. الرابع: الناشئة: القيام بعد النوم، فمن قام أول الليل قبل أن ينام فلم يقم ناشئةً (٣). الخامس: الناشئة القيام أول الليل بعد العشاء. السادس: الناشئة بين المغرب والعشاء. السابع: ناشئة الليل: ساعاته كلها.

стр. 2747

﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أثقل وأصعب على المصلي، ومنه قول النبي ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر» (١)، والأثقل أعظم أجرًا، فالمعنى: تحريض على قيام الليل؛ لكثرة الأجر. الثاني: أشدُّ ثبوتًا؛ من أجل الخلوة وحضور الذهن والبعد عن الناس، ويقرب هذا من معنى ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. وقرئ ﴿وِطَاءً﴾ بكسر الواو على وزن فِعَال، ومعناه: موافقةً؛ أي: يوافق القلبُ اللسانَ بحضور (٢) الذهن. ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ السبح هنا: عبارة عن التصرف في الأشغال. والمعنى: يكفيك النهار للتصرف في أشغالك، وتفرغْ بالليل لعبادة ربك. وقيل: المعنى: إن فاتك شيء من صلاة الليل فأدّه بالنهار؛ فإنه طويل يسع فيه ذلك. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ قيل: معناه قل: «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول صلاتك. واللفظ أعم من ذلك. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: انقطع إليه بالعبادة والتوكل عليه وحده. وقيل: التبتل: رفض الدنيا.

стр. 2748

و ﴿تَبْتِيلًا﴾ مصدرٌ على غيرِ الصَّدْرِ (١). ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ الوكيل: هو القائم بالأمور، والذي توكل إليه الأشياء، فهو أمرٌ بالتوكل على الله. ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: على ما يقول الكفار، والآية منسوخة بالسيف. وقيل: إنما المنسوخ المهادنة التي يقتضيها قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾، وأما الصبر فمأمور به في كل وقت. ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ هذا تهديد لهم، وانتصب ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ على أنه مفعول معه، أو معطوف. ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أي: التنعم في الدنيا. وروي أن الآية نزلت في بني المغيرة، وهم قوم من قريش كانوا متنعمين في الدنيا. ﴿أَنكَالًا﴾ جمع نِكْلٍ، وهو القيد من الحديد. ويروى أنها قيود سود من نار. ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ يعني: شجرة الزقوم، ومعنى ﴿ذَا غُصَّةٍ﴾: يَغَصُّ به؛ أي: يختنق. وقيل: هو شوك من نار يعترض في حلوقهم (٢) لا ينزل ولا يخرج.

стр. 2749

وروي أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية فصعق (١). ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ أي: تهتز وتزلزل. والعامل في ﴿يَوْمَ﴾: معنى الكلام المتقدم، وهو ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا﴾. ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ الكثيب: كُدْسُ الرمل، والمهيل: اللين الرخو الذي تهيله (٢) الريح أي: تنشره (٣)، وزنه مفعول. والمعنى: أن الجبال تصير إذا نسفت يوم القيامة مثل الكثيب. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ خطاب لجميع الناس؛ لأن رسول الله ﷺ بعث إلى الناس كافة. وقال الزمخشري: هو خطاب لأهل مكة (٤). ﴿شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أي: يشهد على أعمالكم من الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية. وإنما يشهد على من أدركه؛ لقوله ﷺ : «أقول كما قال أخي عيسى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]» (٥). ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ يعني: موسى ﵇، وهو المراد بقوله: ﴿فَعَصَى

стр. 2750

فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ فاللام للعهد. ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي: غليظًا شديدًا. ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به، وناصبه: ﴿تَتَّقُونَ﴾ أي: كيف تتقون يوم القيامة وأهواله إن كفرتم. وقيل: هو مفعول به (١)، على أن يكون ﴿كَفَرْتُمْ﴾ بمعنى: جحدتم. وقيل: هو ظرف؛ أي: كيف لكم بالتقوى يوم القيامة. ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوف تقديره: اذكر، أو قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾. ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ ﴿الْوِلْدَانَ﴾ جمع وليد، وهو الطفل الصغير. والشِّيب - بكسر الشين -: جمع أَشيب، ووزنه فُعْل بضم الفاء، وكسرت لأجل الياء. و ﴿يَجْعَلُ﴾ يحتمل أن يكون مسندًا: إلى الله تعالى. أو إلى اليوم. والمعنى: أن الأطفال يشيبون يوم القيامة: فقيل: إن ذلك حقيقة. وقيل: إنه عبارة عن هول ذلك اليوم.

стр. 2751

وقيل: إنه عبارة عن طوله. ﴿السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ الانفطار: الانشقاق. والضمير المجرور يعود على اليوم؛ أي: تنفطر (١) السماء بشدة هوله. ويحتمل أن يعود على الله؛ أي: تنفطر (٢) بأمره وقدرته. والأول أظهر. و ﴿السَّمَاءُ﴾ مؤنثة، وجاء ﴿مُنْفَطِرٌ﴾ بالتذكير: لأن تأنيثها غير حقيقي. أو على الإضافة، تقديره: ذات انفطار. أو لأنه أراد السقف. ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ الضمير في ﴿وَعْدُهُ﴾ يحتمل أن يعود: على اليوم. أو على الله. والأول أظهر؛ لأنه ملفوظ به. ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ الإشارة إلى ما تقدم من المواعظ والوعيد. ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ يريد: سبيل التقرب إلى الله. ومعنى الكلام: حضٌّ على ذلك وترغيب فيه.

стр. 2752

[﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾]. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ هذه الآية نزلت ناسخة لما أُمر به في أول السورة من قيام الليل. ومعناها: إن الله يعلم أنك ومن معك من المسلمين تقومون قيامًا مختلفًا، مرة يكثر ومرة يقل؛ لأنكم لا تقدرون على إحصاء أوقات الليل وضبطها، فإنه لا يقدر على ذلك إلا الله، فخفف عنكم وأمركم أن تقرؤوا ما تيسر من القرآن. ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ من قرأهما بالخفض: فهو عطف على ﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: تقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه ومن ثلثه. ومن قرأ بالنصب: فهو عطف على ﴿أَدْنَى﴾؛ أي: تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه تارة وثلثه تارة. ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ يعني: المسلمين، وهو معطوف على الضمير الفاعل في ﴿تَقُومُ﴾. ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ الضمير يعود على ما يفهم من سياق الكلام؛ أي: لن تحصوا تقدير الليل. وقيل: معناه: لن تطيقوه؛ أي: لن تطيقوا قيام الليل كله.

стр. 2753

﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ عبارة عن التخفيف، كقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ أي: إذا لم تقدروا على قيام الليل كله، فقوموا بعضه، واقرؤوا في صلاتكم بالليل ما تيسر من القرآن، وهذا الأمر للندب. وقال ابن عطية: هو للإباحة عند الجمهور (١). وقال قوم - منهم الحسن وابن سيرين -: هو فرض لا بدَّ منه ولو أقل ما يمكن، حتى قال بعضهم: من صلى الوتر فقد امتثل هذا الأمر. وقيل: كان فرضًا ثم نسخ بالصلوات الخمس. وقال بعضهم: هو فرض على أهل القرآن دون غيرهم. ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ذكر الله في هذه الآية الأعذار التي (٢) لبني آدم تمنعهم من قيام الليل، فمنها: المرض، ومنها: السفر للتجارة وهي الضرب في الأرض ابتغاء فضل الله، ومنها: الجهاد. ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر: تأكيدًا للأمر به. أو تأكيدًا للتخفيف، وهذا أظهر؛ لأنه ذكره بإثر الأعذار. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يعني: المكتوبتين.

стр. 2754

﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ﴾ معناه تصدقوا، وقد ذكر في «البقرة» (١). ﴿هُوَ خَيْرًا﴾ نصب ﴿خَيْرًا﴾؛ لأنه مفعول ثان لـ ﴿تَجِدُوهُ﴾، والضمير فصلٌ. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ قال بعض العلماء: إن الاستغفار بعد الصلاة مستنبط من هذه الآية، وكان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثًا (٢).

стр. 2755

(سورة المدثر) [﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾]. ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ وزنه: مُتَفَعِّل، ومعناه: الذي تدثَّر في كساء أو ثياب. وتسميته بذلك كتسميته بالمزمل حسبما ذكرنا في موضعه (١). وقال السهيلي: في ندائه بـ ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ ثلاث فوائد: الاثنتان اللتان ذكرتا

стр. 2756

في «المزمل»، وفائدة ثالثة؛ وهي: أن العرب يقولون: «النذير العريان»، للنذير الذي يكون في غاية الجد والتشمير، والنذير (١) بالثياب ضد هذا، فكأنه تنبيهٌ على ما يجب من التشمير (٢). وقيل: إن هذه أول سورة نزلت من القرآن. والصحيح أن سورة «اقرأ» نزلت قبلها. ﴿قُمْ فَأَنذِرْ (٢)﴾ أي: أنذر الناس، وهذه بعثة عامة. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ أي: عظَّمه. ويحتمل أن يريد قول: «الله أكبر»، ويؤيد ذلك: ما روي عن أبي هريرة: أن المسلمين قالوا: بم نفتتح صلاتنا؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ (٣). وقول: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ من المقلوب الذي يقرأ من أوله وآخره. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حقيقة في تطهير الثياب من النجاسة. واختلف على هذا: هل يحمل على الوجوب؛ فتكون إزالة النجاسة واجبة؟، أو على الندب؛ فتكون سنة؟ والآخر: أنه يراد به: الطهارة من الذنوب والعيوب، فالثياب على هذا: مجاز.

стр. 2757

الثالث: أن معناه: لا تلبس الثياب من مكسب خبيث. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرجز: الأوثان، روي ذلك عن رسول الله ﷺ (١)، وهو قول عائشة. والآخر: أن الرجز: السُّخْط والعذاب، وهذا أصله في اللغة، فمعناه: اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه. الثالث: أنه المعاصي والفجور، قال بعضهم: كل معصية رجز. ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ يحتمل قوله: ﴿تَمْنُن﴾ أن يكون: من معنى العطاء. أو معنى المنّ، وهو ذكر العطاء وشبهه. أو معنى الضعف. فإن كان من العطاء: ففيه وجهان: أحدهما: أن معناه: لا تعط شيئًا لتأخذ أكثر منه، قال بعضهم: هذا خاص بالنبي ﷺ ومباح لأمته. والآخر: لا تعط الناس عطاء وتستكثره؛ فإن الكريم يستقلُّ ما يُعطي وإنْ كان كثيرًا.

стр. 2758

وإن كان من المنِّ بالشيء: ففيه وجهان: الأول: لا تمنن على الناس بنبوتك تستكثر بأجر أو مكسب تطلبه. الثاني: لا تمنن على الله بعملك تستكثر أعمالك ويقع لك بها إعجاب. وإن كان من الضعف: فمعناه لا تضعف عن تبليغ الرسالة وتستكثر ما حمَّلناك من ذلك. ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ أي: اصبر لوجهه وطلب رضاه. ويحتمل أن يريد الصبر: على المكاره والمصائب. أو على إذاية الكفار له. أو على العبادة. ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ يعني: نُفخ في الصور. ويحتمل أن يريد: النفخة الأولى، أو الثانية. ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ هذا وعيد وتهديد. ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة باتفاق. وفي معنى ﴿وَحِيدًا﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: روي أنه كان يلقَّب الوحيد؛ أي: لا نظير له في ماله وشرفه، فكونه وحيدًا نعمةٌ عدَّدها الله عليه. الثاني: أن معناه: خلقته منفردًا ذليلًا.

стр. 2759

الثالث: أن معناه: خلقته وحدي، فـ ﴿وَحِيدًا﴾ على هذا من صفة الله تعالى، وإعرابه على هذا: حال من الضمير الفاعل في قوله: ﴿خَلَقْتُ﴾. وهو على القولين الأولين: حال من الضمير المفعول. ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾ أي: كثيرًا، واختلف في مقداره؛ فقيل: ألف دينار، وقيل: عشرة آلاف. وقيل: يعني: الأرض؛ لأنها مُدَّت. ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ أي: حضورًا، وروي أنه كان له عشرة من الأولاد (١) - وقيل: ثلاثة عشر - لا يفارقونه. وأسلم منهم ثلاثة، وهم: خالد، وهشام، وعِمَارة. ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)﴾ أي: بسطت له في الدنيا بالمال والعزة وطيب العيش. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)﴾ أي: يطمع في الزيادة على ما أعطاه الله، وهذه غاية الحرص. ﴿كَلَّا﴾ زجرٌ عما طمع فيه من الزيادة. ﴿عَنِيدًا﴾ أي: معاندًا مخالفًا. والآيات هنا: يراد بها القرآن؛ لأن الوليد قال فيه: إنه سحر. ويحتمل أن يريد الدلائل.

стр. 2760

﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ الصعود: العقبة الصعبة، روي عن النبي ﷺ أنها عقبة في جهنم، كلما صعدها الإنسان ذاب ثم يعود (١). فالمعنى: سأشق عليه بتكليفه الصُّعود فيها. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨)﴾ أي: ﴿فَكَّرَ﴾ فيما يقول، ﴿وَقَدَّرَ﴾ في نفسه ما يقول في القرآن؛ أي: هيَّأ كلامه. روي أن الوليد سمع القرآن فأعجبه وكاد يسلم، ودخل إلى أبي بكر الصديق، فعاتبه أبو جهل، وقال له: إن قريشًا قد أبغضتك لمقاربتك أمر محمد، وما يخلّصك عندهم إلا أن تقول في كلام محمد قولًا يرضيهم، فافتتن وقال: أفعلُ ذلك، ثم فكر فيما يقول في القرآن فقال: أقول شعر؟ ما هو شعر، أقول كاهن؟ ما هو بكاهن، أقول: إنه سحر وإنه قول البشر؛ أي: ليس منزلًا من عند الله. ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)﴾ دعاءٌ عليه وذم، وكرره تأكيدًا لذمه وتقبيح حاله. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون مقتضاه: استحسان منزعه الأول حين أعجبه القرآن، فيكون قوله: ﴿فَقُتِلَ﴾ لا يراد به الدعاء عليه، وإنما هو كقولهم: «قاتل الله فلانًا ما أشجعه!»، يريدون التعجب من حاله واستعظام وصفه (٢). وقال الزمخشري: يحتمل أن يكون ثناءً عليه على طريقة الاستهزاء،

стр. 2761

أو حكايةً لقول قريش؛ تهكُّمًا بهم (١). ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾ أي: نظر في قوله، وقدَّر ما يقول. ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)﴾ البُسور: هو تقطيب الوجه، وهو أشد من العبوس. وفعل ذلك من حسده للنبي ﷺ ، أو عبس في وجهه ﷺ ، أو عبس لما ضاقت عليه الحيل ولم يدر ما يقول. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أي: أعرض عن الإسلام. ﴿سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي: يُنقل عمن تقدم. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧)﴾ تعظيمٌ لها وتهويل. ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ مبالغة في وصف عذابها؛ أي: لا تدع غاية من العذاب إلا أذاقته إياه. أو (٢) لا تبقي شيئًا ألقي فيها إلا أهلكته، وإذا أهلك (٣) لم تذره هالكًا بل يعود إلى العذاب. ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)﴾ معنى ﴿لَوَّاحَةٌ﴾: مغيِّرة، يقال: لاحه السفرُ وغيرُه: إذا غيَّره. والبَشَر: جمع بَشَرة، وهي الجلدة. فالمعنى: أنها تحرق الجلود وتسوِّدها.

стр. 2762

وقيل: ﴿لَوَّاحَةٌ﴾: من لاح: إذا ظهر، والبشر: الناس؛ أي: تلوح للناس. وقال الحسن: تلوح لهم من مسيرة خمس مئة عام. ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ يعني: الزبانية خزنة جهنم: فقيل: هم تسعة عشر ملكًا. وقيل: تسعة عشر صفًّا. وقيل: تسعة عشر صنفًا من الملائكة. والأول أشهر. ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ سبب هذه الآية: أنه لما نزل ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال أبو جهل لقريش: أيعجز عشرة منكم عن واحد من هؤلاء التسعة عشر أن يبطشوا به؟ فنزلت الآية. ومعناها: أنهم ملائكة لا طاقة لكم بهم. وروي: أن الواحد منهم يرمي بالجبل على الكفار. ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جعلناهم هذا العدد ليفتتن الكفار بذلك ويطمعوا أن يغلبوهم، ويقولوا ما قالوا. ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي: يعلم أهل التوراة والإنجيل أن ما أخبر به محمد ﷺ من عدد ملائكة النار حق؛ لأنه موافق لما في كتبهم. ﴿وَلَا يَرْتَابَ﴾ أي: لا يشك ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أن ما قاله محمد ﷺ حق.

стр. 2763

فإن قيل: كيف نفى عنهم الشك بعد أن وصفهم باليقين والمعنى واحد، وهو تكرار؟ فالجواب: أنه لما وصفهم باليقين نفى عنهم أن يشكوا فيما يُستقبل بعد يقينهم الحاصل الآن، فكأنه وصفهم باليقين في الحال والاستقبال. وقال الزمخشري: ذلك مبالغة وتأكيد (١). ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ المرض: عبارة عن الشك، وأكثر ما يطلق ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ على المنافقين. فإن قيل: هذه السورة مكية ولم يكن حينئذ منافقون وإنما حدث المنافقون بالمدينة؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن معناه: يقول المنافقون إذا حدثوا، ففيه إخبار بالغيب. والآخر: أن يريد: مَنْ كان بمكة من أهل الشك. وقولهم: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ استبعادٌ لأن يكون هذا من عند الله. ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ يحتمل القصد بهذا وجهين: أحدهما: وصف جنود الله بالكثرة؛ أي: هم من كثرتهم لا يعلمهم إلا الله. والآخر: رفع اعتراض الكفار على التسعة عشر؛ أي: لا يعلم أعداد

стр. 2764

جنود الله إلا هو؛ لأن منهم عددًا قليلًا ومنهم عددًا كثيرًا حسبما أراد الله. ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ الضمير: لجهنم. أو للآيات المتقدمة.

стр. 2765

[﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾]. ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ للكفار عن كفرهم. وقال الزمخشري: هي إنكار لأن يكون لهم ذكرى (١). ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: ولَّى. وقرئ ﴿دَبَرَ﴾ بغير ألف، والمعنى واحد. وقيل: معناه: دبَرَ الليلُ النهارَ؛ أي: جاء في دبره. ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ أي: أضاء، ومنه الإسفار بصلاة الصبح. ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)﴾ الضمير: لجهنم. أو للآيات والنذارة؛ أي: هي من الأمور العظام.

стр. 2766

و ﴿الْكُبَرِ﴾ جمع كُبرى. وقال ابن عطية: جمع كبيرة (١). والأول هو الصحيح. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ تمييزٌ. أو حال من ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. وقيل: النذير هنا: الله، فالعامل فيه على هذا محذوف، وهذا ضعيف. وقيل: هو حال من أول السورة؛ أي: «قم فأنذر نذيرًا»، وهذا بعيد، قال الزمخشري: هو من بِدَع التفاسير (٢). ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ التقدُّم: عبارة عن سلوك طريق الهدى، والتأخر ضده. و ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ بدل من البشر. أي: هم متمكنون من التقدم أو التأخر. وقيل: معناه الوعيد، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وعلى هذا أعرب الزمخشري ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ مبتدأ و ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ خبره (٣). والأول أظهر.

стр. 2767

﴿رَهِينَةٌ﴾ قال ابن عطية: الهاء في ﴿رَهِينَةٌ﴾ للمبالغة، أو على تأنيث النفس (١). وقال الزمخشري: ليست بتأنيث «رهين»؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي بمعنى الرَّهن؛ أي: كل نفس رهْنٌ عند الله بعملها (٢). ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ (٣٩) أي: أهل السعادة؛ فإنهم فكوا رقابهم بأعمالهم الصالحة، كما يفكُّ الراهن رهنه بأداء الحق. وقال علي بن أبي طالب: أصحاب اليمين: هم الأطفال؛ لأنهم لا أعمال لهم يُرتهنون بها. وقال ابن عباس: هم الملائكة. ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: يسأل بعضهم بعضًا عن حال المجرمين الذين في النار. ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٤٢) أي: ما أدخلكم النار؟ وهذا خطاب للمجرمين، يحتمل أن خاطبهم به: المسؤولون، أو الملائكة. فأجابوهم بقولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ وما بعده، أي: هذا هو الذي أوجب دخولهم النار.

стр. 2768

وإنما أخر التكذيب بيوم الدين؛ تعظيمًا له؛ لأنه أكبر جرائمهم. ﴿نَخُوضُ﴾ الخوض: هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل وشبهه. ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ هو الموت عند المفسرين. وقال ابن عطية: إنما اليقين الذي أرادوا: ما كانوا يكذبون به في الدنيا، فيتيقنوه بعد الموت (١). ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ إنما ذلك لأنهم كفار، وأجمع العلماء أنه لا يشفع أحد في الكفار. وجمع ﴿الشَّافِعِينَ﴾ دليلٌ على كثرتهم، كما ورد في الآثار: «يشفع (٢) الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء والصالحون» (٣). ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ يعني: كفار قريش. ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ (٥٠)﴾ المستنفرة بفتح الفاء: التي استنفرها الفزع. وبالكسر: بمعنى النافرة. شبه الكفار بالحَمير (٤) النافرة في جهلهم ونفورهم عن الإسلام، ويعني: حمير الوحش.

стр. 2769

﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ ابن عباس: القسورة: الرماة. وقال أيضًا: هو الأسد. وقيل: أصوات الناس. وقيل: الرجال الشداد. وقيل: سواد أول الليل. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ المعنى: يطمع كل إنسان منهم أن ينزل عليه كتاب من عند الله. ومعنى ﴿مُنَشَّرَةً﴾: منشورة غير مطوية؛ أي: طرية كما كتبت لم تُطوَ بعد، وذلك أنهم قالوا لرسول الله ﷺ : لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء فيها (١): «من رب العالمين إلى فلان بن فلان» نؤمر باتباعك. ﴿كَلَّا﴾ ردع عما أرادوه. ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي: هذه هي العلة والسبب في إعراضهم. ﴿كَلَّا﴾ تأكيد للردع الأول. أو ردع عن عدم خوفهم للآخرة. ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ الضمير: لما تقدم من الكلام. أو للقرآن بجملته.

стр. 2770

﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾ فاعل ﴿شَاءَ﴾ ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، وفي ذلك حض وترغيب. وقيل: الفاعل هو الله. ثم قيد فعل العبد بمشيئة الله. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي: هو أهلٌ لأن يُتَّقَى؛ لشدة عقابه، وهو أهل لأن يغفر الذنوب؛ لكرمه وسعة رحمته وفضله.
следующие страницы →