← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

و ﴿الْكُبَرِ﴾ جمع كُبرى. وقال ابن عطية: جمع كبيرة (١). والأول هو الصحيح. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ تمييزٌ. أو حال من ﴿لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. وقيل: النذير هنا: الله، فالعامل فيه على هذا محذوف، وهذا ضعيف. وقيل: هو حال من أول السورة؛ أي: «قم فأنذر نذيرًا»، وهذا بعيد، قال الزمخشري: هو من بِدَع التفاسير (٢). ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ التقدُّم: عبارة عن سلوك طريق الهدى، والتأخر ضده. و ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ بدل من البشر. أي: هم متمكنون من التقدم أو التأخر. وقيل: معناه الوعيد، كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وعلى هذا أعرب الزمخشري ﴿أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾ مبتدأ و ﴿لِمَنْ شَاءَ﴾ خبره (٣). والأول أظهر.

стр. 2767

﴿رَهِينَةٌ﴾ قال ابن عطية: الهاء في ﴿رَهِينَةٌ﴾ للمبالغة، أو على تأنيث النفس (١). وقال الزمخشري: ليست بتأنيث «رهين»؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي بمعنى الرَّهن؛ أي: كل نفس رهْنٌ عند الله بعملها (٢). ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ (٣٩) أي: أهل السعادة؛ فإنهم فكوا رقابهم بأعمالهم الصالحة، كما يفكُّ الراهن رهنه بأداء الحق. وقال علي بن أبي طالب: أصحاب اليمين: هم الأطفال؛ لأنهم لا أعمال لهم يُرتهنون بها. وقال ابن عباس: هم الملائكة. ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: يسأل بعضهم بعضًا عن حال المجرمين الذين في النار. ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٤٢) أي: ما أدخلكم النار؟ وهذا خطاب للمجرمين، يحتمل أن خاطبهم به: المسؤولون، أو الملائكة. فأجابوهم بقولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ وما بعده، أي: هذا هو الذي أوجب دخولهم النار.

стр. 2768

وإنما أخر التكذيب بيوم الدين؛ تعظيمًا له؛ لأنه أكبر جرائمهم. ﴿نَخُوضُ﴾ الخوض: هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل وشبهه. ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ هو الموت عند المفسرين. وقال ابن عطية: إنما اليقين الذي أرادوا: ما كانوا يكذبون به في الدنيا، فيتيقنوه بعد الموت (١). ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ إنما ذلك لأنهم كفار، وأجمع العلماء أنه لا يشفع أحد في الكفار. وجمع ﴿الشَّافِعِينَ﴾ دليلٌ على كثرتهم، كما ورد في الآثار: «يشفع (٢) الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء والصالحون» (٣). ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ يعني: كفار قريش. ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ (٥٠)﴾ المستنفرة بفتح الفاء: التي استنفرها الفزع. وبالكسر: بمعنى النافرة. شبه الكفار بالحَمير (٤) النافرة في جهلهم ونفورهم عن الإسلام، ويعني: حمير الوحش.

стр. 2769

﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ ابن عباس: القسورة: الرماة. وقال أيضًا: هو الأسد. وقيل: أصوات الناس. وقيل: الرجال الشداد. وقيل: سواد أول الليل. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ المعنى: يطمع كل إنسان منهم أن ينزل عليه كتاب من عند الله. ومعنى ﴿مُنَشَّرَةً﴾: منشورة غير مطوية؛ أي: طرية كما كتبت لم تُطوَ بعد، وذلك أنهم قالوا لرسول الله ﷺ : لن نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء فيها (١): «من رب العالمين إلى فلان بن فلان» نؤمر باتباعك. ﴿كَلَّا﴾ ردع عما أرادوه. ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ أي: هذه هي العلة والسبب في إعراضهم. ﴿كَلَّا﴾ تأكيد للردع الأول. أو ردع عن عدم خوفهم للآخرة. ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ الضمير: لما تقدم من الكلام. أو للقرآن بجملته.

стр. 2770

﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥)﴾ فاعل ﴿شَاءَ﴾ ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، وفي ذلك حض وترغيب. وقيل: الفاعل هو الله. ثم قيد فعل العبد بمشيئة الله. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي: هو أهلٌ لأن يُتَّقَى؛ لشدة عقابه، وهو أهل لأن يغفر الذنوب؛ لكرمه وسعة رحمته وفضله.

стр. 2771

(سورة القيامة) [﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾]. ﴿لَا أُقْسِم﴾ في الموضعين: معناه أقسم و ﴿لا﴾ زائدة لتاكيد القسم. وقيل: هي استفتاح كلام بمنزلة: «أَلَا». وقيل: هي نفي لكلام الكفار. ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ هي التي تلوم نفسها على فعل الذنوب، أو التقصير في الطاعة؛ فإن النفوس على ثلاثة أنواع: فخيرها: النفس المطمئنة. وشرها: النفس الأمارة بالسوء.

стр. 2772

وبينهما: النفس اللوامة. وقيل: اللوامة: هي المذمومة الفاجرة، وهذا بعيد؛ لأن الله لا يقسم إلا بما يعظم من المخلوقات، ويستقيم إن كان ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ نفيًا للقسم. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣)﴾ الإنسان هنا: للجنس، والإشارة به إلى الكفار المنكرين للبعث. ومعناه: أيظن أن لن نجمع عظامه للبعث بعد فنائها في التراب؟ وهذه الجملة هي التي تدل على جواب القسم المتقدم. ﴿بَلَى﴾ تقديره: نجمعها. ﴿قَادِرِينَ﴾ منصوب على الحال من الضمير في ﴿نَجْمَعَ﴾، والتقدير: نجمعها ونحن قادرون. ﴿أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ البنان: الأصابع، وفي المعنى قولان: أحدهما: أنه إخبار بالقدرة على البعث؛ أي: قادرين على أن نسوي أصابعه؛ أي: نخلقها بعد فنائها مستويةً متقنةً، وإنما خص الأصابع دون سائر الأعضاء؛ لدقة عظامها وتفرقها. والآخر: أنه تهديد في الدنيا؛ أي: قادرين أن نجعل أصابعه مستوية ملتصقة، كيد الحمار وخف الجمل، فلا يمكنه تصريف يديه في منافعه. والأول أليق بسياق الكلام. ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ هذه الجملة معطوفة على ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ﴾، ويجوز أن تكون استفهامًا مثلها، أو تكون خبرًا.

стр. 2773

وليست ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب عن الكلام الأول بمعنى إبطاله؛ وإنما هي للخروج منه إلى ما بعده. و ﴿يَفْجُرَ﴾ معناه: يفعل أفعال الفجور. وفي معنى ﴿أَمَامَهُ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عبارة عما يستقبل من الزمان، أي: يفجر بقية عمره. الثاني: أنه عبارة عن اتباع أغراضه وشهواته، يقال: مشى فلان قُدَّامه: إذا لم يرجع عن شيء يريده. والضمير على هذين القولين: يعود على الإنسان. الثالث: أن الضمير يعود على يوم القيامة، والمعنى: يريد الإنسان أن يفجر قبل يوم القيامة. ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ ﴿أَيَّانَ﴾ معناها: «متى». وهذا السؤال عن يوم القيامة هو على وجه الاستخفاف والاستبعاد له. ﴿بَرَقَ الْبَصَرُ﴾ هذا إخبار عن يوم القيامة. وقيل: عن حالة الموت، وهذا خطأ؛ لأن القمر لا يخسف عند موت أحد، ولا يجمع بينه وبين الشمس. و ﴿بَرَقَ﴾ بفتح الراء: معناه لمع وصار له بريق. وقُرِئ بكسر الراء، ومعناه تحيَّر من الفزع. وقيل: معناه: شَخَصَ، فيتقارب معنى الفتح والكسر. ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ ذهب ضوؤه، يقال: خسف هو، وخسفه الله.

стр. 2774

والخسوف للقمر، والكسوف للشمس. وقيل: الكسوف: ذهاب بعض الضوء، والخسوف: ذهاب جميعِه. وقيل: هما بمعنى واحد. ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ في جمعهما ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما يجمعان حيث يُطلعهما الله من المغرب. والآخر: أنهما يجمعان يوم القيامة، ثم يقذف بهما في النار -وقيل: في البحر-، فتكون النار الكبرى. الثالث: أنهما يجمعان (١) فيذهب ضوءهما. ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ أي: لا ملجأ ولا مُغيث. ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ أي: بجميع أعماله ما قَدَّمَ منها في أول عمره وما أخر في آخره. وقيل: ما قدم في حياته وما أخر من سُنَّة أو وصية بعد مماته. وقيل: ما قدم من المعاصي وأخر من الطاعات. وقيل: ما قدم لنفسه من ماله وما أخر منه لورثته. ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ في معناه قولان: أحدهما: أنه شاهدٌ على نفسه بأعماله؛ إذ تشهد عليه جوارحه يوم القيامة.

стр. 2775

والآخر: أنه حجة بينة؛ لأن خِلْقته تدل على خالقه، فوُصف بالبصارة مجازًا؛ لأن من نظر فيه أبصر الحق. والأول أليق بما قبله وما بعده، كأنه قال: يُنبأ الإنسان يومئذ بأعماله، بل هو يشهد بأعماله وإن لم يُنبأ بها، وكذلك يلتئم مع قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾، ويكون هو جواب ﴿لَوْ﴾ حسبما نذكره. ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المعاذير: الأعذار؛ أي: الإنسان يشهد على نفسه بأعماله ولو اعتذر عن قبائحها. والآخر: أن المعاذير: الستور؛ أي أن الإنسان يشهد على نفسه يوم القيامة ولو سدل الستور على نفسه في الدنيا حين يفعل القبائح. ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على القرآن، دلت على ذلك قرينة الحال. وسبب الآية: أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يحرك به شفتيه؛ مخافة أن ينساه لحينه، فأمره الله أن يُنصت ويستمع (١). وقيل: كان يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب عليه ذلك، وشق عليه، فنزلت الآية. والأول هو الصحيح؛ لأنه ورد في البخاري وغيره.

стр. 2776

﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ ضمن الله له أن يجمعه في صدره، فلا يحتاج إلى تحريك شفتيه عند نزوله. ويحتمل ﴿قُرْآنَهُ﴾ هنا وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى القراءة، فإن القرآن قد يكون مصدرا من قرأت. والآخر: أن يكون معناه: تأليفه في صدره، فهو مصدر من قولك: قرأت الشيء أي: جمعته. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ أي: إذا قرأه جبريل، فجعل قراءة جبريل قراءة الله؛ لأنها من عنده. ومعنى ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ استمع قراءته واتبعها بذهنك؛ لتحفظها. وقيل: اتبع القرآن في الأوامر والنواهي. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ أي: علينا أن نبينه لك ونجعلك تحفظه. وقيل: علينا أن نبين معانيه وأحكامه. فإن قيل: ما مناسبة قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ الآية، لما قبلها؟ فالجواب: أنه لعله نزل معه في حين واحد فجعل على ترتيب النزول. ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ أي: الدنيا، وهذا الخطاب توبيخ للكفار ومن كان على مثل حالهم في حب الدنيا. و ﴿كَلَّا﴾ ردع عن ذلك.

стр. 2777

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ بالضاد أي: ناعمة، ومنه ﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ هذا من النظر بالعين، وهو نصٌّ في نظر المؤمنين إلى الله تعالى في الآخرة، وهو مذهب أهل السنة. وأنكره المعتزلة، وتأولوا ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بأن معناه: منتظرة، وهذا باطل؛ لأن «نظَرَ» بمعنى انتظر يتعدى بغير حرف جر، تقول: نظرتك أي: انتظرتك، وأما المتعدي بـ «إلى» فهو من نظر العين، ومنه قوله: ﴿وَمِنْهُم مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣]. وقال بعضهم: «إلى» هنا ليست بحرف جر، وإنما هي واحد «الآلاء» بمعنى النعم، وهذا تكلف في غاية البعد. وتأوله الزمخشري: بأن معناه كقول الناس: «فلان ناظر إلى فلان» إذا كان يرتجيه ويتعلق به (١)، وهذا بعيد. وقد جاء عن النبي ﷺ في النظر إلى الله أحاديث صحيحة مستفيضة صريحة المعنى لا تحتمل التأويل، فهي تفسير للآية. ﴿بَاسِرَةٌ﴾ أي: عابسة تظهر عليها الكآبة، والْبُسور: أشد من العبوس. ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ أي: مصيبة قاصمة الظهر. والظن هنا يحتمل أن يكون: على أصله، أو بمعنى اليقين.

стр. 2778

[﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾]. ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ يعني: حالة الموت. و ﴿التَّرَاقِيَ﴾: جمع تَرْقُوَة، وهي عظام أعلى الصدر. والفاعل بـ ﴿بَلَغَتِ﴾: نفس الإنسان، دل على ذلك سياق الكلام. وهو عبارة عن حال الحشرجة وسياق الموت. ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧)﴾ أي: قال أهل المريض: مَنْ يرقيه عسى أن يشفيه؟ وقيل: معناه: أن الملائكة تقول: من يَرْقَى بروحه؛ أي: يصعد بها إلى السماء؟ فالأول: من الرُّقية، وهو أشهر وأظهر. والثاني: من الرُّقِيِّ، وهو العلوُّ. ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾ أي: تيقَّن المريض أن ذلك الحال فراق الدنيا وفراق أهله وماله. ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ هذه عبارة عن شدة كرب الموت وسكراته، أي: التفت ساقه على الأخرى عند السياق. وقيل: هو مجاز، كقولك: «كشفت الحرب عن ساقها»: إذا اشتدت.

стр. 2779

وقيل: معناه: ماتت ساقه فلا تحمله. وقيل: التفَّت: أي: لفها الكفن إذا كُفِّن. وفي قوله: ﴿السَّاقُ﴾ و ﴿الْمَسَاقُ﴾ ضرب من ضروب التجنيس. ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠)﴾ هذا جواب ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾. و ﴿الْمَسَاقُ﴾ مصدر من السَّوق، كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ «لا» هنا نافية، و ﴿صَدَّقَ﴾ هنا يحتمل أن يكون: من التصديق بالله ورسله. أو من الصدقة. ونزلت هذه الآية وما بعدها في أبي جهل. ﴿يَتَمَطَّى﴾ أي: يتبختر في مشيه (١)، وذلك عبارة عن التكبر والخيلاء، وكانت هذه المشية معروفة في بني مخزوم الذين كان أبو جهل منهم. ﴿أَوْلَى لَكَ﴾ وعيد وتهديد. ﴿فَأَوْلَى﴾ وعيد ثان، ثم كرر ذلك تأكيدًا. ويروى أن رسول الله ﷺ لَبَّ (٢) أبا جهل وقال له: «إن الله يقول لك: أولى لك فأولى». فنزل القرآن بموافقة ذلك (٣).

стр. 2780

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ هذا توبيخ، ومعناه: أيظن أن يترك من غير بعث ولا حساب ولا جزاء، فهو كقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]. والإنسان هنا: جنس. وقيل: نزلت في أبي جهل. ولا يبعد أن يكون سببها خاصًّا ومعناها عامٌّ. ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ النطفة: النقطة، و ﴿يُمْنَى﴾: من قولك: أمنى الرجل. ومعنى الآية: الاستدلال بخلقة الإنسان على بعثه، كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. والعلقة: الدم؛ لأن المنيَّ يصير في الرحم دمًا. ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ أي: خلقه بشرًا فسوى صورته؛ أي: أتقنها. ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ هذا تقرير واحتجاج. وروي أن رسول الله ﷺ : «كان إذا قرأ آخر هذه السورة قال: بلى» (١)، وفي رواية: «سبحانك اللهم بلى» (٢).

стр. 2781

(سورة الإنسان) [﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾]. ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ ﴿هَلْ﴾ هنا بمعنى التقرير، لا لمجرد الاستفهام. وقيل: هي بمعنى «قد».

стр. 2782

و ﴿الْإِنْسَانُ﴾ هنا: جنس، والحين الذي أتى عليه: حين كان معدومًا قبل أن يخلق. وقيل: الإنسان هنا: آدم، والحين الذي أتى عليه: حين كان طينًا قبل أن ينفخ فيه الروح، وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهو هنا جنس باتفاق؛ إذ لا يصح هذا في آدم. والآخر: أن مقصد الآية تحقير الإنسان. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي: أخلاط، واحدها: مَشَجٌ بفتح الميم والشين. وقيل: مَشْجٌ بوزن: عَدْلٍ. وقال الزمخشري: ليس ﴿أَمْشَاجٍ﴾ بجمع، وإنما هو مفرد كقولهم: «بُرمةٌ أعشارٌ»، ولذلك وقع صفة للمفرد. واختلف في معنى الاختلاط هنا: فقيل: اختلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء. وقيل: اختلاط ماء الرجل والمرأة، وروي أن عظام الإنسان وعصبه من ماء الرجل، وأن لحمه وشحمه من ماء المرأة. وقيل: معناه: ألوان وأطوار، أي: يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة. ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ أي: نختبره، وهذه الجملة في موضع الحال، أي: خلقناه مبتلين له. وقيل: معناه: نَصْرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة.

стр. 2783

﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ هذا معطوف على ﴿خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾. ومَن جَعَلَ ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ بمعنى نصرفه في بطن أُمِّهِ: فهذا عُطِفَ عَلَيْهِ. وقيل: إن ﴿نَبْتَلِيهِ﴾ مُؤَخَّرٌ في المعنى؛ أي: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه، وهذا تكلف بعيد. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ أي: سبيل الخير والشر، ولذلك قسم الإنسان إلى قسمين: شاكرٍ وكفورٍ، وهما حالان من الضمير في ﴿هَدَيْنَاهُ﴾. والهدى هنا: بمعنى بيان الطريقين، ومَوْهبة العقل الذي يميز به بينهما. ويحتمل أن يكون بمعنى الإرشاد؛ أي: هدى المؤمن للإيمان والكافر للكفر، ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] (١). ﴿سَلَاسِلَ﴾ من قرأه بغير تنوين: فهو الأصل؛ إذ هو لا ينصرف؛ لأنه جَمْعٌ لا نظير له في الآحاد.

стр. 2784

ومن قرأ بالتنوين: فله ثلاث توجيهات: أحدها: أنها لغة لبعض العرب، يصرفون كل ما لا ينصرف إلا «أَفْعَل». والآخر: أن النون بدل من حرف الإطلاق، وأجرى الوصل مُجرى الوقف. والثالث: أن يكون صاحب هذه القراءة رَاويةً للشعر، قد عوَّد لسانه صرف ما لا ينصرف، فجرى على ذلك. ﴿الأَبْرَارَ﴾ جمع بارّ أو بَرّ، ومعناه: العاملون بالبر وهو غاية التقوى والعمل الصالح، حتى قال بعضهم: الأبرار هم الذين لا يؤذون الذرّ. ﴿مِنْ كَأْسٍ﴾ ذكر في «الصافات» (١) معنى الكأس. و ﴿من﴾ هنا يحتمل أن تكون: للتبعيض، أو لابتداء الغاية. ﴿مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ أي: تمزج الخمر بالكافور. وقيل: المعنى: أنه كافور في طيب رائحته، كما تمدح طعامًا فتقول: هذا مسك. ﴿عَيْنًا﴾ بدل من ﴿كَافُورًا﴾ على القول بأن الخمر تمزج بالكافور. وبدل من موضع ﴿مِنْ كَأْسٍ﴾ على القول الآخر، كأنه قال: يشربون خمرًا خمر عين. وقيل: هو مفعول بـ ﴿يَشْرَبُونَ﴾.

стр. 2785

وقيل: منصوب بإضمار فعل. ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ قال ابن عطية: الباء زائدة، والمعنى: يشربها (١)، وهذا ضعيف؛ لأن الباء إنما تزاد في مواضع ليس هذا منها. وإنما هي كقولك: «شربت الماء بالعسل»؛ لأن العين المذكورة يمزج بها الكأس من الخمر. ﴿عِبَادُ اللَّهِ﴾ وصفهم بالعبودية فيه معنى التقريب والاختصاص، كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ أي: يُجْرُونَهَا (٢) حيث شاؤوا من منازلهم تفجيرًا سهلًا لا يصعب عليهم. وفي الأثر أن في قصر النبي ﷺ في الجنة عينًا تنفجر إلى قصور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين. ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ أي: منتشرًا شائعًا، ومنه: «استطار الفجر»: إذا انتشر ضوؤه. ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين ﵃، فإنهم كانوا صائمين فلما وضعوا فطرهم ليأكلوه جاء مسكين فدفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين، فلما وضعوا فطرهم جاء يتيم فدفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين، فلما وضعوا فطرهم جاء أسير فدفعوه له، وباتوا طاوين.

стр. 2786

والآية على هذا مدنية؛ لأن عليًا إنما تزوج فاطمة بالمدينة. وقيل: هي مكية، وليست في علي. ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ الضمير (١) للطعام؛ أي: يطعمونه مع حبه والحاجة إليه، فهو كقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. ففي قوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ تتميم، وهو من أدوات البيان. وقيل: الضمير لله. وقيل: للإطعام المفهوم من ﴿يُطْعِمُونِ﴾. والأول أرجح وأظهر. ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ قد ذكرنا المسكين (٢) واليتيم (٣). وأما الأسير ففيه خمسة أقوال: أحدها: أن الأسير الكافر بين (٤) المسلمين، ففي إطعامه أجر؛ لأن في كل ذي كبد رطبة (٥) أجرًا، وقيل: نسخ ذلك بالسيف. والآخر: أنه الأسير المسلم إذا خرج من دار الحرب لطلب الفدية.

стр. 2787

والثالث: أنه المملوك. والرابع: أنه المسجون. والخامس: أنه المرأة؛ لقوله ﷺ «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهنَّ عوانٍ عندكم» (١)، وهذا بعيد. والأول أرجح؛ لأنه روي أن النبي ﷺ كان يؤتى بالأسير المشرك فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول له: «أحسن إليه» (٢). ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ عبارة عن الإخلاص لله، ولذلك فسروه وأكدوه (٣) بقولهم: ﴿لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. والشُّكور: مصدر كالشكر. ويحتمل أنهم قالوا هذا الكلام: بألسنتهم. أو قالوه في نفوسهم، فهو عبارة عن النية والقصد. ﴿يَوْمًا عَبُوسًا﴾ وَصْفُ اليوم بالعبوس مجازٌ على وجهين: أحدهما: أن يصف اليوم بصفة أهله، كقولهم: «نهاره صائم» و «ليله قائم»، وروي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل الدم من عينيه مثل القطران.

стр. 2788

والآخر: أن يشبه في شدته بالأسد العبوس. ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ قال ابن عباس: معناه طويل. وقيل: شديد. ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ النضرة: التنعم. وهذا في مقابلة عبوس الكافر. وقوله: ﴿فَوَقَاهُمُ﴾ و ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ من أدوات البيان، وهو (١). ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بصبرهم على الجوع وإيثار غيرهم على أنفسهم، حسبما ذكرنا من قصة علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃. وقد ذكرنا ﴿الْأَرَائِكِ﴾ (٢). ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ عبارة عن اعتدال هوائها؛ أي: ليس فيها حر ولا برد. والزمهرير: هو البرد الشديد. وقيل: هو القمر بلغة طيء، والمعنى على هذا: أن الجنة (٣) ضياءٌ؛ فلا يحتاج فيها إلى شمس ولا قمر. ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ معناه: أن ظلال الأشجار متدلية (٤) عليهم، قريبة

стр. 2789

منهم؛ لأن الشيء المظلَّ إذا بَعُدَ فتر (١) ظله. وإعراب ﴿وَدَانِيَةً﴾: معطوف على ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. وقال الزمخشري: هو معطوف على الجملة التي قبلها، وهي ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾؛ لأن هذه جملة في حكم المفرد، تقديره: «غير رآئين فيها شمسًا ولا زمهريرًا، ودانيةً» ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين مجتمعان لهم، أي: جامعين بين البعد عن الحر والبرد وبين دنو الظلال (٢). وقيل: هو صفة لـ ﴿جَنَّةً﴾، عطفت بالواو كقولك: «فلان عالم وصالح». وقيل: هو معطوف عليها؛ أي: وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ القُطوف: جمع قِطْفٍ، وهو العنقود من النخل والعنب، وشبه ذلك. وتذليلها: هو أن تتدلى إلى الأرض. وروي: أن أهل الجنة يقطعون الفواكه على أي حال كانوا من قيام أو جلوس أو اضطجاع؛ لأنها تتدلى لهم كما يريدون. وهذه الجملة: في موضع الحال من ﴿وَدَانِيَةً﴾؛ أي: دانية في حال تذليل قطوفها. أو معطوفة عليها.

стр. 2790

﴿بِآنِيَةٍ﴾ هي جمع إناء ووزنها أَفْعِلة. وقد ذكرنا الأكواب في «الواقعة» (١). ﴿قَوَارِيرَا﴾ القوارير: هي الزجاج. فإن قيل: كيف يتفق أنها زجاج مع قوله: ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾؟ فالجواب: أن المراد: أنها في أصلها من فضة وهي تُشبه الزجاج في صفائها وشَفِيفها. وقيل: هي من زجاج، وجعلها من فضة على وجه التشبيه؛ لشرف الفضة وبياضها. ومن قرأ ﴿قَوَارِيرَا﴾: بغير تنوين: فهو على الأصل. ومن نوّنه: فعلى ما ذكرنا في ﴿سَلْسَبِيلًا﴾. ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ هذه صفة للقوارير، والمعنى: قدَّروها على قدر الأكُفِّ، أو على قدر ما يحتاجون من الشرب، قال مجاهد: هي لا تفيض ولا تغيض. وقيل: قدروها على حسب ما يشتهون. والضمير الفاعل في ﴿قَدَّرُوهَا﴾ يحتمل أن يكون: للشاربين بها. أو للطائفين بها.

стр. 2791

﴿مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ هو كما ذكرنا في ﴿مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾. ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ معناه: سلسٌ منقادُ الجِرْية. وقيل: سهل الانحدار في الحلق (١). يقال: شرابٌ سلسل وسلسال وسلسبيل: بمعنى واحد. وزيدت الباء في التركيب؛ للمبالغة في سلاسته، فصارت الكلمة خماسية. وقيل: «سل» فعل أمر و «سبيلًا» مفعول به، وهذا في غاية الضعف. ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ذكر في «الواقعة» (٢). ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ شبههم باللؤلؤ: في الحسن (٣) والبياض، وبالمنثور منه: في كثرتهم وانتشارهم في القصور. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ﴾ مفعول ﴿رَأَيْتَ﴾ محذوفٌ؛ ليكون الكلام على الإطلاق في كل ما يرى فيها. و ﴿ثَمَّ﴾ ظرف مكان. وقال الفراء: تقديره: «إذا رأيت ما ثَمَّ»، فـ «ما» مفعولة ثم حذفت. قال الزمخشري: هذا خطأ؛ لأن «ثَمَّ» صلة لـ «ما»، ولا يجوز حذف الموصول وترك الصلة (٤).

стр. 2792

﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ يعني: كثرة ما أعطاهم الله، حتى إن أدنى أهل الجنة منزلةً له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه، حَسْبما ورد في الحديث (١). وقيل: أراد أن الملائكة تسلم عليهم، وتستأذن عليهم، فهم بذلك كالملوك. ﴿عَالِيَهُمْ﴾ بسكون الياء: مبتدأ خبره: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ أي: ما يعلوهم من الثياب ثيابُ سندس. وقُرِئ بالنصب: على الحال من الضمير في ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أو في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾. وقال ابن عطية: العامل فيه ﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ أو ﴿وَجَزَاهُمْ﴾، وقال أيضًا: يجوز أن ينتصب على الظرف؛ لأن معناه: «فوقهم» (٢). وقد ذكرنا معنى السندس والإستبرق (٣). وقرئ: ﴿خُضْرٌ﴾: بالخفض: صفة لـ ﴿سُنْدُسٍ﴾. وبالرفع: صفة لـ ﴿ثِيَابُ﴾. و ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾: بالرفع: عطف على ﴿ثِيَابُ﴾.

стр. 2793

وبالخفض: عطف على ﴿سُنْدُسٍ﴾. ﴿وَحُلُّوا﴾ وزنه: فُعِّلُوا، ومعناه: جُعل لهم حَلْيٌّ. ﴿أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ذكرنا الأساور في «الكهف» (١). فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، وفي موضع آخر: ﴿أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾؟ فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف درجات أهل الجنة، قال رسول الله ﷺ : «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما» (٢)، فلعل الذهب للمقربين، والفضة لأهل اليمين. ويحتمل أن يكون أهل الجنة لهم أساور من فضة ومن ذهب معًا. ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: ليس بنجس كخمر الدنيا. وقيل: معناه: أنه لم تعصره الأقدام. وقيل: معناه: لا يصير بولًا. ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ أي: يقال لهم هذا، يقوله الله تعالى أو الملائكة.

стр. 2794

[﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾]. ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا للتنويع، فالمعنى: لا تطع النوعين: فاعلًا للإثم، ولا كافرًا. وقيل: هي بمعنى الواو؛ أي: جامعًا للوصفين؛ لأن هذه هي حالة الكفار. وروي أنه الآية نزلت في أبي جهل. وقيل: إن الآثم: عتبة بن ربيعة، والكفور: الوليد بن المغيرة. والأحسن أنها على العموم؛ لأن لفظها عام، وإن كان سبب نزولها خاصًّا. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ هذا أمرٌ بذكر الله في كل وقت. وقيل: هو إشارة إلى الصلوات الخمس، فالبكرة: صلاة الصبح، والأصيل: الظهر والعصر، ومن الليل: المغرب والعشاء. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ أي: الدنيا، والإشارة إلى الكفار. واليوم الثقيل: يوم القيامة، ووصفه بالثِّقَل (١) عبارةٌ عن هوله وشدته.

стр. 2795

﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ الأَسْرُ: الخِلقة. وقيل: المفاصل والأوصال. وقيل: القوة. ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: أهلكناهم وأبدلنا منهم غيرهم. وقيل: مسخناهم فبدلنا صورهم. وهذا تهديد. ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ الإشارةُ: إلى الآية. أو السورة. أو الشريعة بجملتها. ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ تحضيض وترغيب، ثم قيَّد مشيئتهم بمشيئة الله. ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: يعذب الظالمين.

стр. 2796

(سورة المرسلات) [﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾]. اخْتُلف في معنى المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات على قولين: أحدهما: أنها الملائكة. والآخر: أنها الرياح.

стр. 2797

فعلى القول بأنها الملائكة: سماهم المرسلات؛ لأنه تعالى يرسلهم بالوحي وغيره. وسماهم العاصفات؛ لأنهم يعصفون كما تعصف الرياح في سرعة مضيهم (١) إلى امتثال أوامر الله تعالى. وسماهم الناشرات؛ لأنهم ينشرون أجنحتهم في الجو، أو ينشرون الشرائع في الأرض، أو ينشرون صحائف الأعمال. وسماهم الفارقات؛ لأنهم يفرّقون بين الحق والباطل. وعلى القول بأنها الرياح: سماها المرسلات؛ لقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم: ٤٨]. وسماها العاصفات من قوله: ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]؛ أي: شديدة. وسماها الناشرات؛ لأنها تنشر السحاب في الجو، ومنه قوله: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨]. وسماها الفارقات؛ لأنها تفرّق بين السحاب ومنه قوله: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم: ٤٨]. وأما ﴿الْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: فهم الملائكة؛ لأنهم يلقون الذكر للأنبياء ﵇. والأظهر في المرسلات والعاصفات: أنها الرياح (٢)؛ لأن وصف الريح بالعصف حقيقة.

стр. 2798

والأظهر في الناشرات والفارقات: أنها الملائكة؛ لأن الوصف بالفارقات أليق بهم من الرياح، ولأن الملقيات المذكورة بعدها هي الملائكة، ولم يقل أحد إنها الرياح. ولذلك عطف المتجانسين بالفاء فقال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾، ثم عطف ما ليس من جنسها بالواو فقال: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾، ثم عطف عليه المتجانسين بالفاء. وقد قيل في ﴿الْمُرْسَلَاتِ﴾ و ﴿الْمُلْقِيَاتِ﴾: إنهم الأنبياء ﵈. ﴿عُرْفًا﴾ معناه: فضلًا وإنعامًا، وانتصابه: على أنه مفعول من أجله. وقيل: معناه: متتابعةً، وهو مصدر في موضع الحال. وأما ﴿عَصْفًا﴾ و ﴿نَشْرًا﴾ و ﴿فَرْقًا﴾: فمصادر. وأما ﴿ذِكْرًا﴾: فمفعول به. ﴿عُذْرًا أَوْ نُذُرًا (٦)﴾ العذر: فسَّره ابن عطية (١) وغيره بمعنى: إعذار الله إلى عباده؛ لئلا تبقى لهم حجة أو عذر. وفسره الزمخشري: بمعنى الاعتذار، يقال: عَذَر: إذا محا الإساءة (٢). وأما ﴿نُذُرًا﴾ فمن الإنذار وهو التخويف. وقرئ بضم الذال في الموضعين وبإسكانها.

стр. 2799

ويحتمل أن يكونا مصدرين، فيكون نصبهما: على البدل من ﴿ذِكْرًا﴾. أو مفعولًا من أجله. أو مفعولًا بـ ﴿ذِكْرًا﴾. ويحتمل أن يكون ﴿عُذْرًا﴾ جمع عذير أو عاذر، و ﴿نُذُرًا﴾ جمع نذير، فيكون نصبهما: على الحال. ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ يعني: البعث والجزاء، وهو جواب القسم. ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ أي: زال ضوؤها. وقيل: مُحِيَتْ. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾ أي: انشقت. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾ أي: صارت غبارًا. ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١)﴾ أي: جُعل لها وقت معلوم، فحان ذلك الوقت وجمعت للشهادة على الأمم يوم القيامة. وقرئ ﴿وُقِّتَتْ﴾ بالواو وهو الأصل، والهمزة بدل من الواو. ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢)﴾ هو من الأجل، كالتوقيت من الوقت. وفيه توقيف يراد به تعظيم لذلك اليوم، ثم بينه بقوله: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣)﴾ أي: (١) يفصل فيه بين العباد، ثم عظمه بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾.

стр. 2800

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ تكراره في هذه السورة: قيل: إنه تأكيد. وقيل: بل في كل آية ما يقتضي التصديق، فجاء ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ راجعًا إلى ما قبله في كل موضع منها. ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦)﴾ يعني: الكفار المتقدمين، كقوم نوح وغيرهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ يعني: قريشًا وغيرهم من الكفار بمحمد ﷺ ، وهذا وعيد لهم ظهر مِصداقه يوم بدر وغيره. ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي: مثل هذا الفعل نفعل بكل مجرم؛ يعني الكفار. ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ يعني: المنيّ، والمهين: الضعيف. ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١)﴾ يعني: رحم المرأة وبطنها. ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢)﴾ يعني: وقت الولادة، وهو معلوم عند الله، وهو تسعة أشهر أو أقل منها أو أكثر. ﴿فَقَدَرْنَا﴾ بالتشديد: من التقدير، وبالتخفيف: من القدرة. فإذا كان من القدرة: اتفق مع قوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. وإذا كان من التقدير: فهو تجنيس. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ الكفات: مِنْ كَفَتَ: إذا ضمَّ وجمع.

стр. 2801

فالمعنى: أن الأرض تَكْفِتُ الأحياء على ظهرها، والموتى في بطنها. وانتصب ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ على أنه مفعول بـ ﴿كِفَاتًا﴾؛ لأن الكفات اسم لم يُضَمُّ ويُجمَع، فكأنه قال: جامعةً أحياءً وأمواتًا. ويجوز أن يكون المعنى: تكفتهم أحياءً وأمواتًا، فيكون نصبهما على الحال من الضمير. وإنما نكَّر ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾؛ للتفخيم، ودلالةً على كثرتهم. ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال. ﴿شَامِخَاتٍ﴾ أي: مرتفعات. ﴿مَاءً فُرَاتًا﴾ أي: حلوًا. ﴿انطَلِقُوا﴾ خطاب للمكذبين. وقرأ يعقوب بفتح اللام على أنه فعل ماض. ثم كرَّره؛ لبيان المنطلَق إليه. ﴿إِلَى ظِلٍّ﴾ يعني: دخان جهنم، ومنه: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ [الواقعة: ٤٣]. ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ أي: يتفرع من الدخان ثلاث شعب فتُظِلُّهم، بينما يكون المؤمنون في ظلِّ العرش. وقيل: إن هذه الآية في عَبَدَةِ الصليب؛ لأنه (١) على ثلاثة شعب، فيقال لهم انطلقوا إليه.

стр. 2802

﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ نفى عنه أن يُظلَّهم كما يُظلُّ العرشُ المؤمنين، ونفى أيضًا أن يمنع عنهم اللهب. ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ لجهنم. والقصر: واحد القصور، وهي الديار العِظام، شبه الشَّرر به في عِظَمِه وفي ارتفاعه في الهواء. وقيل: هو الغليظ من الشجر، واحده قَصْرَةٌ، كجمرة وجمر. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾ في الجمالات قولان: أحدهما: أنه جمع جِمَالٍ، شبه بها الشرر، و ﴿صُفْرٌ﴾ على ظاهره؛ لأن لون النار يضرب إلى الصفرة. وقيل: ﴿صُفْرٌ﴾ هنا: بمعنى سودٌ، يقال: جمل أصفر أي: أسود، وهذا أليق بوصف (١) جهنم. الثاني: أن الجمالات: قطع النحاس الكبار، فكأنه مشتق من الجُمْلة. وقرئ ﴿جُمَالَاتٌ﴾ بضم الجيم، وهي قُلُوس السفن، وهي حبالها العِظام. ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ هذا في مواطن، وقد يتكلمون في مواطن أخر؛ كقوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ تعجيز لهم، وتعريض بكيدهم في الدنيا، وتقريع عليه.

стр. 2803

[﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾]. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ يقال لهم ذلك في الجنة: بلسان الحال، أو بلسان المقال. ﴿هَنِيئًا﴾ نصب: على الحال. أو على الدعاء. ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ خطاب للكفار على وجه التهديد، تقديره: قل لهم: كلوا وتمتعوا قليلًا في الدنيا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ هذا إخبار عن حال الكفار في الدنيا. وذكُر الركوع: عبارةٌ عن الصلاة. وقيل: معنى ﴿ارْكَعُوا﴾: اخشعوا وتواضعوا لله. وقيل: هو إخبار عن حال المنافقين يوم القيامة؛ لأنهم إذا قيل لهم: اركعوا لا يقدرون على الركوع، كقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]. والأول أشهر وأظهر. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضمير للقرآن.

стр. 2804

(سورة النبإ) [﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾]. ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ أصل ﴿عَمَّ﴾: «عَنْ مَا»، ثم أدغمت النون في الميم، وحذفت ألف «ما»؛ لأنها استفهامية، تقديرها: عن أي شيء يتساءلون؟ وليس المراد بها هنا مجرد الاستفهام، وإنما المراد تفخيم الأمر. والضمير في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: لكفار قريش. أو لجميع الناس. ومعناه: يسأل بعضهم بعضًا.

стр. 2805

﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ هو ما جاءت به الشريعة من التوحيد والبعث والجزاء وغير ذلك. ويتعلق ﴿عَنِ النَّبَإِ﴾ بفعل محذوف يفسره الظاهر، تقديره: يتساءلون عن النبإ. ووقعت هذه الجملة جوابًا عن الاستفهام، وبيانًا للمسؤول عنه، كأنه لما قال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ أجاب فقال: يتساءلون عن النبإ العظيم. وقيل: يتعلق ﴿عَنِ النَّبَإِ﴾ بـ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ الظاهر، والمعنى على هذا: لأيِّ شيء يتساءلون عن النبإ العظيم؟ والأول أفصح وأبرع، وينبغي على ذلك أن يوقف على قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾. ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ إن كان الضمير في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ لكفار قريش فاختلافهم: أن منهم من يقطع بالتكذيب، ومنهم من يشك. أو يكون اختلافهم قول بعضهم: سحر، وقول بعضهم: شعر وكهانة وغير ذلك. وإن كان الضمير لجميع الناس: فاختلافهم أن منهم المؤمن والكافر. ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤)﴾ ردعٌ وتهديد، ثم كرره للتأكيد. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ أي: فراشًا.
следующие страницы →