← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

فالمعنى: أن الأرض تَكْفِتُ الأحياء على ظهرها، والموتى في بطنها. وانتصب ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ على أنه مفعول بـ ﴿كِفَاتًا﴾؛ لأن الكفات اسم لم يُضَمُّ ويُجمَع، فكأنه قال: جامعةً أحياءً وأمواتًا. ويجوز أن يكون المعنى: تكفتهم أحياءً وأمواتًا، فيكون نصبهما على الحال من الضمير. وإنما نكَّر ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾؛ للتفخيم، ودلالةً على كثرتهم. ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني: الجبال. ﴿شَامِخَاتٍ﴾ أي: مرتفعات. ﴿مَاءً فُرَاتًا﴾ أي: حلوًا. ﴿انطَلِقُوا﴾ خطاب للمكذبين. وقرأ يعقوب بفتح اللام على أنه فعل ماض. ثم كرَّره؛ لبيان المنطلَق إليه. ﴿إِلَى ظِلٍّ﴾ يعني: دخان جهنم، ومنه: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ [الواقعة: ٤٣]. ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ أي: يتفرع من الدخان ثلاث شعب فتُظِلُّهم، بينما يكون المؤمنون في ظلِّ العرش. وقيل: إن هذه الآية في عَبَدَةِ الصليب؛ لأنه (١) على ثلاثة شعب، فيقال لهم انطلقوا إليه.

стр. 2802

﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ نفى عنه أن يُظلَّهم كما يُظلُّ العرشُ المؤمنين، ونفى أيضًا أن يمنع عنهم اللهب. ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ الضمير في ﴿إِنَّهَا﴾ لجهنم. والقصر: واحد القصور، وهي الديار العِظام، شبه الشَّرر به في عِظَمِه وفي ارتفاعه في الهواء. وقيل: هو الغليظ من الشجر، واحده قَصْرَةٌ، كجمرة وجمر. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾ في الجمالات قولان: أحدهما: أنه جمع جِمَالٍ، شبه بها الشرر، و ﴿صُفْرٌ﴾ على ظاهره؛ لأن لون النار يضرب إلى الصفرة. وقيل: ﴿صُفْرٌ﴾ هنا: بمعنى سودٌ، يقال: جمل أصفر أي: أسود، وهذا أليق بوصف (١) جهنم. الثاني: أن الجمالات: قطع النحاس الكبار، فكأنه مشتق من الجُمْلة. وقرئ ﴿جُمَالَاتٌ﴾ بضم الجيم، وهي قُلُوس السفن، وهي حبالها العِظام. ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ هذا في مواطن، وقد يتكلمون في مواطن أخر؛ كقوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾ تعجيز لهم، وتعريض بكيدهم في الدنيا، وتقريع عليه.

стр. 2803

[﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾]. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ يقال لهم ذلك في الجنة: بلسان الحال، أو بلسان المقال. ﴿هَنِيئًا﴾ نصب: على الحال. أو على الدعاء. ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ خطاب للكفار على وجه التهديد، تقديره: قل لهم: كلوا وتمتعوا قليلًا في الدنيا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ هذا إخبار عن حال الكفار في الدنيا. وذكُر الركوع: عبارةٌ عن الصلاة. وقيل: معنى ﴿ارْكَعُوا﴾: اخشعوا وتواضعوا لله. وقيل: هو إخبار عن حال المنافقين يوم القيامة؛ لأنهم إذا قيل لهم: اركعوا لا يقدرون على الركوع، كقوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢]. والأول أشهر وأظهر. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ الضمير للقرآن.

стр. 2804

(سورة النبإ) [﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾]. ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ أصل ﴿عَمَّ﴾: «عَنْ مَا»، ثم أدغمت النون في الميم، وحذفت ألف «ما»؛ لأنها استفهامية، تقديرها: عن أي شيء يتساءلون؟ وليس المراد بها هنا مجرد الاستفهام، وإنما المراد تفخيم الأمر. والضمير في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: لكفار قريش. أو لجميع الناس. ومعناه: يسأل بعضهم بعضًا.

стр. 2805

﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ هو ما جاءت به الشريعة من التوحيد والبعث والجزاء وغير ذلك. ويتعلق ﴿عَنِ النَّبَإِ﴾ بفعل محذوف يفسره الظاهر، تقديره: يتساءلون عن النبإ. ووقعت هذه الجملة جوابًا عن الاستفهام، وبيانًا للمسؤول عنه، كأنه لما قال: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ أجاب فقال: يتساءلون عن النبإ العظيم. وقيل: يتعلق ﴿عَنِ النَّبَإِ﴾ بـ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ الظاهر، والمعنى على هذا: لأيِّ شيء يتساءلون عن النبإ العظيم؟ والأول أفصح وأبرع، وينبغي على ذلك أن يوقف على قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾. ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣)﴾ إن كان الضمير في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ لكفار قريش فاختلافهم: أن منهم من يقطع بالتكذيب، ومنهم من يشك. أو يكون اختلافهم قول بعضهم: سحر، وقول بعضهم: شعر وكهانة وغير ذلك. وإن كان الضمير لجميع الناس: فاختلافهم أن منهم المؤمن والكافر. ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤)﴾ ردعٌ وتهديد، ثم كرره للتأكيد. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ أي: فراشًا.

стр. 2806

وإنما ذكر الله تعالى هنا هذه المخلوقات على جهة (١) التوقيف؛ ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من البعث، كأنه يقول: إن الإله الذي قدَرَ على خِلقة هذه المخلوقات العظام قادر على إحياء الناس بعد موتهم. ويحتمل أن يذكرها حجةً على التوحيد؛ لأن الذي خلق هذه المخلوقات هو الإله وحده لا شريك له. ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ شبهها بالأوتاد؛ لأنها تمسك الأرض أن تميد. ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ أي: مُزدوجينَ (٢) ذكرا وأنثى. وقيل: معناه: أنواعا في ألوانكم وصوركم وألسنتكم. ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾ أي: راحة لكم. وقيل: معناه قطعًا للأعمال والتصرف، والسَّبْت: القطع. وقيل: معناه: مَوْتًا؛ لأن النوم هو الموت الأصغر، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ شبهه بالثياب التي تُلْبَس؛ لأنه يَسترُ (٣) عن العيون. ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ أي: تُطلب فيه المعيشة، فهو على حذف مضاف تقديره: ذا معاش. وقال الزمخشري: معناه يُعاش فيه، فجعله بمعنى الحياة في مقابلة

стр. 2807

السُّبَات الذي بمعنى الموت (١). ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ يعني: السموات. ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ يعني: الشمس، والوَهَّاج: الوقَّاد الشديد الإضاءة. وقيل: الحار الذي يضطرم من شدة لهبِه. ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ يعني: المطر. و ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: هي السحاب، وهو مأخوذ: من العَصْر؛ لأن السحاب تنعصر فينزل منها الماء. أو من العُصْرة؛ بمعنى الإغاثة، ومنه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]. وقيل: هي السماوات. وقيل: هي الرياح. والثجَّاج: السريع الاندفاع. ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥)﴾ الحب: هو القمح والشعير وسائر الحبوب، والنبات: هو العشب. ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ أي: ملتفَّة، وهو جمع لُفّ بضم اللام، وقيل: بالكسر. وقيل: لا واحد له. ﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ أي: في وقت معلوم. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يعني: نفخة القيام من القبور.

стр. 2808

﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ أي: جماعاتٍ. ﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ أي: تنفتح فيكون فيها شقاق كالأبواب. ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ أي: حُملت. ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ عبارة عن تلاشيها وفنائها. والسراب في اللغة: ما يظهر على البعد أنه ماء، وليس ذلك المراد هنا، وإنما هو تشبيه به في أنه لا شيء. ﴿مِرْصَادًا﴾ أي: موضع الرَّصد، والرَّصد: هو الارتقاب والانتظار؛ أي: تنتظر الكفار ليدخلوها. وقيل: معناه: طريقًا للمؤمنين يجوزون عليها إلى الجنة؛ لأن الصراط منصوب على جهنم. ﴿مَآبًا﴾ أي: مرجعًا. ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ جمع حِقْبَة أو حقب (١)، وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة. وقيل: إنها محدودة، ثم اختلف في مقدارها: فروي عن النبي ﷺ أنها ثلاثون ألف سنة (٢).

стр. 2809

وقال ابن عباس: ثمانون سنة. وقيل: ثلاث مئة سنة. وعلى القول بالتحديد: فالمعنى: أنهم يبقون فيها أحقابًا، كلما انقضى حقبٌ جاء آخر إلى غير نهاية. وقيل: إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ثم نسخ بقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾، وهذا خطأ؛ لأن الأخبار لا تُنسخ. وقيل: هي في عُصاة المؤمنين الذين يخرجون من النار، وهذا خطأ؛ لأنها في الكفار لقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. وقيل: معناها أنهم يبقون أحقابًا (١) لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا، ثم يبدل لهم نوع آخر من العذاب. ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ أي: لا يذوقون برودةً تخفف عنهم حر النار. وقيل: لا يذوقون ماء باردًا. وقيل: البرد هنا النوم. والأول أظهر. ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ استثناء من الشراب، وهو متصل. والحميم: الماء الحار.

стр. 2810

والغَسَّاق: صديد أهل النار، وقد ذكر في سورة «داود» (١). ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ أي: موافقًا أعمالهم؛ لأن أعمالهم كفر وجزاؤهم النار. و ﴿وِفَاقًا﴾: مصدر وصف به. أو هو على حذف مضاف تقديره: ذا وفاق. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ هذا مثل ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ وقد ذكر (٢). ﴿كِذَّابًا﴾ بالتشديد: مصدر بمعنى تكذيب. وبالتخفيف: بمعنى: الكذب. أو المكاذبة؛ وهي تكذيب بعضهم لبعض. ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ قال رسول الله ﷺ : «ما نزل في أهل النار أشد من هذه الآية» (٣).

стр. 2811

[﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾]. ﴿مَفَازًا﴾ أي: موضع فوز، يعني: الجنة. ﴿حَدَائِقَ﴾ أي: بساتين. ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ جمع كاعب، وهي الجارية التي خرج ثديها. ﴿أَتْرَابًا﴾ أي: على سن واحد (١). ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ أي: ملأى. وقيل: صافية. والأول أشهر. ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ أي: كافيًا، مِنْ أَحسبه الشيءُ: إذا كفاه. وقيل: معناه: على حسب أعمالهم. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ بالرفع: مبتدأ، أو خبر ابتداء مضمر. وبالخفض صفة لـ ﴿رَبِّكَ﴾. و ﴿الرَّحْمَنُ﴾ بالخفض: صفة.

стр. 2812

وبالرفع: خبر المبتدأ، أو خبر ابتداء مضمر. ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال ابن عطية: الضمير للكفار؛ أي: لا يملكون أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها (١). ويحتمل أن يكون المعنى: لا يقدرون أن يخاطبهم كقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾. وقال الزمخشري: الضمير لجميع الخلق؛ أي: ليس بأيديهم شيء من خطاب الله (٢). ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ قيل: هو جبريل. وقيل: مَلَك عظيم يكون هو وحده صفًّا، والملائكة صفًّا. وقيل: يعني: أرواح بني آدم، فهو اسم جنس. و ﴿يَوْمَ﴾ يتعلق: بـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾. أو بـ ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾. ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ الضمير للملائكة والروح؛ أي: تمنعهم الهيبة من الكلام (٣) إلا بعد أن يأذن الله لهم، وقول الصواب يكون في ذلك الموطن على هذا.

стр. 2813

وقيل: الضمير للناس خاصة، والصواب المشار إليه: قول: «لا إله إلا الله»؛ أي: من قالها في الدنيا. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي: الحق وجوده ووقوعه. ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ تحضيض وترغيب. ﴿عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني: عذاب الآخرة، ووصفه بالقرب: لأن كل آت قريب. أو لأن الدنيا على آخرها. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ المرء هنا: عموم في المؤمن والكافر. وقيل: هو المؤمن. وقيل: هو الكافر. والعموم أحسن؛ لأن كل أحد يرى ما عمل، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية [الزلزلة: ٧]. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ تمنى أن يكون يوم القيامة ترابًا فلا يحاسب ولا يجازى. وقيل: تمنى أن يكون في الدنيا ترابًا؛ أي: لم يخلق. وروي أن البهائم تحشر؛ ليقتص لبعضها من بعض، ثم تُرَدُّ ترابًا، فيتمنى الكافر أن يكون مثلها، وهذا يقوّي الأول.

стр. 2814

وقيل: الكافر هنا: إبليس، يتمنى أن يكون (١) من تراب، مثل آدم وذريته؛ لما رأى ثوابهم، وقد كان احتقر التراب في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].

стр. 2815

(سورة النازعات) [﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾]. اختلف في معنى النازعات والناشطات والسابقات والسابحات والمدبرات: فقيل: إنها الملائكة. وقيل: النجوم. فعلى القول بأنها الملائكة: سماهم نازعات؛ لأنهم ينزعون نفوس بني آدم من أجسادهم (١).

стр. 2816

وناشطات؛ لأنهم يَنشِطونها؛ أي: يُخرجونها، فهو من قولك: نَشَطتُ الدلوَ من البئر: إذا أخرجتَها. وسابحات؛ لأنهم يسبحون في سيرهم؛ أي: يسرعون، فيسبقون، فيدبّرون أمور العباد والرياح والمطر وغير ذلك حسبما يأمرهم الله. وعلى القول بأنها النجوم: سماها نازعات؛ لأنها تنزع من المشرق إلى المغرب. وناشطات؛ لأنها تنشط من برج إلى برج. وسابحات؛ لأنها تسبح في الفَلَك، ومنه: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، فتسبق في جريها، فتدبّر أمرًا من علم الحساب. وقال ابن عطية: لا أعلم خلافًا أن ﴿الْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ الملائكة (١). وحكى الزمخشري فيها ما ذكرنا (٢). وقد قيل في النازعات والناشطات: إنها النفوس، تَنزعُ من معنى النزع بالموت، فتنشط من الأجساد. وقيل في السابحات والسابقات: إنها الخيل، وإنها السفن. ﴿غَرْقًا﴾ إن قلنا: إن النازعات الملائكة: ففي معنى ﴿غَرْقًا﴾ وجهان: أحدهما: أنه من الغرَق؛ أي: تغرق الكفار في جهنم.

стр. 2817

والآخر: أنه من الإغراق في الأمر، بمعنى المبالغة فيه؛ أي: تبالغ في نزع النفوس حتى تخرجها من أقاصي الأجساد. وإن قلنا: إن النازعات النجوم: فهو من الإغراق بمعنى المبالغة؛ أي: تبالغ في نزعها فتقطع الفلك كله. وإن قلنا: إنها النفوس: فهو أيضًا من الإغراق؛ أي: تغرق في الخروج من الجسد. وإعراب: ﴿غَرْقًا﴾ مصدر في موضع الحال. و ﴿نَشْطًا﴾ و ﴿سَبْحًا﴾ و ﴿سَبْقًا﴾: مصادر. و ﴿أَمْرًا﴾ مفعول به. وجواب القسم: محذوف، وهو بعث الموتى، بدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. وقيل: الجواب: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ على تقدير حذف لام التأكيد (١). وقيل: هو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ وهذا بعيد؛ لبعده عن القسم، ولأنه إشارة إلى قصة فرعون، لا لمعنى القسم. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ قيل: الراجفة: النفخة الأولى في الصور، والرادفة: النفخة الثانية؛ لأنها تتبعها، ولذلك سماها رادفة، من

стр. 2818

قولك: رَدِفتُ الشيءَ: إذا تبعته، وفي الحديث: «إن بينهما أربعين عامًا» (١). وقيل: الراجفة: الموت، والرادفة: القيامة. وقيل: الراجفة: الأرض، من قوله: ﴿تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤]، والرادفة: السماء لأنها تنشق يومئذ. والعامل في ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ محذوف، وهو الجواب المقدر، تقديره: «لتبعثن يوم ترجف الرجفة». وإن جعلنا: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ الجواب: فالعامل في ﴿يَوْمَ﴾ معنى قوله: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾، ويكون: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧)﴾ في موضع الحال. ويحتمل أن يكون العامل فيه ﴿تَتْبَعُهَا﴾. ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ أي: شديدة الاضطراب، والوجيف والوجيب بمعنى واحد. وارتفع ﴿قُلُوبٌ﴾ بالابتداء، و ﴿وَاجِفَةٌ﴾ خبره. وقال الزمخشري: ﴿وَاجِفَةٌ﴾ صفة، والخبر: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ (٢). ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ كناية عن الذل والخوف. وإضافة الأبصار إلى القلوب على تجوز، والتقدير: قلوبُ أصحابها (٣).

стр. 2819

﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * إِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ هذا حكاية قول الكفار في الدنيا. ومعناه على الجملة: إنكار البعث، فالهمزة في قولهم: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ﴾ للإنكار، ولذلك اتفق القراء على قراءته بالهمزتين، إلا أن منهم من سهَّل الثانية ومنهم من حققها. واختلفوا في ﴿إِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾: فمنهم من قرأه بهمزة واحدة؛ لأنه ليس موضع استفهام ولا إنكار. ومنهم من قرأه بهمزتين؛ تأكيدًا للإنكار المتقدم. ثم اختلف في معنى ﴿الْحَافِرَةِ﴾ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الحالة الأولى، يقال: «رجع فلان في حافرته»: إذا رجع إلى حاله الأولى، فالمعنى: أئنا لمردودون إلى الحياة بعد الموت؟ والآخر: أن الحافرة: الأرض، بمعنى محفورة، فالمعنى: أئنا لمردودون إلى وجه الأرض بعد الدفن في القبور؟ والثالث: أن الحافرة: النار. والعظام النَّخِرة: البالية المتعفنة (١). وقرئ ﴿نَخِرَةً﴾ بألف، وبحذف الألف، وهما بمعنى واحد؛ إلا أن حذف الألف أبلغ؛ لأن «فَعِلٌ» أبلغ من «فَاعِلٌ».

стр. 2820

وقيل: معناه: العظام المجوفة التي تمر (١) بها الريح فيُسمع لها نخير. والعامل في ﴿إِذَا كُنَّا﴾ محذوف، تقديره: إذا كنا عظاما نبعث؟ ويحتمل أن يكون العامل فيه: ﴿لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، ولكن إنما يجوز هذا على قراءة ﴿إِذَا كُنَّا﴾ بهمزة واحدة على الخبر، ولا يجوز على قراءته بهمزتين؛ لأن همزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها. ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ الكرة: الرجعة. والخاسرة: منسوبة إلى الخسران، كقوله: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: ذات رضا، أو معناه: خاسرٌ أصحابها. ومعنى هذا الكلام: أنهم قالوا: إن كان البعث حقًّا فكرّتنا خاسرة؛ لأنا ندخل النار. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ يعني: النفخة في الصور للقيام من القبور. وهذا من كلام الله تعالى؛ ردًّا على الذين أنكروا البعث، كأنه يقول: لا تظنوا أنه صعب على الله بل هو عليه يسير، فإنما يُنفخ (٢) في الصور نفخةٌ واحدة فيقوم الناس من قبورهم. ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ ﴿إِذَا﴾ هنا فجائية، والساهرة: وجه الأرض، والباء: ظرفية. والمعنى: إذا نفخ في الصور حصلوا بالأرض أسرع شيء.

стр. 2821

﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ توقيفٌ وتنبيهٌ، وليس المراد به مجرد الاستفهام. ﴿طُوًى﴾ ذكر في «طه» (١). ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ تفسير للنداء. ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والرذائل. وقال بعضهم: ﴿تَزَكَّى﴾: تُسلم. وقيل: تقول: «لا إله إلا الله». والأول أعم. ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾ قلب العصا حية، وإخراج يده بيضاء. وجعلهما واحدةً؛ لأن الثانية تبعٌ للأولى. ويحتمل أن يريد الأولى وحدها. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢)﴾ الإدبار: كناية عن إعراضه عن الإيمان. و ﴿يَسْعَى﴾ عبارة عن جدِّه في الكفر، وفي إبطال أمر موسى ﵇. وقيل: هو حقيقة؛ أي: قام من مجلسه يفرُّ من مُجالسة موسى، أو يهرب من العصا لما صارت ثعبانًا. ﴿فَحَشَرَ﴾ أي: جمع جنوده وأهل مملكته.

стр. 2822

﴿فَنَادَى﴾ أي: نادى قومه وقال لهم ما قال. ويحتمل أنَّه: ناداهم بنفسه. أو أمر من يناديهم. والأول أظهر، وقد روي أنَّه قام فيهم خطيبًا فقال ما قال. ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ النكال: مصدر بمعنى التنكيل، والعامل فيه ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾؛ لأنه بمعناه. وقيل: العامل محذوف. و ﴿الْآخِرَةِ﴾ هي: دار الآخرة، و ﴿الْأُولَى﴾: الدنيا، فالمعنى: نكال الآخرة بالنار، ونكال الأولى بالغرق. وقيل: ﴿الْآخِرَةِ﴾ قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، و ﴿الْأُولَى﴾ قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وقيل: بالعكس. فالمعنى: أخذه الله وعاقبه على كلمته الآخرة وكلمته الأولى.

стр. 2823

[﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾]. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ هذا توقيف قُصد به الاستدلال على البعث؛ فإن الذي خلق السماء قادر على خلق الأجساد بعد فنائها. ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ السَّمْك: غِلَظ السماء، وهو الارتفاع الذي بين سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها. ومعنى رَفْعِهِ: أنه جعله مسيرة خمس مئة عام. وقيل: السَّمْك: السقف. ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: أتقن خِلْقتها. وقيل: جعلها مستوية ليس فيها مرتفع ولا منخفض. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ أي: جعله مظلمًا، يقال: غطش الليلُ: إذا أظلم، وأغطشه الله. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ أي: أظهر ضوء الشمس في وقت الضحى. وأضاف الليل والضحى إلى السماء من حيث إنهما ظاهران منها وفيها.

стр. 2824

﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ أي: بسطها. واستدل بها من قال: إن الأرض بسيطة غير كُرَيَّةٍ. وقد ذكرنا في «فصلت» الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] (١). ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ نسب الماء والمرعى إلى الأرض؛ لأنهما يخرجان منها. فإن قيل: لم قال: ﴿أَخْرَجَ﴾ بغير حرف العطف؟ فالجواب: أن هذه الجملة في موضع الحال، أو تفسير لما قبلها، قاله الزمخشري (٢). ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ أي: أثبتها. ونصب ﴿الْجِبَالَ﴾ بفعل مضمر يدل عليه الظاهر، وكذلك ﴿وَالْأَرْضَ﴾. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ تقديره: فعل ذلك كله تمتيعًا لكم ولأنعامكم؛ لأن بني آدم والأنعام ينتفعون بكل ما ذكر. ﴿الطَّامَّةُ﴾ هي القيامة. وقيل: النفخة الثانية. واشتقاقها من قولك: طمَّ الأمرُ: إذا علا وغلب.

стр. 2825

﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦)﴾ أي: أُظهرت لكل من يرى، فهي لا تخفى على أحد. ﴿مَقَامَ رَبِّهِ﴾ ذكر في سورة «الرحمن» (١). ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ أي: ردَّها عن شهواتها وأغراضها الفاسدة. قال بعض الحكماء: إذا أردت الصواب فانظر هواك وخالفه. وقال سهل التَّستري: لا يسلم من الهوى إلا الأنبياء وبعض الصديقين. ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ذكر في «الأعراف» (٢). ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ أي: من ذِكْر (٣) زمانها، والمعنى: لست في شيء من ذكر ذلك، قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يسأل عن الساعة كثيرًا، فلما نزلت هذه الآية انتهى» (٤). ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ أي: منتهى علمها، لا يعلم متى تكون إلا هو وحده. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ أي: إنما بعثت لتنذر بها، وليس عليك الإخبار بوقتها. وخَصَّ الإنذار بمن يخشاها؛ لأنه هو الذي ينفعه الإنذار. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ أخبر أنهم إذا رأوا الساعة

стр. 2826

ظنوا أنهم لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا عشية يوم أو ضحى يوم. وأضاف الضحى إلى العشية؛ لما بينهما من الملابسة؛ إذ هما في يوم واحد.

стр. 2827

(سورة عبس) [﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾]. سبب نزول صدر هذه السورة: أن رسول الله ﷺ كان حريصًا على إسلام قريش، وكان يدعو أشرافهم إلى الله تعالى ليسلموا، فيُسلم بإسلامهم غيرُهم، فبينما هو يومًا مع رجل من عظمائهم، قيل: هو الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: أمية بن خلف، وقال ابن عباس: كانوا جماعة = إذ أقبل عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله علمني مما

стр. 2828

علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم بتشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطع الأعمى لكلامه، فعبس وأعرض عنه، وذهب الرجل الذي كان مع رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية (١). فكان رسول الله ﷺ إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم بعد ذلك يقول: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي»، ويبسط له رداءه (٢)، وقد استخلفه على المدينة مرتين. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ أي: عبس في وجه الأعمى وأعرض عنه. قال ابن عطية: في مخاطبته بلفظ الغائب مبالغة في العَتْب؛ لأن في ذلك بعض الإعراض (٣). وقال الزمخشري: في الإخبار بالغيبة زيادة في الإنكار (٤). وقال غيرهما: هو إكرام للنبي ﷺ وتنزيه له عن المخاطبة بالعتاب، وهذا أحسن. ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (٢)﴾ في موضع مفعول من أجله، وهو منصوب بـ ﴿تَوَلَّى﴾ أو ﴿عَبَسَ﴾. وذكر ابن أم مكتوم بلفظ الأعمى؛ ليدل أن عماه هو الذي أوجب احتقاره. وفي هذا دليل على أن ذكر هذه العاهات جائز إذا كان لمنفعة، أو يُشْهَرُ

стр. 2829

صاحبُها بها، ومنه قول المحدِّثين: سليمان الأعمش، وعبد الرحمن الأعرج وغير ذلك. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أيُّ شيءٍ يُطلعك على حال هذا الأعمى ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أي: يتطهر وينتفع في دينه بما يسمع منك. ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ أي: تتعرَّض (١) للغني؛ رجاء أن يسلم. ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ أي: لا حرج عليك إذا (٢) لا يتزكى هذا الغني. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾ إشارة إلى عبد الله بن أم مكتوم. ومعنى ﴿يَسْعَى﴾: يسرع في مشيه؛ من حرصه على طلب الخير. ﴿وَهُوَ يَخْشَى (٩)﴾ أي: يخشى الله، أو يخاف الكفار وإذايتهم له على إتيانك. وقيل: جاء وليس معه من يقوده، فكان يخشى أن يقع، وهذا ضعيف. ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ أي: تشتغل عنه بغيره، من قولك: لَهِيتُ عن الشيء: إذا تركته. وروي أن رسول الله ﷺ تأدَّب بما أدبه الله في هذه السورة فلم يُعرض بعدها عن فقير ولا تعرَّض لغني، وكذلك اتبعه فضلاء العلماء، فكان الفقراء في مجلس سفيان الثوري كالأمراء، وكان الأغنياء يتمنون أن يكونوا فقراء.

стр. 2830

﴿كَلَّا﴾ ردع عن معاودة ما وقع العتاب فيه. ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما: إن هذا الكلام المتقدم تذكرة؛ أي: موعظة للنبي ﷺ . والآخر: إن القرآن تذكرة لجميع الناس، فلا ينبغي أن يُؤثَر فيه أحد على أحد، وهذا أرجح؛ لأنه يناسبه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، وما بعده. وأنَّث الضمير في قوله: ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ على معنى: القصة، أو الموعظة، أو السورة، أو القراءة. وذكَّره في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ على معنى: الوعظ، أو الذكر، أو القرآن. ﴿فِي صُحُفٍ﴾ صفة لـ ﴿تَذْكِرَةٌ﴾؛ أي: ثابتة في صحف، وهي الصحف المنتسخة من اللوح المحفوظ. وقيل: هي مصاحف المسلمين. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ إن كانت الصحف المصاحف: فمعناه مرفوعة المقدار. وإن كان صحف الملائكة: فمعناه: كذلك. أو مرفوعة في السماء. و ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: منزَّهة عن أيدي الشياطين. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥)﴾ هم الملائكة.

стр. 2831

والسَّفَرَة: جمع سافر؛ وهو الكاتب؛ لأنهم يكتبون القرآن في الصحف. وقيل: لأنهم سفراء بين الله وبين عباده. وقيل: يعني: القرَّاء من الناس. والأول أرجح، وقد قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة» (١)، أي: أنه يعمل مثل عملهم في كتابة القرآن وتلاوته، أو له من الأجر على القرآن مثل أجورهم. ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ﴾ دعاءٌ عليه؛ على ما جرت به عادة العرب من الدعاء بهذا اللفظ. ومعناه: تقبيح حاله، وأنه ممن يستحق أن يقال له ذلك. وقيل: معناه: لُعِنَ، وهو بعيد. ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ تعجبٌ (٢) من شدَّة كفره، مع أنه يجب عليه خلاف ذلك. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ توقيف وتقرير، ثم أجاب عنه بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ يعني: المنيَّ. ومقصد الكلام: تحقير الإنسان، وأنه يجب عليه أن يعظم الرب الذي خلقه. ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي: هيأه لما يصلح له، ومنه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].

стр. 2832

وقيل: معناه: جعله على مقدار معلوم في أعضائه وأجله ورزقه وغير ذلك. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ نصب ﴿السَّبِيلَ﴾ بفعل مضمر فسَّره ﴿يَسَّرَهُ﴾. وفي معناه ثلاثة أقوال: أحدها: يسر سبيل خروجه من بطن أمه. والآخر: أنه سبيل الخير أو الشر، كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣]. الثالث: سبيل النظر السديد المؤدي إلى الإيمان. والأول أرجح؛ لعطفه على قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾، وهو قول ابن عباس. ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ أي: جعله ذا قبر، يقال: قَبَرتُ الميت: إذا دفنته، وأقبرتُه: إذا أمرتَ أن يُدفن. ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ (٢٢)﴾ أي: بعثه من قبره، يقال: نشَر الميتُ: إذا قام، وأنشره الله. والإشارة بـ ﴿إِذَا شَاءَ﴾ ليوم القيامة، أي: الوقت الذي قدَّر أن ينشره فيه. ﴿كَلَّا﴾ ردعٌ للإنسان عما هو فيه. ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي: لم يقض الإنسان - على تطاول عمره - ما أمره الله.

стр. 2833

قال بعضهم: لا يقضي أحدٌ أبدًا جميع ما افترض الله عليه؛ إذ لا بدَّ للعبد من تفريط. ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ أمرٌ بالاعتبار في الطعام؛ كيف خلقه الله بقدرته، ويسَّره برحمته، فيجب على العبد طاعته وشكره، ويَقْبُحُ معصيته والكفر به. وقيل: فلينظر إلى طعامه إذا صار رجيعًا؛ فيرى حقارة الدنيا وخساسة نفسه. والأول أشهر وأظهر في معنى الآية، على أن القول الثاني صحيح. وانظر كيف فسره بقوله: ﴿إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ وما بعده؛ ليعدِّد النعم ويظهر القدرة. وقرئ ﴿أَنَّا صَبَبْنَا﴾ بفتح الهمزة؛ على البدل من الطعام. ﴿شَقَقْنَا الْأَرْضَ﴾ يعني: بخروج النبات منها. ﴿حَبًّا﴾ يعني: القمح والشعير وسائر الحبوب. ﴿وَقَضْبًا﴾ قيل: هي الفِصْفِصَة (١). وقيل: علف البهائم. واختار ابن عطية: أنها البقول وشبهها مما يؤكل رَطْبًا (٢).

стр. 2834

﴿غُلْبًا﴾ أي: غليظة ناعمة. ﴿وَأَبًّا﴾ الأبُّ: المرعى عند ابن عباس والجمهور. وقيل: التَّبْن (١). وقد توقف في تفسيره أبو بكر وعمر ﵄. ﴿الصَّاخَّةُ﴾ من أسماء القيامة، وهي مشتقة من قولك: صَخَّ الآذانَ: إذا أصمَّها بشدة صياحه، فكأنه إشارة: إلى النفخة في الصور. أو إلى شدة الأمر حتى يَصَخُّ (٢) من يسمعه؛ لصعوبته. وقيل: هي من قولك: أصاخ للحديث: إذا استمعه. والأول هو الموافق للاشتقاق. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ الآية، ذكر فرار الإنسان من أحبابه، ورتبهم على ترتيب الحنوُّ والشفقة، فبدأ بالأقل وختم بالأكثر؛ لأن الإنسان أشد شفقة على بنيه من كلِّ مَنْ تقدم ذكره؛ وإنما يفر منهم لاشتغاله بنفسه. وقيل: إن فراره منهم؛ لئلا يطالبوه بالتَّبِعات. والأول أرجح وأظهر؛ لقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي: هو مشغول بشأنه من الحساب والثواب والعقاب، حتى لا يسعه ذكر غيره،

стр. 2835

وانظر قول الأنبياء ﷺ يومئذ: «نفسي نفسي» (١). ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)﴾ أي: مضيئة من السرور، وهو من قولك: أسفر الصبح: إذا أضاء. ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ أي: غبار. والقترة أيضًا: الغبار. فقال ابن عطية: الغبرة: هي من العبوس والكرب، كما يعتري وجه المهموم والمريض، والقترة: هي غبار الأرض (٢). وقال الزمخشري: الغبرة: غبار يعلوها، والقترة: سواد، فيعظم قبحها (٣) باجتماع الغبار والسواد (٤).

стр. 2836

(سورة التكوير) ذكر الله في هذه السورة أهوال القيامة، وما يعتري الموجودات حينئذ من التغيير. [﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾]. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ ابن عباس: ذهب ضوؤها فأظلمت. وقيل: رمي بها. وقيل: اضمحلَّت. وأصله من تكوير العمامة؛ لأنها إذا لُفَّت زال انبساطها وصغر جِرْمها.

стр. 2837

﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (٢)﴾ أي: تساقطت من مواضعها. وقيل: تغيرت. والأول أرجح؛ لأنه موافق لقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (٢)﴾ [الانفطار: ٢]. وروي أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم؛ ليراها من عبدها، كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ أي: حُملت، وبعد ذلك تفتُّ (١) فتصير هباء ثم تتلاشى. ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ العشار: جمع عُشَراء، وهي الناقة الحامل التي مر لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند العرب وأعزها، فلا تُعطَّل إلا من شدة الهول. وتعطيلها: هو تركها مسيَّبة، أو ترك حلبها. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ أي: جُمعت، وفي صفة حشرها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تحشر؛ أي: تبعث يوم القيامة، ليقتص لبعضها من بعض ثم تكون ترابًا. والآخر: أنها تحشر بموتها دفعة واحدة عند هول القيامة، قاله ابن عباس، وقال: إنها لا تُبعث، وإنه لا يحضر القيامة إلا الإنس والجن. والثالث: أنها تجمع في أول أهوال القيامة وتفرُّ في الأرض، فذلك حشرها.

стр. 2838

﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ملئت وفجّر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرًا واحدًا. والآخر: مُلئت نيرانًا؛ لتعذيب أهل النار. والثالث: فُرّغت من مائها ويبست. وأصله: من سجَّرْتُ التنور: إذا ملأتُها. فالقول الأول والثاني: أليق بالأصل. والأول والثالث: موافق لقوله: ﴿فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]. ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن التزويج بمعنى التنويع؛ لأن الأزواج هي الأنواع، فالمعنى: جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن. والآخر: زُوّجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من الحور العين. والثالث: زوجت الأرواح والأجساد؛ أي: رُدَّت إليها عند البعث. والأول هو الراجح؛ لأنه مروي عن النبي ﷺ (١)، وعن عمر بن الخطاب وابن عباس. ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ الموؤودة: هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية من كراهته لها، ومن غيرته عليها، فتسأل يوم القيامة: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ على وجه التوبيخ لقاتلها.

стр. 2839

وقرأ ابن عباس: «وإذا الموؤودة سَأَلَتْ» - بفتح السين والهمزة - «بأيِّ ذنبٍ قُتِلَتْ» - بضم القاف وسكون اللام وضم التاء -. واستدل ابن عباس بهذه الآية على أن أولاد المشركين في الجنة؛ لأن الله ينتصر لهم ممن ظلمهم. ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ هي صحف الأعمال، تنشر ليقرأ كل أحد كتابه. وقيل: هي الصحف التي تتطاير بالأيمان والشمائل بالجزاء. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾ الكَشْطُ: هو التقشير، كما يُكشط جلدة الشاة حين تسلخ. وكشط السماء: هو طيها كطي السجل، قاله ابن عطية (١). وقيل: معناه كُشفت، وهذا أليق بالكشط. ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ أي: أُوقدت وأُحميت (٢). ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ أي: قربت. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ المكررة في المواضع قبل هذا. ومعناه: علمت كل نفس ما أحضرت من عمل، فلفظ النفس مفرد يراد به الجنس والعموم.

стр. 2840

قال ابن عطية: إنما أفردها؛ ليبين حقارتها وذِلَّتَها (١). وقال الزمخشري: هذا من عكس كلامهم الذي يقصد به الإفراط فيما يعكس عنه، كقوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] ومعناه التكثير، وكذلك هنا معناه: أعم الجموع (٢). و ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾ عبارة عن الحسنات والسيئات. ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ ذكرت نظائره (٣). ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ يعني: الدراري السبعة، وهي الشمس والقمر وزُحَل وعُطارد والمريخ والزُّهَرة والمشتري. وذلك أن هذه الكواكب تَخنس في جريها؛ أي: تتقهقر، فيكون النجم في البرج ثم يَكُرُّ راجعًا. وهي جواري في الفلك. وهي تَكنِس (٤) في أبراجها؛ أي: تستتر، وهو مشتق من قولك: كنَسَ الوحشيُّ: إذا دخل كِناسَه، وهو موضعه. وقيل: يعني: الدراري الخمسة؛ لأنها تستتر بضوء الشمس. وقيل: يعني: النجوم كلها؛ لأنها تَخنس في جريها، وتكنس بالنهار؛
следующие страницы →