﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (٢)﴾ أي: تساقطت من مواضعها.
وقيل: تغيرت.
والأول أرجح؛ لأنه موافق لقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (٢)﴾ [الانفطار: ٢].
وروي أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم؛ ليراها من عبدها، كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾ أي: حُملت، وبعد ذلك تفتُّ (١) فتصير هباء ثم تتلاشى.
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ العشار: جمع عُشَراء، وهي الناقة الحامل التي مر لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند العرب وأعزها، فلا تُعطَّل إلا من شدة الهول.
وتعطيلها: هو تركها مسيَّبة، أو ترك حلبها.
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ أي: جُمعت، وفي صفة حشرها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تحشر؛ أي: تبعث يوم القيامة، ليقتص لبعضها من بعض ثم تكون ترابًا.
والآخر: أنها تحشر بموتها دفعة واحدة عند هول القيامة، قاله ابن عباس، وقال: إنها لا تُبعث، وإنه لا يحضر القيامة إلا الإنس والجن.
والثالث: أنها تجمع في أول أهوال القيامة وتفرُّ في الأرض، فذلك حشرها.
стр. 2838
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: ملئت وفجّر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرًا واحدًا.
والآخر: مُلئت نيرانًا؛ لتعذيب أهل النار.
والثالث: فُرّغت من مائها ويبست.
وأصله: من سجَّرْتُ التنور: إذا ملأتُها.
فالقول الأول والثاني: أليق بالأصل.
والأول والثالث: موافق لقوله: ﴿فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣].
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن التزويج بمعنى التنويع؛ لأن الأزواج هي الأنواع، فالمعنى: جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن.
والآخر: زُوّجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من الحور العين.
والثالث: زوجت الأرواح والأجساد؛ أي: رُدَّت إليها عند البعث.
والأول هو الراجح؛ لأنه مروي عن النبي ﷺ (١)، وعن عمر بن الخطاب وابن عباس.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ الموؤودة: هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية من كراهته لها، ومن غيرته عليها، فتسأل يوم القيامة: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ على وجه التوبيخ لقاتلها.
стр. 2839
وقرأ ابن عباس: «وإذا الموؤودة سَأَلَتْ» - بفتح السين والهمزة - «بأيِّ ذنبٍ قُتِلَتْ» - بضم القاف وسكون اللام وضم التاء -.
واستدل ابن عباس بهذه الآية على أن أولاد المشركين في الجنة؛ لأن الله ينتصر لهم ممن ظلمهم.
﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ هي صحف الأعمال، تنشر ليقرأ كل أحد كتابه.
وقيل: هي الصحف التي تتطاير بالأيمان والشمائل بالجزاء.
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾ الكَشْطُ: هو التقشير، كما يُكشط جلدة الشاة حين تسلخ.
وكشط السماء: هو طيها كطي السجل، قاله ابن عطية (١).
وقيل: معناه كُشفت، وهذا أليق بالكشط.
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ أي: أُوقدت وأُحميت (٢).
﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾ أي: قربت.
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ المكررة في المواضع قبل هذا.
ومعناه: علمت كل نفس ما أحضرت من عمل، فلفظ النفس مفرد يراد به الجنس والعموم.
стр. 2840
قال ابن عطية: إنما أفردها؛ ليبين حقارتها وذِلَّتَها (١).
وقال الزمخشري: هذا من عكس كلامهم الذي يقصد به الإفراط فيما يعكس عنه، كقوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] ومعناه التكثير، وكذلك هنا معناه: أعم الجموع (٢).
و ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾ عبارة عن الحسنات والسيئات.
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ ذكرت نظائره (٣).
﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ يعني: الدراري السبعة، وهي الشمس والقمر وزُحَل وعُطارد والمريخ والزُّهَرة والمشتري.
وذلك أن هذه الكواكب تَخنس في جريها؛ أي: تتقهقر، فيكون النجم في البرج ثم يَكُرُّ راجعًا.
وهي جواري في الفلك.
وهي تَكنِس (٤) في أبراجها؛ أي: تستتر، وهو مشتق من قولك: كنَسَ الوحشيُّ: إذا دخل كِناسَه، وهو موضعه.
وقيل: يعني: الدراري الخمسة؛ لأنها تستتر بضوء الشمس.
وقيل: يعني: النجوم كلها؛ لأنها تَخنس في جريها، وتكنس بالنهار؛
стр. 2841
أي: تستتر، وتخفى بضوء الشمس.
وقيل: يعني: بقر الوحش، فـ ﴿الْخُنَّسِ﴾ على هذا: من خَنَسِ الأنف، و ﴿الْكُنَّسِ﴾ من سُكناها في كِنَاسِها.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يقال عسعس الليل: إذا كان غير مستحكم الظلام:
فقيل: ذلك في أوله.
وقيل: في آخره، وهذا أرجح؛ لأن آخر الليل أفضل (١)، ولأنه أعقبه بقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (١٨) أي: استطار واتسع ضوؤه.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ الضمير للقرآن.
والرسول الكريم: جبريل.
وقيل: محمد ﷺ .
قال السهيلي: لا يجوز أن يقال إنه محمد ﵇؛ لأن الآية نزلت في الرد على الذين قالوا: إن محمدًا قال القرآن، فكيف يخبر الله أنه قوله؟، وإنما أراد جبريل، وأضاف القرآن إليه؛ لأنه جاء به، وهو في الحقيقة قول الله تعالى (٢).
وهذا الذي قال السهيلي لا يلزم؛ فإنه قد يضاف إلى محمد ﷺ ؛ لأنه تلقاه عن جبريل ﵇، وجاء به إلى الناس.
ومع ذلك فالأظهر: أنه جبريل؛ لأنه وصفه بقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وقد وصف
стр. 2842
جبريل بهذا في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٥ - ٦].
﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ يتعلق بـ ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾.
وقيل: بـ ﴿مَكِينٍ﴾، وهذا أظهر.
والمكين: الذي له مكانة؛ أي: جاه وتقريب.
﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ هذا الظرف إشارة إلى الظرف المذكور قبله، وهو قوله: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: مطاعٍ في ملائكة ذي العرش.
﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ هو محمد ﷺ باتفاق.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ضمير الفاعل: لمحمد ﷺ ، وضمير المفعول: لجبريل ﵇.
وهذه الرؤية: هي رؤيته له بغار حراء على كرسي بين السماء والأرض.
وقيل: هي الرؤية التي رآه عند سدرة المنتهى في الإسراء.
ووصف هذا الأفق بالمبين؛ لأنه روي أنه كان في الشرق (١) من حيث تطلع الشمس، وأيضًا فكل أفق فهو مبين.
﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ الضمير للنبي ﷺ . ومن قرأ بالضاد: فمعناه بخيل؛ أي: لا يَبْخَل بأداء ما أُلقي إليه من الغيب، وهو الوحي.
ومن قرأ بالظاء: فمعناه متَّهم؛ أي: لا يُتَّهم على الوحي، بل هو أمين عليه.
стр. 2843
ورجَّح بعضهم هذه القراءة: بأن الكفار لم يَنسبوا رسول الله ﷺ إلى البخل بالوحي، بل اتهموه، فنفى عنه ذلك.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥)﴾ الضمير للقرآن.
﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾ خطاب لكفار قريش؛ أي: ليس لكم زوال عن هذه الحقائق.
وقد تقدم تفسير بقية السورة في نظائره فيما تقدم (١).
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ هذا هو الجواب، ومعناه: علمت كل نفس جميع أعمالها.
وقيل: ما قدمت في حياتها وما أخرت مما تركته بعد موتها من سُنَّةٍ (١) سَنَّتها أو وصيَّةٍ أوصت بها.
وأفردت النفس والمراد بها العموم حسبما ذكرنا في «التكوير» (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ خطاب لجنس بني آدم.
﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ هذا توبيخ وعتاب، معناه: أيُّ شيءٍ غرَّك بربك حتى كفرت به، أو عصيته، أو غفلت عنه؟
فدخل في العتاب: الكفار وعصاة المؤمنين، ومن يغفُل عن الله في بعض الأحيان من الصالحين.
وروي أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فقال: «غرَّه جهله» (٣).
وقال عمر: «غرَّه جهله وحمقه»، وقرأ: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وقيل: غرَّه الشيطان المسلَّط عليه.
وقيل: غرَّه ستر الله عليه.
стр. 2846
وقيل: غرَّه طمعه في عفو الله عنه.
ولا تعارض بين هذه الأقوال؛ لأن كل واحد منها مما يغرُّ الإنسان، إلا أن بعضها يغرُّ قومًا وبعضها يغر قومًا آخرين.
فإن قيل: ما مناسبة وصفه بالكريم هنا للتوبيخ على الغرور؟
فالجواب: أن الكريم ينبغي أن يعبد ويطاع؛ شكرًا لإحسانه ومقابلةً لكرمه، ومن لم يفعل ذلك فقد كفر النعمةَ (١) وأضاع الشكر الواجب.
﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتشديد والتخفيف؛ أي: عدَّل أعضاءك وجعلها متوازنة (٢)، فلم يجعل إحدى اليدين أطول من الأخرى، ولا إحدى العينين أكبر من الأخرى، ولا إحداهما كَحْلاء والأخرى زرقاء، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضه (٣) أسود، وشبه ذلك من الموازنة.
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ المجرور يتعلق بـ ﴿رَكَّبَكَ﴾، و ﴿مَا﴾ زائدة.
والمعنى: ركبك في أي صورة شاء من الحسن والقبح، والطول والقِصَر، والذكورة والأنوثة (٤)، وغير ذلك من اختلاف الصور.
ويحتمل أن يتعلق المجرور بمحذوف تقديره: ركبك حاصلًا في أي صورة.
стр. 2847
وقيل: يتعلق بـ ﴿عَدَّلَكَ﴾ على أن يكون بمعنى صرّفك؛ أي: صرفك إلى أي صورة شاء، وهذا بعيد، ولا يتمكن إلا مع قراءة ﴿عَدَلَكَ﴾ بالتخفيف.
﴿كَلَّا﴾ ردعٌ عن الغرور المذكور قبلُ، أو التكذيب المذكور بعدُ.
﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ هذا خطاب للكفار.
والدين هنا يحتمل أن يكون بمعنى الشريعة، أو الحساب، أو الجزاء.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾ يعني: الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم.
﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ يعلمون الأعمال بمشاهدتهم لها.
وأما ما لا يُرى ولا يسمع من الخواطر والنيات والذكر بالقلب:
فقيل: إن الله ينفرد بعلم ذلك.
وقيل: إن الملك يجد لها ريحًا يدركها به.
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ في هذه الآية وفيما بعدها من أدوات البيان: المطابقة والترصيع.
﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن معناه: لا يخرجون منها إذا دخلوها.
والآخر: لا يغيبون عنها في البرزخ قبل دخولها؛ لأنهم يعرضون عليها غدوًا وعشيًّا.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾ تعظيم له وتهويل، وكَرَّره للتأكيد، والمعنى: أنه من شدته بحيث لا يدري أحدٌ مقدار هوله وعظمته.
стр. 2848
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا يقدر أحد على منفعة أحد.
وقرئ ﴿يَوْمُ﴾:
بالرفع:
على البدل من ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾.
أو على إضمار مبتدإ.
وبالنصب:
على الظرفية بإضمار فعل تقديره: يُجازَون يوم الدين.
أو النصب على المفعولية بإضمار فعل تقديره: اذكر.
ويجوز أن يفتح؛ لإضافته إلى غير متمكّن، وهو في موضع رفع.
الزمخشري (١)، واختاره ابن عطية (٢).
وقيل: هو تجاوز الحد في زيادة أو نقصان، واختاره ابن الفرس (٣)، وهو أظهر؛ لأن المراد به هنا: بخس حقوق الناس في المكيال والميزان، بأن يزيد الإنسان على حقه أو ينقص من حق غيره.
وسبب نزول السورة: أنه كان بالمدينة رجل يقال له أبو جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص (٤)، فالسورة على هذا مدنية.
وقيل: مكية؛ لذكر أساطير الأولين.
وقيل: نزل بعضها بمكة، ونزل أمر التطفيف بالمدينة؛ إذ كانوا أشد الناس فسادًا في هذا المعنى، فأصلحهم الله بهذه السورة.
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ معنى ﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾: قبضوا منهم بالكيل، فـ ﴿عَلَى﴾ بمعنى «من»، وإنما أبدلت منها؛ لما تضمن الكلام من معنى التحامل عليهم.
ويجوز أن يتعلق ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ بـ ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾، وقُدِّم المعمول لإفادة التخصيص.
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ معنى ﴿يُخْسِرُونَ﴾: ينقصون حقوق الناس وهو من الخسارة، يقال: خَسَرَ الرجلُ، وأخسره غيرُه: إذا جعله يخسر.
стр. 2851
و ﴿كَالُوهُمْ﴾ معناه: كالوا لهم، و ﴿وَزَنُوهُمْ﴾ معناه: وزنوا لهم، ثم حذف حرف الجرّ فانتصب المفعول؛ لأن هذين الفعلين يتعدى كل واحد منهما تارة بنفسه وتارة بحرف جرّ، يقال: كِلْتُكَ وكِلْتُ لك، ووزنتك ووزنت لك بمعنى واحد.
وحُذِف المفعول الثاني، وهو المكيل والموزون.
والواو التي هي ضمير الفاعل: للمطففين.
و «هم» الذي هو ضمير المفعول: للناس.
فالمعنى: إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم طعامًا أو غيره مما يكال أو يوزن بخسوهم (١) حقوقهم.
وقيل: إن «هم» في قوله: ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ تأكيد للضمير الفاعل.
وقد روي عن حمزة أنه كان يقف على «كالوا» و «وزنوا» ثم يبتدئ «هم»؛ ليبين هذا المعنى، وهو ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه لم يثبت في المصحف ألف بعد الواو في «كالوا» و «وزنوا» فدلّ ذلك على أن «هم» ضمير المفعول.
والآخر: أن المعنى على هذا: أن المطففين إذا تولوا الكيل أو الوزن نقصوا، وليس ذلك بمقصود؛ لأن الكلام واقع في الفعل لا في المباشر، ألا ترى أن ﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ معناه: قبضوا منهم، و ﴿كَالُوهُمْ﴾ و ﴿وَزَنُوهُمْ﴾ معناه: دفعوا لهم؛ فقابل القبض بالدفع، وأما على هذا الوجه الضعيف
стр. 2852
فهو خروج عن المقصود.
قال ابن عطية: ظاهر الآية: أن الكيل والوزن على البائع وليس ذلك بالجلي، قال: وصدر الآية في المشترين، فهم الذين يستوفون؛ أي (١): يشاحُّون ويطلبون الزيادة، وقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ في البائعين؛ فهم الذين يُخْسِرون المشتري (٢).
﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾ يعني: يوم القيامة، وهذا تهديد للمطففين، وإنكار لفعلهم.
وكان عبد الله بن عمر إذا مر بالبائع يقول له: «اتق الله!، وأوف الكيل، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن».
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ الظرف:
منصوب: بقوله: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، وقيل: بفعل مضمر.
أو بدل من ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقيام الناس يوم القيامة على حسب اختلافهم، فمنهم من يقوم خمسين ألف سنة وأقل من ذلك، حتى إن المؤمن يقوم على قدر صلاة مكتوبة.
﴿كَلَّا﴾ ردعٌ على التطفيف، أو افتتاح كلام.
﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ كتاب الفجار: هو ما يكتب من أعمالهم.
стр. 2853
والفجار هنا يُحتمل أن يراد به:
الكفار.
أو المطففين وإن كانوا مسلمين.
والأول أظهر؛ لقوله بعد هذا: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾.
و ﴿سِجِّينٌ﴾: اسم علم منقول من صفة، على وزن فِعِّيل للمبالغة، وقد عظَّم أمره بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾، ثم فسَّره بأنه: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ أي: مسطورٌ بيِّنُ الكتابة، وهو كتاب جامع يكتب فيه أعمال الشياطين والكفار والفجار.
وهو مشتق من السِّجْن بمعنى الحبس:
لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم.
أو لأنه مطروح في مكان الهوان والعذاب كالسجن، فقد روي عن النبي ﷺ : «أنه في الأرض السفلى» (١)، وروي عنه: «أنه في بئر هنالك» (٢)، وحكى كعب عن التوراة: «أنه في شجرة سوداء هنالك» (٣).
وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى الآية: أن عِدَاد (٤) الفجار في سجين؛ أي: كُتبوا هنالك في الأزل (٥).
стр. 2854
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قد ذكر (١).
﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: غطَّى على قلوبهم ما كسبوا من الذنوب، فطمس بصائرهم، فصاروا لا يعرفون الرشد من الغي.
وفي الحديث: «إن العبد إذا أذنب ذنبًا صارت نكتة سوداء في قلبه، فإذا زاد ذنبًا آخر زاد السواد، فلا يزال كذلك حتى يتغطى، وهو الرَّيْن» (٢).
﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾ حجبُ الكفار عن الله دليلٌ على أن المؤمنين لا يُحجبون عنه، وقد استدل بها مالك والشافعي على صحة رؤية المؤمن لله في الآخرة.
وتأولها المعتزلة أن معناها: محجوبون عن رحمته.
﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ عِلِّيُّون: اسم علم للكتاب الذي تكتب فيه الحسنات، وهو جمع منقول من صفةٍ على وزن فَعِّيل للمبالغة، وقد عظَّمه بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩)﴾، ثم فسَّره بقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾، وهو مشتقٌّ من العلوِّ؛ لأنه سببٌ في ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في مكان عَلِيٍّ، فقد روي عن النبي ﷺ أنه تحت العرش (٣).
وقال ابن عباس: هو (٤) الجنة.
وارتفع ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ في الموضعين: على أنه خبر ابتداء مضمر، تقديره: هو كتاب.
стр. 2855
وقال ابن عطية: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ والظرف (١) مُلغًى (٢). وهذا تكلُّف يفسد به المعنى.
وقد روي في الأثر ما يفسر الآية، وهو «أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد، فإن رضيه الله قال: اجعلوه في عليين، وإن لم يرضه قال: اجعلوه في سجين» (٣).
﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ يعني: الملائكة المقربين.
﴿الْأَرَائِكِ﴾ قد ذكر (٤).
﴿يَنْظُرُونَ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ينظرون إلى أعدائهم في النار» (٥).
وقيل: ينظرون إلى الجنة وما أعطاهم الله فيها.
﴿نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي: بهجته ورَوْنقه، كما يُرى في وجوه أهل الرفاهية والعافية.
والخطاب في ﴿تَعْرِفُ﴾: للنبي ﷺ ، أو لكل مخاطب من غير تعيين.
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ الرحيق: الخمر الصافية.
والمختوم: قد فسره الله بأن ختامه مسك.
стр. 2856
وقرئ ﴿خِتَامُهُ﴾ بألف بعد التاء، و ﴿خَاتَمُهُ﴾ بألف بعد الخاء، وبفتح التاء وكسرها.
وفي معناه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه من الختم على الشيء، بمعنى جعل الطابع عليه، فالمعنى: أنه خُتم على فم الإناء الذي هو فيه بالمسك، كما يختم على أفواه آنية الدنيا بالطين إذا قصد حفظها وصيانتها.
الثاني: أنه من ختم الشيء؛ أي: تمامه، فمعناه: خاتم شربه مسك؛ أي: يجد الشارب عند آخر شُربه رائحة المسك ولذته.
الثالث: أن معناه: مزاجه مسك؛ أي: يمزج الشراب بالمسك، وهذا خارج عن اشتقاق اللفظ.
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ التنافس في الشيء: هو الرغبة فيه، والمغالاة في طلبه، والتزاحم عليه.
﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ ﴿تَسْنِيمٍ﴾: اسم عَلَمٍ لعين في الجنة، يشرب منها (١) المقربون صِرْفًا، ويُمزج منه الرحيق الذي يَشرب منه الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقربين فوق درجات الأبرار، فالمقربون هم السابقون، والأبرار أصحاب اليمين.
﴿عَيْنًا﴾ منصوب:
على المدح بفعل مضمر.
стр. 2857
أو على الحال من ﴿تَسْنِيمٍ﴾.
﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ بمعنى: يشربها، فالباء زائدة.
ويحتمل أن يكون بمعنى: «يشرب منها»، أو كقولك: «شربت الماء بالعسل».
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾ نزلت هذه الآية في صناديد قريش، كأبي جهل وغيره، مرَّ بهم عليُّ بن أبي طالب ﵁ وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا بهم.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ معنى ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾: يغمز بعضهم إلى بعض ويشير بعينه.
والضمير في ﴿مَرُّوا﴾ يحتمل أن يكون: للمؤمنين أو للكفار.
والضمير في ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ للكفار لا غير.
﴿فَاكِهِينَ﴾ من الفكاهة، وهي اللهو؛ أي: يتفكهون بذكر المؤمنين،
والاستخفاف بهم، قاله الزمخشري (١).
ويحتمل أن يريد: يتفكهون بنعيم (٢) الدنيا.
﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢)﴾ أي: إذا رأى الكفار المؤمنين نسبوهم إلى الضلال.
وقيل: إذا رأى المؤمنون الكفار نسبوهم إلى الضلال.
стр. 2858
والأول أظهر وأشهر.
﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أي: ما أرسل الكفار حافظين على المؤمنين يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم أو ضلالهم، فكأنه قال: كلامهم بالمؤمنين (١) فضول منهم.
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)﴾ يعني: بـ ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة؛ إذ تقدم ذكره، فيضحك المؤمنون فيه من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا.
﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ معنى ﴿ثُوِّبَ﴾: جوزي، يقال: ثَوَّبه وأثابه: إذا جازاه.
وهذه الجملة يحتمل:
أن تكون متصلة بما قبلها، في موضع معمول ﴿يَنْظُرُونَ﴾، فتوصل مع ما قبلها.
أو تكون توقيفًا، فيوقف قبلها، ويكون معمول ﴿يَنْظُرُونَ﴾ محذوفًا، حسبما ذكرنا في ﴿يَنْظُرُونَ﴾ الذي قبل هذا، وهذا أرجح؛ لاتفاق الموضعين.
أو حذف للعلم به؛ اكتفاء بما في سورة «التكوير» و «الانفطار» من الجواب.
وقيل: الجواب: ما دل عليه: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾؛ أي: إذا السماء انشقت لقي (١) الإنسان ربه.
وقيل: الجواب: ﴿أَذِنَتْ﴾ على زيادة الواو، وهذا ضعيف.
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ معنى ﴿أَذِنَتْ﴾ في اللغة: استمعت، وهو عبارة عن طاعتها لربها، وأنها انقادت إليه حين أراد انشقاقها.
وكذلك طاعة الأرض لما أراد مدَّها وإلقاء ما فيها.
﴿وَحُقَّتْ﴾ أي: حُقَّ لها أن تسمع وتطيع لربها.
أو حق لها أن تنشق من أهوال القيامة.
وهذه الكلمة من قولهم: «هو حقيق بكذا»، أو «محقوقٌ به»؛ أي: يجب عليه أن يفعله.
فالمعنى: يحقُّ على السماء أن تسمع وتطيع لربها، أو يحق عليها أن تنشق.
ويحتمل أن يكون أصله: «حَقُقَتْ» بفتح الحاء وضم القاف على معنى التعجب، ثم أدغمت القاف في القاف التي بعدها، ونقلت حركتها إلى الحاء.
стр. 2861
﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: زال ما عليها من الجبال حتى صارت مستوية.
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ أي: ألقت ما في جوفها من الموتى، فخرجوا للحشر.
وقيل: ألقت ما فيها من الكنوز، وهذا ضعيف؛ لأن ذلك يكون وقت خروج الدجال قبل القيامة، والمقصود ذكر يوم القيامة.
﴿وَتَخَلَّتْ﴾ أي: بقيت خالية مما كان فيها.
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ خطاب للجنس.
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ﴾ الكَدْح في اللغة: هو الجد والاجتهاد والسرعة.
فالمعنى: إنك في غاية الاجتهاد في السير إلى ربك؛ لأن الزمان يطير (١)، وأنت في كل لحظة تقطع حظًّا من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك.
وقيل: المعنى: إنك ذو جِدٍ فيما تعمل من خير أو شر، ثم تلقى ربك فيجازيك به.
والأول أظهر؛ لأن ﴿كَادِحٌ﴾ تعدى بـ ﴿إِلَى﴾؛ لَمَّا تضمن معنى السير، ولو كان بمعنى العمل لقال: «لربك».
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ذكر في «الحاقة» (٢).
стр. 2862
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ يحتمل أن يكون اليسير:
بمعنى قليل.
أو بمعنى هَيّن سهل.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «من نوقش الحساب عُذّب»، فقالت عائشة: ألم يقل الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾. فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك العرض، وأما من نوقش الحساب فيَهلك» (١)، وفي الحديث أيضًا عن رسول الله ﷺ : «إن الله يدني العبد يوم القيامة حتى يضع كنفه عليه فيقول: فعلتَ كذا وكذا، ويعدد عليه ذنوبه، ثم يقول: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (٢)، وروي أن رسول الله ﷺ قال: «من حاسب نفسه في الدنيا هوّن الله حسابه يوم القيامة» (٣).
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ أي: يرجع إلى أهله في الجنة مسرورًا بما أعطاه الله.
والأهل: زوجاته في الجنة من نساء الدنيا، أو من الحور العين.
стр. 2863
ويحتمل أن يريد: قرابته من المؤمنين، وبذلك فسره الزمخشري (١).
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ يعني: الكافر.
وروي أن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة ابن عبد الأسد، وكان من فضلاء المؤمنين، وفي أخيه أسود، وكان من عتاة الكافرين.
ولفظها أعم من ذلك.
فإن قيل: كيف قال في الكافر هنا إنه يؤتى كتابه ﴿وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، وقال في «الحاقة»: ﴿بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥]؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن يديه تكونان مغلولتين إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره (٢) فيأخذ بها كتابه.
وقيل: تدخل يده اليسرى في صدره وتخرج من ظهره، فيأخذ بها كتابه.
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١)﴾ أي: يصيح بالويل والثبور.
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾ أي: كان في الدنيا مسرورًا مع أهله، متنعمًا غافلًا عن الآخرة.
وهذا في مقابلة ما حكى عن المؤمن أنه ينقلب إلى أهله مسرورًا في الجنة، وهو ضد ما حكى عن المؤمنين في الجنة من قولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦].
стр. 2864
﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ أي: لن يرجع إلى الله، والمعنى: أنه يكذب بالبعث.
﴿بَلَى﴾ أي: يحور ويُبعث.
﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ ذكر في نظائره (١).
﴿بِالشَّفَقِ﴾ هو الحمرة التي تبقى بعد غروب الشمس.
وقال أبو حنيفة: هو البياض.
وقيل: هو النهار كله، وهذا ضعيف.
والأول هو المعروف عند الفقهاء وأهل اللغة.
﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ أي: جَمع وضَمَّ، ومنه الوَسْقُ، وذلك الليل يضم الأشياء ويسترها بظلامه.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ أي: إذا كمل ليلة أربع عشرة.
ووزن ﴿اتَّسَقَ﴾ افْتَعل، وهو مشتقٌّ من الوسق، فكأنه امتلأ نورًا.
وفي الآية من أدوات البيان: لزوم ما لا يلزم؛ لالتزام السين قبل القاف في ﴿وَسَقَ﴾ و ﴿اتَّسَقَ﴾.
﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ الطبق في اللغة له معنيان:
أحدهما: ما طابق غيره، يقال: هذا طبقٌ لهذا: إذا طابقه.
والآخر: جمع طبَقَةٍ.
стр. 2865
فعلى الأول يكون المعنى: لتركبن حالا بعد حال، كل واحدة منها مطابقة للأخرى.
وعلى الثاني يكون المعنى: لتركبن أحوالًا بعد أحوال، هي طبقات بعضها فوق بعض.
ثم اختلف في تفسير هذه الأحوال، وفي قراءة: ﴿تَرْكَبُنَّ﴾:
فأما من قرأه بضم الباء: فهو خطاب لجنس الإنسان، وفي تفسير الأحوال على هذا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها شدائد الموت، ثم البعث، ثم الحساب، ثم الجزاء.
والآخر: أنها كون الإنسان نطفة، ثم علقة، إلى أن يخرج إلى الدنيا، إلى أن يَهرَم، ثم يموت.
والثالث: لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم.
وأما من قرأ ﴿تَرْكَبَنَّ﴾ بفتح الباء:
فهو خطاب للإنسان على المعاني الثلاثة التي ذكرنا.
وقيل: هو خطاب للنبي ﷺ ، ثم اختلف القائلون بهذا على ثلاثة أقوال:
أحدها: لتركبن مكابدة الكفار حالًا بعد حال.
والآخر: لتركبن فتح البلاد شيئًا بعد شيء.
والثالث: لتركبن السماوات في الإسراء سماءً بعد سماء.
وقوله: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾:
في موضع الصفة لـ ﴿طَبَقًا﴾.
стр. 2866
أو في موضع حال من الضمير في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾.
قاله الزمخشري (١).
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ الضمير لكفار قريش، والمعنى: أيُّ شيء يمنعهم من الإيمان؟
﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ هذا موضع سجدة عند الشافعي وغيره؛ لأن رسول الله ﷺ سجد فيها، وليست عند مالك من عزائم السجدات.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المذكورين، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ ليصفهم بالكفر.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ أي: بما يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب.
أو بما يجمعون في صحائفهم (من الأعمال القبيحة) (٢).
يقال: أوعيت المال وغيره: إذا جمعته.
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وضع البشارة موضع النذارة؛ تهكُّمًا بهم.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: من قَضَى له بالإيمان من هؤلاء الكفار، فالاستثناء على هذا متصل، وإلى هذا أشار ابن عطية (٣).
стр. 2867
وقال الزمخشري: هو منقطع (١).
﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قد ذكر (٢).
أو يكون من معنى الحضور.
وحذف المعمول، وتقديره: مشهود عليه، أو مشهود به، أو مشهود فيه.
وقد اضطرب الناس في تفسير الشاهد والمشهود اضطرابًا عظيمًا، ويتلخص من أقوالهم في الشاهد ستة عشر قولًا، يقابلها في المشهود اثنان وثلاثون قولًا (١):
الأول: أن الشاهد: هو الله تعالى لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩].
والمشهود على هذا يحتمل ثلاثة أوجه:
[١ - ] أحدها: أن يكون الخَلْق، بمعنى أنه يشهد عليهم.
[٢ - ] والآخر: أن يكون الأعمال، بمعنى أنه يشهد بها.
[٣ - ] والثالث: أن يكون يوم القيامة، بمعنى أنه يشهد فيه؛ أي: يحضر، للحساب والجزاء، أو تقع فيه الشهادة على الناس.
القول الثاني: أن الشاهد: محمد ﷺ لقوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٨٧].
والمشهود على هذا يحتمل أن تكون:
[٤ - ] أمته؛ لأنه يشهد عليهم.
[٥ - ] أو أعمالهم؛ لأنه يشهد بها.
стр. 2870
[٦ - ] أو يوم القيامة؛ لأنه يشهد فيه؛ أي: يحضر، أو تقع فيه الشهادة على الأمة.
القول الثالث: أن الشاهد: أمة محمد ﷺ ؛ لقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
والمشهود على هذا:
[٧ - ] سائر الأمم؛ لأنهم يشهدون عليهم.
[٨ - ] أو أعمالهم.
[٩ - ] أو يوم القيامة.
القول الرابع: أن الشاهد: عيسى ﵇.
والمشهود:
[١٠ - ] أمته؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
[١١ - ] أو أعمالهم.
[١٢ - ] أو يوم القيامة.
القول الخامس: أن الشاهد: جميع الأنبياء.
والمشهود:
[١٣ - ] أممهم؛ لأن كل نبي يشهد على أمته.
[١٤ - ] أو يشهد بأعمالهم.
[١٥ - ] أو يوم القيامة؛ لأنه يشهد فيه.
стр. 2871
القول السادس: أن الشاهد: الملائكة الحفَظة.
والمشهود على هذا:
[١٦ - ] الناس؛ لأن الملائكة يشهدون عليهم.
[١٧ - ] أو الأعمال لأن الملائكة يشهدون بها.
[١٨ - ] أو يوم القيامة.
[١٩ - ] أو صلاة الصبح؛ لقوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
القول السابع: أن الشاهد: جميع الناس؛ لأنهم يشهدون القيامة؛ أي: يحضرونها.
[٢٠ - ] والمشهود: يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].
القول الثامن: أن الشاهد: الجوارح.
والمشهود عليه:
[٢١ - ] أصحابها؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم﴾ [النور: ٢٤].
[٢٢ - ] أو الأعمال؛ لأن الجوارح تشهد بها.
[٢٣ - ] أو يوم القيامة؛ لأن الشهادة تقع فيه.
القول التاسع: أن الشاهد: الله والملائكة وأولوا العلم؛ لقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
стр. 2872
[٢٤ - ] والمشهود به: الوحدانية.
القول العاشر: أن الشاهد: جميع المخلوقات.
[٢٥ - ] والمشهود به: وجود خالقها، وإثبات صفاته من الحياة والقدرة وغير ذلك.
القول الحادي عشر: أن الشاهد: النجم؛ لما ورد في الحديث:
«لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد»، وهو النجم (١).
[٢٦ - ] والمشهود على هذا: الليل والنهار؛ لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل.
القول الثاني عشر: أن الشاهد: الحجر الأسود.
[٢٧ - ] والمشهود: الناس الذين يحجُّون.
القول الثالث عشر: روي عن النبي ﷺ : أن الشاهد: يوم الجمعة.
[٢٨ - ] والمشهود: يوم عرفة (٢).
وذلك أن يوم الجمعة يشهد بالأعمال، ويوم عرفة يشهده جمعٌ عظيم من الناس.
القول الرابع عشر: أن الشاهد: يوم عرفة.
[٢٩ - ] والمشهود: يوم النحر، قاله علي بن أبي طالب.
стр. 2873
القول الخامس عشر: أن الشاهد: يوم التروية.
[٣٠ - ] والمشهود: يوم عرفة.
القول السادس عشر: أن الشاهد: يوم الاثنين.
[٣١ - ] والمشهود: يوم الجمعة.
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ الكلام هنا في ثلاثة فصول:
الأول: في جواب القسم، وفيه أربعة أقوال:
أحدها: أنه قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾.
وثانيها: أنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (١٠)﴾.
وهذان القولان ضعيفان؛ لبعد القسم من الجواب.
وثالثها: أنه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾، تقديره: لقد قتل.
ورابعها: أنه محذوفٌ، يدلُّ عليه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾، تقديره: لقد قتل هؤلاء الكفار كما قتل أصحاب الأخدود، وذلك أن الكفار من قريش كانوا يعذبون من أسلم من قومهم ليرجعوا عن الإسلام، فذكر الله قصة أصحاب الأخدود؛ وعيدًا للكفار، وتأنيسا للمسلمين المعذَّبين.
الفصل الثاني: في تفسير لفظها:
فأما ﴿قُتِلَ﴾ فاختلف هل هو دعاء أو خبر؟
واختلف هل هو بمعنى القتل حقيقة، أو بمعنى: لُعِن؟
وأما ﴿الْأُخْدُودِ﴾: فهو الشَّق في الأرض، كالخندق وشبهه.
стр. 2874
وأما ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ فيحتمل أن يريد به:
الكفارَ الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود.
أو يريد به المؤمنين الذين حُرقوا فيه، فيكون القتل حقيقةً خبرًا.
والأول أظهر.
الفصل الثالث: في قصة أصحاب الأخدود، وفيها أربعة أقوال:
القول الأول: ما ورد عن رسول الله ﷺ في حديث طويل معناه: أن ملكًا كافرًا أسلم أهلُ بلاده، فأمر بالأخدود فخُدَّ في أفواه السكك، وأضرم فيها النيران فقال: من لم يرجع عن دينه فألقوه فيها، ففعلوا ذلك، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أُمُّه! اصبري فإنك على الحق (١).
القول الثاني: أن ملكًا زنى بأخته، ثم أراد أن يُحلَّ للناس نكاح الأخوات، فأطاعه قوم، ومنهم (٢) أخذ المجوس ذلك، وعصاه قوم، فحفر لهم الأخدود وأحرقهم فيه بالنار.
القول الثالث: أن نبيَّ أصحاب الأخدود كان حبشيًا، وأن الحبشة بقية أصحاب الأخدود.
القول الرابع: أن صاحب الأخدود: ذو نُوّاس المذكور في قصة عبد الله
стр. 2875
ابن التامر (١) التي وقعت السَّيَر.
ويحتمل أن يكون ذو نواس هو الملك الذي ذكره النبي ﷺ ، فيتفق هذا القول مع الأول، فإنَّ ذا نواس حفر أخدودًا فأوقد فيه نيرانًا (٢)، وألقى فيها كل من وحَّد الله تعالى واتبع العبد الصالح عبد الله بن التامر.
﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ ﴿النَّارِ﴾ بدل من ﴿الأُخْدُودِ﴾، وهو بدل اشتمال.
و ﴿الْوَقُودِ﴾: ما توقد به النار.
والقصد: وصف النار بالشدة والعظمة.
﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦)﴾ الضمير: للكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في
الأخدود، وهم أصحاب الأخدود على الأظهر.
والعامل في ﴿إِذْ﴾: قوله: ﴿قُتِلَ﴾.
فروي أن النار أحرقت من المؤمنين عشرين ألفًا، وقيل: سبعين ألفًا، فـ ﴿قُتِلَ﴾ على هذا بمعنى: لُعن؛ أي: لعنوا حين قعدوا على النار لتحريق المؤمنين.
وروي أن الله بعث على المؤمنين ريحًا قبضت أرواحهم وخرجت النار (٣) فأحرقت الكفار الذين كانوا عليها، فـ ﴿قُتِلَ﴾ على هذا بمعنى القتل الحقيقي أي: قتلتهم النار.