← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

القول السادس: أن الشاهد: الملائكة الحفَظة. والمشهود على هذا: [١٦ - ] الناس؛ لأن الملائكة يشهدون عليهم. [١٧ - ] أو الأعمال لأن الملائكة يشهدون بها. [١٨ - ] أو يوم القيامة. [١٩ - ] أو صلاة الصبح؛ لقوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. القول السابع: أن الشاهد: جميع الناس؛ لأنهم يشهدون القيامة؛ أي: يحضرونها. [٢٠ - ] والمشهود: يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. القول الثامن: أن الشاهد: الجوارح. والمشهود عليه: [٢١ - ] أصحابها؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم﴾ [النور: ٢٤]. [٢٢ - ] أو الأعمال؛ لأن الجوارح تشهد بها. [٢٣ - ] أو يوم القيامة؛ لأن الشهادة تقع فيه. القول التاسع: أن الشاهد: الله والملائكة وأولوا العلم؛ لقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].

стр. 2872

[٢٤ - ] والمشهود به: الوحدانية. القول العاشر: أن الشاهد: جميع المخلوقات. [٢٥ - ] والمشهود به: وجود خالقها، وإثبات صفاته من الحياة والقدرة وغير ذلك. القول الحادي عشر: أن الشاهد: النجم؛ لما ورد في الحديث: «لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد»، وهو النجم (١). [٢٦ - ] والمشهود على هذا: الليل والنهار؛ لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. القول الثاني عشر: أن الشاهد: الحجر الأسود. [٢٧ - ] والمشهود: الناس الذين يحجُّون. القول الثالث عشر: روي عن النبي ﷺ : أن الشاهد: يوم الجمعة. [٢٨ - ] والمشهود: يوم عرفة (٢). وذلك أن يوم الجمعة يشهد بالأعمال، ويوم عرفة يشهده جمعٌ عظيم من الناس. القول الرابع عشر: أن الشاهد: يوم عرفة. [٢٩ - ] والمشهود: يوم النحر، قاله علي بن أبي طالب.

стр. 2873

القول الخامس عشر: أن الشاهد: يوم التروية. [٣٠ - ] والمشهود: يوم عرفة. القول السادس عشر: أن الشاهد: يوم الاثنين. [٣١ - ] والمشهود: يوم الجمعة. ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ الكلام هنا في ثلاثة فصول: الأول: في جواب القسم، وفيه أربعة أقوال: أحدها: أنه قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾. وثانيها: أنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (١٠)﴾. وهذان القولان ضعيفان؛ لبعد القسم من الجواب. وثالثها: أنه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾، تقديره: لقد قتل. ورابعها: أنه محذوفٌ، يدلُّ عليه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾، تقديره: لقد قتل هؤلاء الكفار كما قتل أصحاب الأخدود، وذلك أن الكفار من قريش كانوا يعذبون من أسلم من قومهم ليرجعوا عن الإسلام، فذكر الله قصة أصحاب الأخدود؛ وعيدًا للكفار، وتأنيسا للمسلمين المعذَّبين. الفصل الثاني: في تفسير لفظها: فأما ﴿قُتِلَ﴾ فاختلف هل هو دعاء أو خبر؟ واختلف هل هو بمعنى القتل حقيقة، أو بمعنى: لُعِن؟ وأما ﴿الْأُخْدُودِ﴾: فهو الشَّق في الأرض، كالخندق وشبهه.

стр. 2874

وأما ﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ فيحتمل أن يريد به: الكفارَ الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود. أو يريد به المؤمنين الذين حُرقوا فيه، فيكون القتل حقيقةً خبرًا. والأول أظهر. الفصل الثالث: في قصة أصحاب الأخدود، وفيها أربعة أقوال: القول الأول: ما ورد عن رسول الله ﷺ في حديث طويل معناه: أن ملكًا كافرًا أسلم أهلُ بلاده، فأمر بالأخدود فخُدَّ في أفواه السكك، وأضرم فيها النيران فقال: من لم يرجع عن دينه فألقوه فيها، ففعلوا ذلك، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أُمُّه! اصبري فإنك على الحق (١). القول الثاني: أن ملكًا زنى بأخته، ثم أراد أن يُحلَّ للناس نكاح الأخوات، فأطاعه قوم، ومنهم (٢) أخذ المجوس ذلك، وعصاه قوم، فحفر لهم الأخدود وأحرقهم فيه بالنار. القول الثالث: أن نبيَّ أصحاب الأخدود كان حبشيًا، وأن الحبشة بقية أصحاب الأخدود. القول الرابع: أن صاحب الأخدود: ذو نُوّاس المذكور في قصة عبد الله

стр. 2875

ابن التامر (١) التي وقعت السَّيَر. ويحتمل أن يكون ذو نواس هو الملك الذي ذكره النبي ﷺ ، فيتفق هذا القول مع الأول، فإنَّ ذا نواس حفر أخدودًا فأوقد فيه نيرانًا (٢)، وألقى فيها كل من وحَّد الله تعالى واتبع العبد الصالح عبد الله بن التامر. ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ ﴿النَّارِ﴾ بدل من ﴿الأُخْدُودِ﴾، وهو بدل اشتمال. و ﴿الْوَقُودِ﴾: ما توقد به النار. والقصد: وصف النار بالشدة والعظمة. ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦)﴾ الضمير: للكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود، وهم أصحاب الأخدود على الأظهر. والعامل في ﴿إِذْ﴾: قوله: ﴿قُتِلَ﴾. فروي أن النار أحرقت من المؤمنين عشرين ألفًا، وقيل: سبعين ألفًا، فـ ﴿قُتِلَ﴾ على هذا بمعنى: لُعن؛ أي: لعنوا حين قعدوا على النار لتحريق المؤمنين. وروي أن الله بعث على المؤمنين ريحًا قبضت أرواحهم وخرجت النار (٣) فأحرقت الكفار الذين كانوا عليها، فـ ﴿قُتِلَ﴾ على هذا بمعنى القتل الحقيقي أي: قتلتهم النار.

стр. 2876

وقيل: الضمير في ﴿إِذْ هُمْ﴾ للمؤمنين. والأول أشهر وأظهر؛ لقوله: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾. ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ يحتمل أن يكون: بمعنى الشهادة: أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه فعل ما أمره الملك من التحريق. أو يشهدون بذلك على أنفسهم يوم القيامة. أو يكون بمعنى الحضور؛ أي: كانوا حاضرين على ذلك الفعل. ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أي: ما أنكر الكفار على المؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله، وهذا لا ينبغي أن يُنكر. فإن قيل: لم قال ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ بلفظ المضارع ولم يقل: «آمنوا» بلفظ الماضي؛ لأن القصة قد وقعت؟ فالجواب: أن التعذيب إنما كان على دوامهم على الإيمان، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوهم، فلذلك ذكره بلفظ المستقبل، فكأنه قال: إلا أن يدوموا على الإيمان. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إن كانت هذه الآية في أصحاب الأخدود: فالفتنة هنا بمعنى الإحراق. وإن كانت في كفار قريش: فالفتنة بمعنى المحنة والتعذيب، وهذا أظهر؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾؛ لأن أصحاب الأخدود لم يتوبوا، بل ماتوا على كفرهم، وأما قريش فمنهم من أسلم وتاب.

стр. 2877

وفي الآية دليل على أن الكافر إذا أسلم يغفر له ما فعل في حين كفره؛ لقوله ﷺ : «الإسلام يجبُّ ما قبله» (١). ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ يحتمل أن يريد: في الآخرة، فيكون: تأكيدًا لعذاب جهنم. أو نوعًا من العذاب زيادةً إلى عذاب جهنم. ويحتمل أن يريد في الدنيا، وذلك على رواية أن الكفار أصحاب الأخدود أحرقتهم النار. ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾ البطش: هو الأخذ بقوة وسرعة. ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي: يبدئ الخلق بالنشأة الأولى، ويعيدهم بالنشأة الآخرة للبعث. وقيل: يبدئ البطش ويعيده؛ أي: يبطش بهم في الدنيا والآخرة. والأول أظهر وأرجح؛ لقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤، الروم: ١١]. وقد ذكرنا ﴿الْوَدُودُ﴾ في «اللغات» (٢).

стр. 2878

﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ أضاف العرش إلى الله، وخصه بالذكر؛ لأن العرش أعظم المخلوقات. و ﴿الْمَجِيدُ﴾: من المجد، وهو الشرف ورفعة القدر. وقرئ ﴿الْمَجِيدُ﴾: بالرفع: صفة لـ ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾. وبالخفض: صفة لـ ﴿الْعَرْشِ﴾. ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ توقيف يراد به التنبيه وتعظيم الأمر. والمقصود بذكر الجنود: تهديد الكفار، وتأنيس النبي ﷺ . ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِم مُحِيطٌ (٢٠)﴾ تهديد لهم، معناه: لا يفوتونه، بل يصيبهم عذابه إذا شاء. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٌ (٢٢)﴾ يعني: اللوح المحفوظ الذي في السماء. وقرئ ﴿مَحْفُوظٌ﴾: بالخفض: صفة للوح. وبالرفع: صفة للقرآن؛ أي: حفظه الله من التبديل والتغيير. أو حفظه المؤمنون في صدورهم.

стр. 2879

(سورة الطارق) [﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾] ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ هذه السماء التي أقسم الله بها: هي (١) المعروفة. وقيل: أراد المطر؛ لأن العرب قد تسميه سماء، وهذا بعيد. والطارق في اللغة: ما يطرق؛ أي: يجيء ليلًا. وقد فسره الله هنا بأنه ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣)﴾ وهو يطلع ليلًا. ومعنى ﴿الثَّاقِبُ﴾: المضيء أو المرتفع: فقيل: أراد جنس النجوم. وقيل: الثريا؛ لأنه الذي تطلق عليه العرب النجم. وقيل: زحل؛ لأنه أرفع النجوم؛ إذ هو في السماء السابعة.

стр. 2880

﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ هذا جواب القسم، ومعناه عند الجمهور: إنَّ كل نفس من بني آدم عليها حافظ يكتب أعمالها، يعني: الملائكة الحفظة. وروي عن النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: «أن لكل نفس حفظة من الله يذبُّون عنها كما يُذبُّ عن العسل، ولو وُكِل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الآفات والشياطين» (١)، وإن صح هذا الحديث فهو المعوَّل عليه. وقرئ ﴿لَمَا عَلَيْهَا﴾: بتخفيف الميم: وعلى هذا تكون ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واللام للتأكيد، و «ما» زائدة. وقرئ ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد: وعلى هذا تكون ﴿إِنْ﴾ نافية، و ﴿لَمَّا﴾ بمعنى الإيجاب بعد النفي. ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ حذف ألف «ما»؛ لأنها استفهامية، وجوابها ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾. وسمي المنيُّ ماء دافقًا؛ من الدَّفق، بمعنى الدفع: فقيل: معناه: مدفوق، وصاحبه هو الدافق في الحقيقة. وقال سيبويه: هو على النسَب؛ أي: ذو دفق. وقال ابن عطية: يصح أن يكون الماء دافقًا؛ لأن بعضه يدفع بعضًا (٢).

стр. 2881

ومقصود الآية: إثبات الحشر، فأمر الإنسان أن ينظر أصل خِلقته؛ ليعلم أن الذي خلقه من ماء دافق قادر على أن يعيده. ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله: أنه لما أخبر أن كل نفس عليها حافظ يحفظ أعمالها؛ أعقبه بالتنبيه على الحشر حيث تجازى (١) كل نفس بأعمالها. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ الضمير في ﴿يَخْرُجُ﴾ للماء. وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون للإنسان (٢)، وهذا بعيد جدًّا. والترائب: عظام الصدر، واحدها: تَرِيبة. وقيل: هي الأطراف، كاليدين والرجلين. وقيل: هي عُصارة القلب، ومنها يكون الولد. وقيل: هي الأضلاع التي أسفل الصلب. والأول هو الصحيح المعروف في اللغة، ولذلك قال ابن عباس: هي موضع القلادة ما بين ثدْيي المرأة. ويعني صلب الرجل وترائبه، وصلب المرأة وترائبها. وقيل: أراد: صلب الرجل، وترائب المرأة. ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ لله تعالى، وفي ﴿رَجْعِهِ﴾ للإنسان.

стр. 2882

والمعنى: أن الله قادر على رجع الإنسان حيًّا بعد موته، والمراد: إثبات البعث. وقيل: إن المعنى: ردُّه ماءً كما كان أول مرة. وقيل: ردُّه من الكِبَر إلى الشباب. وقيل: الضمير في ﴿رَجْعِهِ﴾ للماء الدافق، والمعنى: ردُّه في الإحليل أو في الصلب. وهذا كله ضعيف بعيد، والقول الأول هو الصحيح المشهور. ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ يعني: يوم القيامة. و ﴿السَّرَائِرُ﴾: جمع سريرة، وهي ما أسرَّ العبد في قلبه من العقائد (١) والنيات، وما أخفى من الأعمال. وبلاؤها: هو تعرُّفها والاطلاع عليها. وروي عن النبي ﷺ أن السرائر: الإيمان والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة (٢)، وهذه معظمها؛ فلذلك خصَّها بالذكر. والعامل في ﴿يَوْمَ﴾ قوله: ﴿رَجْعِهِ﴾؛ أي: يرجعه يوم تبلى السرائر. واعترض: بالفصل بينهما. وأجيب: بقوة المصدر في العمل.

стр. 2883

وقيل: العامل ﴿لَقَادِرٌ﴾. واعْتُرِض: بتخصيص القدرة بذلك اليوم. وهذا لا يلزم؛ لأن القدرة وإن كانت مطلقة فقد أخبر الله أن البعث إنما يقع في ذلك اليوم. وقال من احترز من الاعتراضين في القولين المتقدمين: العامل فعل مضمر من المعنى، تقديره: يرجعه يوم تبلى السرائر. وهذا كله على المعنى الصحيح في ﴿رَجْعِهِ﴾. وأما على الأقوال الأخر: فالعامل في ﴿يَوْمَ﴾ مضمر تقديره: اذكر. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ الضمير للإنسان. ولما كان دفع المكاره في الدنيا إما بقوة الإنسان أو بنصرة غيره له؛ أخبره الله أنه يَعْدَمَهُمَا يوم القيامة. ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١)﴾ المراد بـ ﴿الرَّجْعِ﴾ عند الجمهور: المطر، وسماه رَجْعًا بالمصدر: لأنه يرجع كل عام. أو لأنه يرجع إلى الأرض. وقيل: الرجع: السحاب الذي فيه المطر. وقيل: هو مصدر رجوع الشمس والكواكب من منزلة إلى منزلة.

стр. 2884

﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ يعني: ما تتصدع (١) عنه الأرض من النبات. وقيل: يعني: ما في الأرض من الشِّقاق والخنادق وشبهها. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾ الضمير للقرآن؛ لأن سياق الكلام يقتضيه. والفصل معناه: الذي فَصَل (٢) بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقان. والهزل: اللهو، يعني: أنه جِدٌّ كلُّه. ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾ الضمير لكفار قريش. وكيدهم: هو ما دبروا في شأن رسول الله ﷺ من الإضرار به، وإبطال أمره. ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ هذا تسمية للعقوبة باسم الذنب؛ للمشاكلة بين الفعلين (٣). ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لا تستعجل عليهم بالعقوبة لهم، أو بالدعاء عليهم. وهذا منسوخ بالسيف. ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ أي: إمهالًا يسيرًا قليلًا يعني: إلى قتلهم يوم بدر. أو إلى الدار الآخرة، وجعله يسيرًا؛ لأن كل آتٍ قريبٌ. ولفظ ﴿رُوَيْدًا﴾ هنا: صفة لمصدر محذوف، وقد تقع بمعنى الأمر بالتماهل

стр. 2885

كقولك: رويدًا يا فلان. وكرَّر الأمر في قوله: ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾، وخالف بينه وبين لفظ ﴿مَهِّلْ﴾؛ لزيادة التسكين والتصبير، قاله الزمخشري (١).

стр. 2886

(سورة الأعلى) [﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾]. ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ التسبيح في اللغة: التنزيه. وذكر الاسم هنا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد المسمى، ويكون الاسم صلة كالزائد، ومعنى الكلام: سبح ربك؛ أي: نزِّهه عما لا يليق به، وقد يتخرَّج ذلك على قول من قال: إن الاسم هو المسمى. والآخر: أن يكون الاسم مقصودًا بالذكر، ويحتمل المعنى على هذا أربعة أوجه: الأول: تنزيه أسماء الله تعالى عن المعاني الباطلة، كالتشبيه والتعطيل. الثاني: تنزيه أسماء الله عن أن يُسمى بها صنم أو وثن.

стр. 2887

الثالث: تنزيه أسماء الله عن أن تُذكر في حال الغفلة دون خشوع. الرابع: أن المراد قول (١): «سبحان الله»، ولما كان التسبيح باللسان لا بدَّ فيه من ذكر الاسم أوقع التسبيح على الاسم، وهذا القول هو الصحيح. ويؤيده: ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: «سبحان ربي الأعلى» (٢)، وأنها لما نزلت قال: «اجعلوها في سجودكم» (٣)، فدل ذلك على أن المراد هو التسبيح باللسان مع موافقة القلب، ولا بدَّ في التسبيح باللسان من ذكر اسم الله تعالى؛ فلذلك قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، مع أن التسبيح في الحقيقة إنما هو لله تعالى لا لاسمه، وإنما ذكر الاسم؛ لأنه هو الذي يوصل به إلى التسبيح باللسان. وعلى هذا: يكون موافقًا في المعنى لقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الواقعة: ٧٤] لأن معناه: نزّه الله بذكر اسمه، ويؤيد هذا: ما روي عن ابن عباس أن معنى ﴿سَبِّحِ﴾: صلِّ باسم ربك؛ أي: صل واذكر في الصلاة اسم ربك. و ﴿الْأَعْلَى﴾ يحتمل أن يكون صفة: للرب. أو للاسم. والأول أظهر.

стр. 2888

﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ حذف مفعول ﴿خَلَقَ﴾ و ﴿سَوَّى﴾؛ لقصد الإجمال الذي يفيد العموم، والمراد: خلق كل شيء فسواه؛ أي: أتقن خلقته. وانظر ما ذكرنا في قوله: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] (١). ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ ﴿قَدَّرَ﴾ بالتشديد: يحتمل أن يكون: من القدر والقضاء. أو من التقدير والموازنة بين الأشياء. وقرئ بالتخفيف: فيحتمل أن يكون: من القدرة. أو التقدير، وحذف المفعول؛ ليفيد العموم. فإن كان من التقدير فالمعنى: قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه وعرَّفه وجه الانتفاع به. وقيل: هدى ذكور الحيوان إلى وطء الإناث؛ لبقاء النسل. وقيل: هدى المولود عند وضعه إلى مص الثدي. وقيل: هدى الناس للخير والشر، والبهائم للمراتع. وهذه الأقوال أمثلة، والأول أعم وأرجح، فإن هداية الإنسان وسائر الحيوانات إلى مصالحها (٢) باب واسع فيه عجائب وغرائب.

стр. 2889

وقال الفراء: المعنى: هدى وأضلَّ، واكتفى بالواحدة؛ لدلالتها على الأخرى (١)، وهذا بعيد. ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ المرعى: هو النبات الذي ترعاه البهائم. والغثاء: هو النبات اليابس المتحطم، وقد يقال للزِّبل غثاء. و ﴿أَحْوَى﴾ معناه: أسود، وهو صفة لـ ﴿غُثَاءً﴾. والمعنى: أن الله أخرج المرعى أخضر، فجعله بعد خضرته غثاء أسود؛ لأن الغثاء إذا قَدُمَ تعفَّن واسودَّ. وقيل: إن ﴿أَحْوَى﴾ حال من ﴿الْمَرْعَى﴾، ومعناه: الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وفي الكلام على هذا تقديم وتأخير تقديره: الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء، وفي هذا القول تكلف. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى (٦)﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ، وعده الله أن يقرئه القرآن فلا ينساه، وفي ذلك معجزة له ﷺ ؛ لأنه كان أميًّا لا يكتب، وكان مع ذلك لا ينسى ما أقرأه جبريل ﵇ من القرآن. وقيل: معنى الآية كقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ الآية [القيامة: ١٦]؛ فإن ﷺ كان يحرك به لسانه إذا أقرأه جبريل؛ خوفًا أن ينساه فضمن الله له أن لا ينساه. وقيل: ﴿فَلَا تَنسَى﴾ نهيٌ عن النسيان، وقد علم الله أن ترك النسيان ليس في

стр. 2890

قدرة البشر، فالمراد: الأمر بتعاهده حتى لا ينساه. وهذا بعيد؛ لإثبات الألف في ﴿تَنْسَى﴾. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن معناه: لا تنسى؛ إلا ما شاء الله أن تنساه، كقوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. والآخر: أنه لا ينسى شيئًا، ولكن قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ تعظيمًا لله بإسناد الأمر إليه، كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] على بعض الأقوال. وعبر الزمخشري عن هذا بأنه من استعمال التقليل في معنى النفي (١). والأول أظهر؛ فإن النسيان جائز على النبي ﷺ فيما أراد الله أن يرفعه من القرآن، أو فيما قضى الله أن ينساه ثم يذكره، ومن هذا قول النبي ﷺ حين سمع قراءة عَبَّاد بن بِشْرٍ: «يرحمه الله؛ لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت قد أُنسيتها» (٢). ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨)﴾ عطف على ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾، ومعناه: نوفقك للأمور المرضية التي توجب لك السعادة. وقيل: معناه للشريعة اليسرى، من قوله ﷺ : «دين الله يسر» (٣) أي: سهل لا حرج فيه.

стр. 2891

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ المراد بهذا الشرط: توبيخ الكفار الذين لا تنفعهم الذكرى، واستبعاد تأثير الذكرى في قلوبهم، كقولك: قد أوصيتك لو سمعتَ. وقيل: إن المعنى: فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، واقتصر على أحد القسمين؛ لدلالة الآخر عليه، وهذا بعيد وليس عليه الرَّونق الذي على الأول. ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ أي: من يخاف الله. ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ يعني: الكافر. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. والضمير المفعول لـ ﴿الذِّكْرَى﴾. ﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾ هي نار جهنم، وسماها كبرى بالنظر إلى نار الدنيا. وقيل: سماها كبرى بالنظر إلى غيرها من نار جهنم؛ فإنها تتفاضل، وبعضها أكبر من بعض. وكلا القولين صحيح، إلا أن الأول أظهر، ويؤيده قول رسول الله ﷺ : «ناركم هذه التي توقدون جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم» (١). ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة هنيئة. وعطف هذه الجملة بـ ﴿ثُمَّ﴾؛ لأن هذه الحالة أشد من صَلْيِ النار،

стр. 2892

فكأنها بعده في الشدة. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ يحتمل أن يكون ﴿تَزَكَّى﴾: بمعنى الطهارة من الشرك والمعاصي. أو بمعنى الطهارة للصلاة. أو بمعنى أداء الزكاة، وعلى هذا قال جماعة: إنها في يوم الفطر، والمعنى: أدَّى زكاة الفطر، وذكر اسم ربه في طريق المصلى إلى أن يخرج الإمام، وصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن النبي ﷺ (١). وقيل: المراد: أدى زكاة ماله وصلى الصلوات الخمس. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الإشارة: إلى ما ذكر قبلُ من التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة. أو إلى ما تضمنته السورة. أو إلى القرآن بجملته. والمعنى: إنه ثابت في كتب الأنبياء المتقدمين كما ثبت في هذا الكتاب.

стр. 2893

(سورة الغاشية) [﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾]. ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ توقيف يراد به التنبيه والتفخيم للأمر. وقيل: ﴿هَلْ﴾ بمعنى «قد»، وهذا ضعيف. ﴿الْغَاشِيَةِ﴾ هي القيامة؛ لأنها تغشى جميع الخلق. وقيل: هي النار، من قوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وهذا ضعيف؛ لأنه ذكر بعد ذلك قسمين: أهل الشقاوة وأهل السعادة. ﴿خَاشِعَةٌ﴾ أي: ذليلة. ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ هو من النَّصَب بمعنى التعب.

стр. 2894

وفي المراد بهم ثلاثة أقوال: أحدهما: أنهم الكفار، ويحتمل على هذا يكون عملهم ونَصَبهم: في الدنيا؛ لأنهم كانوا يعملون أعمال السوء ويتعبون فيها. أو يكون في الآخرة، فيعملون فيها عملًا يتعبون فيه؛ من جرّ السلاسل والأغلال وشبه ذلك، ويكون زيادة في عذابهم. الثاني: أنها في الرهبان الذين يجتهدون في العبادة ولا تقبل منهم؛ لأنهم على غير الإسلام، وبهذا تأولها عمر بن الخطاب ﵁، وبكى رحمةً لراهب نصراني رآه مجتهدًا، فـ ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ على هذا: في الدنيا. و ﴿نَاصِبَةٌ﴾ إشارة: إلى اجتهادهم في العمل. أو إلى أنه لا ينفعهم، فليس لهم منه إلا النصب. الثالث: أنها في القدرية، وقد روي أن رسول الله ﷺ ذكر القدرية فبكى وقال: «إن فيهم المجتهد» (١). ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: شديدة الحر، ومنه ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ووزن ﴿آنِيَةٍ﴾ هنا فَاعِلَة، بخلاف ﴿بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥] فإن وزنه: أَفْعِلَة. ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ في الضريع أربعة أقوال: أحدها: أنه شوك يقال له: الشِّبْرِق، وهو سَمٌّ قاتل، وهذا أرجح

стр. 2895

الأقوال؛ لأن أرباب اللغة ذكروه، ولأن النبي ﷺ قال: «الضريع شوك في النار» (١). الثاني: أنه الزقوم؛ لقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤]. الثالث: أنه نبات أخضر مُنتِنٌ يَنبت في البحر، وهذا ضعيف. الرابع: أنه واد في جهنم، وهذا ضعيف؛ لأن ما يجري في الوادي ليس بطعام، إنما هو شراب. ولله درُّ من قال: الضريع طعام أهل النار، فإنه عمَّ وسَلِم من عُهدة التعيين. واشتقاقه عند بعضهم من المضارعة بمعنى المشابهة؛ لأنه يشبه الطعام الطيب وليس به. وقيل: بمعنى: مُضْرع للبدن، أي: مُضعف. وقيل: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ. فإن قيل: كيف قال هنا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾، وقال في «الحاقة»: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ [الحاقة: ٣٦]؟ فالجواب: أن الضريع لقوم، والغسلين لقوم. أو يكون أحدهما في حال، والآخر في حال. ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ هذه الجملة صفة لـ ﴿ضَرِيعٍ﴾، أول ﴿طَعَامٍ﴾.

стр. 2896

نفى عنه منفعة الطعام، وهي التسمين وإزالة الجوع. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ أي: متنعمة في الجنة. أو يظهر عليها نضرة النعيم. ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)﴾ أي: رضيت في الآخرة؛ لأجل سعيها، وهو عملُها في الدنيا. ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ يحتمل أن يكون: من عُلُوِّ المكان. أو من علو المقدار. أو الوجهين. ﴿لَا تُسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةٌ﴾ هو من لغو الكلام، ومعناه الفحش (١) وما يُكره، فيحتمل أن يريد: كلمة لاغية. أو جماعة لاغية. ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾ يحتمل أن يريد: جنس العيون. أو واحدةً شرَّفها بالتعيين.

стр. 2897

﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)﴾ قد ذكرنا ﴿وَأَكْوَابٌ﴾ (١). ومعنى ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: حاضرة معدَّةٌ بشرابها. وفي قوله: ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ و ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ مطابقة. ﴿وَنَمَارِقُ﴾ جمع نمرقة، وهي الوسادة. ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ هي بُسُطٌ فاخرة. وقيل: هي الطَّنَافِس. واحدها: زَرْبِيَّة. ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ أي: متفرقة، وذلك عبارة عن كثرتها. وقيل: مبسوطة. ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ حض على النظر إلى خلقتها؛ لما فيها من العجائب في قوتها، وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها من الركوب والحمل عليها، وأكل لحومها وشرب ألبانها وأبوالها وغير ذلك. وقيل: أراد بالإبل السحاب، وهذا بعيد، وإنما حمل قائله عليه مناسبتها للسماء والأرض والجبال. والصحيح أن المراد الحيوان المعروف، وإنما ذكره لما فيه من العجائب ولاعتناء العرب به؛ إذ كانت معايشهم في الغالب منه، وهو أكثر المواشي في بلادهم.

стр. 2898

﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ أي: قاهر متسلط. وهذا من المنسوخ بالسيف. ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى﴾ استثناء منقطع، معناه: لكن من تولى وكفر فيعذبه الله. وقيل: هو استثناء من مفعول ﴿فَذَكِّرْ﴾، والمعنى: ذكر كل أحد إلا من تولى حتى يئست منه، فهو على هذا متصل. وقيل: هو استثناء من قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ أي: لا تتسلط إلا على من تولى وكفر، وهو على هذا متصل ولا نسخ فيه؛ إذ لا موادعة فيه، وهذا بعيد؛ لأن السورة مكية والموادعة بمكة ثابتة. ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ أي: رجوعهم، والآية تهديد.

стр. 2899

(سورة الفجر) [﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾]. ﴿وَالْفَجْرِ﴾ أقسم تعالى بالفجر، وهو الطالع كل يوم، كما أقسم بالصبح. وقيل: أراد صلاة الفجر. وقيل: أراد النهار كله. وقيل: فجر يوم الجمعة. وقيل: فجر يوم النحر.

стр. 2900

وقيل: فجر ذي الحجة. ولا دليل على هذه التخصيصات. وقيل: أراد انفجار العيون من الحجارة، وهذا بعيد. والأول أشهر وأظهر. ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ هي عشر ذي الحجة عند الجمهور. وقيل: العشر الأول من المحرم، وفيها عاشوراء. وقيل: العشر الآخر من رمضان. وقيل: العشر الأول منه. ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ روي عن النبي ﷺ : أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة (١)؛ وذلك لأن يوم النحر عاشر فعدده شفعٌ، ويوم عرفة تاسع فعدده وتر. وروي عنه ﷺ : أن الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر (٢). وروي عنه ﷺ : أنها الصلوات، منها شفع ووتر (٣). وقيل: الشفع التنفل بالصلاة مثنى مثنى، والوتر الركعة الواحدة المعروفة. وقيل: الشفع العالَم، والوتر الله؛ لأنه واحد.

стр. 2901

وقيل: الشفع آدم وحواء، والوتر الله تعالى. وقيل: الشفع الصفا والمروة، والوتر البيت الحرام. وقيل: الشفع أبواب الجنة؛ لأنها ثمانية، والوتر أبواب النار؛ لأنها سبعة. وقيل: الشفع قران الحج، والوتر إفراده. وقيل: المراد الأعداد، منها شفع ووتر. فهذه عشرة أقوال. وقرئ ﴿وَالْوَتْرِ﴾ بفتح الواو وكسرها، وهما لغتان. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ أي: إذا يذهب، فهو كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)﴾ [المدثر: ٣٣]. وقيل: أراد: يُسرى فيه، فهو على هذا كقولهم: «ليلٌ قائمٌ»، والمراد على هذا: ليلة جمع؛ لأنها التي يُسرى فيها. والأول أشهر وأظهر. ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ هذا توقيف يراد به تعظيم الأشياء التي أقسم بها. والحجر هنا: هو العقل، كأنه يقول: إن هذا لقسمٌ (١) عظيمٌ عند ذوي العقول.

стр. 2902

وجواب القسم محذوف، وهو: «ليأخذنَّ الله الكفار»، ويدل على ذلك: ما ذكر بعده من أخذ عاد وثمود وفرعون. ﴿إِرَمَ﴾ هي قبيلة عاد، سميت باسم أحد أجدادها، كما يقال: «هاشم»: لبني هاشم. وإعرابه: بدل من ﴿عَادٍ﴾، أو عطف بيان. وفائدته: أن المراد عادٌ الأولى، فإن عادًا الثانية لا يسمَّون بهذا الاسم. وقيل: ﴿إِرَمَ﴾ اسم مدينتهم، فهو على حذف مضاف تقديره: «بعادِ عادِ إرمَ»، ويدل على هذا: قراءة ابن الزبير: «بعادِ إرمَ» على الإضافة من غير تنوين «عاد». وامتنع ﴿إِرَمَ﴾ من الصرف على القولين: للتعريف والتأنيث. ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ من قال ﴿إِرَمَ﴾ قبيلةٌ: قال ﴿الْعِمَادِ﴾: أعمدة بنيانهم أو أعمدة بيوتهم من الشعر؛ لأنهم كانوا أهل عمود. وقال ابن عباس: ذلك كناية عن طول أبدانهم. ومن قال ﴿إِرَمَ﴾ مدينة: فـ ﴿الْعِمَادِ﴾ الحجارة التي بنيت بها. وقيل: القصور والأبراج. ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ صفة للقبيلة؛ لأنهم كانوا أعظم الناس أجسامًا، يقال: كان طول الرجل منهم أربع مئة ذراع. أو صفة للمدينة، وهذا أظهر؛ لقوله: ﴿فِي الْبِلَادِ﴾، ولأنها كانت أحسن مدائن الدنيا.

стр. 2903

وروي أنها بناها شدَّاد بن عاد في ثلاث مئة عام، وكان عمره تسع مئة عام، وجعل قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزَّبرجد والياقوت، وفيها أنواع الشجرات والأنهار الجارية. وروي أنه سَمِع ذكر الجنة، فأراد أن يعمل مثلها، فلما أتمَّها وسار إليها بأهل مملكته أهلكهم الله بصيحة. وكانت هذه المدينة باليمن، وروي أن بعض المسلمين مر بها في خلافة معاوية. وقيل: هي دمشق. وقيل: الإسكندرية. وهذا ضعيف. ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي: نقبوه ونحتوا فيه بيوتًا. والوادي: ما بين الجبلين، وإن لم يكن فيه ماء. وقيل: أراد وادي القرى. ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠)﴾ ذكر في «داود» (١). ﴿الَّذِينَ طَغَوْا﴾ صفة لعاد وثمود وفرعون. ويجوز أن يكون: منصوبًا على الذم.

стр. 2904

أو خبرُ ابتداء مضمر. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ استعار (١) السوط للعذاب؛ لأنه يقتضي من التكرار ما لا يقتضيه السيف وغيره. قاله ابن عطية (٢). وقال الزمخشري: ذِكر السوط إشارةٌ إلى عذاب الدنيا؛ إذ هو أهون من عذاب الآخرة، كما أن السوط أهون من القتل (٣). ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ عبارة عن أنه تعالى حاضر بعلمه في كل مكان وكل زمان، ورقيبٌ على كل إنسان، وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفار، وفي ذلك تهديد لكفار قريش وغيرهم. والمرصاد: المكان الذي يترقب (٤) فيه الرصدُ. ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ الابتلاء: هو الاختبار، واختبار الله لعبده؛ لتقوم الحجة على العبد بما يبدو منه، وقد كان الله عالمًا بذلك قبل كونه. و ﴿الْإِنسَانُ﴾ هنا: جنس. وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة. وهي مع ذلك على العموم فيمن كان على هذه الصفة. وذكر الله في هذه الآية ابتلاءه للإنسان بالخير، ثم ذكر بعد ابتلاءه بالشر،

стр. 2905

كما قال في: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وأنكر عليه قوله حين الخير: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ وقوله حين الشر: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾. ويتعلق بالآية سؤالان: السؤال الأول: لم أنكر الله على الإنسان قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ و ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن الإنسان يقول: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ على وجه الفخر بذلك والكبر، لا على وجه الشكر، ويقول: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ على وجه التشكي من الله وقلة الصبر والتسليم لقضاء الله، فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك، فإن الواجب عليه أن يشكر على الخير ويصبر على الشر. والآخر: أن الإنسان اعتبر الدنيا فجعل بسط الرزق فيها كرامة، وتضييقه إهانة، وليس الأمر كذلك؛ فإن الله قد يبسط الرزق لأعدائه، ويضيقه على (١) أوليائه، فأنكر الله عليه اعتبار الدنيا والغفلة عن الآخرة. وهذا الإنكار من هذا الوجه على المؤمن، وأما الكافر فإنما اعتبر الدنيا؛ لأنه لا يصدق بالآخرة، ويرى أن الدنيا هي الغاية، فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك. السؤال الثاني: إن قيل: قد قال الله: ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ فأثبت إكرامه، فكيف أنكر عليه قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾؟

стр. 2906

فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه لم ينكر عليه ذكره للإكرام، وإنما أنكر عليه ما يدل عليه كلامه من الفخر وقلة الشكر، أو من اعتبار الدنيا دون الآخرة حسبما ذكرنا في معنى الإنكار. الثاني: أنه أنكر عليه قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ إذا اعتقد إنَّ إكرام الله له باستحقاقه للإكرام، لا على وجه التفضُّل والإنعام، كقول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]. الثالث: أن الإنكار إنما هو لقوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾، لا لقوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾؛ فإن قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ اعتراف بنعمة الله، وقوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ شكاية من فعل الله. ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ أي: ضيقه. وقرئ بتشديد الدال وتخفيفها بمعنى واحد، وفي التشديد مبالغة. وقيل: معنى التشديد: جعله على قدر معلوم. ﴿كَلَّا﴾ زجرٌ عما أنكر من قول الإنسان. ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ هذا ذمٌّ لما ذكر من الأعمال القبيحة. ومعنى هذا الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾: كأنه أنكر على الإنسان ما تقدم، ثم قال: بل تفعلون ما هو شر من ذلك، وهو أن لا تكرموا اليتيم وما ذكر بعده. قال رسول الله ﷺ : «أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم» (١).

стр. 2907

﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ الحض على الأمر: هو الترغيب فيه، ومن لا يحض غيره على أمر فلا يفعله هو، فكأنه ذم لترك طعام المسكين. والطعام هنا: بمعنى الإطعام. وقيل: هو على حذف مضاف تقديره: لا تحضون على بذل طعام المسكين. وقرئ ﴿تَحَاضُّونَ﴾ بفتح الحاء وألف بعدها، بمعنى لا يحضُّ بعضكم بعضًا. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ التراث: ما يُورث عن الميت من المال، والتاء فيه بدل من واو. واللَّمُّ: الجمع واللف. والتقدير: أكلًا ذا لمّ، وهو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره؛ لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أنثى ولا صغيرًا، بل ينفرد به الرجال. ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ أي: شديدًا كثيرًا، وهذا ذم للحرص على المال وشدة الرغبة فيه. ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾ أي: سُوِّيَت بذهاب جبالها. ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أي: دكًّا بعد دكّ، كما تقول: تعلمت العلم بابًا بابًا. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ تأويله عند المتأولين: جاء أمره وسلطانه. وقال المنذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق هنالك.

стр. 2908

وهذه الآية وأمثالها من المشكلات التي يجب الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل (١). ﴿وَالْمَلَكُ﴾ هو اسم جنس، فإنه روي أن الملائكة كلهم يكونون صفوفًا حول الأرض. ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أي: صفًّا بعد صف، قد أحدقوا بالجن والإنس. ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قال رسول الله ﷺ : «يؤتى يومئذ بجهنم معها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها» (٢). ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿إِذَا دُكَّتِ﴾، و ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ هو العامل، وهو جواب ﴿إِذَا دُكَّتِ﴾. والمعنى: أن الإنسان يتذكر يوم القيامة لأعماله في الدنيا، ويندم على تفريطه وعصيانه. و ﴿الْإِنسَانُ﴾ هنا: جنس. وقيل: يعني: عتبة بن ربيعة. وقيل: أمية بن خلف. ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ هذا على حذف تقديره: «أنى له الانتفاع بالذكرى»، كما تقول: «ندم حين لم تنفعه الندامة».

стр. 2909

﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه يريد الحياة في الآخرة، فالمعنى: يا ليتني قدَّمت عملًا صالحًا للآخرة. والآخر: أنه يريد الحياة الدنيا، فالمعنى: يا ليتني قدَّمت عملًا صالحًا وقت حياتي، فاللام على هذا كقولك: كتبتُ لعشرٍ من الشهر. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾ من قرأ بكسر الذال من ﴿يُعَذِّبُ﴾ والثاء من ﴿يُوثِقُ﴾: فالضمير في ﴿عَذَابَهُ﴾ و ﴿وَثَاقَهُ﴾: لله تعالى. والمعنى: أنه الله يتولى عذاب الكفار ولا يَكِله إلى أحد. ومن قرأ بالفتح: فالضمير للإنسان؛ أي: لا يعذَّب أحد مثل عذابه، ولا يوثَق أحد مثل وثاقه. وهذه قراءة الكسائي، وروي أن أبا عمروٍ رجع إليها، وهي قراءة حسنة، وقد رويت عن رسول الله ﷺ (١). ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ أي: الموقنة يقينًا قد اطمأنت به، بحيث لا يتطرَّق إليها شك في الإيمان. وقيل: المطمئنة: التي لا تخاف حينئذ، ويؤيد هذا: قراءة أبي بن كعب: «يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة». ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ هذا الخطاب والنداء يكون: عند الموت. وقيل: عند البعث.

стр. 2910

وقيل: عند انصراف الناس إلى الجنة أو النار. والأول أرجح؛ لما روي أن أبا بكر سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال له: «يا أبا بكر إن الملك سيقولها لك عند موتك» (١). ﴿رَاضِيَةً﴾ معناه: راضية بما أعطاك الله، أو راضية عن الله. ومعنى المرضية: مرضية عند الله، أو أرضاها الله بما أعطاها. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ أي: ادخلي في جملة عبادي الصالحين. وقرئ: ﴿فَادْخُلِي فِي عَبْدِي﴾ بالتوحيد، ومعناه: ادخلي في جسده وهو خطاب للنفس. ونزلت هذه الآية في حمزة. وقيل: في خُبيب بن عَدِيّ الذي صلبه الكفار بمكة. ولفظها يعم كل نفس مطمئنة.
следующие страницы →