﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ توبيخٌ.
﴿بِمَا فَتَحَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
بما حكم عليهم من العقوبات.
وبما في كتبهم من ذكر محمد ﷺ .
وبما فتح الله عليهم من الخير والإنعام.
وكلُّ وجهٍ حجةٌ عليهم؛ ولذلك قالوا: ﴿لِيُحَاجُّوكُم بِهِ﴾.
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: في الآخرة.
وقيل: أي: في حكم ربكم وما أنزل في كتابه؛ فعنده بمعنى: حكمه.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ من بقية كلامهم؛ توبيخًا لقومهم.
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية: من كلام الله؛ ردًّا عليهم، وفضيحةً لهم.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: لا يقرؤون ولا يكتبون؛ فهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾.
والمراد: قوم من اليهود. وقيل: من المجوس؛ وهذا غير صحيح؛ لأن الكلام كلَّه مع اليهود.
﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ تلاوةً بغير فهم، أو أكاذيب، أو ما تتمناه النفس.
﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ تحقيق لافترائهم.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عرَضَ الدنيا؛ من الرئاسة، أو (١) الرشوة، وشبه ذلك.
стр. 317
﴿يَكْسِبُونَ﴾ من الدنيا، أو من الذنوب.
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أربعين يومًا عددَ عبادتهم العجل.
وقيل: سبعة أيام.
﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ الآيةَ: تقريرٌ يقتضي إبطال قولهم.
﴿بَلَى﴾ تحقيقٌ:
لطول مكثهم في النار.
أو لقولهم ما لا يعلمون.
﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيةُ في الكفار؛ لأنها ردٌّ على اليهود، ولقوله بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة في النار.
وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهمّ: فقدَّم الوالدين؛ لحقّهما الأعظم، ثم القرابة؛ لأن فيهم أجرُ الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى؛ لقلة حيلتهم، ثم المساكين.
﴿لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا يسفك بعضكم دم بعض.
وإعرابه: مثل: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾.
﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يخرج بعضكم بعضًا.
﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق، واعترفتم بلزومه.
﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بأخذ الميثاق عليكم.
﴿هَؤُلاء﴾ منصوب -على التخصيص- بفعل مضمر.
وقال ابن الباذش (١): مبتدأ، وخبره ﴿أَنتُمْ﴾، و ﴿تَقْتُلُونَ﴾ حالٌ لازمة تمّ بها المعنى (٢).
﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنَّضير حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، وينفيه من موضعه إذا ظفر به.
﴿تَظَّاهَرُونَ﴾ أي: تتعاونون.
стр. 320
﴿تُفَادُوهُم﴾ قرئ: بالألف وبحذفها؛ والمعنى واحد.
وكذلك ﴿أُسَارَى﴾ بالألف وحذفها؛ جمع أسير.
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾ الضمير: للإخراج من ديارهم، و ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مُحَرَّمٌ﴾، و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ بدل.
أو: الضمير للأمر والشأن، و ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبره، والجملة خبر الضمير.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ فداؤهم الأسارى؛ موافقةً لما في كتابهم (١).
﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ القتلُ والإخراج من الديار؛ مخالفةً لما في كتابهم.
﴿خِزْيٌ﴾ الجزية، أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلقٌ.
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل. وقيل: الإنجيل. وقيل: الاسم الذي كان يُحيي به الموتى.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]، ولقوله ﷺ لحسان: «اللهم أيِّده بروح القدس» (١).
﴿تَقْتُلُونَ﴾ جاء مضارعًا مبالغةً؛ لأنه أريد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد ﷺ لولا أن الله عصمه.
﴿غُلْفٌ﴾ جمع أغلف؛ أي: عليها غلاف -وهو الغشاء- فلا تَفْقَهُ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ردٌّ عليهم، وبيانُ أن عدم فهمهم بسبب كفرهم.
﴿فَقَلِيلًا﴾ أي: إيمانًا قليلًا يؤمنون، و ﴿مَا﴾ زائدة.
ويجوز أن تكون القلة:
بمعنى العدم.
أو على أصلها؛ لأن من دخل منهم في الإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض.
﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هو القرآن.
﴿مُصَدِّقٌ﴾ تقدَّم أن له ثلاثة معانٍ (٢).
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي يستنصرون (٣) على المشركين؛ إذا قاتلوهم قالوا:
стр. 323
«اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان». ويقولون لأعدائهم من المشركين: «قد أظلَّ زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتلَ عادٍ وإرم».
وقيل: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يَعْرِفُونَ الناس بالنبي ﷺ ؛ فالسين -على هذا- للمبالغة؛ كالسين في: استعجب واستسخر (١).
وعلى الأول: للطلب.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عَرَفُوا﴾ القرآن، والإسلام، ومحمد ﷺ .
قال المبرِّد: ﴿كَفَرُوا﴾ جواب «لما» الأولى والثانية، وأعيدت الثانية لطول الكلام، ولقصد التأكيد.
وقال الزَّجَّاج: ﴿كَفَرُوا﴾ جواب «لما» الثانية، وحُذف جواب الأولى؛ للاستغناء عنه بذلك.
وقال الفرَّاء: جواب «لما» الأولى: ﴿فَلَمَّا﴾، وجواب الثانية: ﴿كَفَرُوا﴾.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: عليهم؛ يعني: اليهودَ، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ ليدلَّ أن اللعنة بسبب كفرهم.
واللام:
للعهد.
أو للجنس؛ فيدخلون فيها مع غيرهم من الكفار.
стр. 324
﴿بِئْسَمَا﴾ فاعلُ «بئس» مضمر، و «ما» مفسِّرة له، و ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ هو المذموم.
وقال الفَرَّاء: ﴿بِئْسَمَا﴾ مركب؛ كحبذا.
وقال الكسائي: «ما» مصدرية؛ أي: اشتراؤهم؛ فهي فاعلة.
﴿اشْتَرَوْا﴾ هنا بمعنى: باعوا.
﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ في موضع خبر ابتداء.
أو: مبتدأ؛ كاسم المذموم في «بئس».
أو: مفعول من أجله.
أو: بدل من الضمير في ﴿بِهِ﴾.
﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ القرآن، أو التوراة؛ لأنهم كفروا بما فيها من ذكر محمد ﷺ .
﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ في موضع مفعول من أجله.
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ القرآن، والرسالة.
﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: محمدًا ﷺ .
والمعنى: أنهم إنما كفروا حسدًا لمحمد ﷺ لما تفضَّل الله عليه بالرسالة.
﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: بغضب؛ لكفرهم بمحمد ﷺ على غضب: لكفرهم بعيسى ﵇.
стр. 325
أو لعبادتهم العجل.
أو لقولهم: عزير ابن الله.
ولغير ذلك من قبائحهم.
﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ القرآن.
﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ التوراة.
﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما بعده؛ وهو القرآن.
﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ ردٌّ عليهم فيما ادَّعوا من الإيمان بالتوراة، وتكذيبٌ لهم.
وذكر الماضي بلفظ المستقبل إشارةً إلى ثبوته؛ فكأنه دائمٌ لمَّا رضي هؤلاء به.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرطيةٌ؛ بمعنى القدح في إيمانهم، وجوابها يدل عليه ما قبل.
أو نافيةٌ؛ فيوقف قبلها.
والأول أظهر.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: المعجزات؛ كالعصا، وفَلْق البحر، وغير ذلك.
﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ ذُكر هنا على وجه الذمّ لهم، والإبطال لقولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾.
وكذلك رفعُ الطور.
وذُكر قبل هذا على وجه تعداد النِّعم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]،
стр. 326
و ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤].
وعطفه بـ «ثُمَّ» في الموضعين؛ إشارةٌ إلى قبح ما فعلوه من ذلك.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ الضمير لموسى ﵇؛ أي: من بعد غيبته في مناجاة الله على جبل الطور.
﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك.
ويحتمل أنَّ (١) قالوه: بلسان المقال، أو بلسان الحال.
﴿وَأُشْرِبُوا﴾ عبارةٌ عن تمكُّن حُب العجل من قلوبهم؛ فهو مجاز، تشبيهًا بشرب الماء، أو بشرب الصِّبْغ في الثوب.
وفي الكلام محذوف؛ أي: أُشربوا حُبَّ العجل.
وقيل: إن موسى برَدَ العجل بالمِبرَدِ، ورمى بُرَادته في الماء فشربوه؛ فالشُّرب على هذا حقيقة.
ويردُّ هذا قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾.
﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ الباء: سببيَّةٌ للتعليل، أو بمعنى المصاحبة.
﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ إسنادُ الأمر إلى إيمانهم مجازٌ؛ على وجه التَّهكُّمِ؛ كقوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧].
وكذلك إضافة الإيمان إليهم.
و ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: شرطٌ، أو نفيٌ.
стр. 327
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ بالقلب واللسان، أو باللسان خاصةً.
وذلك أمرٌ على وجه التعجيز والتبكيت؛ لأنه مَنْ علم أنه من أهل الجنة اشتاق إليها.
وورد: أنهم لو تمنوا الموت لماتوا في الحين.
وقيل: إن ذلك معجزة للنبي ﷺ دامت طول حياته.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ إن قيل: لم قال في هذه السورة: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾، وفي سورة «الجمعة»: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ فنفى هنا بـ «لن» وفي الجمعة بـ «لا»؟
فقال شيخنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير: الجواب: أنه لما كان الشرط في «البقرة» مستقبلًا وهو قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ = جاء جوابه بـ «لن» التي تخلّص الفعل للاستقبال، ولما كان الشرط في «الجمعة» حالًا وهو قوله: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ = جاء جوابه بـ «لا» التي تدخل على الحال، وقد تدخل على المستقبل (١).
﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم وكفرهم.
﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ تهديدٌ لهم.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون عطفًا على ما قبله؛ فيوصل به.
والمعنى: أن اليهود أحرصُ على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا،
стр. 328
فَحُمِلَ على المعنى؛ كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا.
وخصَّ الذين أشركوا بالذكر بعد دخولهم في عموم الناس؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فأفرط حبُّهم للحياة الدنيا.
والآخر: أن يكون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ابتداءَ كلامٍ؛ فيوقف على ما قبله.
والمعنى: من الذين أشركوا قومٌ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، فحُذِفَ الموصوف.
وقيل: أراد به المجوس؛ لأنهم يقولون لملوكهم: «عِشْ ألف سنة».
والأول أظهر؛ لأن الكلام إنما هو في اليهود، وعلى الثاني يَخْرُجُ الكلام عنهم.
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ الآية: فيها وجهان:
أحدهما: أن يكون ﴿هُوَ﴾ عائدًا على ﴿أَحَدُهُمْ﴾، و ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعل بـ ﴿مُزَحْزِحِهِ﴾.
والآخر: أن يكون ﴿هُوَ﴾ للتعمير، و ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدل.
* * *
والمعنى: الردُّ على اليهود بأحد وجهين:
أحدهما: من كان عدوًّا لجبريل فلا ينبغي له أن يعاديه؛ لأنه نزَّله على قلبك؛ فهو مستحق للمحبة، ويؤكد هذا قوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾.
والثاني: من كان عدوًّا لجبريل فإنما عاداه لأنه نزَّله على قلبك، فكأنَّ هذا تعليلٌ لعداوتهم لجبريل.
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ذُكِرَا بعد الملائكة تجريدًا؛ للتشريف والتعظيم.
﴿أَوَكُلَّمَا﴾ الواو: للعطف.
وقال الأخفش: زائدة.
﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُم﴾ نزلت في مالك بن الصَّيْف اليهودي، وكان قد قال: والله ما أُخذ علينا عهدٌ أن نؤمن بمحمد.
﴿رَسُولٌ﴾ يعني: محمّدًا ﷺ .
﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن، أو التوراة؛ لما فيها من ذكر محمد ﷺ .
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي: اليهود الذين في زمان محمد ﷺ ، أو المتقدّمون.
﴿مَا تَتْلُو﴾ هو مِنْ: القراءة، أو الاتّباع.
﴿عَلَى مُلْكِ﴾ أي: في ملك، أو على عهدِ ملك سليمان.
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تبرئةٌ له مما نسبوه إليه؛ وذلك أن سليمان ﵇ دفن السحر ليُذهبه، فأخرجوه بعد موته، ونسبوه إليه، وقالت اليهود: إنما كان سليمان ساحرًا.
стр. 331
وقيل: إنَّ الشياطين استرقوا السمع وألقوه إلى الكهان، فجمع سليمان ما كتبوا من ذلك ودفنه، فلما مات قالوا: ذلك علم سليمان.
﴿الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ بتعليم (١) السحر، أو بالعمل به، أو بنسبته إلى سليمان ﵇.
﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾ نفي.
أو: عطف على: ﴿السِّحْرَ﴾.
أو: على: ﴿مَا تَتْلُو﴾.
﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ إن كانت «ما» نافيةً: فذلك تبرئةٌ لهما من إنزال السحر عليهما.
إلَّا أن ذلك يردُّه آخر الآية.
وإن كانت معطوفةً بمعنى «الذي» فالمعنى: أنهما أُنزِل عليهما ضربٌ من السحر؛ ابتلاءً من الله لعباده، أو ليُعرف فيُحذر منه.
وقرئ: ﴿الْمَلِكَيْنِ﴾ بكسر اللام؛ وقال الحسن: هما عِلْجان، فعلى هذا: يتعيَّن أن تكون «ما» غير نافية.
﴿بِبَابِلَ﴾ موضعٌ معروف.
﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان عَلَمان.
وهما: بدل من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾، أو عطف بيان.
стр. 332
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي محنةٌ؛ وذلك تحذيرٌ من السحر.
﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ أي بتعلُّم السحر.
ومن هنا أخذ مالكٌ أن الساحر يقتل كفرًا.
﴿يُفَرِّقُونَ﴾ زوال العصمة، أو المنع من الوطء.
﴿يَضُرُّهُمْ﴾ أي: في الآخرة.
﴿عَلِمُوا﴾ أي: اليهود، أو الشياطين.
﴿اشْتَرَاهُ﴾ أي: اشتغل به، وذكر الشراء؛ لأنهم كانوا يُعطون الأجرة عليه.
﴿شَرَوْا﴾ هنا بمعنى: باعوا.
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ من الثواب؛ وهو جواب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾.
وإنما جاء جوابُها بجملة اسمية، وعدل عن الفعلية؛ لما في ذلك من الدَّلالة على إثبات الثواب واستقراره.
وقيل: الجواب محذوف؛ أي: لأثيبوا.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ في الموضعين: نفيٌ لعلمهم.
فإن قيل: كيف نفاه وقد أثبته في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؟
فالجواب: أنهم لم ينفعهم علمُهم؛ فكأنهم لم يعلموا (١).
стр. 333
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾].
﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ : يا رسول الله راعنا؛ وذلك من المراعاة، أي: راقبنا وانظرنا، فكان اليهود يقولونها ويعنون بها: معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي ﷺ ، وربما كانوا ينونونها على معنى النداء، فنهى الله المسلمين أن يقولوا هذه الكلمة؛ لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون وما قصده اليهود، فالنهي سدًّا (١) للذريعة.
وأمروا أن يقولوا: ﴿انظُرْنَا﴾؛ لخلوّه عن ذلك الاحتمال المذموم؛
стр. 334
وهو من النظر، أو الانتظار.
وقيل: إنما نُهي المسلمون عنها؛ لما فيها من الجفاء وقلَّة التوقير.
﴿وَاسْمَعُوا﴾ عطف على ﴿وَقُولُوا﴾، لا على معمولها.
والمعنى: الأمر بالطاعة والانقياد.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جنس يعمُّ نوعين: أهل الكتاب، والمشركين من العرب؛ ولذلك فسَّره بهما.
ومعنى الآية: أنهم لا يحبُّون أن ينزل الله خيرًا على المسلمين.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ «من»: للتبعيض. وقيل: زائدة؛ لتقدُّم النفي في قوله: ﴿مَا يَوَدُّ﴾.
﴿بِرَحْمَتِهِ﴾ قيل: القرآن. وقيل: النبوة. والعموم أولى.
ومعنى الآية: الردُّ على من كره الخير للمسلمين.
﴿مَا نَنْسَخْ﴾ أي: نُزِيل حكمه ولفظه، أو أحدهما.
وقرئ: بضم النون؛ أي: نأمر بنسخه.
﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ من النسيان؛ وهو ضدُّ الذكر، أي: ينساها النبي ﷺ بإذن الله؛ كقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧].
أو بمعنى الترك؛ أي:
نتركها غير منزلةٍ.
أو غير منسوخة.
стр. 335
وقرئ بالهمز: بمعنى التأخير؛ أي: نؤخِّر إنزالها، أو نسخها.
﴿بِخَيْرٍ﴾ في خفَّة العمل، أو في الثواب، أو أعمُّ.
﴿قَدِيرٌ﴾ استدلالٌ على جواز النسخ؛ لأنه من المقدورات، خلافًا لليهود -لعنهم الله-؛ فإنهم أحالوه على الله.
وهو جائز عقلًا، وواقع شرعًا؛ فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها.
﴿تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ أي: تطلبوا منه الآيات.
ويحتمل السؤال عن العلم.
والأول أرجح؛ لما بعده، فإنه شبَّه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣].
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: تمنَّوا.
ونزلت الآية في حُيَي بن أخطب، وأخيه أبي ياسر، وأشباههما من اليهود، الذين كانوا يحرصون على فتنة المسلمين، ويطمعون أن يردُّوهم عن الإسلام.
﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ من أجله، أو مصدرٌ في موضع الحال، والعامل فيه ما قبله؛ فيجب وصله معه.
وقيل: هو مصدر، والعامل فيه محذوف تقديره: يحسدونكم حسدًا؛ فعلى هذا يوقف على ما قبله.
والأول أظهر وأرجح.
стр. 336
﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ يتعلَّق بـ ﴿حَسَدًا﴾. وقيل: بـ ﴿وَدَّ﴾.
﴿فَاعْفُوا﴾ منسوخٌ بالسيف.
﴿بِأَمْرِهِ﴾ يعني: إباحةَ قتالهم، أو وصولَ آجالهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ الآية: أي: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلَّا من كان يهوديًّا، وقالت النصارى: لن يدخلها إلَّا من كان نصرانيًّا.
﴿هُودًا﴾ يعني: اليهود، وهذه الكلمة: جمع هائد، أو مصدر وصف به. وقال الفرَّاء: حذفت منه ياءُ «يهودٍ» على غير قياس.
﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾ أكاذيبهم، أو ما يتمنَّونه.
﴿هَاتُوا﴾ أمرٌ على وجه التعجيز، والردِّ عليهم؛ وهو من: هاتي يُهاتي، ولم يُنطَق به. وقيل: أصله: آتُوا، وأُبدل من الهمزة هاء.
﴿بَلَى﴾ إيجاب لما نَفَوا؛ أي: يدخلها من ليس يهوديًّا، ولا نصرانيًّا.
﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: دخل في الإسلام، أو أخلص.
وذكَر الوجه لشرفه، والمراد: جملة الإنسان.
﴿مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ قريشٌ منعت الكعبة، أو النصارى منعوا بيت المقدس، أو على العموم.
﴿خَائِفِينَ﴾ في حق قريش: قوله ﷺ : «لا يحج بعد هذا العام مشرك» (١).
وفي حق النصارى: ضَرْبُهم عند بيت المقدس، أو الجزية.
﴿خِزْيٌ﴾ في حق قريش: غَلَبَتُهم وفتح مكة.
وفي حق النصارى: فتح بيت المقدس، أو الجزية (٢).
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ في الحديث الصحيح: أنهم صلَّوا ليلةً في سفر إلى غير القبلة بسبب الظلمة؛ فنزلت (٣).
وقيل: هي في تنفُّل المسافر حيثما توجَّهت به دابته.
وقيل: هي راجعة إلى ما قبلها؛ أي: إن مُنعتم من مساجد الله فصلوا حيث كنتم.
وقيل: إنها احتجاجٌ على من أنكر تحويل القبلة؛ فهي كقوله بعد هذا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] الآية.
والقول الأوَّل هو الصحيح؛ ويؤخذ منه: أن من أخطأ القبلة فلا تجب الإعادة عليه، وهو مذهب مالك.
стр. 339
﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ المراد به هنا: كقوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] أي: رضاه.
وقيل: معناه الجهة التي وَجَّهنا إليها.
وأما قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] و ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]: فهو من المتشابه الذي يجب التسليم له من غير تكييف، ويُرَدُّ علمه إلى الله.
وقال الأصوليون: هو عبارة عن الذات، أو عن الوجود.
وقال بعضهم: هو صفة ثابتة بالسمع (١).
стр. 340
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ﴾ قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت الصابئون وبعض العرب: الملائكة بنات الله.
﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ له عن قولهم.
﴿بَلْ لَهُ﴾ الآية: ردٌّ عليهم؛ لأن الكلَّ مُلكه، والعبودية تنافي البنوَّة.
﴿قَانِتُونَ﴾ أي: طائعون منقادون.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مخترعها وخالقها ابتداءً.
﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قدَّره، أو أمضاه.
قال ابن عطية: «يتَّجه في الآية المعنيان؛ فعلى مذهب أهل السنة: قدَّر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة: أمضى عند الخلق والإيجاد» (١).
قلت: لا يكون ﴿قَضَى﴾ هنا بمعنى قدَّر؛ لأن القدَر قديم، و «إذا» تقتضي الحدوث والاستقبال؛ وذلك يناقض القِدَم. وإنما ﴿قَضَى﴾ هنا بمعنى:
стр. 341
أَمضى أو فعل أو أوجد؛ كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] (١).
وقد قيل: إنه بمعنى حتّم الأمر، أو بمعنى حكم.
والأمر هنا: بمعنى الشيء (٢)، وهو واحد الأمور، وليس بمصدر: أمر يأمر.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ قال الأصوليون: إن هذا عبارة عن نفوذ قدرة
стр. 342
الله تعالى، وليس بقولٍ حقيقي؛ لأنه إن كان قول: ﴿كُنْ﴾ خطابًا للشيء في حال عدمه لم يصحَّ؛ لأن المعدوم لا يخاطب، وإن كان خطابًا للشيء في حال وجوده لم يصحَّ؛ لأنه قد كان، وتحصيل الحاصل غير مطلوب.
وحملَهُ المفسِّرون على حقيقته، وأجابوا عن ذلك بأربعة أوجه:
أحدها: أن الشيء الذي يقول الله له: ﴿كُنْ﴾ هو موجودٌ في علم الله؛ وإنما يقول له: ﴿كُنْ﴾ ليخرجه إلى العيان لنا.
والثاني: أن قول: ﴿كُنْ﴾ لا يتقدَّم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه. قاله الطبري (١).
والثالث: أن ذلك خطابٌ لمن كان موجودًا على حالة، فيؤمر بأن يكون على حالة أخرى، كإحياء الموتى، ومسخ الكفار. وهذا ضعيف؛ لأنه تخصيص من غير مخصِّص.
والرابع: أن معنى: ﴿يَقُولُ لَهُ﴾: يقول من أجله؛ فلا يلزم خطابه.
والأوَّل أحسن هذه الأجوبة.
وقال ابن عطية: «تلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله لم يزل آمرًا للمعدومات بشرط وجودها، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال: فهو بحسب المأمورات؛ إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن» (٢)(٣).
стр. 343
﴿فَيَكُونُ﴾ رُفِعَ على الاستئناف.
قال سيبويه: معناه: فهو يكونُ.
وقال غيره: ﴿فَيَكُونُ﴾ عطفٌ على ﴿يَقُولُ﴾، واختاره الطبري (١).
قال ابن عطية: «وهو فاسدٌ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود» (٢).
وفي هذا نظر.
стр. 344
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم هنا وفي الموضع الأول: كفارُ العرب على الأصحّ.
وقيل: هنا هم اليهود والنصارى.
﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ يعني: اليهود والنصارى على القول بأن ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كفارُ العرب.
وأما على القول بأن ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ اليهودُ والنصارى: فالذين من قبلهم هم أمم الأنبياء المتقدمين.
﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ لولا هنا: عَرْض، والمعنى: أنهم قالوا: لن نؤمن حتى يكلّمنَا الله، أو تأتينا آية؛ أي: دلالةٌ من المعجزات؛ كقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] وما بعده.
﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الضمير لـ ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ولـ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾.
وتشابهُ قلوبهم: هو في الكفر، أو في طلب ما لا يصحُّ أن يُطلَب؛ وهو قولهم (١): ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾.
﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ أخبر تعالى أنه قد بيَّن الآيات الدالةَ على وحدانيته، وعلى صدق رسوله ﷺ ، فكيف تُطلَب الآيات بعد بيانها؟، ولكن إنما فهمها الذين يوقنون؛ فلذلك خصَّهم بالذكر، بخلاف الكفار المعاندين؛ فإنهم لا تنفعهم الآيات؛ لعنادهم.
стр. 345
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ خطاب لمحمد ﷺ .
والمراد بالحق: التوحيد، وكل ما جاءت به الشريعة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تبشر المؤمنين بالجنة، وتنذر الكفار بالنار، وهذا معناه حيث وقع.
﴿وَلَا تَسْأَلْ﴾ بالجزم: نهي.
وسببها: أن النبي ﷺ سأل عن حال آبائه في الآخرة فنزلت.
وقيل: إن ذلك على معنى التهويل؛ كقولك: «لا تسأل عن (١) فلان»؛ لشدة حاله.
وقرأ غير نافع: بضم التاء واللام؛ أي: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ في القيامة عن ذنوبهم.
﴿مِلَّتَهُمْ﴾ ذُكرت مفردة وإن كانت ملتين؛ لأنهما متفقتان في الكفر، فكأنهما ملة واحدة.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ ردّ على اليهود والنصارى، والمعنى: أنَّ الذي أنت عليه يا محمد هو الهدى الحقيقي؛ لأنه هدى من عند الله، بخلاف ما يدّعيه اليهود والنصارى.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جمع هوى، ويعني به: ما هم عليه من الأديان الفاسدة، والأقوال المضلة؛ لأنهم اتبعوها بغير حجة، بل بهوى النفوس.
стр. 346
والضمير: لليهود والنصارى.
والخطاب: لمحمد ﷺ ، وقد عَلِمَ الله أنه لا يتبع أهواءهم، ولكن قال ذلك على وجه التهديد لو وقع ذلك؛ فهو على معنى الفرض والتقدير.
ويحتمل أن يكون خطابًا له ﷺ ، والمراد غيرُه.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: المسلمين؛ و ﴿الْكِتَابَ﴾ -على هذا-: القرآن.
وقيل: هم من أسلم من بني إسرائيل؛ و ﴿الْكِتَابَ﴾ -على هذا-: التوراة.
ويحتمل العموم؛ ويكون ﴿الْكِتَابَ﴾: اسم جنس.
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أي: يقرؤونه كما يجب من التدبُّر له، والعمل به.
وقيل: معناه يتَّبعونه حق اتباعه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
والأول أظهر؛ فإن التلاوةَ، وإن كانت تقال بمعنى القراءة، وبمعنى الاتّباع؛ فإنها أظهر في معنى القراءة (١)، لا سيما إذا كانت تلاوةً للكتاب.
ويحتمل أن تكون هذه الجملة: في موضع خبر ﴿الَّذِينَ﴾؛ فيتمُّ الكلام، ويوقَف عليها.
ويحتمل أن تكون هذه الجملة: في موضع الحال، ويكون الخبر ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وهذا أرجح؛ لأنَّ مقصودَ الكلام الثناءُ عليهم بالإيمان، أو إقامةُ الحجة بإيمانهم على غيرهم ممن لم يؤمن.
العانة، والختان، والاستنجاء.
وقيل: هي ثلاثون خصلةً؛ عشرٌ ذُكرت في «براءة» من قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾، وعشرٌ في «الأحزاب» من قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، وعشرٌ في «المعارج» من قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾.
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: عَمِلَ بهنَّ.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ استفهامٌ، أو رغبة.
﴿عَهْدِي﴾ الإمامة (١).
﴿الْبَيْتَ﴾ الكعبة.
﴿مَثَابَةً﴾ اسم مكان؛ من قولك: ثاب: إذا رجع؛ لأنَّ الناس يرجعون إليه عامًا بعد عام.
﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بالفتح: إخبارٌ عن المتَّبعين لإبراهيم ﵇.
وبالكسر: أمرٌ لهذه الأمَّة، وافق قولَ عمر ﵁: «لو اتخذتَ من مقام إبراهيم مصلَّى» (٢).
وقيل: أمرٌ لإبراهيم وشيعته.
وقيل: لبني إسرائيل؛ فهو - على هذا - عطفٌ على قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِي﴾؛ وهذا بعيد.
стр. 349
﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو الحَجَر الذي صَعِد به (١) حين بنى الكعبة.
وقيل: المسجد الحرام.
﴿وَعَهِدْنَا﴾ عبارةٌ عن الأمر والوصية.
﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ عبارةٌ عن بُنيانِه بنيَّةٍ خالصةٍ؛ كقوله: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨].
وقيل: المعنى طهّراه من عبادة الأصنام.
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ هم الذين يطوفون بالكعبة. وقيل: الغرباء القادمون على مكة. والأول أظهر.
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ هم المعتكفون (٢). وقيل: المصلّون. وقيل: المجاورون من الغرباء. وقيل: أهل مكة.
والعكوف في اللغة: اللُّزوم.
﴿بَلَدًا﴾ يعني: مكةَ.
﴿آمِنًا﴾ أي: مما يصيب غيرَه من الخسف والعذاب.
وقيل: آمنًا من إغارة الناس على أهله؛ لأنَّ العرب كان يُغير بعضهم على بعض، وكانوا لا يتعرَّضون لأهل مكة، وهذا أرجح؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
стр. 350
جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
فإن قيل: لم قال في «البقرة»: ﴿هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ وفي «إبراهيم»: ﴿هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، فعرَّف البلد في «إبراهيم» ونكّره في «البقرة»؟
فعن ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ:
الجواب الأول: قاله أستاذُنا الشيخُ أبو جعفرِ بنُ الزبيرِ، وهو أنه تقدَّمَ في «البقرة» ذِكْرُ البيتِ في قولهِ: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (١)، وذِكْرُ البيتِ يقتضي بالملازمةِ ذِكْرَ البلدِ الذي هو فيهِ، فلم يحتجْ إلى تعريفهِ، بخلافِ آيةِ «إبراهيم»؛ فإنهُ لم يتقدَّمْ قَبْلَها ما يقتضي ذِكْرَ البلدِ، ولا المعرفةَ بهِ، فذكَرَه بلامِ التعريفِ.
الجواب الثاني: قاله السهيليُّ، وهو أن النبيَّ ﷺ كان بمكة حين نزلت آية «إبراهيم»؛ لأنها مكيَّةٌ، فلذلك قال فيه: ﴿الْبَلَدَ﴾ بلام التعريف التي للحضور؛ كقولك: «هذا الرجل» وهو حاضرٌ، بخلاف آية «البقرة»؛ فإنها مدنيَّةٌ، ولم تكن مكةُ حاضرةً حين نزولها، فلم يعرِّفها بلام الحضور.
وفي هذا نظر؛ لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم ﵇، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة.
الجواب الثالث: قاله بعض المشارقة (٢)، أنه قال: ﴿هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ قبل
стр. 351
أن يكون بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا الموضع بلدًا آمنًا، وقال: ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ بعد ما صار بلدًا.
وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين؛ والظاهر أنه مرة واحدة، حُكي لفظه فيها على وجهين.
﴿مَنْ آمَنَ﴾ بدل بعض من كل.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: قال الله: وأرزق من كفر؛ لأن الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر.
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ﴾ على حذف القول؛ أي: يقولان ذلك.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي: عَلّمْنا مواضع الحج. وقيل: العبادات.
﴿فِيهِمْ﴾ أي: في ذريتنا.
﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هو محمد ﷺ ؛ ولذلك قال ﷺ : «أنا دعوة إبراهيم» (١).
والضمير المجرور: لذرية إبراهيم وإسماعيل، وهم العرب الذين من نسل عدنان.
وأما الذين من نسل قحطان فاختلف هل هم من ذرية إسماعيل أم لا؟
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: السنة.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يطهرهم من الكفر والذنوب.
﴿وَيَعْقُوبُ﴾ بالرفع: عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾؛ فهو مُوصٍ.
وقرئ بالنصب: عطفًا على ﴿بَنِيهِ﴾؛ فهو مُوصًى.
﴿أَمْ كُنتُمْ﴾ «أم» هنا منقطعة، معناها الاستفهام والإنكار.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ كان عمه؛ والعم يسمى أبًا.
﴿وَقَالُوا كُونُوا﴾ أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى.
﴿بَلْ مِلَّةَ﴾ منصوب بإضمار فعل.
﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ أي: لا نؤمن بالبعض دون البعض، وهذا برهانٌ؛ لأن كل من أتى بالمعجزة فهو نبيّ، فالكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم تناقض.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ وعدٌ ظهر مصداقُه بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النَّضير، وغير ذلك.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي دينه، وهو استعارةٌ من صبغ الثوب وغيره.
ونصبه:
على الإغراء.
أو على المصدر من المعاني المتقدمة.
أو بدل من: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿كَتَمَ شَهَادَةً﴾ هي الشهادة بأن الأنبياء على الحنيفية.
стр. 354
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يتعلق:
بـ ﴿كَتَمَ﴾.
أو بـ ﴿عِندَهُ﴾؛ كأنَّ المعنى: شهادة تخلَّصت له من الله.
* * *
стр. 355
[﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾].
﴿سَيَقُولُ﴾ ظاهرهُ: الإعلام بقولهم قبل وقوعه.
إلَّا أن ابن عباس قال: نزلت بعد قولهم.
﴿السُّفَهَاءُ﴾ هنا: اليهود، أو المشركون، أو المنافقون.
﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ أي: ما ولَّى المسلمين عن قبلتهم الأولى -وهي بيت المقدس- إلى الكعبة؟.
﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ﴾ الآية: ردٌّ عليهم بأن الله يحكم ما يريد، ويولِّي عباده حيث شاء؛ لأن الجهات كلَّها له.