فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه لم ينكر عليه ذكره للإكرام، وإنما أنكر عليه ما يدل عليه كلامه من الفخر وقلة الشكر، أو من اعتبار الدنيا دون الآخرة حسبما ذكرنا في معنى الإنكار.
الثاني: أنه أنكر عليه قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ إذا اعتقد إنَّ إكرام الله له باستحقاقه للإكرام، لا على وجه التفضُّل والإنعام، كقول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
الثالث: أن الإنكار إنما هو لقوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾، لا لقوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾؛ فإن قوله: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ اعتراف بنعمة الله، وقوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ شكاية من فعل الله.
﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ أي: ضيقه.
وقرئ بتشديد الدال وتخفيفها بمعنى واحد، وفي التشديد مبالغة.
وقيل: معنى التشديد: جعله على قدر معلوم.
﴿كَلَّا﴾ زجرٌ عما أنكر من قول الإنسان.
﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ هذا ذمٌّ لما ذكر من الأعمال القبيحة.
ومعنى هذا الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾: كأنه أنكر على الإنسان ما تقدم، ثم قال: بل تفعلون ما هو شر من ذلك، وهو أن لا تكرموا اليتيم وما ذكر بعده.
قال رسول الله ﷺ : «أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم» (١).
стр. 2907
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ الحض على الأمر: هو الترغيب فيه، ومن لا يحض غيره على أمر فلا يفعله هو، فكأنه ذم لترك طعام المسكين.
والطعام هنا: بمعنى الإطعام.
وقيل: هو على حذف مضاف تقديره: لا تحضون على بذل طعام المسكين.
وقرئ ﴿تَحَاضُّونَ﴾ بفتح الحاء وألف بعدها، بمعنى لا يحضُّ بعضكم بعضًا.
﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ التراث: ما يُورث عن الميت من المال، والتاء فيه بدل من واو.
واللَّمُّ: الجمع واللف.
والتقدير: أكلًا ذا لمّ، وهو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره؛ لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أنثى ولا صغيرًا، بل ينفرد به الرجال.
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ أي: شديدًا كثيرًا، وهذا ذم للحرص على المال وشدة الرغبة فيه.
﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ﴾ أي: سُوِّيَت بذهاب جبالها.
﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أي: دكًّا بعد دكّ، كما تقول: تعلمت العلم بابًا بابًا.
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ تأويله عند المتأولين: جاء أمره وسلطانه.
وقال المنذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق هنالك.
стр. 2908
وهذه الآية وأمثالها من المشكلات التي يجب الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل (١).
﴿وَالْمَلَكُ﴾ هو اسم جنس، فإنه روي أن الملائكة كلهم يكونون صفوفًا حول الأرض.
﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أي: صفًّا بعد صف، قد أحدقوا بالجن والإنس.
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قال رسول الله ﷺ : «يؤتى يومئذ بجهنم معها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها» (٢).
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿إِذَا دُكَّتِ﴾، و ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ هو العامل، وهو جواب ﴿إِذَا دُكَّتِ﴾.
والمعنى: أن الإنسان يتذكر يوم القيامة لأعماله في الدنيا، ويندم على تفريطه وعصيانه.
و ﴿الْإِنسَانُ﴾ هنا: جنس.
وقيل: يعني: عتبة بن ربيعة.
وقيل: أمية بن خلف.
﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ هذا على حذف تقديره: «أنى له الانتفاع بالذكرى»، كما تقول: «ندم حين لم تنفعه الندامة».
стр. 2909
﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يريد الحياة في الآخرة، فالمعنى: يا ليتني قدَّمت عملًا صالحًا للآخرة.
والآخر: أنه يريد الحياة الدنيا، فالمعنى: يا ليتني قدَّمت عملًا صالحًا وقت حياتي، فاللام على هذا كقولك: كتبتُ لعشرٍ من الشهر.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥)﴾ من قرأ بكسر الذال من ﴿يُعَذِّبُ﴾ والثاء من ﴿يُوثِقُ﴾: فالضمير في ﴿عَذَابَهُ﴾ و ﴿وَثَاقَهُ﴾: لله تعالى.
والمعنى: أنه الله يتولى عذاب الكفار ولا يَكِله إلى أحد.
ومن قرأ بالفتح: فالضمير للإنسان؛ أي: لا يعذَّب أحد مثل عذابه، ولا يوثَق أحد مثل وثاقه.
وهذه قراءة الكسائي، وروي أن أبا عمروٍ رجع إليها، وهي قراءة حسنة، وقد رويت عن رسول الله ﷺ (١).
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾ أي: الموقنة يقينًا قد اطمأنت به، بحيث لا يتطرَّق إليها شك في الإيمان.
وقيل: المطمئنة: التي لا تخاف حينئذ، ويؤيد هذا: قراءة أبي بن كعب: «يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة».
﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ هذا الخطاب والنداء يكون: عند الموت.
وقيل: عند البعث.
стр. 2910
وقيل: عند انصراف الناس إلى الجنة أو النار.
والأول أرجح؛ لما روي أن أبا بكر سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال له: «يا أبا بكر إن الملك سيقولها لك عند موتك» (١).
﴿رَاضِيَةً﴾ معناه: راضية بما أعطاك الله، أو راضية عن الله.
ومعنى المرضية: مرضية عند الله، أو أرضاها الله بما أعطاها.
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ أي: ادخلي في جملة عبادي الصالحين.
وقرئ: ﴿فَادْخُلِي فِي عَبْدِي﴾ بالتوحيد، ومعناه: ادخلي في جسده وهو خطاب للنفس.
ونزلت هذه الآية في حمزة.
وقيل: في خُبيب بن عَدِيّ الذي صلبه الكفار بمكة.
ولفظها يعم كل نفس مطمئنة.
стр. 2911
(سورة البلد)
[﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾].
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ أراد مكة باتفاق، وأقسم بها تشريفًا لها، و ﴿لَا﴾ زائدة.
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ هذه جملة اعتراض بين القسم وما بعده، وفي معناها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المعنى أنت حالٌّ (١) بهذا البلد؛ أي: ساكن؛ لأن السورة نزلت والنبي ﷺ بمكة.
والآخر: أن معنى ﴿حِلٌّ﴾: تُستحلُّ حرمتك ويؤذيك الكفار، مع أن مكة
стр. 2912
لا يحل فيها قتل صيد ولا بشرٍ، ولا قطع شجر.
وعلى هذا قيل: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ نفي؛ أي: لا أقسم بهذا البلد وأنت تلحقك فيه إذاية.
الثالث: أن معنى ﴿حِلٌّ﴾: حلالٌ، يجوز لك في هذا البلد ما شئت من قتل كافر وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو الأظهر؛ لقوله ﷺ : «إن هذا البلد حرام حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يَحِلَّ لأحد قبلي ولا يحلُّ لأحد بعدي، وإنما أُحل لي ساعة من نهار» (١)، يعني: يوم فتح مكة، وفي ذلك اليوم أمر ﷺ بقتل ابن خَطَلٍ وهو متعلق بأستار الكعبة (٢).
فإن قيل: إن السورة مكية، وفتح مكة كان عام ثمانية من الهجرة؟ فالجواب: أن هذا وعدٌ بفتح مكة، كما تقول لمن تَعِدُه بالكرامة: «أنت مُكْرَمٌ»، يعني: فيما يستقبل.
وقيل: إن السورة على هذا مدنية نزلت يوم الفتح، وهذا ضعيف.
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣)﴾ فيه خمسة أقوال:
أحدها: أنه أراد آدم وجميع ولده (٣).
الثاني: نوح وولده.
الثالث: إبراهيم وولده.
стр. 2913
الرابع: محمد ﷺ وولده.
الخامس: جنس كل والد ومولود.
وإنما قال: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ ولم يقل: «ومن ولد»؛ إشارةً إلى تعظيم المولود كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قاله الزمخشري (١).
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ أي: يكابد المشقَّات من هموم الدنيا والآخرة.
قال بعضهم: لا يكابد أحد من المخلوقات ما يكابده (٢) ابن آدم.
وأصل الكبد: من قولك: كَبِدَ الرجلُ فهو أكبد: إذا وَجِعَت كَبِدُه.
وقيل: معنى ﴿فِي كَبَدٍ﴾: واقفًا منتصب القامة، وهذا ضعيف.
و ﴿الْإِنسَانَ﴾ على هذين القولين: جنس.
وقيل: الإنسان آدم ﵇، ومعنى ﴿فِي كَبَدٍ﴾ على هذا: في السماء، وهذا ضعيف، والأول هو الصحيح.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن معناه: أيظن أن لن يقدر أحد على بعثه وجزائه.
والآخر: أيظن أن لن يقدر أحد أن يغلبه.
فعلى الأول: نزلت في جنس الإنسان الكافر.
وعلى الثاني: نزلت في رجل معيَّن، وهو أبو الأشدِّ، رجل من قريش كان شديد القوة.
стр. 2914
وقيل: عمرو بن عبد ودّ، وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة، وقتله علي ابن أبي طالب.
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦)﴾ أي: كثيرًا.
وقرئ ﴿لُبَدًا﴾ بضم اللام وكسرها، وهو جمع لُبْدَةٍ - بالضم والكسر - بمعنى الكثرة.
ونزلت الآية عند قوم في الوليد بن المغيرة؛ فإنه أنفق مالًا في إفساد أمر رسول الله ﷺ .
وقيل: في الحارث بن عامر بن نوفل، وكان قد أسلم وأنفق في الصدقات والكفارات، فقال: لقد أهلكت مالي منذ تبعت محمّدًا.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾ يحتمل أن يكون هذا:
تكذيبًا له في قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾.
أو إشارة إلى أنه أنفقه رياء.
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: طريقي الخير والشر، فهو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وليس الهدى هنا بمعنى الإرشاد.
وقيل: يعني: ثَدْيَي الأم.
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)﴾ الاقتحام: الدخول بشدَّة ومشقة.
و ﴿الْعَقَبَةَ﴾ عبارة عن الأعمال الصالحة المذكورة بعد، وجعلها عقبةً استعارة من عقبة الجبل؛ لأنها تصعب ويشق صعودها على النفوس.
стр. 2915
وقيل: هو جبل في جهنم له عقبة لا يجاوزها إلا من عمل هذه الأعمال.
و ﴿لَا﴾ هنا: تحضيض بمعنى: «هلَّا».
وقيل: هي دعاء.
وقيل: هي نافية.
واعترض هذا القول: بأن «لا» النافية إذا دخلت على الفعل الماضي لزم تكرارها.
وأجاب الزمخشري بأنها مكرَّرة في المعنى، والتقدير: فلا اقتحم العقبة ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينًا (١).
وقال الزجاج: قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على التكرار؛ لأن التقدير: فلا اقتحم العقبة ولا آمن (٢).
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾ تعظيم للعقبة، ثم فسَّرها بفك الرقبة، وهو إعتاقها، وبالإطعام.
وقرئ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾:
بضم الكاف وخفض الرقبة، وهو على هذا تفسير للعقبة.
وبفتح الكاف ونصب الرقبة، وهو تفسير لـ ﴿اقْتَحَمَ﴾.
وفك الرقبة: هو عتقها، قال رسول الله ﷺ : «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق
стр. 2916
الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار» (١).
وقال أعرابي لرسول الله ﷺ : دلني على عمل أنجو به، فقال: «فُكَّ الرقبة وأعتق النسمة»، فقال الأعرابي: أليس هذا واحدًا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها» (٢).
وأما فداء أسارى المسلمين من أيدي الكافرين فإنه أعظم أجرًا من العتق؛ لأنه واجب، ولو استغرقت فيه أموال المسلمين، ولكنه لا يجزئ في الكفارات عن عتق رقبة.
﴿أَوْ إِطْعَامٌ﴾ من قرأ ﴿فَكُّ﴾ بالرفع قرأ ﴿إِطْعَامٌ﴾، فعطف مصدرًا على مصدر.
ومن قرأ ﴿فَكَّ﴾ بالفتح قرأ ﴿أَطْعَمَ﴾ بفتح الهمزة والميم، فعطف فعلًا على فعل.
﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي: ذي مجاعة، يقال: سغب الرجلُ: إذا جاع.
﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ أي: ذا قرابة، ففيه أجر إطعام اليتيم وصلة الرحم.
﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ أي: ذا حاجة، يقال: تَرِبَ الرجل: إذا افتقر، وهو مأخوذ من لُصُوقه بالتراب.
وروي عن النبي ﷺ : أنه الذي مأواه المزابل (٣).
стр. 2917
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿ثُمَّ﴾ هنا للتراخي في الرتبة لا في الزمان، وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام.
ولا يصح أن تكون للترتيب في الزمان؛ لأنه يلزم أن يكون الإيمان بعد العتق والإطعام!، ولا يُقبل عمل إلا من مؤمن.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: وصَّى بعضهم بعضًا بالصبر على قضاء الله.
وكأن هذا إشارةً إلى صبر المسلمين بمكة على إذاية الكفار.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: وصى بعضهم بعضًا برحمة المساكين وغيرهم.
وقيل: المرحمة: كل ما يؤدي إلى رحمة الله.
﴿الْمَيْمَنَةِ﴾ جهة اليمين و ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ جهة الشمال.
وروي أن الميمنة عن يمين العرش.
ويحتمل أن يكونا من اليُمن والشؤم.
﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مُطبَقة مُغلَقة، يقال: أوصدتُ الباب: إذا أغلقته.
وفيه لغتان: الهمز، وترك الهمز.
стр. 2918
(سورة الشمس)
[﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾].
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ الضحى: ارتفاع الضوء وكماله.
والضَّحَاء -بالفتح والمد-: بعد ذلك إلى الزوال.
وقيل: الضحى النهار كله.
والأول هو المعروف في اللغة.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ أي: تَبِعها، وفي تَبَعه لها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتبعها في كثرة الضوء؛ لأنه أضوأ الكواكب بعد الشمس، ولا سيما ليلة البدر.
والآخر: أنه يتبعها في طلوعه؛ لأنه يطلع بعد غروبها، وذلك في النصف الأول من الشهر.
الثالث: أن تَبَعَهُ لها: أَخْذُه من نورها.
стр. 2919
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)﴾ أي: كشفها وأظهرها.
والضمير المفعول للشمس، وضمير الفاعل للنهار؛ لأن الشمس تتجلَّى بالنهار، فكأنه هو الذي جلَّاها.
وقيل: الضمير الفاعل: لله.
وقيل: الضمير المفعول: للظلمة، أو للأرض، أو للدنيا.
وهذا كله بعيد؛ لأنه لم يتقدم ما يعود الضمير عليه.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ أي: يغطيها، وضمير المفعول للشمس، وضمير
الفاعل لليل على الأصح.
﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ قيل: إن «ما» في قوله: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ و ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ و ﴿مَا سَوَّاهَا﴾ موصولة بمعنى: «من»، والمراد الله تعالى.
وقيل: إنها مصدرية، كأنه قال: والسماء وبنيانها (١)، وضعف الزمخشري هذا بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾؛ فإن المراد الله باتفاق، فهذا القول يؤدي إلى فساد النظم (٢).
وضَعَّفَ بعضهم كونها موصولة بتقديم ذكر المخلوقات على الخالق.
فإن قيل: لم عدل عن «من» إلى «ما» في قول من جعلها موصولة؟ فالجواب: أنه فعل ذلك لإرادة الوصفية، كأنه قال: والقادر الذي بناها.
﴿طَحَاهَا﴾ أي: مدَّها.
стр. 2920
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)﴾ تسوية النفس: إكمال عقلها وفهمها.
فإن قيل: لم نكَّر النفس؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه أراد الجنس، كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤].
والآخر: أنه أراد نفس آدم.
والأول هو المختار.
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أي: عرَّفها طرق (١) الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين.
ويحتمل أن تكون الواو بمعنى «أو»، كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣].
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ هذا جواب القسم عند الجمهور.
وقال الزمخشري: الجواب محذوف تقديره: لَيُدَمْدِمَنَّ الله على أهل مكة لتكذيبهم النبي ﷺ ، كما دَمْدَم على قوم ثمود لتكذيبهم صالحًا ﷺ ، قال: وأما ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ فكلام تابع لقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ على سبيل الاستطراد (٢)، وهذا بعيد.
والفاعل بـ ﴿زَكَّاهَا﴾ ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسه؛ أي: طهَّرها من الذنوب والعيوب.
стр. 2921
وقيل: الفاعل ضمير الله تعالى.
والأول أظهر.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ أي: حقَّرها بالكفر والمعاصي.
وأصله: دسَّسَ بمعنى: أخفى؛ فكأنه أخفى نفسه لما حقرها، وأبدل من السين الآخرة حرف علة، كقولهم: «قصيْتُ أظفاري»، وأصله: قصصتُ.
﴿بِطَغْوَاهَا﴾ هو مصدر بمعنى الطغيان، قلبت فيه الياء واوًا على لغة من يقول: «طغَيْتُ».
والباء الخافضة:
كقولك: «كتبت بالقلم».
أو سببية، والمعنى: بسبب طغيانها.
وقال ابن عباس: معناه كذبت ثمود بعذابها، ويؤيده قوله: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ [الحاقة: ٥].
﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: ﴿كَذَّبَتْ﴾ أو ﴿بِطَغْوَاهَا﴾.
ومعنى ﴿انبَعَثَ﴾: خرج إلى عقر الناقة بسرعة ونشاط.
و ﴿أَشْقَاهَا﴾: هو الذي عقر الناقة، وهو أُحيمر ثمود، واسمه قُدَار بن سالف.
ويحتمل أن يكون ﴿أَشْقَاهَا﴾ واقعًا على جماعة؛ لأن «أفعل» التي للتفضيل إذا أضفته يستوي فيه الواحد والجمع.
стр. 2922
والأول أظهر وأشهر.
﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ يعني: صالحًا ﵇.
﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: احفظوا ناقة الله، أو احذروا ناقة الله.
و ﴿سُقْيَاهَا﴾: شربها من الماء.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ نَسب العقر إلى جماعة؛ لأنهم اتفقوا عليه، وباشره واحد منهم.
﴿فَدَمْدَمَ﴾ عبارة عن إنزال العذاب بهم، وفيه تهويل.
﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنبهم، وهو التكذيب، أو عقر الناقة.
﴿فَسَوَّاهَا﴾ قال ابن عطية: معناه: فسوَّى القبيلة في الهلاك، لم يُفلت (١) أحد منهم (٢).
وقال الزمخشري: الضمير للدمدمة؛ أي: سواها بينهم (٣).
﴿فَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ ضمير الفاعل لله تعالى، والضمير في ﴿عُقْبَاهَا﴾ للدمدمة والتسوية وهو الهلاك؛ أي: لا يخاف عاقبة إهلاكهم، ولا درك عليه في ذلك كما يخاف الملوك من عاقبة أعمالهم، وفي ذلك احتقار لهم.
وقيل: إن ضمير الفاعل لصالح، وهذا بعيد.
стр. 2923
وقرئ ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ بالفاء وبالواو.
وقيل في القراءة بالواو: إن الفاعل ﴿أَشْقَاهَا﴾ والجملة في موضع الحال؛ أي: انبعث ولم يخف عقبى فعلته، وهذا بعيد.
وقيل: هي مصدرية.
وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ: «والذَّكرِ والأنثى» (١).
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ هذا جواب القسم، ومعناه: إن عملكم مختلف، فمنه حسنات ومنه سيئات.
و ﴿لَشَتَّى﴾ جمع شتيت.
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ أي: أعطى ماله في الزكاة والصدقة وشبه ذلك، أو أعطى حقوق الله من طاعته في جميع الأشياء، واتقى الله.
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي: بالخصلة الحسنة وهي الإسلام، ولذلك عبّر عنه بعضهم بأنها: «لا إله إلا الله»، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة.
وقيل: يعني: الأجر والثواب على الإطلاق.
وقيل: يعني: الخَلَف على المنفق.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ أي: نهيؤه للطريقة اليسرى، وهي فعل الخيرات وترك السيئات.
وضد ذلك ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
ومنه قوله ﷺ : «اعلموا فكل ميسر لما خلق له» (٢)، أي: يهيؤه الله لما قدَّر له، ويسهل عليه فعل الخير أو الشر.
стр. 2926
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾ أي: بخل بماله، أو بطاعة الله على الإطلاق، فيحتمل الوجهين؛ لأنه في مقابلة ﴿أَعْطَى﴾، كما أن ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ في مقابلة ﴿اتَّقَى﴾، و ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ في مقابلة ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾، و ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ في مقابلة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
ومعنى ﴿وَاسْتَغْنَى﴾: استغنى عن الله فلم يطعه.
أو استغنى بالدنيا عن الآخرة.
ونزلت آية المدح في أبي بكر الصديق؛ لأنه أنفق ماله في مرضات الله، وكان يشتري من أسلم من العبيد فيُعتقهم.
وقيل: نزلت في أبي الدحداح، وهذا ضعيف؛ لأنها مكية، وإنما أسلم أبو الدحداح في المدينة.
وقيل: إن آية الذم نزلت في أبي سفيان بن حرب، وهذا ضعيف؛ لقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾، وقد أسلم أبو سفيان بعد ذلك.
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾ هذا نفيٌ، أو استفهام بمعنى الإنكار.
واختُلف في معنى ﴿تَرَدَّى﴾ على أربعة أقوال:
الأول: تردى أي: هلك، فهو مشتقٌّ من الردى وهو الموت.
[٢ - ] أو تردَّى أي: سقط في القبر.
[٣ - ] أو سقط في جهنم.
[٤ - ] أو تردى بأكفانه، من الرِّداء.
стр. 2927
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ أي: بيان الخير والشر، وليس المراد الإرشاد عند الأشعرية، خلافًا للمعتزلة (١).
﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ مخاطبة:
من الله.
أو من النبي ﷺ على تقدير: «قل».
﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ استدل المرجئة بهذه الآية على أن النار لا يدخلها إلا الكفار لقوله: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾.
وتأولها الناس بثلاثة أوجه:
أحدها: أن المعنى: لا يصلاها صَلْيَ خلود إلا الأشقى.
والآخر: أنه أراد نارًا مخصوصة.
الثالث: أنه أراد بـ ﴿الْأَشْقَى﴾ كافرًا معينًا، وهو أبو جهل أو أمية ابن خلف، وقابل به ﴿الْأَتْقَى﴾، وهو أبو بكر الصديق؛ فخرج الكلام مخرج المدح والذم على الخصوص، لا مخرج الإخبار على العموم.
﴿يَتَزَكَّى﴾ من أداء الزكاة.
أو من الزكاء؛ أي:
يصير زكيًّا عند الله.
أو يتطهر من ذنوبه.
стр. 2928
وهذا الفعل:
بدل من ﴿الَّذِي يُؤْتِي﴾.
أو حال من الضمير.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩)﴾ أي: لا يفعل الخير جزاءً على نعمة أنعم بها عليه أحد فيما تقدم، بل يفعله ابتداء خالصًا لوجه الله.
وقيل: المعنى لا يقصد جزاءً من أحد في المستقبل على ما يفعل.
والأول أظهر، ويؤيده ما روي أن سبب الآية أن أبا بكر الصديق لما أعتق بلالًا قالت قريش: كان لبلال عنده يد متقدمة، فنفى الله قولهم.
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ استثناء منقطع.
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ وعدٌ بأن يُرضيه الله في الآخرة.
стр. 2929
(سورة الضحى)
[﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾].
﴿وَالضُّحَى (١)﴾ ذكر في «الشمس وضحاها» (١).
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ فيه أربعة أقوال:
[١ - ] إذا أقبل.
[٢ - ] وإذا أدبر.
[٣ - ] وإذا أظلم.
[٤ - ] وإذا سكن؛ أي:
استقر واستوى.
أو سكن فيه الناس والأصوات، ومنه: «ليلة ساجية»: إذا كانت ساكنة الريح، و «طَرْفٌ ساجٍ» أي: ساكن غير مضطرب النظر.
стр. 2930
وهذا أقرب في الاشتقاق، وهو اختيار ابن عطية (١).
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بتشديد الدال: من الوداع.
وقرئ بتخفيفها بمعنى: ما تركك، والوداع مبالغة في الترك.
﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: ما أبغضك.
وحذف ضمير المفعول من ﴿قَلَى﴾ و ﴿فَآوَى﴾ و ﴿فَهَدَى﴾ و ﴿أَغْنَى﴾ اختصارًا؛ لظهور المعنى، ولموافقة رؤوس الآي.
وسبب الآية: أن رسول الله ﷺ أبطأ عنه الوحي، فقالت قريش: إن محمدًا ودعه ربه وقلاه، فنزلت تكذيبًا لهم.
وقيل: رُمي ﷺ بحجر في إصبعه فدَمِيَت، فمكث ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم، فقالت امرأة: ما أرى شيطان محمد إلا قد تركه، فنزلت.
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ أي: الدار الآخرة خير لك من الدنيا. قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالآخرة: حالَه بعد نزول هذه السورة، ويريد بالأولى: حالة قبل نزولها (٢)، وهذا بعيد، والأول أظهر وأشهر.
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ روي أنه ﷺ قال لما نزلت: «إذن لا أرضى أن يبقى واحد من أمتي في النار» (٣).
قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن.
стр. 2931
وقال ابن عباس: رضاه: أن الله وعده بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم.
وقيل: رضاه في الدنيا بفتح مكة وغيره.
والصحيح أنه وعدٌ يعمُّ كل ما أعطاه في الآخرة، وكل ما أعطاه في الدنيا من النصر والفتوح وكثرة المسلمين وغير ذلك.
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ عدَّ الله نعمه عليه فيما مضى من عمره؛ ليقيس عليه ما يستقبل فتطيب نفسه، ويقوى رجاؤه.
و «وَجَدَ» في هذه المواضع تتعدى إلى مفعولين، وهي بمعنى: «علم»؛ فالمعنى: ألم تكن يتيمًا فآواك؟، وذلك أن والده ﵇ توفي وتركه في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو ابن خمسة أعوام، وقيل: ثمانية، فكفله جده عبد المطلب، ثم مات وتركه ابن اثني عشر عامًا، فكفله عمه أبو طالب.
وقيل: لجعفر الصادق: لم نشأ النبي ﷺ يتيمًا؟ فقال: لئلا يكون عليه حقٌّ لمخلوق.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ فيه ستة أقوال:
أحدها: وجدك ضالًّا عن معرفة الشريعة فهداك إليها، فالضلال عبارة عن التوقُّف في أمر الدين حتى جاءه الحق من عند الله، فهو كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وهذا هو الأظهر، وهو الذي اختاره ابن عطية (١) وغيره، ومعناه: أنه لم يكن يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى
стр. 2932
بعثه الله، ولكنه ما كفر بالله ولا أشرك به؛ لأنه كان معصومًا من ذلك من قبل النبوة وبعدها.
الثاني: وجدك في قوم ضُلَّال، فكأنك واحد منهم، وإن لم تكن تعبد ما يعبدون، وهذا قريب من الأول.
الثالث: وجدك ضالًّا عن الهجرة فهداك إليها، وهذا ضعيف؛ لأن السورة نزلت قبل الهجرة.
الرابع: وجدك خامل الذكر لا تُعرف، فهدى الناس إليك وهداهم بك، وهذا بعيد عن المعنى المقصود.
الخامس: أنه من الضلال عن الطريق، وذلك أنه ﷺ ضلَّ في بعض شعاب مكة؛ أي: تَلِفَ وهو صغير، فردَّه الله إلى جده.
وقيل: بل ضلَّ من مرضعته حليمة، فرده الله إليها.
وقيل: بل ضل في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب.
السادس: أنه من الضلال بمعنى المحبة (١) أي: وجدك محبًّا لله فهداك إليه، ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم، ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]؛ أي: محبتك ليوسف، وبهذا كان يقول شيخنا الأستاذ أبو جعفر ابن الزبير.
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ العائل: الفقير، يقال: عال الرجل فهو عائل: إذا كان محتاجًا، وأعال فهو مُعِيل: إذا كثر عياله.
стр. 2933
وهذا الفقر والغنى هو في المال.
وغناه (١) ﷺ : هو أن أعطاه الله الكفاف.
وقيل: هو رضاه بما أعطاه الله.
وقيل: المعنى: وجدك فقيرًا إليه فأغناك به.
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾ أي: لا تغلبه على ماله وحقه لأجل ضعفه. أو لا تقهره بالمنع من مصالحه.
ووجوه القهر كثيرة، والنهي يعم جميعها.
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ النَّهْرُ: هو الانتهار والزجر، فالنهي عنه أمر بالقول الحسن والدعاء للسائل كما قال تعالى: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨].
ويحتمل ﴿السَّائِلَ﴾ أن يريد به:
سائل الطعام والمال، وهذا هو الأظهر.
أو السائل عن العلم والدين.
وفي قوله ﴿تَقْهَرْ﴾ و ﴿تَنْهَرْ﴾ لزوم ما لا يلزم من التزام الهاء قبل الراء.
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ قيل: معناه: بُثَّ القرآن وبلِّغ الرسالة.
والصحيح أنه عموم جميع النعم، قال رسول الله ﷺ : «التحدث بالنعم شكر» (٢).
стр. 2934
ولذلك كان بعض السلف يقول: «لقد أعطاني الله كذا، ولقد صليت البارحة كذا»، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر أو ليقتدى به، فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز.
وانظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نِعَمٍ، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث
وصايا:
[١ - ] فقابل قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا (٦)﴾ بقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾.
[٢ - ] وقابل قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾:
بقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ على قول من قال إنه السائل عن العلم.
وقابله بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ على القول الآخر.
[٣ - ] وقابل قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾:
بقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ على القول الأظهر.
وقابله بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ على القول الآخر.
стр. 2935
(سورة ألم نشرح)
[﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾].
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ هذا توقيف معناه: إثبات شرح صدره ﷺ ، وتعديد ما ذكر بعده من النعم.
وشرح صدره ﷺ : هو اتساعه لتحصيل العلم، وتنويره بالحكمة والمعرفة. وقيل: هو شق جبريل لصدره في صغره، أو في وقت الإسراء، حين أخرج قلبه وغسله.
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ فيه ثلاثة أقوال:
الأول: - قول الجمهور -: أن الوزر: الذنوب، ووضعها: هو غفرانها، فهو كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وهذا على قول من جوز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على أن ذنوبه كانت قبل النبوة.
الثاني: أن الوزر: هو أثقال النبوة وتكاليفها، ووضعها على هذا: هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلغ الرسالة.
الثالث: أن الوزر: هو تحيُّره قبل النبوة؛ إذ كان يرى أن قومه على
стр. 2936
ضلال، ولم يأته من الله أمر واضح، فوضعه على هذا: هو بالنبوة والهدى للشريعة.
﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ عبارة عن ثِقَلِ الوزر المذكور وشدته عليه.
قال الحارث المحاسبي: إنما وُصفت ذنوب الأنبياء بالثِّقَل، وهي صغائر مغفورة لهم؛ لهمِّهم بها وتحسُّرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم؛ لشدة خوفهم من الله، وهي خفيفة عند الله.
وهذا كما جاء في الأثر: «إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كالذبابة تطير فوق أنفه» (١).
واشتقاق ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾:
من نقض البنيان وغيره.
أو من النقيض، وهو الصوت؛ فكأنه يُسمع لظهره نقيض كقنيض ما يُحمل عليه شيءٌ ثقيل.
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ أي: نوَّهنا باسمك وجعلناه شهيرًا في المشارق والمغارب.
وقيل: معناه اقتران ذكره بذكر الله في الأذان والخطب والتشهد وفي مواضع من القرآن، وقد روي في هذا حديث: إن الله قال له: «إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي» (٢).
стр. 2937
فإن قيل: لم قال: ﴿لَكَ ذِكْرَكَ﴾ و ﴿لَكَ صَدْرَكَ﴾ مع أن المعنى مستقل دون ﴿لَكَ﴾؟
فالجواب: أن قوله: ﴿لَكَ﴾ تدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ هذا وعد باليُسر بعد العسر، وإنما ذكره بلفظ ﴿مَعَ﴾ التي تقتضي المقارنة (١)، ليدل على قرب اليسر من العسر.
فإن قيل: ما وجه ارتباط هذا مع ما قبله؟
فالجواب: أنه ﷺ كان بمكة هو وأصحابه في عُسر من إذاية الكفار ومن ضيق الحال، فوعده الله باليسر، وقدَّم تعديد النعم تسلية وتأنيسًا؛ لتطيبَ نفسه ويقوى رجاؤه، كأنه يقول: إن الذي أنعم عليك بهذه النعم سينصرك ويظهرك ويبدِّل لك هذا العسر بيسر قريب، ولذلك كرر ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ مبالغةً، وقال رسول الله ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين» (٢)، وقد روي ذلك عن عمر وابن مسعود.
وتأويله: أن العسر المذكور في هذه السورة واحد؛ لأن الألف واللام للعهد كقولك: «جاءني رجل فأكرمت الرجل»، واليسر اثنان؛ لتنكيره.
وقيل: إن اليسر الأول: في الدنيا، والثاني: في الآخرة.
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (٧)﴾ هو من النَّصَب بمعنى التعب، والمعنى: إذا فرغت من أمر فاجتهد في آخر.
стр. 2938
ثم اخْتُلِفَ في تعيين الأمرين:
فقيل: إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل.
وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء.
وقيل: إذا فرغت من شغل دنياك فانصب في عبادة ربك.
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب (٨)﴾ قدم الجار والمجرور؛ ليدل على الحصر؛ أي: لا ترغب إلا إلى ربك وحده.
стр. 2939
(سورة التين)
[﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾].
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ فيها قولان:
الأوَّلُ: أنه التين الذي يؤكل، والزيتون الذي يعصر، أقسم الله بهما؛ لفضيلتهما على سائر الثمار.
روي أن رسول الله ﷺ أكل مع أصحابه تينًا فقال: «لو قلتُ: إن فاكهةً نزلت من الجنة قلت هذه؛ لأن فاكهة الجنة بلا عَجَم، فكلوه فإنه يقطع البواسير وينفع من النِّقرس» (١)، وقال ﷺ : «نعم السواك الزيتون، من الشجرة المباركة، هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي» (٢).
القول الثاني: أنهما موضعان، ثم اختلف فيهما:
فقيل: هما جبلان بالشام، أحدهما بدمشق ينبت فيه التين، والآخر بإيليا ينبت فيه الزيتون، فكأنه قال: ومنابت التين والزيتون.
стр. 2940
وقيل: التين: مسجد دمشق، والزيتون: مسجد بيت المقدس.
وقيل: التين: مسجد نوح، والزيتون: مسجد إبراهيم.
والأظهر أنهما الموضعان من الشام، وهما اللذان كان فيهما مولد عيسى أو مسكنه، وذلك أن الله ذكر بعد هذا الطورَ الذي كلم عليه موسى، والبلدَ الذي بعث منه محمدا ﵇، فتكون الآية نظير ما في التوراة: أن الله تعالى جاء من طور سيناء، وطلع من ساعر وهو موضع عيسى، وظهر من جبال فاران، وهي مكة (١).
وأقسم الله بهذه المواضع التي ذكر في التوراة؛ لشرفها بالأنبياء
المذكورين.
﴿وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾ هو الجبل الذي كلَّم عليه موسى وهو بالشام، وأضافه الله إلى ﴿سِينِينَ﴾.
ومعنى ﴿سِينِينَ﴾: مبارك، فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة.
وقيل: معناه: ذو الشجر، واحدها سينينة، قاله الأخفش.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يعرب إعراب الجمع المذكر بالواو والياء، وأن يلزم الياء وتُحرَّك النون بحركات الإعراب.
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ هو مكة باتفاق.
و ﴿الْأَمِينِ﴾:
من الأمانة.
стр. 2941
أو من الأمن؛ لقوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦].
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن حُسْن (١) التقويم: هو حسن الصورة وكمال العقل والشباب والقوة، و ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: الضعف والهرم والخَرَف، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤].
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعد هذا: غير متصل بما قبله، والاستثناء على هذا القول منقطع، بمعنى: «لكن»؛ لأنه خارج عن معنى الكلام الأول.
والآخر: أن حُسن التقويم: الفطرة على الإيمان و ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ الكفر، أو تشويه الصورة في النار، والاستثناء على هذا متصل؛ لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يُرَدُّوا أسفل سافلين.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قد ذكر (٢).
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه خطاب للنبي ﷺ ، والدين: شريعته، والمعنى: أي شيء يكذِّبك بالدين بعد هذه الدلائل التي تشهد بصحة نبوَّتك؟
والآخر: أنه خطاب للإنسان الكافر، والدين على هذا: الشريعة أو الجزاء الأخراوي، ومعنى ﴿يُكَذِّبُكَ﴾ على هذا: يجعلك كاذبا؛ لأن من
стр. 2942
أنكر فهو كاذب، والمعنى: أيُّ شيءٍ يجعلك كاذبًا بسبب كفرك بالدين بعد أن علمت أن الله خلقك في أحسن تقويم، ثم ردَّكَ أسفل سافلين، ولا شك أنه يقدر على بعثك كما قدَّر على هذا؛ فلأيِّ شيءٍ تكذب بالبعث والجزاء (١)؟
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ تقرير ووعيد للكفار بأن يحكم عليهم بما يستحقون.
وكان رسول الله ﷺ إذا قرأها قال: «بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين» (٢).
стр. 2943
(سورة العلق)
نزل صدرها بغار حراء، وهو أول ما نزل من القرآن حسبما ورد عن عائشة في الحديث الذي ذكرناه في أول الكتاب (١).
[﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾].
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن معناه: اقرأ القرآن مفتتحًا باسم ربك، أو متبركًا باسم ربك.
وموضع ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ نصبٌ على الحال.
وإذا كان تقديره: مفتتحًا، فيحتمل أن يريد:
ابتداء القراءة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم".
стр. 2944
أو يريد الابتداء باسم الله مطلقًا.
والوجه الثاني: أن معناه: اقرأ هذا اللفظ وهو ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فيكون ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ مفعولًا، وهو المقروء.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ حذف المفعول؛ لقصد العموم، كأنه قال: الذي خلق كل شيء، ثم خصَّص خلقة الإنسان؛ لما فيه (١) من العجائب والعِبر.
ويحتمل أن أراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣]، ثم فسره بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾.
والعلق: جمع عَلَقَة، وهي القطعة (٢) من الدم.
والمراد بـ ﴿الْإِنسَانَ﴾ هنا: جنس بني آدم، ولذلك جمع العلق لما أراد الجماعة، بخلاف قوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [الحج: ٥]؛ لأنه أراد كل واحد على حدته.
ولم يدخل آدم في الإنسان هنا؛ لأنه لم يخلق من علقة وإنما خلق من طين.
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ كرر الأمر بالقراءة تأكيدًا، والواو للحال.
والمقصود: تأنيس النبي ﷺ ، كأنه يقول: افعل ما أُمرت به؛ فإن ربك كريم.
стр. 2945
وصيغة «أفعل» للمبالغة.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ هذا تفسير للكرم، فدل على أن نعمة التعليم أكبر نعمة، وخصَّ من التعليمات الكتابة بالقلم؛ لما فيها من تخليد العلوم، ومصالح الدين والدنيا، وقرأ ابن الزبير: «علم الخط بالقلم».
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ يحتمل أن يريد بهذا:
تعليم الكتابة؛ لأن الإنسان لم يكن يعلمها في أول أمره.
أو يريد التعليم لكل شيء على الإطلاق.
وقيل: إن الإنسان هنا: محمد ﷺ .
والأظهر: أنه جنس الإنسان على العموم.
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾ نزل هذا وما بعده إلى آخر السورة في أبي جهل بعد نزول صدرها بمدة، وذلك أنه كان يطغى بكثرة ماله ويبالغ في عداوة رسول الله ﷺ .
و ﴿كَلَّا﴾ هنا يحتمل أن تكون:
زجرًا لأبي جهل.
أو بمعنى حقًّا.
أو استفتاحًا.
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ في موضع المفعول من أجله؛ أي: يطغى من أجل غناه (١).