أو من الأمن؛ لقوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦].
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أن حُسْن (١) التقويم: هو حسن الصورة وكمال العقل والشباب والقوة، و ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾: الضعف والهرم والخَرَف، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤].
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعد هذا: غير متصل بما قبله، والاستثناء على هذا القول منقطع، بمعنى: «لكن»؛ لأنه خارج عن معنى الكلام الأول.
والآخر: أن حُسن التقويم: الفطرة على الإيمان و ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ الكفر، أو تشويه الصورة في النار، والاستثناء على هذا متصل؛ لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يُرَدُّوا أسفل سافلين.
﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قد ذكر (٢).
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه خطاب للنبي ﷺ ، والدين: شريعته، والمعنى: أي شيء يكذِّبك بالدين بعد هذه الدلائل التي تشهد بصحة نبوَّتك؟
والآخر: أنه خطاب للإنسان الكافر، والدين على هذا: الشريعة أو الجزاء الأخراوي، ومعنى ﴿يُكَذِّبُكَ﴾ على هذا: يجعلك كاذبا؛ لأن من
стр. 2942
أنكر فهو كاذب، والمعنى: أيُّ شيءٍ يجعلك كاذبًا بسبب كفرك بالدين بعد أن علمت أن الله خلقك في أحسن تقويم، ثم ردَّكَ أسفل سافلين، ولا شك أنه يقدر على بعثك كما قدَّر على هذا؛ فلأيِّ شيءٍ تكذب بالبعث والجزاء (١)؟
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ تقرير ووعيد للكفار بأن يحكم عليهم بما يستحقون.
وكان رسول الله ﷺ إذا قرأها قال: «بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين» (٢).
стр. 2943
(سورة العلق)
نزل صدرها بغار حراء، وهو أول ما نزل من القرآن حسبما ورد عن عائشة في الحديث الذي ذكرناه في أول الكتاب (١).
[﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾].
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن معناه: اقرأ القرآن مفتتحًا باسم ربك، أو متبركًا باسم ربك.
وموضع ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ نصبٌ على الحال.
وإذا كان تقديره: مفتتحًا، فيحتمل أن يريد:
ابتداء القراءة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم".
стр. 2944
أو يريد الابتداء باسم الله مطلقًا.
والوجه الثاني: أن معناه: اقرأ هذا اللفظ وهو ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فيكون ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ مفعولًا، وهو المقروء.
﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ حذف المفعول؛ لقصد العموم، كأنه قال: الذي خلق كل شيء، ثم خصَّص خلقة الإنسان؛ لما فيه (١) من العجائب والعِبر.
ويحتمل أن أراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٣]، ثم فسره بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾.
والعلق: جمع عَلَقَة، وهي القطعة (٢) من الدم.
والمراد بـ ﴿الْإِنسَانَ﴾ هنا: جنس بني آدم، ولذلك جمع العلق لما أراد الجماعة، بخلاف قوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [الحج: ٥]؛ لأنه أراد كل واحد على حدته.
ولم يدخل آدم في الإنسان هنا؛ لأنه لم يخلق من علقة وإنما خلق من طين.
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ كرر الأمر بالقراءة تأكيدًا، والواو للحال.
والمقصود: تأنيس النبي ﷺ ، كأنه يقول: افعل ما أُمرت به؛ فإن ربك كريم.
стр. 2945
وصيغة «أفعل» للمبالغة.
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ هذا تفسير للكرم، فدل على أن نعمة التعليم أكبر نعمة، وخصَّ من التعليمات الكتابة بالقلم؛ لما فيها من تخليد العلوم، ومصالح الدين والدنيا، وقرأ ابن الزبير: «علم الخط بالقلم».
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ يحتمل أن يريد بهذا:
تعليم الكتابة؛ لأن الإنسان لم يكن يعلمها في أول أمره.
أو يريد التعليم لكل شيء على الإطلاق.
وقيل: إن الإنسان هنا: محمد ﷺ .
والأظهر: أنه جنس الإنسان على العموم.
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦)﴾ نزل هذا وما بعده إلى آخر السورة في أبي جهل بعد نزول صدرها بمدة، وذلك أنه كان يطغى بكثرة ماله ويبالغ في عداوة رسول الله ﷺ .
و ﴿كَلَّا﴾ هنا يحتمل أن تكون:
زجرًا لأبي جهل.
أو بمعنى حقًّا.
أو استفتاحًا.
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ في موضع المفعول من أجله؛ أي: يطغى من أجل غناه (١).
стр. 2946
والرؤية هنا: بمعنى العلم، بدليل إعمال الفعل في الضمير، ولا يكون ذلك إلا في أفعال القلوب، والمعنى: رأى نفسه استغنى.
و ﴿اسْتَغْنَى﴾ هو المفعول الثاني.
﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ هذا تهديد لأبي جهل وأمثاله.
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ اتفق المفسرون أن العبد الذي صلى: هو محمد ﷺ ، وأن الذي نهاه: أبو جهل لعنه الله.
وسبب الآية: أن أبا جهل جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي في المسجد الحرام، فهمَّ بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة، وروي أنه قال: لئن رأيته يصلي، لأطأنَّ عنقه، فجاءه وهو يصلي ثم انصرف عنه مرعوبًا، فقيل له: ما هذا (١)؟ فقال: لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار وَهَوْلٌ وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا» (٢).
﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾ ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في هذا الموضع وفي الذي قبله وفي الذي بعده: بمعنى «أخبرني»؛ فكأنه سؤال يفتقر إلى جواب وفيها معنى التعجُّب (٣) والتوقيف.
والخطاب فيها يحتمل أن يكون:
للنبي ﷺ .
أو لكل مخاطب من غير تعيين.
стр. 2947
وهي تتعدى إلى مفعولين.
وجاءت بعدها ﴿إِنْ﴾ الشرطية في موضعين، وهما: قوله: ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ وقوله: ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
فيحتاج إلى الكلام:
في مفعولي ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في المواضع الثلاثة.
وفي جواب الشرطين.
وفي الضمائر المتصلة بهذه الأفعال، وهي ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾، و ﴿أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾، و ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، على من تعود هذه الضمائر؟
فقال الزمخشري: إن قوله: ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ هو المفعول الأول لقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى، وإن الجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، وكررت ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بعد ذلك للتأكيد، فهي زائدة لا تحتاج إلى مفعول.
وإن قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ هو جواب قوله: ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، وإن جواب قوله: ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ محذوف يدل عليه جواب قوله: ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، فهو في المعنى جواب للشرطين معًا.
وإن الضمير في قوله: ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢)﴾ للذي نهى عن الصلاة، وهو أبو جهل، وكذلك الضمير في قوله: ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.
وتقدير الكلام على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدًا إذا صلى، إن كان هذا الناهي على الهدى أو إن كذب وتولى؛ ألم يعلم بأن الله يرى جميع
стр. 2948
أحواله مِنْ هداه وضلاله وتكذيبه ونهيه عن الصلاة وغير ذلك؟ (١) فمقصود الآية: تهديد له وزجر وإعلام بأن الله يراه.
وخالفه ابن عطية في الضمائر، فقال: إن الضمير في قوله: ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ للعبد الذي صلى، وإن الضمير في قوله: ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ للذي نهى عن الصلاة.
وخالفه أيضًا في جعله ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانية مكررة للتأكيد، وقال: إنها في المواضع الثلاثة توقيف، وإن جوابها في المواضع الثلاثة قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾؛ فإنه يصلح مع كل واحد منها، ولكنه جاء به في آخر الكلام اختصارًا (٢).
وخالفهما الغزنوي أيضًا في الجواب فقال: إن جواب قوله: ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ محذوف، فقال: إن تقديره: «إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أليس هو على الحق واتباعه واجب؟»، والضمير على هذا يعود على العبد الذي صلى، وفاقًا لابن عطية.
﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ أوعد أبا جهل إن لم ينته عن كفره وطغيانه أن يأخذ (٣) بناصيته فيُلقى في النار.
والناصية مقدّم الرأس، فهو كقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
والسَّفْع: هو الجذب والقبض على الشيء.
стр. 2949
وقيل: هو الإحراق، من قولك: سفعته النار.
وأكد ﴿لَنَسْفَعًا﴾ باللام والنون الخفيفة، وكتبت في المصحف بالألف مراعاة للوقف عليها.
ويظهر لي أن هذا الوعيد نفذ عليه يوم بدر حين قتل وأخذ بناصيته فُجِرَّ إلى القليب.
﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ أبدل ﴿نَاصِيَةٍ﴾ من ﴿النَّاصِيَةِ﴾، ووصفها بالكذب والخطيئة تجوزًا، والكاذب الخاطئ في الحقيقة: صاحبها.
والخاطئ: الذي يفعل الذنب متعمدا، والمخطئ: الذي يفعله بغير قصد.
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)﴾ النادي والنَّدِيُّ: المجلس الذي يجتمع فيه الناس.
وكان أبو جهل قد قال: أيتوعدني محمد!، فوالله ما بالوادي أعظم ندِيًّا مني، فنزلت الآية تهديدًا وتعجيزا له.
والمعنى: فليدع أهل ناديه لنصرته إن قدروا على ذلك، ثم أوعده بأن يدعو له زبانية جهنم، وهم الملائكة الموكلون بالعذاب.
والزبانية في اللغة: الشُّرَط، واحدهم زِبْنِيَّة، وقيل: زِبْنِيٌّ.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عِيَانًا» (١).
стр. 2950
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ أي: تقرَّب إلى الله بالسجود، كما قال رسول الله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فاجتهدوا في الدعاء» (١).
وهذا موضع سجدة عند الشافعي، وليست عند مالك من عزائم السجود.
стр. 2951
(سورة القدر)
[﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾].
اختلف الناس في ليلة القدر على ستة عشر قولًا؛ وهي:
[١ - ] أنها ليلة إحدى وعشرين من رمضان.
[٢ - ] وليلة ثلاث وعشرين.
[٣ - ] وليلة خمس وعشرين.
[٤ - ] وليلة سبع وعشرين.
[٥ - ] وليلة تسع وعشرين.
فهذه خمسة أقوال في ليالي الأوتار من العشر الأواخر (١) من رمضان، على قول من ابتدأ عدَّتها من أول العشر.
وقد ابتدأ بعضهم عدَّتها من آخر الشهر (٢)، فجعل ليالي الأوتار:
[٦ - ] ليلة ثلاثين؛ لأنها الأولى.
стр. 2952
[٧ - ] وليلة ثمان وعشرين؛ لأنها الثانية.
[٨ - ] وليلة ست وعشرين؛ لأنها الخامسة.
[٩ - ] وليلة أربع وعشرين؛ لأنها السابعة.
[١٠ - ] وليلة اثنين وعشرين؛ لأنها التاسعة.
فهذه خمسة أقوال أخر، فتلك عشرة أقوال.
والقول الحادي عشر: أنها تدور في العشر الأواخر، ولا تثبت في ليلة واحدة منه.
الثاني عشر: أنها مخفيَّة في رمضان كله، وهذا ضعيف؛ لقوله ﷺ : «التمسوها في العشر الأواخر» (١).
الثالث عشر: أنها مخفية في العام كله.
الرابع عشر: أنها ليلة النصف من شعبان.
وهذان القولان باطلان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فدل ذلك على أن ليلة القدر في رمضان.
القول الخامس عشر: أنها رفعت بعد النبي ﷺ ، وهذا ضعيف.
القول السادس عشر: أنها ليلة سبع عشرة من رمضان؛ لأن وقعة بدر كانت صبيحة هذه الليلة.
стр. 2953
وأرجح الأقوال: أنها ليلة إحدى وعشرين من رمضان، أو ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة سبع وعشرين، فقد جاءت في هذه الليالي الثلاث أحاديث صحيحة خرجها مسلم (١) وغيره.
والأشهر: أنها ليلة سبع وعشرين.
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ الضمير في ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ للقرآن، دل على ذلك سياق الكلام، وفي ذلك تعظيم للقرآن من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ذكر ضميره دون اسمه الظاهر؛ دلالة على شهرته والاستغناء عن تسميته.
والثاني: أنه اختار لإنزاله أفضل الأوقات.
والثالث: أن الله أسند إنزاله إلى نفسه.
وفي كيفية إنزاله في ليلة القدر قولان:
أحدهما: أنه ابتدأ إنزاله فيها.
والآخر: أنه أنزل القرآن فيها جملة واحدة إلى السماء، ثم نزل به جبريل إلى الأرض بطول عشرين سنة.
وقيل: المعنى: أنزلناه (٢) في شأن ليلة القدر وذِكْرها، وهذا ضعيف. وسميت ليلة القدر:
من تقدير الأمور فيها.
стр. 2954
أو من الْقَدْر بمعنى الشرف.
ويترجح الأول بقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٤].
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ هذا تعظيم لها.
قال بعضهم: كل ما قال فيه «ما أدراك» فقد علمه النبي ﷺ ، وما قال فيه: «ما يدريك» فإنه لم يعلمه (١).
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ معناه: أن من قامها كتب الله له أجر العبادة في ألف شهر.
قال بعضهم: يعني: في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر (٢).
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣).
وسبب الآية: أن رسول الله ﷺ ذكر رجلًا ممن تقدم عَبَدَ اللهَ ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك ورأوا أن أعمارهم تنقص عن ذلك، فأعطاهم الله ليلة القدر وجعلها خيرًا من العبادة في تلك المدة الطويلة.
وروي أن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ عوتب حين بايع معاوية فقال: إن رسول الله ﷺ رأى في المنام بني أمية يَنْزُون على منبره نَزْوَ القردة، وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس ألف شهر، فاهتم لذلك، فأعطاه الله ليلة
стр. 2955
القدر، وهي خير من مدة ملك بني أمية ألف شهر (١)، ثم كشف الغيب أنه كان من بيعة الحسن لمعاوية إلى قتل مروان الجَعْدي آخر ملوك بني أمية بالمشرق ألف شهر.
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الروح هنا: جبريل ﵇.
وقيل: صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة.
وتنزُّلهم: هو إلى الأرض.
وقيل: إلى السماء الدنيا.
وهو تعظيم لليلة القدر، ورحمة للمؤمنين القائمين فيها.
﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ هذا متعلِّق بما قبله، والمعنى: أن الملائكة ينزلون ليلة القدر من أجل كل أمر يقضي الله في ذلك العام، فإنه روي أن الله يُعلم الملائكة بكل ما يكون في ذلك العام من الآجال والأرزاق وغير ذلك؛ ليمتثلوا ذلك في العام كله.
وقيل على هذا المعنى: إن ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء؛ أي: ينزلون بكل أمر، وهذا ضعيف.
وقيل: إن المجرور يتعلق بما بعده، والمعنى: أنها سلام من كل أمر؛ أي: سلامة من الآفات.
قال مجاهد: لا يصيب أحدًا فيها داء.
стр. 2956
والأظهر: أن الكلام تمَّ عند قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، ثم ابتدأ قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾.
واختلف في معنى ﴿سَلَامٌ﴾:
فقيل: إنه من السلامة.
وقيل: إنه من التحية؛ لأن الملائكة يسلمون على المؤمنين القائمين فيها.
وكذلك اختلف في إعرابه:
فقيل: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ مبتدأ وخبر، وهذا يصح سواء جعلناه متصلًا مع ما قبله أو منقطعًا عنه.
وقيل: ﴿سَلَامٌ﴾ خبر مبتدأ مضمر، تقديره: أمرها سلام، أو: القول فيها سلام، و ﴿هِيَ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾؛ أي: هي دائمة إلى طلوع الفجر.
ويختلف الوقف باختلاف الإعراب.
وقال ابن عباس: إن قوله: ﴿هِيَ﴾ إشارة إلى أنها ليلة سبع وعشرين؛ لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرون من كلمات السورة.
стр. 2957
(سورة لم يكن)
[﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾].
ذكر الله الكفار، ثم قسمهم إلى صنفين: أهل الكتاب، والمشركين، وذكر أن جميعهم لم يكونوا منفكين حتى تأتيهم البينة، وتقوم عليهم الحجة ببعث رسول الله ﷺ .
ومعنى ﴿مُنْفَكِّينَ﴾: منفصلين، ثم اختلف في هذا الانفصال على أربعة أقوال:
أحدها: أن المعنى: لم يكونوا منفصلين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة؛ لتقوم عليهم الحجة.
الثاني: لم يكونوا منفصلين عن معرفة نبوة محمد ﷺ حتى بعثه (١) الله.
стр. 2958
الثالث: -اختاره ابن عطية- وهو: لم يكونوا منفصلين عن نظر الله وقدرته، حتى يبعث الله إليهم رسولًا يقيم عليهم الحجة (١).
الرابع: - وهو الأظهر عندي -: أن المعنى: لم يكونوا لينفصلوا من الدنيا حتى بعث الله لهم محمدًا ﷺ ، فقامت عليهم الحجة؛ لأنهم لو انفصلت الدنيا دون بعثه لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا، فلما بعثه لم يبق لهم عذر ولا حجة.
في ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ على هذا كقولك: لا تبرح أو لا تزول حتى يكون كذا وكذا.
﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ .
وإعرابه:
بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾.
أو خبر ابتداء مضمر.
﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يعني: القرآن في صحفه.
﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ أي: قائمة (٢) بالحق مستقيمة المعاني، ووزن ﴿قَيِّمَةٌ﴾: فَيْعِلَة، وفيه مبالغة.
قال ابن عطية: هذا على حذف مضاف تقديره: فيها أحكام كتب (٣).
ولا يحتاج إلى هذا الحذف؛ لأن الكتب بمعنى المكتوبات.
стр. 2959
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: ما اختلفوا في نبوة محمد ﷺ إلا من بعد ما علموا أنه حق.
ويحتمل أن يريد تفرقهم في دينهم كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [فصلت: ٤٥].
وإنما خص الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم مع غيرهم في أول السورة؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوة محمد ﷺ ، بما يجدون في كتبهم من ذكره.
﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ الآية؛ معناها: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرَّفوا وبدَّلوا.
ويحتمل أن يكون المعنى: ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، فلأيِّ شيءٍ ينكرونه ويكفرون به؟
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ استدل المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد؛ لأن الإخلاص هنا يراد به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد وفي الأعمال، وضد الإخلاص في التوحيد: هو الشرك الجليُّ، وضد الإخلاص في الأعمال: هو الشرك الخفيُّ، وهو الرياء.
قال رسول الله ﷺ : «الرياء الشرك الأصغر» (١)، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملًا
стр. 2960
أشرك فيه غيري تركته وشريكه» (١).
واعلم أن الأعمال على ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات. فأما المأمورات: فالإخلاص فيها: عبارة عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها نية أخرى، فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول.
وإن كانت النية لغير وجه الله؛ من طلب منفعة دنيوية، أو مدح أو غير ذلك: فالعمل رياء محض مردود.
وإن كانت النية مشتركة: ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال.
وأما المنهيات: فإن تركها دون نية خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها.
وإن تركها بنية وجه الله: حصل له الخروج عن عهدتها مع الأجر.
وأما المباحات: كالأكل والنوم والجماع وشبه ذلك: فإن فعلها بغير نية لم يكن له فيها أجر.
وإن فعلها بنية وجه الله فله فيها أجر؛ فإن كل مباح يمكن أن يصير قُرْبَةً إذا قصد به وجه الله؛ مثل أن يقصد بالأكل القوة على العبادة، ويقصد بالجماع التعفُّف عن الحرام.
﴿حُنَفَاءَ﴾ جمع حنيف، وقد ذكر (٢).
﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ تقديره: الملة القيمة، أو الجماعة القيمة.
стр. 2961
وقد فسرنا ﴿الْقَيِّمَةِ﴾.
ومعناه: أن الذي أمروا به من عبادة الله والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هو دين الإسلام؛ فلأي شيء لا يدخلون فيه؟
﴿الْبَرِيَّةِ﴾ الْخَلْق؛ لأن الله برأهم؛ أي: أوجدهم بعد العدم.
وقرئ:
بالهمز، وهو الأصل.
وبالياء، وهو تخفيف من المهموز، وهو أكثر استعمالًا عند العرب.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ اختلف هل هذا في الدنيا أو في الآخرة؟
فرضاههم عن الله في الدنيا: هو الرضا بقضائه والرضا بدينه، قال رسول الله ﷺ : «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا» (١).
ورضاهم عنه في الآخرة: هو رضاهم بما أعطاهم الله فيها.
ورضا الله عنهم: كما ورد في الحديث أن الله يقول: «يا أهل الجنة هل تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا! وأي شيء نريد (٢) وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: عندي أفضل من ذلك، وهو رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا» (٣).
стр. 2962
﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: لمن خافه.
وهذا دليل على فضل الخوف، قال رسول الله ﷺ : «خوف الله رأس كل حكمة» (١).
стр. 2963
(سورة إذا زلزلت)
[﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾].
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: حُرِّكت واهتزت.
و ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدر، وإنما أضيف إليها تهويلًا؛ كأنه يقول: الزلزال الذي يليق بها على عظمة جِرْمها (١).
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ يعني: الموتى الذين في جوفها، وذلك عند النفخة الثانية في الصور.
وقيل: هي الكنوز، وهذا ضعيف؛ لأن إخراجها للكنوز وقت الدجال.
﴿وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (٣)﴾ أي: يتعجَّب من شأنها، فيحتمل أن يريد:
جنس الإنسان.
أو الكافر خاصة؛ لأنه الذي يرى حينئذ ما لم يظن.
стр. 2964
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ هذا عبارة عما يحدث فيها من الأهوال، فهو مجاز وحديث بلسان الحال.
وقيل: هو شهادتها على الناس بما عملوا على ظهرها، فهو حقيقة.
و ﴿تُحَدِّثُ﴾ يتعدى إلى مفعولين، حذف الأول منهما، والتقدير: تحدث الخلق أخبارها.
وانتزع بعض المحدِّثين من قوله: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أن قول المحدِّث «حدثنا» و «أخبرنا» سواءٌ.
وهذه الجملة هي جواب ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾.
و ﴿تُحَدِّثُ﴾ هو العامل في ﴿إِذَا﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من ﴿إِذَا﴾.
ويجوز أن يكون العامل في ﴿إِذْ﴾ مضمرًا، و ﴿تُحَدِّثُ﴾ عامل في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾.
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ الباء سببية متعلقة بـ ﴿تُحَدِّثُ﴾؛ أي: تحدث بسبب أن الله أوحى لها.
ويحتمل أن يكون ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ بدلًا من ﴿أَخْبَارَهَا﴾، وهذا كما تقول: «حدَّثْتُ كذا» و «حدثت بكذا».
والمعنى على هذا: تحدّث بحديث الوحي لها.
وهذا الوحي يحتمل أن يكون:
إلهامًا.
أو كلامًا بواسطة الملائكة.
стр. 2965
و ﴿لَهَا﴾ بمعنى: إليها.
وقيل: معناه: أوحى إلى الملائكة من أجلها، وهذا بعيد.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ معنى ﴿أَشْتَاتًا﴾: مختلفين في أحوالهم، وواحد الأشتات شَتٌّ.
وصدر (١) الناس: هو انصرافهم من موضع وِرْدِهم (٢):
فقيل: الوِرْد: هو الدفن في القبور، والصَّدْر: هو القيام للبعث.
وقيل: الوِرْد: القيام للحشر (٣)، والصَّدْر: الانصراف إلى الجنة أو إلى النار، وهذا أظهر، وفيه يعظم التفاوت بين أحوال الناس؛ فيظهر كونهم أشتاتًا.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ المثقال: هو الوزن، والذرة: هي النملة الصغيرة.
والرؤية هنا ليست برؤية بصر، وإنما هي عبارة عن الجزاء.
وذكر الله مثقال الذرة؛ تنبيهًا على ما هو أكثر منه من طريق الأولى، كأنه قال: من يعمل قليلًا أو كثيرًا.
وهذه الآية هي في المؤمنين؛ لأن الكافر لا يُجازى في الآخرة على حسناته؛ إذ لم تقبل منه.
стр. 2966
واستدل أهل السنة بهذه الآية أنه لا يخلد مؤمنٌ في النار؛ لأنه لو خلد لم ير ثوابًا على إيمانه وعلى ما عمل من الحسنات.
وروي عن عائشة: أنها تصدقت بحبة عنب فقيل لها في ذلك؛ فقالت: كم فيها من مثقال ذرة؟
وسمع رجل هذه الآية عند رسول الله ﷺ فقال: حسبي، لا أبالي أن لا أسمع غيرها.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ هذا على عمومه في حق الكفَّار.
وأما المؤمنون: فلا يُجْزَون بذنوبهم إلا بستة شروط؛ وهي:
[-١] أن تكون ذنوبهم كبائرَ.
[٢ - ] وأن يموتوا قبل التوبة منها.
[٣ - ] وألا تكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها.
[٤ - ] وأن لا يشفع فيهم.
[٥ - ] وأن لا يكونوا ممن استحق المغفرة بعملٍ، كأهل بدر.
[٦ - ] وأن لا يعفو الله عنهم، فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له.
стр. 2967
(سورة العاديات)
[﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾]
اختلف في العاديات والموريات والمغيرات؛ هل يراد بها الخيل أو الإبل؟
وعلى القول بأنها الخيل اختلف هل يعني:
خيل المجاهدين؟
أو الخيل على الإطلاق؟
وعلى القول بأنها الإبل اختلف هل يعني:
إبل غزوة بدر؟
أو إبل المجاهدين مطلقًا؟
أو إبل الحُجَّاج؟
أو الإبل على الإطلاق؟
стр. 2968
ومعنى ﴿الْعَادِيَاتِ﴾: التي تعدو في مشيها (١).
والضبح: هو تصويت جهير عند العدو الشديد، ليس بصهال (٢).
وهو مصدر منصوب على تقدير: يضبحن ضبحًا.
أو هو مصدر في موضع الحال، تقديره: العاديات في حال ضبحها.
و ﴿الْمُورِيَاتِ﴾ من قولك: أوريت النارَ: إذا أوقدتها (٣).
والقدح: صك الحجارة، فيخرج منها شعلة نارٍ، وذلك عند ضرب الأرض بأرجل الخيل أو الإبل.
وإعراب ﴿قَدْحًا﴾ كإعراب ﴿ضَبْحًا﴾.
و ﴿الْمُغِيرَاتِ﴾ من قولك: أغارت الخيل: إذا خرجت للإغارة على أعدائها.
و ﴿صُبْحًا﴾ ظرف زمان؛ لأن عادة أهل الغارة في الأكثر أن يخرجوا في الصباح.
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾ هذه الجملة معطوفة على ﴿الْعَادِيَاتِ﴾ وما بعده؛ لأنه في تقدير: التي تعدو. والنقع: الغبار.
стр. 2969
والضمير المجرور:
للوقت المذكور، وهو الصبح، فالباء ظرفية.
أو للمكان الذي يقتضيه المعنى، فالباء أيضًا ظرفية.
أو لِلعَدْو، وهو المصدر الذي يقتضيه ﴿الْعَادِيَاتِ﴾، فالباء سببية. ومعنى ﴿أَثَرْنَ﴾ حرَّكن.
والضمير الفاعل: للإبل أو للخيل؛ أي: حرَّكن الغبارَ عند مشيهنَّ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)﴾ معنى ﴿وَسَطْنَ﴾: توسطن.
و ﴿جَمْعًا﴾ اختلف هل المراد به:
جمعٌ من الناس؟
أو المزدلفة؟؛ لأن اسمها جمعٌ.
والضمير المجرور:
للوقت.
أو للمكان.
أو لِلعَدْو.
أو للنقع.
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ هذا جواب القسم.
والكنود: الكفور للنعمة، فالتقدير: إن الإنسان لنعمة ربه لكفور، و ﴿الْإِنسَانَ﴾: جنس.
стр. 2970
وقيل: الكنود: العاصي.
وقال بعض الصوفية: الكنود: الذي يعبد الله على عِوَضٍ (١).
﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ الضمير للإنسان؛ أي: هو شاهد على نفسه بكنوده.
وقيل: هو لله تعالى على معنى التهديد.
والأول أرجح؛ لأن الضمير الذي بعده للإنسان باتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد.
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ الخير هنا: المال، كقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].
والمعنى: إن الإنسان شديد الحب للمال، فهو ذمٌّ لحبه والحرص عليه.
وقيل: الشديد: البخيل، والمعنى على هذا: إنه لَبخيلٌ؛ من أجل حب المال.
والأول أظهر.
﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ أي بُحِث عنه، وذلك عبارة عن البعث.
﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ أي: جُمِع في الصحف وأُظهر محصَّلًا.
أو مُيِّز خيره من شره.
стр. 2971
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ الضمير في ﴿رَبَّهُمْ﴾ و ﴿بِهِمْ﴾ يعود على الإنسان؛ لأنه يراد به الجنس.
وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أن هذه الجملة معمول ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾، فكان الأصل أن تفتح «إنَّ»، ولكنها كسرت من أجل اللام التي في خبرها.
والثاني: أن تكون هذه الجملة مستأنفة، ويكون معمول ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ محذوفًا، ويكون الفاعل ضميرًا يعود على الإنسان، والتقدير: أفلا يعلم الإنسان حاله وما يكون منه إذا بعثر ما في القبور؟
وهذا هو الذي قاله ابن عطية (١).
ويحتمل عندي: أن يكون فاعل ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾ ضميرًا يعود على الله، والمفعول محذوف، والتقدير: أفلا يعلم الله أعمال الإنسان إذا بعثر ما في القبور؟، ثم استأنف قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ على وجه التأكيد، أو (٢) البيان للمعنى المتقدم.
والعامل في ﴿إِذَا بُعْثِرَ﴾ على هذا الوجه هو: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ﴾.
والعامل فيه على مقتضى قول ابن عطية: هو المفعول المحذوف.
و ﴿إِذَا﴾ هنا ظرفية بمعنى: «حين» و «وقت»، وليست بشرطية.
стр. 2972
والعامل في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ﴿خَبِيرٌ﴾.
وإنما خص ذلك بيوم القيامة؛ لأنه يوم الجزاء، فقصد التهديد (١)، مع أن الله خبير على الإطلاق.
стр. 2973
(سورة القارعة)
[﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾].
﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾ من أسماء القيامة؛ لأنها تقرع القلوب بهولها.
وقيل: هي النفخة في الصور؛ لأنها تقرع الأسماع.
﴿مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾ مبتدأ وخبر (١)، في موضع خبر ﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾.
والمراد به: تعظيم شأنها، وكذلك ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣)﴾.
﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ العامل في الظرف: محذوف، دل عليه ﴿الْقَارِعَةُ (١)﴾، تقديره: تقرع في يوم.
والفراش: هو الطير الصغير الذي يشبه البعوض ويدور حول المصباح.
والمبثوث: هو المنتشر المتفرق، شبَّه الله الخلق يوم القيامة به في كثرتهم وانتشارهم وذلَّتهم.
стр. 2974
ويحتمل أنه شبههم به؛ لتساقطهم في جهنم كما يتساقط الفراش في المصباح.
قال بعض العلماء: الناس في أول قيامهم من القبور كالفراش المبثوث؛ لأنهم يجيئون ويذهبون على غير نظام، ثم يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية المحشر؛ فيكونون حينئذ كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد يقصد إلى جهة (١) واحدة.
وقيل: إن الفراش هنا: الجراد الصغار، وهو ضعيف.
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ العهن: هو الصوف. وقيل: الصوف الأحمر.
وقيل: الصوف الملون ألوانًا.
شبّه الله الجبال يوم القيامة به؛ لأنها تُنسف فتصير لينة.
وعلى القول بأنه الملون يكون التشبيه أيضًا من طريق اختلاف ألوان الجبال؛ لأن منها بيضاء وحمراء وسوداء.
﴿مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ هو جمع ميزان، أو جمع موزون.
وميزان الأعمال يوم القيامة له لسان وكِفَّتان عند الجمهور.
وقال قوم: هو عبارة عن العدل.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ معناه: ذات رضًا عند سيبويه.
стр. 2975
وثِقَلُ الموازين: بكثرة الحسنات، وخِفَّتها: بقلَّتها.
ولا يَخِفُّ ميزان مؤمن خفَّةً مُوبقة؛ لأن الإيمان يوزن فيه.
﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الهاوية جهنم، سميت بذلك؛ لأن الناس يهوون فيها؛ أي: يسقطون.
و ﴿أُمُّهُ﴾ معناه: مأواه، كقولك: «المدينة أم فلان»؛ أي: مسكنه، على التشبيه بالأم الوالدة؛ لأنها مأوى الولد ومرجعه.
الثاني: أن الأم: هي الوالدة، و ﴿هَاوِيَةٌ﴾: ساقطة، وذلك عبارة عن هلاكه، كقولك: «أمه ثكلى»: إذا هَلَك.
الثالث: أن المعنى: أمُّ رأسه هاوية في جهنم؛ أي: ساقطة فيها؛ لأنه يُطرح فيها منكوسًا.
وروي أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «لا أمَّ لك»، فقال: يا رسول الله تدعوني إلى الهدى وتقول: لا أمَّ لك؟، فقال رسول الله ﷺ : «إنما أردت: لا نار لك، قال الله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾» (١)، وهذا يؤيد القول الأول.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)﴾ الهاء للسكت، والضمير:
لجهنم على القول بأنها هي الهاوية.
стр. 2976
وهو لِلفِعلة والخصلة التي يراد بها العذاب على القول الثاني والثالث.
والمقصود: تعظيمها، ثم فسرها بقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.
стр. 2977
(سورة التكاثر (١))
[﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾]
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ هذا خبر يراد به الوعظ والتوبيخ.
ومعنى ﴿أَلْهَاكُمُ﴾: شغَلكم.
و ﴿التَّكَاثُرُ﴾: المباهاة بكثرة المال والأولاد، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، ويقول هؤلاء: نحن أكثر.
ولما قرأها النبي ﷺ قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي!، وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لَبِست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» (٢).
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن معناه: حتى مُتُّم، فأراد بزيارة المقابر: الدفن فيها.
الثاني: أن معناه: حتى ذكرتم الموتى الذين في المقابر، فعبّر بزيارتها عن التفاخر بمن فيها؛ لأن بعض العرب تفاخر بآبائه الموتى.
стр. 2978
فالمعنى: ألهاكم التكاثر حتى بلغتم فيه إلى ذكر الموتى.
الثالث: أن معناه: زيارة المقابر حقيقةً؛ لتعظيم أهلها والتفاخر بهم، فيقول: هذا قبر فلان؛ ليُشهَر ذِكرهُ (١) ويعظم قدره.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ زجر وتهديد، ثم كرره؛ للتأكيد، وعطفه بـ ﴿ثُمَّ﴾ إشارة إلى أن الثاني أعظم من الأول.
وقيل: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: في القبور، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: يوم القيامة.
وقيل: الأول: تهديد للكفار، والثاني: تهديد للمؤمنين.
وحذف مفعول (٢) ﴿تَعْلَمُونَ﴾، وتقديره:
تعلمون ما يَحُلُّ بكم.
أو تعلمون أن القرآن حق.
أو تعلمون أنكم كنتم على خطإٍ في اشتغالكم بالدنيا.
وإنما حذفه؛ لقصد التهويل، فيقدّر السامعُ أعظمَ ما يخطر بباله.
﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لو تعلمون لازدجرتم واستعددتم للآخرة، فينبغي الوقف على ﴿الْيَقِينِ﴾.
ومفعول ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ محذوف أيضًا.
стр. 2979
و ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ مصدر، ومعنى علم اليقين: العلم الذي لا يُشك فيه. قال بعضهم: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك: دارُ الآخرةِ. وقال الزمخشري: معناه: علم الأمور التي تتيقَّنونها بالمشاهدة (١).
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ هذا جواب قسم محذوف، وهو تفسير لمفعول ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ تقديره: لو تعلمون عاقبة أمركم، ثم فسرها بأنها رؤية الجحيم، والتفسير بعد الإبهام يدل على التهويل والتعظيم.
والخطاب: لجميع الناس، فهو كقوله: ﴿وَإِنْ مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. وقيل: للكفار خاصة، فالرؤية على هذا: يراد بها الدخول فيها.
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ هذا تأكيد للرؤية المتقدمة، وعطفه بـ ﴿ثُمَّ﴾؛ للتهويل والتفخيم.
والعين هنا: من قولك: عين الشيء: نفسه وذاته؛ أي: لترونها الرؤية التي هي نفس اليقين.
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ هذا إخبار بالسؤال في الآخرة عن نعيم الدنيا:
فقيل: النعيم: الأمن والصحة.
وقيل: الطعام والشراب.
وهذه أمثلة، والصواب: العموم في كل ما يُتلذذ به، قال رسول الله ﷺ : «بيت يُكِنُّك، وخرقةٌ تواريك، وكِسْرة تشدُّ قلبك، وما سوى ذلك فهو
стр. 2980
نعيم» (١)، وقال ﷺ : «كل نعيم فمسؤول عنه إلا نعيم في سبيل الله» (٢)، وأكل يومًا ﷺ مع بعض أصحابه رطبًا وشربوا عليه ماء، فقال لهم: «هذا من النعيم الذي تُسألون عنه» (٣).