أن يكون بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا الموضع بلدًا آمنًا، وقال: ﴿هَذَا الْبَلَدَ﴾ بعد ما صار بلدًا.
وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين؛ والظاهر أنه مرة واحدة، حُكي لفظه فيها على وجهين.
﴿مَنْ آمَنَ﴾ بدل بعض من كل.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: قال الله: وأرزق من كفر؛ لأن الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر.
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ﴾ على حذف القول؛ أي: يقولان ذلك.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي: عَلّمْنا مواضع الحج. وقيل: العبادات.
﴿فِيهِمْ﴾ أي: في ذريتنا.
﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ هو محمد ﷺ ؛ ولذلك قال ﷺ : «أنا دعوة إبراهيم» (١).
والضمير المجرور: لذرية إبراهيم وإسماعيل، وهم العرب الذين من نسل عدنان.
وأما الذين من نسل قحطان فاختلف هل هم من ذرية إسماعيل أم لا؟
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: السنة.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يطهرهم من الكفر والذنوب.
﴿وَيَعْقُوبُ﴾ بالرفع: عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾؛ فهو مُوصٍ.
وقرئ بالنصب: عطفًا على ﴿بَنِيهِ﴾؛ فهو مُوصًى.
﴿أَمْ كُنتُمْ﴾ «أم» هنا منقطعة، معناها الاستفهام والإنكار.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ كان عمه؛ والعم يسمى أبًا.
﴿وَقَالُوا كُونُوا﴾ أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى.
﴿بَلْ مِلَّةَ﴾ منصوب بإضمار فعل.
﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ أي: لا نؤمن بالبعض دون البعض، وهذا برهانٌ؛ لأن كل من أتى بالمعجزة فهو نبيّ، فالكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم تناقض.
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ وعدٌ ظهر مصداقُه بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النَّضير، وغير ذلك.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي دينه، وهو استعارةٌ من صبغ الثوب وغيره.
ونصبه:
على الإغراء.
أو على المصدر من المعاني المتقدمة.
أو بدل من: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿كَتَمَ شَهَادَةً﴾ هي الشهادة بأن الأنبياء على الحنيفية.
стр. 354
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ يتعلق:
بـ ﴿كَتَمَ﴾.
أو بـ ﴿عِندَهُ﴾؛ كأنَّ المعنى: شهادة تخلَّصت له من الله.
* * *
стр. 355
[﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾].
﴿سَيَقُولُ﴾ ظاهرهُ: الإعلام بقولهم قبل وقوعه.
إلَّا أن ابن عباس قال: نزلت بعد قولهم.
﴿السُّفَهَاءُ﴾ هنا: اليهود، أو المشركون، أو المنافقون.
﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ أي: ما ولَّى المسلمين عن قبلتهم الأولى -وهي بيت المقدس- إلى الكعبة؟.
﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ﴾ الآية: ردٌّ عليهم بأن الله يحكم ما يريد، ويولِّي عباده حيث شاء؛ لأن الجهات كلَّها له.
стр. 356
﴿وَكَذلِكَ﴾ أي: كما هديناكم جعلناكم وَسَطًا؛ أي: خيارا (١).
﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم.
﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالكم، قال ﷺ : «أقول كما قال أخي عيسى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآية» (٢).
فإن قيل: لم قدَّم المجرور في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وأخره في قوله: ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾؟
فالجواب: أنَّ تقديم المعمولات يفيد الحصر، فقدَّم المجرور في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾؛ لاختصاص شهادة النبي ﷺ بأمته، ولم يقدّمه في قوله: ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾؛ لأنه لم يقصد الحصر (٣).
﴿الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ فيها قولان:
أحدهما: أنها الكعبة، وهو قول ابن عباس.
والآخر: أنها بيت المقدس، وهو قول قتادة وعطاء والسُّدّي.
وهذا مع ظاهر قوله: ﴿كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم انصرف عنه إلى الكعبة.
وأما قول ابن عباس: فتأويله بوجهين:
الأول: أنَّ «كنت» بمعنى «أنت».
стр. 357
والثاني: قيل: إن النبي ﷺ صلى إلى الكعبة قبل بيت المقدس.
وإعراب ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾:
مفعولٌ به ﴿جَعَلْنَا﴾.
أو صفة لـ ﴿الْقِبْلَةَ﴾.
ومعنى الآية على القولين: اختبارٌ وفتنة للناس بأمر القبلة.
فأما على قول قتادة: فإن الصلاة إلى بيت المقدس:
فتنةٌ للعرب؛ لأنهم كانوا يعظِّمون الكعبة.
أو فتنةٌ لمن أنكر تحويلها؛ وتقديره على هذا: ما جعلنا صرف القبلة التي كنت عليها؛ وهذا أظهر؛ لأن الفتنة إنما وقعت عند صرف القبلة.
وأما على قول ابن عباس: فإن الصلاة إلى الكعبة:
فتنةٌ لليهود؛ لأنهم يعظِّمون بيت المقدس، وهم مع ذلك ينكرون النسخ، فأنكروا صرف القبلة.
أو فتنةٌ لضعفاء المسلمين، حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صُرِفت القبلة.
﴿لِنَعْلَمَ﴾ أي: العلم الذي تقوم به الحجة على العبد، وهو: إذا ظهر في الوجود ما علمه الله.
﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ عبارةٌ عن الارتداد عن الإسلام، وهو تشبيهٌ بمن رجع يمشي إلى وراء.
стр. 358
﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ «إِنْ» مخففة من الثقيلة.
واسم «كان»: ضمير الفِعْلة؛ وهي التحول عن القبلة.
﴿إِيمَانَكُمْ﴾ هنا: قيل: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ واستدلَّ به من قال: إنَّ الأعمال من الإيمان.
وقيل: معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القبلة.
﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ كان النبي ﷺ يرفع رأسه إلى السماء؛ رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة.
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ جهته.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ خبر يتضمن النهي.
ووُحِّدت ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾ وإن كانت جهتين؛ لاستوائهما في البطلان.
﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأنَّ اليهود يستقبلون المغرب، والنصارى المشرق.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي: يعرفون القرآن، أو النبي ﷺ ، أو أمر القبلة.
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ مبالغةٌ في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام: «معرفتي بالنبي ﷺ أشدُّ من معرفتي بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشكُّ» (١).
стр. 359
[﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾].
﴿وَلِكُلٍّ﴾ أي: لكل أحد، أو لكل طائفة.
﴿وِجْهَةٌ﴾ أي: جهة، ولم تحذف الواو؛ لأنه ظرف مكان.
وقيل: إنه مصدر ثبتت فيه الواو على غير قياس.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي: موليها وجهه.
وقرئ: ﴿مُوَلَّاهَا﴾ أي: ولاه الله إليها (١).
والمعنى: أن الله تعالى جعل لكل أمة قبلة.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: بادروا إلى الأعمال الصالحة.
﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يبعثكم من قبوركم.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ كُرّر تأكيدًا، أو ليناط به ما بعده.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ الآية؛ معناها: أن الصلاة إلى الكعبة ترفع
стр. 360
حجة المعترضين من الناس.
فإن أريد بالناس اليهود: فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنَّ النبي ﷺ يصلي إلى الكعبة، فلما صلَّى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين.
وإن أريد (١) قريش: فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: من يتكلم بغير حجة ويعترض التحوُّل إلى الكعبة.
والاستثناء متصل؛ لأنه استثناء من عموم الناس.
ويحتمل الانقطاع؛ على أن يكون استثناء ممن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة.
﴿وَلِأُتِمَّ﴾ متعلق بمحذوف؛ أي: فعلت ذلك لأتمَّ.
أو: معطوف على: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ متعلق:
بقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ﴾.
أو بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.
والأول أظهر.
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال سعيد بن المسيب: معناه: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب.
стр. 361
وقيل: اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك.
وقد أكثر المفسّرون - لا سيما المتصوّفة - في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معانٍ مخصوصةٌ؛ ولا دليل على التخصيص.
وبالجملة: هذه الآية بيان لشرف الذكر، وبيّنها قولُ رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خيرٍ منهم» (١).
والذكر ثلاثة أنواع: ذكر بالقلب، وباللسان، وبهما معًا.
واعلم أن الذكر أفضلُ الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال كالصلاة وغيرها؛ فإنَّ ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى.
والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه:
الأول: النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال، قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «ذكر الله» (٢).
وسئل رسول الله ﷺ : أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «ذكر الله»، قيل: الذكر
стр. 362
أفضل أم الجهاد في سبيل الله؟ فقال: «لو ضَرَب المجاهد بسيفه في الكفار حتى ينقطع سيفه ويختضب دمًا: لكان الذاكرُ الله أفضلَ منه» (١).
الوجه الثاني: أن الله تعالى حيثما أمر بالذكر أو أثنى على الذاكرين: اشترط فيه الكثرة؛ فقال: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، و ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال.
الوجه الثالث: أن في الذكر مزيَّةً هي له خاصة ليست لغيره؛ وهي الحضور في الحضرة العليَّة، والوصول إلى القرب الذي عَبَّر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعيَّة؛ فإن الله تعالى يقول: «أنا جليس من ذكرني» (٢)، ويقول: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني».
وللناس في المقصد بالذكر مقامان:
فقصد (٣) العامة: اكتساب الأجور.
ومقصد (٤) الخاصة: القرب والحضور.
وما بين المقامين بَوْن بعيد، فكم بين من يأخذ أجره وهو من وراء حجاب، وبين من يُقرَّب حتى يكون من خواص الأحباب! (٥).
стр. 363
واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة: فمنها التهليل، والتسبيح، والتكبير، والتحميد، والحوقلة، والحسبلة، وذكرُ كلِّ اسم من أسماء الله تعالى، والصلاةُ على النبي ﷺ ، والاستغفار، وغير ذلك.
ولكل ذكرٍ خاصيَّةٌ وثمرة:
فأما التهليل: فثمرته التوحيد، أعني: التوحيد الخاص؛ فإن التوحيد العام حاصل لكل مؤمن.
وأما التكبير: فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال.
وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة، كالرحمن والرحيم والكريم والغفَّار وشبه ذلك: فثمرتها ثلاث مقامات؛ وهي:
стр. 364
الشكر، وقوة الرجاء، والمحبة؛ فإنَّ المحسن محبوب لا محالة.
وأما الحوقلة والحسبلة: فثمرتها التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والثقة بالله.
وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك، كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك: فثمرتها المراقبة.
وأما الصلاة على النبي ﷺ : فثمرتها شدَّة المحبة فيه، والمحافظة على اتباع سنته.
وأما الاستغفار: فثمرته الاستقامة على التقوى، والمحافظة على شروط التوبة، مع انكسار القلب بسبب الذنوب المتقدمة.
ثم إنَّ ثمرات الذكر بجميع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد (١)؛ وهو قولنا: «الله، الله»؛ فذلك هو الغاية وإليه المنتهى (٢).
أقاربهم، فنزلت الآية مبيِّنةً لمنزلة الشهداء عند الله، ومسلِّيَّةً لأقاربهم.
ولا يخصِّصها نزولها فيهم؛ بل حكمها على العموم في الشهداء.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ أي: نختبركم.
وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه: أن يظهر في الوجود ما في علمه؛ لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضًا؛ لأن الله يعلم ما كان وما يكون.
والخطاب بهذا الابتلاء:
للمسلمين.
وقيل: لكفار قريش.
والأول أظهر؛ لقوله بعدها: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ يعني: من الأعداء.
﴿وَالْجُوعِ﴾ بالجدب.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ بالخسارة.
﴿وَالْأَنفُسِ﴾ بالقتل.
﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ بالجوائح.
وقيل: ذلك كلُّه بسبب الجهاد.
﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ اللام للملك؛ والمالك يفعل في مُلكه ما يشاء.
﴿رَاجِعُونَ﴾ تذكَّروا الآخرة؛ لتهون عليهم مصائب الدنيا، وفي الحديث
стр. 367
الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في (١) مصيبتي (٢) واخلف لي خيرًا منها: أخلف الله له خيرًا مما أصابه». قالت أم سلمة: «فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك؛ فأبدلني الله به رسول الله ﷺ » (٣).
* فائدة: ورد ذكر الصبر من القرآن في أكثر من سبعين موضعًا، وذلك لعظمة موقعه في الدين.
قال بعض العلماء: كلُّ الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبع مئة ضِعفٍ، إلا الصبر؛ فإنه لا يحصر أجره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة:
أولها: المحبة، قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
والثاني: النصرة، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
والثالث: غُرفات الجنة، قال: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥].
والرابع: الأجر الجزيل، قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
стр. 368
والأربعة الأخرى: المذكورة في هذه الآية:
فمنها البِشارة، قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
والصلاة والرحمة والهداية، قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
والصبر على أربعة أوجه:
[١ - ] صبرٌ على البلاء؛ وهو منع النفس من التسخُّط والهلع والجزع.
[٢ - ] وصبر على النعم؛ وهو تقييدها بالشكر، وعدم الطغيان، وعدم التكبُّر بها.
[٣ - ] وصبر على الطاعات؛ بالمحافظة والدوام عليها.
[٤ - ] وصبر عن المعاصي؛ بكفِّ النفس عنها.
وفوق الصبر: التسليم؛ وهو ترك الاعتراض والتسخُّط ظاهرًا، وترك الكراهة باطنًا.
وفوق التسليم: الرِّضا بالقضاء؛ وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر عن المحبة، وكلُّ ما يفعل المحبوب محبوب.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ جبلان صغيران بمكة.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: معالم دينه، واحدها: شعيرةٌ، أو شعارةٌ.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ إباحةٌ للسعي بين الصفا والمروة.
والسعي بينهما واجب عند مالك والشافعي.
стр. 369
وإنما جاء بلفظ يقتضي الإباحة؛ لأن بعض الصحابة امتنعوا من السعي بينهما؛ لأنه كان في الجاهلية على الصفا صنمٌ يقال له: إسافٌ، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، فخافوا أن يكون السعي بينهما تعظيمًا للصَّنمين، فرفع الله ما وقع في نفوسهم من ذلك.
ثم إنَّ السعي بينهما واجب (١) بالسنَّة؛ قالت عائشة ﵂: «سنَّ رسول الله ﷺ السعي بين الصفا والمروة، وليس لأحد تركه» (٢).
وقيل: إن الوجوب يؤخذ من قوله: ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وهذا ضعيف؛ لأنَّ شعائر الله منها واجبةٌ، ومنها مندوبة.
وقد قيل: إنَّ السعي مندوبٌ.
﴿يَطَّوَّفَ﴾ أصله: يتطوَّف؛ ثم أدغمت التاء في الطاء.
وهذا الطواف يراد به: السعي سبعة أشواط.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ عامٌ في أفعال البر.
أو خاصٌّ في السعي بين الصفا والمروة؛ فيقتضي أن السعي بينهما تطوُّعٌ، ويؤخذ الوجوب من السنة.
أو معنى ﴿تَطَوَّعَ﴾: التطوُّع بحجٍّ بعد حجِّ الفريضة.
﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ اليهود؛ كتموا أمر محمد ﷺ .
стр. 370
﴿فِي الْكِتَابِ﴾ التوراة هنا.
﴿اللَّاعِنُونَ﴾ الملائكة والمؤمنون.
وقيل: المخلوقات إلَّا الثَّقلين.
وقيل: البهائم؛ لما يصيبهم من الجدب بذنوب الكاتمين للحقِّ.
﴿وَبَيَّنُوا﴾ إنَّما شرط في توبتهم أن يبينوا؛ لأنهم كتموا.
﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ هم المؤمنون؛ فهو عامٌ يراد به الخصوص؛ لأن المؤمنين هم الذين يُعتدُّ بلعنهم للكفار.
وقيل: يلعنهم جميع الناس في الآخرة.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة. وقيل: في النار.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ مِنْ أنظر: إذا أخَّر؛ أي: لا يؤخَّرون عن العذاب ولا يمهلون.
أو من نظر؛ لقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ إِلَّا أنَّ هذا يتعدَّى بـ «إلى».
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الواحد له ثلاثة معانٍ، كلُّها صحيحة في حق الله تعالى:
أحدها: أنه لا ثاني له؛ فهو نفي للعدد.
والآخر: أنه لا شريك له ولا نظير.
стр. 371
والثالث: أنه واحدٌ لا يتبعَّض ولا ينقسم (١).
وقد فُسِّر المراد به هنا في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات:
الأولى: توحيد عامة المسلمين؛ وهو الذي يعصم النفس والمال في الدنيا، ويُنجي من الخلود في النار في الآخرة، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.
الدرجة الثانية: توحيد الخاصة؛ وهو أن يرى الأفعالَ كلَّها صادرةً من الله وحده، ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة، لا بطريق الاستدلال، فإنَّ معرفة ذلك بطريق الاستدلال حاصلةٌ لكلِّ مؤمن، وإنما مقام الخاصة: يقين في القلب بعلمٍ ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم: الانقطاع إلى الله، والتوكل عليه وحده، واطِّراح جميع الخلق، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحدًا سواه؛ إذ ليس يرى فاعلًا إلَّا إياه، ويرى جميع
стр. 372
الخلق في قبضة القهر، ليس بيدهم شيءٌ من الأمر، فيطرح الأسباب، وينبذ الأرباب.
والدرجة الثالثة: ألَّا يرى في الوجود إلَّا الله وحده، فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومةٌ.
وهذا هو الذي تسمّيه الصوفية: مقام الفناء؛ بمعنى الغيبة عن الخلق؛ حتى إنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده، أي: يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله (١).
مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾].
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية؛ ذكر فيها ثمانية أصنافٍ من المخلوقات؛ تنبيهًا على ما فيها من العبر، واستدلالًا على التوحيد المذكورُ قبلها في قولهِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: اختلاف وصفهما من الضياءِ والظلامِ، والطولِ والقصرِ.
وقيل: المعنى: أنَّ أحدهما يخلفُ (١) الآخر.
﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من التجارةِ وغيرها.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ إرسالها من جهاتٍ مختلفةٍ؛ وهي الجهات الأربعِ وما بينها، وبصفاتٍ مختلفة؛ فمنها مُلْقِحَةٌ للشجر، وعَقِيمٌ، وصِرٌّ، وللنصرِ، وللهلاكِ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ اعلمْ أنَّ محبة العبد لربه على درجتينِ:
أحدهما: المحبة العامةُ التي لا يخلو عنها كل مؤمنٍ؛ وهي واجبةٌ.
والأخرى: المحبة الخاصَّةُ التي ينفردُ بها العلماء الربانيون، والأولياء، والأصفياء.
وهي أعلى المقاماتِ، وغايةُ المطلوباتِ؛ فإن سائر مقامات الصالحينَ، كالخوفِ، والرجاء، والتوكلِ، وغيرِ ذلك؛ هي مبنيَّةٌ على حظوظِ النفوس،
стр. 375
ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، وأن الراجي إنما يرجو منفعةَ نفسه؟، بخلاف المحبة؛ فإنها من أجل المحبوب؛ فليست من المعاوضات (١).
واعلم أن سبب محبة الله: معرفته؛ فتقوى المحبةُ على قدر قوَّة المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة؛ فإن الموجب للمحبة أحدُ أمرين،
стр. 376
أو كلاهما إذا اجتمعا، ولا شكَّ أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال:
فالموجب الأوَّل: الحسن والجمال.
والآخر: الإحسان والإجمال.
فأما الجمال: فهو محبوب بالطبع؛ فإنَّ الإنسان بالضرورة يحبُّ كلَّ ما يستحسن.
والإجمال: مثل جمال الله في حكمته البالغة، وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تَرُوقُ العقولَ وتُبهج القلوبَ.
وإنما يُدرَك جمالُه تعالى بالبصائر، لا بالأبصار.
وأما الإحسان؛ فقد جُبلت القلوبُ على حبِّ من أحسن إليها.
وإحسانُ الله إلى عباده متواتر، وإنعامه عليهم باطن وظاهر، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، وكلُّ إحسانٍ يُنسب إلى غيره فهو - في الحقيقة - منه وحده، فهو المستحقُّ للمحبة وحده.
واعلمْ أن محبة الله إذا تمكَّنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح؛ من الجدِّ في طاعته، والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته، والتلذُّذِ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوقِ إلى لقائه، والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من الناس، والانفراد في الخلوات،
стр. 377
وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كلِّ ما يحبه اللهُ، (وكلِّ من يحب اللهَ) (١) وإيثارِ الله على كل من سواه.
قال الحارث المحاسبيُّ: المحبة مَيْلُك إلى المحبوب بكليَّتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سرًّا وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك في حبه (٢).
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ من رؤية العين، و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مفعولٌ، وجواب «لو» محذوف؛ وهو العامل في ﴿أَنَّ﴾.
والتقدير: لو ترى الذين ظلموا لعلمتَ أنَّ القوة لله، أو لعلموا أنَّ القوة لله.
وقرئ ﴿يَرَى﴾ بالياء: وهو - على هذه القراءة - من رؤية القلب، و ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فاعل، و ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ مفعول ﴿يَرَى﴾، وجواب «لو» محذوف.
والتقدير: لو يرى الذين ظلموا أنَّ القوة لله لندموا، أو لاستعظموا ما حلَّ بهم.
﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾ بدلٌ من: ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾.
أو استئنافٌ؛ والعامل فيه محذوف تقديره: اذكر.
стр. 378
﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ هم: الآلهة، أو الشياطين، أو الرؤساء من الكفَّار. والعموم أولى.
﴿الأَسْبَابُ﴾ هنا: الوُصلات من الأرحام والمودَّات.
﴿أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ أي: سيّئاتهم. وقيل: حسناتهم إذ لم تقبل منهم. أو: ما عملوه لآلهتهم.
* * *
﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ المعاصي.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ الإشراك، وتحريم الحلال؛ كالبَحِيرة وغير ذلك.
﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ ردٌّ على قولهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾.
والآيةُ في كفَّار العرب. وقيل: في اليهود.
والمعنى: أتتبعونهم (١) ولو كانوا لا يعقلون؟، فدخلت همزة الإنكار على واو الحال.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ في معناها قولان:
الأول: تشبيه الذين كفروا بالبهائم في قلَّة فهمهم وعدم استجابتهم لمن يدعوهم.
ولا بد في هذا من محذوف؛ وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المحذوف أوَّلَ الآية، والتقدير: مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ أي: يصيح ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ وهي البهائم التي لا تسمع ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ولا تعقل معناه.
والآخر: أن يكون المحذوف بعد ذلك، والتقدير: مثل الذين كفروا كمثل مَدْعُوٍّ الذي ينعق.
ويكون ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ على الوجهين: مفعولًا بـ ﴿يَسْمَعُ﴾.
والنعيق: هو زجر الغنم، والصياح عليها.
стр. 381
فعلى هذا القول: شبّه الكفار: بالغنم، وشبه داعيهم: بالذي يزجرها ويصيح عليها.
والقول الثاني: تشبيه الذين كفروا في دعائهم وعبادتهم لأصنامهم بمن ينعق بما لا يسمع؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئًا.
ويكون ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ على هذا منقطعًا؛ أي: أن الداعي يتعب نفسه بالدعاء والنداء لمن لا يسمعه من غير فائدة.
فعلى هذا: شبه الكفار: بالناعق.
﴿صُمٌّ﴾ وما بعده: راجع إلى الكفار؛ وذلك يقوّي التأويل الأول.
ورفعه: على إضمار مبتدإ.
﴿وَاشْكُرُوا﴾ الآية؛ دليلٌ على وجوب الشكر؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
﴿الْمَيْتَةَ﴾ ما مات حتف أنفه، وهو عمومٌ خُصَّ منه: الحوت والجراد.
وأجاز مالك أكل الطافي من الحوت، ومنعه أبو حنيفة.
ومنع مالكٌ أكْلَ (١) الجراد حتى يُسبَّب موتها (٢) بقطع عضوٍ منها، أو وضعها في الماء، أو غير ذلك، وأجازه عبد الحكم دون ذلك.
﴿وَالدَّمَ﴾ يريد: المسفوح؛ لتقييده بذلك في سورة «الأنعام».
стр. 382
ولا خلاف في إباحة ما خالط اللحم من الدم.
﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ هو حرامٌ؛ سواء ذُكّي أو لم يذكَّ.
وكذلك شحمُه بإجماع، وإنما خصَّ اللحم بالذكر؛ لأنه الغالب في الأكل، ولأن الشحم تابعٌ له؛ ولذلك من حلف أن لا يأكل لحمًا فأكل شحمًا حنث، بخلاف العكس.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ أي: صِيحَ؛ لأنهم كانوا يصيحون باسم من ذُبح له، ثم استعمل في النية في الذبيحة.
﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الأصنام وشبهها.
﴿اضْطُرَّ﴾ بالجوع، أو بالإكراه.
وهو مشتق من الضرورة، ووزنه: افتُعِل، وأبدل من التاء طاءٌ.
﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قيل: باغٍ على المسلمين، وعادٍ عليهم؛ ولذلك لم يرخِّص مالك - في رواية عنه - للعاصي بسفره أن يأكل الميتة، والمشهور عنه: الترخيص له.
وقيل: باغٍ باستعمالها من غير اضطرار.
وقيل: باغٍ أي: متزيِّد على إمساك رَمَقِه؛ ولهذا لم يُجِز الشافعيُّ للمضطرِّ أن يشبع من الميتة، وقال مالك: بل يشبع ويتزوَّد.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ رفعٌ للحرج.
ويجب على المضطرِّ أكلُ الميتة؛ لئلا يقتل نفسه بالجوع، وإنما تدل الآية على الإباحة، ويؤخذ الوجوب من غيرها.
стр. 383
واختلف: هل يباح له أكل الميتة والدم والخنزير، أو أكل ما عدا الخنزير؟
واختلف: هل يباح له أكل ميتة ابن آدم أم لا؟ فمنعه مالك، وأجازه الشافعي؛ لعموم الآية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ اليهود.
﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ أي: أكلهم للدنيا يقودهم إلى النار؛ فوضع السبب موضع المسبَّب.
وقيل: يأكلون النار حقيقةً في جهنم.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ عبارةٌ عن غضبه عليهم.
وقيل: لا يكلّمهم بما يحبونه (١).
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يثني عليهم.
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾ تعجبُ:
من جُرأتهم على ما يقودهم إلى النار.
أو من صبرهم على عذاب النار في الآخرة.
стр. 384
وقيل: إنه استفهام؛ و ﴿أَصْبَرَهُمْ﴾ بمعنى: صَبَّرَهُمْ، وهذا بعيد؛ وإنما حمل قائله عليه اعتقاده أن التعجب مستحيل على الله؛ لأنه استعظام خفي سببه.
وذلك لا يلزم؛ فإنه في حق الله غير خفي السبب.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى العذاب.
ورفعه: بالابتداء، أو بفعل مضمر.
﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ الباء سببية.
﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ القرآن هنا.
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالواجب، أو بالإخبار الحق (١)؛ أي: الصادق.
والباء فيه: سببية، أو للمصاحبة.
﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى؛ و ﴿الْكِتَابِ﴾ على هذا: التوراة والإنجيل.
وقيل: ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾: العرب؛ و ﴿الْكِتَابِ﴾ على هذا: القرآن.
ويحتمل جنس الكتاب (٢) في الموضعين.
﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بعيد من الحق والاستقامة.
﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ صدقةُ التطوُّع، وليست بالزكاة؛ لقوله بعد ذلك: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ الضمير عائد على ﴿الْمَالَ﴾؛ كقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الآية؛ وهو الراجح من طريق المعنى، وعودُ الضمير على الأقرب.
وهو على هذا تتميمٌ؛ وهو من أدوات البيان.
وقيل: يعود على مصدر ﴿وَآتَى﴾.
وقيل: على الله.
﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وما بعده: مرتبٌ بتقديم الأهم والأفضل؛ لأن الصدقة على القرابة صدقةٌ وصلةٌ، بخلاف مَنْ بعدهم، ثم اليتامى؛ لصغرهم وحاجتهم، ثم المساكين؛ للحاجة خاصة.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الغريب، وقيل: الضَّيف (١).
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ وإن كانوا غير محتاجين.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ عتقها.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ أي: العهد مع الله، ومع الناس.
﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ نُصِبَ بإضمار فعل.
﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ الفقر.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض.
стр. 387
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ القتال.
﴿صَدَقُوا﴾ في القول، والفعل، والعزيمة.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ أي: شُرع لكم.
وليس بمعنى: فُرِض؛ لأن وليَّ المقتول مخيَّرٌ بين القصاص والدية والعفو.
وقيل: بمعنى فرض؛ أي: فُرِض:
على القاتل: الانقيادُ للقصاص.
وعلى وليِّ المقتول: أن لا يتعداه إلى قتل غيره؛ كفعل الجاهلية.
وعلى الحكَّام: التمكينُ من القصاص.
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ ظاهره: اعتبار التَّساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والذكورية، وأن لا يقتل حرٌّ بعبد، ولا ذكر بأنثى.
إلا أن العلماء أجمعوا على قتل الذكر بالأنثى.
ورأى قوم: أن يُعطي أولياؤها حينئذٍ نصف الدية لأولياء الرجل المقتصِّ منه؛ خلافًا لمالك والشافعي وأبي حنيفة.
وأما قتل الحرِّ بالعبد: فهو مذهب أبي حنيفة، خلافًا لمالك والشافعي.
فعلى هذا:
لم يأخذ أبو حنيفة بشيءٍ من ظاهر الآية؛ لا في الذكورية ولا في الحرية؛ لأنها عنده منسوخة.
стр. 388
وأخذ مالك بظاهرها في الحرية لا في الذكورية، وتأويلها عنده:
أن قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ عموم يدخل فيه: الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى، والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، ثم كرَّر قوله: ﴿وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ تجريدًا؛ للتأكيد؛ لأن بعض العرب كانوا إذا قُتلت منهم أنثى قتلوا بها ذكرًا؛ تكبُّرًا وعدوانًا.
وقد يتَّجه قول مالك على نسخ جميعها، ثم يكون عدم قتل الحرّ بالعبد من السنة، وهو قوله ﷺ : «لا يقتل حرّ بعبد» (١).
والناسخ لها على القول بالنسخ: عموم قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، على أن هذا ضعيف؛ لأنه إخبار عن حكم بني إسرائيل.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ الآية؛ فيها تأويلان:
أحدهما: أن المعنى: من قُتل فعفي عنه فعليه أداءُ الدية بإحسان، وعلى أولياء المقتول اتِّباعه بها بمعروف.
فعلى هذا: «مَنْ»: كناية عن القاتل، وأخوه: هو المقتول، أو وليُّه، و ﴿عُفِيَ﴾ من العفو عن القصاص؛ وأصله أن يتعدى بـ «عن»، وإنما تعدَّى هنا باللام؛ لأنه كقولك: «تجاوزت لفلان عن ذنبه».
والثاني: أن المعنى: مَنْ أعطيتَه الدية فعليه اتِّباع بمعروف، وعلى القاتل أداءٌ بإحسان.
فعلى هذا: «مَنْ»: كناية عن أولياء المقتول، وأخوه: هو القاتل
стр. 389
أو عاقلته (١)، و ﴿عُفِيَ﴾ بمعنى: يُسِّرَ؛ كقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أي: ما تيسَّر، ولا إشكال في تعدِّي عُفِيَ باللام على هذا المعنى.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ﴾ إشارةٌ إلى جواز أخذ الدية؛ لأن بني إسرائيل لم تكن عندهم دية، وإنما هو القصاص.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي: قتل قاتل ولِيِّه بعد أن أخذ منه الدية.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ القصاص منه. وقيل: عذاب الآخرة.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ بمعنى قولهم: «القتل أنفى للقتل»؛ أي: أن القصاص يردعُ الناس عن القتل.
وقيل: المعنى: أن القصاص أقلُّ قتلًا؛ لأنه قتل واحد بواحد، بخلاف ما كان في الجاهلية من اقتتال قبيلتي القاتل والمقتول، حتى يُقتل بسبب ذلك جماعةٌ.
﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ كانت فرضًا قبل الميراث، ثم نسخها آيةُ المواريث، مع قوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (٢)، وبقيت الوصية مندوبةً لمن لا يرث من الأقربين.
وقيل: معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض؛ فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ.
والأول أشهر.