﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ صدقةُ التطوُّع، وليست بالزكاة؛ لقوله بعد ذلك: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ الضمير عائد على ﴿الْمَالَ﴾؛ كقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] الآية؛ وهو الراجح من طريق المعنى، وعودُ الضمير على الأقرب.
وهو على هذا تتميمٌ؛ وهو من أدوات البيان.
وقيل: يعود على مصدر ﴿وَآتَى﴾.
وقيل: على الله.
﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وما بعده: مرتبٌ بتقديم الأهم والأفضل؛ لأن الصدقة على القرابة صدقةٌ وصلةٌ، بخلاف مَنْ بعدهم، ثم اليتامى؛ لصغرهم وحاجتهم، ثم المساكين؛ للحاجة خاصة.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الغريب، وقيل: الضَّيف (١).
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ وإن كانوا غير محتاجين.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ عتقها.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ أي: العهد مع الله، ومع الناس.
﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ نُصِبَ بإضمار فعل.
﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ الفقر.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض.
стр. 387
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ القتال.
﴿صَدَقُوا﴾ في القول، والفعل، والعزيمة.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ أي: شُرع لكم.
وليس بمعنى: فُرِض؛ لأن وليَّ المقتول مخيَّرٌ بين القصاص والدية والعفو.
وقيل: بمعنى فرض؛ أي: فُرِض:
على القاتل: الانقيادُ للقصاص.
وعلى وليِّ المقتول: أن لا يتعداه إلى قتل غيره؛ كفعل الجاهلية.
وعلى الحكَّام: التمكينُ من القصاص.
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ ظاهره: اعتبار التَّساوي بين القاتل والمقتول في الحرية والذكورية، وأن لا يقتل حرٌّ بعبد، ولا ذكر بأنثى.
إلا أن العلماء أجمعوا على قتل الذكر بالأنثى.
ورأى قوم: أن يُعطي أولياؤها حينئذٍ نصف الدية لأولياء الرجل المقتصِّ منه؛ خلافًا لمالك والشافعي وأبي حنيفة.
وأما قتل الحرِّ بالعبد: فهو مذهب أبي حنيفة، خلافًا لمالك والشافعي.
فعلى هذا:
لم يأخذ أبو حنيفة بشيءٍ من ظاهر الآية؛ لا في الذكورية ولا في الحرية؛ لأنها عنده منسوخة.
стр. 388
وأخذ مالك بظاهرها في الحرية لا في الذكورية، وتأويلها عنده:
أن قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ عموم يدخل فيه: الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى، والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، ثم كرَّر قوله: ﴿وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾ تجريدًا؛ للتأكيد؛ لأن بعض العرب كانوا إذا قُتلت منهم أنثى قتلوا بها ذكرًا؛ تكبُّرًا وعدوانًا.
وقد يتَّجه قول مالك على نسخ جميعها، ثم يكون عدم قتل الحرّ بالعبد من السنة، وهو قوله ﷺ : «لا يقتل حرّ بعبد» (١).
والناسخ لها على القول بالنسخ: عموم قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، على أن هذا ضعيف؛ لأنه إخبار عن حكم بني إسرائيل.
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ الآية؛ فيها تأويلان:
أحدهما: أن المعنى: من قُتل فعفي عنه فعليه أداءُ الدية بإحسان، وعلى أولياء المقتول اتِّباعه بها بمعروف.
فعلى هذا: «مَنْ»: كناية عن القاتل، وأخوه: هو المقتول، أو وليُّه، و ﴿عُفِيَ﴾ من العفو عن القصاص؛ وأصله أن يتعدى بـ «عن»، وإنما تعدَّى هنا باللام؛ لأنه كقولك: «تجاوزت لفلان عن ذنبه».
والثاني: أن المعنى: مَنْ أعطيتَه الدية فعليه اتِّباع بمعروف، وعلى القاتل أداءٌ بإحسان.
فعلى هذا: «مَنْ»: كناية عن أولياء المقتول، وأخوه: هو القاتل
стр. 389
أو عاقلته (١)، و ﴿عُفِيَ﴾ بمعنى: يُسِّرَ؛ كقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] أي: ما تيسَّر، ولا إشكال في تعدِّي عُفِيَ باللام على هذا المعنى.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ﴾ إشارةٌ إلى جواز أخذ الدية؛ لأن بني إسرائيل لم تكن عندهم دية، وإنما هو القصاص.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي: قتل قاتل ولِيِّه بعد أن أخذ منه الدية.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ القصاص منه. وقيل: عذاب الآخرة.
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ بمعنى قولهم: «القتل أنفى للقتل»؛ أي: أن القصاص يردعُ الناس عن القتل.
وقيل: المعنى: أن القصاص أقلُّ قتلًا؛ لأنه قتل واحد بواحد، بخلاف ما كان في الجاهلية من اقتتال قبيلتي القاتل والمقتول، حتى يُقتل بسبب ذلك جماعةٌ.
﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ كانت فرضًا قبل الميراث، ثم نسخها آيةُ المواريث، مع قوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (٢)، وبقيت الوصية مندوبةً لمن لا يرث من الأقربين.
وقيل: معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض؛ فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ.
والأول أشهر.
وقيل: كتب على الذين من قبلنا رمضان، فبدّلوه.
﴿أَيَّامًا﴾ منصوبٌ: بـ ﴿الصِّيَامُ﴾، أو بمحذوف.
ويبعد انتصابه بـ ﴿تَتَّقُونَ﴾.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية؛ إباحةٌ للفطر مع المرض والسفر، وقد يجب الفطر إذا خاف الهلاك.
وفي الكلام عند الجمهور محذوف يسمى: فحوى الخطاب؛ وتقديره: فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر: فعليه عدَّةٌ من أيام أخر.
ولم يقل الظاهرية بهذا المحذوف؛ فرأوا أنَّ صيام المريض والمسافر لا يصحُّ، وأوجبوا عليه عدَّةً من أيام أخر، وإن صام في رمضان.
وهذا منهم جهلٌ بكلام العرب.
وليس في الآية ما يقتضي تحديدَ السفر، وبذلك قال الظاهرية.
وحدُّه في مشهور مذهب مالك: أربعة بُرُدٍ.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قيل: يطيقونه من غير مشقة؛ فيفطرون ويكفّرون، ثم نسخ جواز الإفطار بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
وقيل: يطيقونه بمشقةٍ؛ كالشيخ الهَرِمِ، فيجوز له الفطر، ويكفّر بالإطعام، فلا نسخ على هذا.
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ أي: صام ولم يأخذ بالفطر والكفارة؛ وذلك على القول بالنسخ.
وقيل: تطوَّع بالزيادة في مقدار الإطعام، وذلك على القول بعدم النسخ.
стр. 392
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾: مبتدأٌ.
أو خبر ابتداء مضمر.
أو بدلٌ مِنْ ﴿الصِّيَامُ﴾.
﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ابن عباس: أنزل القرآن جملةً واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل به جبريل على النبي ﷺ بطول عشرين سنة.
وقيل: المعنى: أُنزل في شأنه القرآن؛ كقولك: «أنزل القرآن في فلان».
وقيل: المعنى: ابتُدِئَ فيه إنزال القرآن.
﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ أي: أن القرآن هدى، ثم هو - مع ذلك - من مبيِّنات (١) الهدى؛ وذلك أن الهدى على نوعين: مطلق، وموصوف بالبيان.
فالهدى الأوَّل - هنا -: على الإطلاق.
وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾ أي: وهو من الهدى المبيِّن؛ فهو من عطف الصفات؛ كقولك: «فلان عالمٌ وجليلٌ من العلماء».
﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾ أي: كان حاضرًا غير مسافر، و ﴿الشَّهْرَ﴾: منصوبٌ على الظرفية.
﴿الْيُسْرَ﴾ و ﴿الْعُسْرَ﴾: على الإطلاق.
стр. 393
وقيل: اليسر: الفطر في السفر، والعسر: الصوم فيه.
﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ متعلّق بمحذوف تقديره: شرع.
أو: عطف على: ﴿الْيُسْرَ﴾.
﴿الْعِدَّةَ﴾ الأيام التي أفطر فيها.
﴿وَلِتُكَبِّرُوا﴾ التكبير يوم العيد، أو مطلق.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ مقيد بمشيئة الله، وموافقة القدر.
وهذا جواب من قال: كيف لا يستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة؟ (١).
стр. 394
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: في امتثال ما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ الآية؛ كان الأكل والجماع محرَّمًا بعد النوم في ليل رمضان، فجرت في ذلك قصة لعمر بن الخطاب (١) ولصِرْمَة بن مالك (٢)؛ فأحلهما الله؛ تخفيفًا على عباده.
﴿الرَّفَثُ﴾ هنا: الجماع، وإنما تعدَّى بـ ﴿إِلَى﴾؛ لأنه في معنى الإفضاء.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ تشبيهٌ بالثياب؛ لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر، وهذا تعليلٌ للإباحة.
﴿تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان.
﴿فَتَابَ﴾ ﴿وَعَفَا﴾ أي: غفر ما وقعتم فيه من ذلك.
وقيل: رفع عنكم ذلك الحكم.
﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ إباحةٌ.
﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قيل: الولد يبتغى بالجماع.
وقيل: الرخصة في الأكل والجماع لمن نام في ليل رمضان بعد منعه.
﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ للخيط الأبيض، لا للأسود؛ لأنَّ الفجر ليس له سواد.
стр. 395
والخيط -هنا- استعارةٌ؛ يراد بالخيط الأبيض: بياض الفجر، وبالخيط الأسود: سواد الليل.
وروي أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل بعد ذلك؛ بيانًا لهذا المعنى؛ لأنَّ بعضهم جعل خيطًا أبيض وخيطًا أسود عند وساده، وأكل حتى تبيَّن له، فقال له النبي ﷺ : «إنما هو بياض النهار وسواد الليل» (١).
﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ أي: إلى أوّل الليل، وهو غروب الشمس؛ فمن أفطر قبل ذلك: فعليه القضاء والكفارة.
ومن شك هل غربت أم لا فأفطر: فعليه -أيضًا- القضاء والكفارة.
وقيل: القضاء فقط.
وقالت عائشة ﵂: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾: يقتضي المنع من الوصال، وقد جاء ذلك في الحديث (٢).
﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ تحريمٌ للمباشرة حين الاعتكاف.
قال الجمهور: المباشرة -هنا-: الجماع وما دونه.
وقيل: الجماع فقط.
﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ دليلٌ على جواز الاعتكاف في كلِّ مسجد؛ خلافًا لمن قال: لا اعتكاف إلَّا في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، وبيت المقدس.
وفيه -أيضًا- دليلٌ على أن الاعتكاف لا يكون إلَّا في المساجد، لا في
стр. 396
غيرها، خلافًا لمن أجازه في غيرها من مفهوم الآية.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: أحكامه التي أمر بالوقوف عندها.
﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي لا تُقارِبوا (١) مخالفتها.
واستدلَّ بعضهم به على سدِّ الذرائع؛ لأنَّ المقصود النهي عن المخالفة للحدود؛ لقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم نهى - هنا - عن مقاربة المخالفة؛ سدًّا للذريعة.
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، كالقمار، والغصب، وجحد الحقوق، وغير ذلك.
﴿وَتُدْلُوا﴾ عطف على: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾.
أو: نصب بإضمار «أنْ».
وهو من: أدلى الرجل بحجَّته: إذا قام بها.
والمعنى: نهيٌ عن أن يحتجَّ بحجة باطلة؛ ليصل بها إلى أكل مال الناس.
وقيل: نهيٌ عن رشوة الحكَّام بالأموال للوصول إلى أكل أموال الناس.
فالباء:
على الأول: سببية.
وعلى الثاني: للإلصاق.
﴿بِالْإِثْمِ﴾ الباء: سببية، أو للمصاحبة.
стр. 397
والإِثم:
على القول الأوَّل في ﴿وَتُدْلُوا﴾: إقامة الحجة الباطلة؛ كشهادة الزور، والأيمان الكاذبة.
وعلى القول الثاني: الرشوة.
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنكم على الباطل؛ وذلك مبالغةٌ في المعصية والجرأة.
* * *
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ﴾ الآية؛ كان قومٌ إذا رجعوا من الحج لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وإنما يدخلون من ظهورها، ويقولون: لا يحولُ بيننا وبين السماء شيءٌ؛ فنزلت الآية إعلامًا أنَّ ذلك ليس من البرِّ.
وإنما ذَكَر ذلك بعد ذِكْر الحج؛ لأنه كان عندهم من تمام الحج.
وقيل: إن المعنى: ليس البر أن تسألوا عن الأهِلَّة وغيرها مما لا فائدة لكم فيه؛ فتأتون الأمور على غير ما يجب.
فعلى هذا: ﴿الْبُيُوتَ﴾ و ﴿أَبْوَابِهَا﴾ و ﴿ظُهُورِهَا﴾ استعاراتٌ؛ يراد بالبيوت: المسائل، وظهورها (١): السؤال عما لا يفيد، وأبوابها: السؤال عما يحتاج إليه.
﴿الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ تأويله مثل: ﴿الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ (٢).
﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ كان القتال غيرَ مباح في أوَّل الإسلام، ثم أُمِر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل؛ وذلك مقتضى هذه الآية، ثم أُمِر بقتال جميع الكفار في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] و ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]؛ فهذه الآية منسوخة.
وقيل: إنها مُحكمة؛ وأنَّ المعنى: قاتلوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلكم (٣)، دون النساء والصبيان الذين لا يقاتلونكم.
والأوَّل أرجح وأشهر.
стр. 400
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: بقتال من لم يقاتلكم؛ على القول الأول.
وبقتال النساء والصبيان؛ على القول الثاني.
﴿وَأَخْرِجُوهُم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: من مكة؛ لأنَّ قريشًا أخرجوا منها المسلمين.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: فتنةُ المؤمن عن دينه أشدُّ عليه من قتله.
وقيل: كفر الكفار أشدُّ من قتل المؤمنين (١) لهم في الجهاد.
﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ منسوخ بقوله: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، وذلك يقوِّي نسخ: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾ أي: عن الكفر فأسلموا؛ بدليل قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وإنما يغفر للكافر إذا أسلم.
﴿لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: لا يبقى دينُ كفرٍ.
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ الآية؛ نزلت لما صدَّ الكفار النبيَّ ﷺ والمسلمين (٢) عن دخول مكة للعمرة عام الحديبية في شهر ذي قعدة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي قعدة.
أي: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ الذي دخلتم فيه مكة ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الذي صُددتم فيه عن دخولها.
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي: حرمةُ الشهر والبلد حين دخلتموها: قصاصٌ
стр. 401
بحرمة الشهر والبلد حين صُددتم عنها.
﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ تسميةٌ للعقوبة باسم الذنب؛ أي: قاتلوا مَنْ قاتَلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدّكم عن مكة.
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أبو أيوب الأنصاري: المعنى: لا تشتغلوا بأموالكم عن الجهاد.
وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد؛ خوف العيلة.
وقيل: لا تقنطوا من التوبة.
وقيل: لا تقتحموا المهالك.
والباء في ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾: زائدة.
وقيل: التقدير: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي: أكملوهما إذا ابتدأتم عملهما (١).
ابنُ عباس: إتمامهما (٢): إكمال المناسك.
عليٌّ: إتمامهما (٣): أن تحرم بهما من دارك.
ولا حجَّة فيه لمن أوجب العمرة؛ لأن الأمر إنما هو بالإتمام، لا بالابتداء.
стр. 402
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ المشهور في اللغة: أَحصره المرض -بالألف-، وحصره العدوُّ.
وقيل: بالعكس.
وقيل: هما بمعنى واحدٍ.
فقال مالك: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ هنا: بالمرض على مشهور اللغة؛ فأوجب عليه الهديَ، ولم يوجبه على من حصره العدوُّ.
وقال الشافعي وأشهب: يجب الهديُ على من حصره العدو، وحَمَلَا الآيةَ على ذلك، واستدلَّا بنحر النبي ﷺ الهديَ بالحديبية.
وقال أبو حنيفة: يجب الهديُ على المحصر بعدوٍّ وبمرضٍ.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ أي: فعليكم ما استيسر من الهدي؛ وذلك شاةٌ.
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ خطابٌ للمحصر بمرض عند مالك؛ لأنه لا يتحلَّل بالحلق حتى يبلغ الهديُ محلَّه أي: موضع نحره؛ وهو:
مكة أو منى عند مالك.
وقال الشافعي: محلُّه: حيث أُحصر.
وقيل: هو (١) خطابٌ للمُحصر وغيره.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية؛ نزلت في كعب بن عُجْرة حين رآه النبي ﷺ فقال له: «لعلَّك تؤذيك هوامُّ رأسك؟» فقال: نعم، فقال له
стр. 403
رسول الله ﷺ : «احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة» (١).
(فمعنى الآية: أنَّ من كان الحج واضطرَّه مرضٌ (٢) أو قَمْلٌ إلى حلق رأسه قبل يوم النحر: جاز له حلقه؛ وعليه صيام، أو صدقة، أو نسك) (٣) حسبما تفسَّر في الحديث.
وقاس الفقهاء على حلق الرأس: سائر الأشياء التي يُمَنع الحاج منها، إلَّا الصيدَ، ووطء النساء.
وقصَّر الظاهريةُ ذلك على حلق الرأس.
ولا بدَّ في الآية من مضمر لا يستقلُّ الكلام دونه، وهو المسمى: فحوى الخطاب؛ وتقديرها: فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه فحلق رأسه فعليه فديةٌ.
﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ أي: من المرض؛ على قول مالك.
ومن العدوِّ؛ على قول غيره.
والمعنى: إذا كنتم بحال أَمْن؛ سواءٌ تقدَّم مرض أو خوف عدوٍّ، أو لم يتقدَّم.
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ التمتُّع عند مالك وغيره: هو أن يعتمر الإنسان في
стр. 404
أشهر الحج، ثم يحجُّ من عامِهِ؛ فهو قد تمتع بإسقاط أحد السفرين للحج أو العمرة.
وقال عبد الله بن الزبير: التمتع: هو أن يُحصَر عن الحج بعدُ حتى يفوته الحج، فيعتمر عمرةً يتحلل بها من إحرامه، ثم يحج من قابل قضاءً لحجته؛ فهو قد تمتع بفعل الممنوعات في الحج من وقت تحلله بالعمرة إلى الحج القابل.
وقيل: التمتع: هو قِرَان الحج والعمرة.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة.
﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ وقتُها: من إحرامه إلى يوم عرفة، فإن فاته: صام أيام التشريق.
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي: إلى بلادكم، أو في الطريق.
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فائدته: بيان أن السبعة تصام بعد الثلاثة؛ فتكون عشرة، ورفعٌ لتوهم أنَّ السبعة بدلٌ من الثلاثة.
وقيل: هو مثل الفَذْلَكَة؛ وهو قول الناس بعد الأعداد: «فذلك كذا».
وقيل: كاملةٌ في الثواب.
﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني: غير أهل مكة وذي طُوى بإجماع.
وقيل: أهل الحرم كلُّه.
وقيل: من كان دون المواقيت.
стр. 405
وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى الهدي أو الصيام؛ أي: إنما يجب الهدي - أو الصيام بدلًا منه - على الغرباء، لا على أهل مكة.
وقيل: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى التمتع.
* * *
وهي: شَوَّال، وذو القَعَدة، وذو الحِجَّة.
وقيل: العَشر الأوّل منه.
وينبني على ذلك: من أخّر طواف الإفاضة إلى آخر ذي حِجَّة:
فعليه دمٌ على القول بالعَشر الأول.
ولا دمَ عليه على القول بجميع الشهر.
واختلف فيمن أحرم بالحج قبل هذه الأشهر:
فأجازه مالكٌ على كراهة.
ولم يُجزه الشافعيُّ وداود؛ لتعيين هذا الأشهر لذلك؛ فكأنها كوقت الصلاة.
﴿فَمَنْ فَرَضَ﴾ أي: ألزم الحجَّ نفسَه.
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ الرفث: الجماع. وقيل: الفحش من الكلام. والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء مطلقًا.
وقيل: المجادلة في مواقف الحج.
وقيل: النسيء الذي كانت العرب تفعله.
﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قيل: احملوا زادًا في السفر.
وقيل: تزوّدوا للآخرة بالتقوى، وهو الأرجح؛ لما بعده.
стр. 408
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ التجارة في أيام الحج، أباحها الله تعالى.
وقرأ ابن عباس: «فضلًا من ربكم في مواسم الحج».
﴿أَفَضْتُم﴾ اندفعتم جملةً واحدة.
﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ اسمُ عَلَمٍ للموقف.
والتنوين فيه في مقابلة النون في جمع المذكر، لا تنوين صَرْفٍ؛ فإن فيه التعريف والتأنيث.
﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ المزدلفة.
والوقوف بها سُنَّةٌ.
﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ الكاف للتعليل.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ «إن» مخففة من الثقيلة؛ ولذلك جاءت اللام في خبرها.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل الهُدى.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنه أمر للحُمْسِ (١)؛ وهم قريش ومَن تبعهم، كانوا يقفون بالمزدلفة لأنها حرمٌ، ولا يقفون بعرفة مع سائر الناس؛ لأنها حِلٌّ، ويقولون: نحن أهل الحرم؛ فلا نقف إلَّا بالحرم، فأمرهم الله تعالى أن
стр. 409
يقفوا بعرفة مع الناس ويُفيضوا منها.
وقد كان النبي ﷺ قبل ذلك يقف مع الناس بعرفة؛ توفيقًا من الله تعالى له.
والقول الثاني: أنها خطاب لجميع الناس؛ ومعناها: أفيضوا من المزدلفة إلى منى.
فـ ﴿ثُمَّ﴾ على هذا القول: على بابها من الترتيب.
وأما على القول الأول: فليست للترتيب، بل للعطف خاصة.
قال الزمخشري: هي كقولك: «أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلَّا إلى كريم»؛ فإنَّ معناها: التفاوت بين ما قبلها وما بعدها، وأن ما بعدها آكدُ (١).
﴿قَضَيْتُم مَنَاسِكَكُمْ﴾ فرغتم من أعمال الحج.
﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ لأن الإنسان كثيرًا ما يذكر آباءه (٢).
وقيل: كانت العرب يذكرون آباءهم مفاخرةً عند الجمرة، فأُمروا بذكر الله عوضًا من ذلك.
﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ كان الكفار إنما يدعون بخير الدنيا خاصة؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة.
﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قيل: العمل الصالح. وقيل: المال. وقيل: المرأة الصالحة.
стр. 410
﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الجنة.
﴿نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ يُحتملُ أَنْ تَكُونَ «مِنْ»:
سَبَبِيَّةٌ؛ أي: لهم نصيب عند الله؛ من أجل ما كسبوا من الحسنات.
وأن تكون لبيان الجنس؛ أي: لهم نصيب من الحسنات التي اكتسبوها، والنصيب - على هذا -: الثواب.
﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيهِ وجهان:
أحدهما: أَنْ يُرادُ به: سرعةُ مجيءِ يوم القيامة.
والآخرُ: أَنْ يُرادُ به: سرعةُ وقوعِ الحسابِ يوم القيامة؛ لأنَّ الله لا يحتاج إلى عِدَّةٍ ولا فكرة.
وقيل لِعليٍّ ﵁: كيف يحاسب الله الناس على كثرتهم؟ قال: «كما يَرْزُقُهُم على كثرتهم» (١).
﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ثلاثة بعد يوم النحرِ؛ وهي أيامُ التشريقِ.
والذكرُ فيها: التكبير في أدبار الصلواتِ، وعند رمي الجمارِ، وغير ذلك.
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ أي: انصرفَ في اليوم الثاني من أيامِ التشريقِ.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ أي: إلى اليوم الثالثِ فرمى فيه بقية الجمارِ.
стр. 411
وأما المتعجل: فقيل: يترك رمي جمار اليوم الثالث. وقيل: يُقدّمها في اليوم الثاني.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الموضعين:
قيل: إنه إباحةٌ للتعجل والتأخر.
وقيل: إنه إخبارٌ عن غفران الإثم -وهو الذنب- للحاجّ؛ سواءٌ تعجل أو تأخر.
﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أمّا على القول بأن معنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ إباحةٌ؛ فالمعنى: أن الإباحة في التعجل والتأخر لمن اتقى أن يأثم فيهما؛ فقد أبيح له ذلك من غير إثم.
وأمّا على القول: بأن معنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ إخبار بغفران الذنوب؛ فالمعنى: أن الغفران إنما هو لمن اتقى الله في حجه؛ كقوله ﷺ : «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق: خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمه» (١).
فاللام متعلقة: إمّا بالغفران، أو الإباحة (٢) المفهومين من الآية.
﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في الأخنس بن شُريق؛ فإنه أظهر الإسلام، ثم خرج فقتل دوابَّ المسلمين وأحرق لهم زرعًا.
وقيل: في المنافقين.
وقيل: عامة في كل من كان على هذه الصفة.
стр. 412
﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ متعلق بـ ﴿قَوْلُهُ﴾؛ أي: يعجبك ما يقول في أمر الدنيا.
ويحتمل أن يتعلَّق بـ ﴿يُعْجِبُكَ﴾.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أي: يقول: الله يعلم إنِّي لصادق.
﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ شديد الخصومة.
﴿تَوَلَّى﴾ أدبر بجسده، أو أعرض بقلبه.
وقيل: صار واليًا.
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ على القول بأنها في الأخنس: فإهلاك الحرث: حرقه للزرع، وإهلاك النسل: قتله للدواب.
وعلى القول بالعموم: فالمعنى: مبالغةٌ في الفساد، وعبَّر عن ذلك بإهلاك الحرث والنسل؛ لأنهما قوامُ معيشة بني آدم، فإن الحرث: هو الزرع والفواكه وغير ذلك من النبات، والنسل: هو الإبل والبقر والغنم، وغير ذلك مما يتناسل.
﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ المعنى: أنه لا يطيع مَنْ أمره بالتقوى؛ تكبرًا وطغيانًا.
والباء يحتمل أن تكون: سببيةً، أو بمعنى «مع».
وقال الزمخشري: هي كقولك: أخذ الأمير الناسَ بكذا أي: ألزمهم إيَّاه؛ فالمعنى: حملته العزة على الإثم (١).
стр. 413
﴿مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي: يبيعها.
قيل: نزلت في صهيب. وقيل: على العموم.
وبيع النفس: في الهجرة، أو الجهاد.
وقيل: في تغيير المنكر، وأنَّ الذي قبلها: فيمن غُيِّر عليه فلم ينزجر.
﴿السَّلْمِ﴾ بفتح السين:
المسالمة، والمراد بها هنا: عقد الذمة بالجزية.
فالأمر على هذا: لأهل الكتاب، وخوطبوا بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لإيمانهم بأنبيائهم وكتبهم المتقدمة.
وقيل: هو الإسلام.
وكذلك هو بكسر السين. فيكون الخطاب لأهل الكتاب؛ على معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام.
وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا وأرادوا أن يعظموا السبت كما كانوا؛ فالمعنى على هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه (١).
ويحتمل: أن يكون الخطاب للمسلمين؛ على معنى: الأمر بالثبوت عليه، أو (٢) الدخول في جميع شرائعه من الأوامر والنواهي.
стр. 414
﴿كَافَّةً﴾ عموم في: المخاطبين، أو في شرائع الإسلام.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تهديدٌ لمن زلَّ بعد البيان.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون.
﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ تأويله عند المتأولين: يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا.
وهي عند السلف الصالح ومن تبعهم: من المتشابه؛ فيجب الإيمان بها من غير تكييف.
ويحتمل أن لا تكون من المتشابه؛ لأنَّ قوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى: يطلبون ذلك بجهلهم؛ كقولهم: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨].
﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظُلَّة؛ وهو: ما علاك من فوق.
فإن كان ذلك لأمرِ الله: فلا إشكال.
وإن كان لله: فهو من المتشابه (١).
стр. 415
﴿الْغَمَامِ﴾ السحاب.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فُرغ منه؛ وذلك كنايةٌ عن وقوع العذاب.
* * *
ويحتمل فوقيَّة المكان؛ لأنَّ الجنَّة في السماء.
﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إن أراد في الآخرة: فـ ﴿مَنْ﴾ كنايةٌ عن المؤمنين.
والمعنى: ردٌّ على الكفار؛ أي: إنْ رزَقَ اللهُ الكفارَ في الدنيا؛ فإن المؤمنين يُرزقون في الآخرة.
وإن أراد في الدنيا: فيحتمل:
أن تكون ﴿مَنْ﴾ كنايةً عن المؤمنين؛ أي: سيرزقهم، ففيه وعدٌ لهم.
وأن تكون كنايةً عن الكافرين؛ أي: أنَّ رِزْقَهم في الدنيا بمشيئة الله، لا على وجه الكرامة لهم.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إن كان للمؤمنين: فيحتمل أن يريد:
بغير تضييق.
أو من حيث لا يحتسبون.
أو لا يحاسبون عليه.
وإن كان للكفار: فمن غير تضييق.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: متَّفقين في الدين:
قيل: كفارٌ؛ في زمان نوح ﵇.
وقيل: مؤمنون؛ ما بين آدم ونوح، أو مَنْ كان مع نوح في السفينة.
وعلى ذلك يقدَّر: فاختلفوا بعد اتفاقهم؛ ويدلُّ عليه: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
стр. 418
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: جنس، أو مع كل نبي كتابه (١).
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ الضمير المجرور يعود:
على ﴿الْكِتَابَ﴾.
أو على الضمير المجرور المتقدم.
وقال الزمخشري: يعود على «الحق» (٢).
وأما الضمير في ﴿أُوتُوهُ﴾: فيعود على ﴿الْكِتَابَ﴾.
والمعنى: تقبيحُ الاختلاف بين الذين أوتوا الكتاب بعد أن جاءتهم البينات.
﴿بَغْيًا﴾ أي: حسدًا، أو عدوانًا.
وهو: مفعولٌ من أجله، أو مصدرٌ في موضع الحال.
﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: أُمَّةَ محمد ﷺ .
﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: للحقِّ فيما اختلفوا فيه.
فـ «ما» بمعنى: الذي، وقبلها مضاف محذوف.
والضمير في ﴿اخْتَلَفُوا﴾: لجميع الناس.
يريد: اختلافهم في الأديان، فهدى الله المؤمنين لدين الحق.
стр. 419
وتقدير الكلام: فهدى الله الذين آمنوا لإصابة ما اختلف فيه الناس من الحق.
و «من» في قوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ لبيان الجنس؛ أي (١): جنسُ ما وقع فيه الخلاف (٢).
﴿بِإِذْنِهِ﴾ قيل: بعلمه. وقيل: بأمره.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ خطابٌ للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمرِ بالصبر على الشدائد.
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم﴾ أي: لا تدخلون الجنة حتى يصيبكم مثلُ ما أصاب مَنْ كان قبلكم.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾ أي: حالهم، وعبَّر عنه بالمثل؛ لأنه في شدَّته يُضرَب به المثل.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ بالتخويف والشدائد.
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ يحتمل:
أن يكون جوابًا للذين قالوا: متى نصر الله؟
أو أن يكون إخبارًا مستأنفًا.
وقيل: إن الرسول قال ذلك لمَّا قال الذين معه: متى نصر الله؟.
﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ إن أُريد بالنفقة الزكاة: فذلك منسوخ.
стр. 420
والصواب: أن المراد التطوُّع؛ فلا نسخ.
وقدَّم في الترتيب الأهمَّ فالأهم.
وورد السؤال عن المنفَق، والجواب عن مَصْرِفه؛ لأنه كان المقصود بالسؤال، وقد حصل الجواب عن المنفق في قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ إن كان على الأعيان: فنسخه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، فصار القتال فرض كفاية.
وإن كان على الكفاية: فلا نسخ.
﴿كُرْهٌ﴾ مصدرُ: كَرِهَ (١)؛ للمبالغة، أو اسمُ مفعول؛ كالخبز بمعنى: المخبوز.
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا﴾ حضٌّ على القتال.
* * *
ويظهر أنَّ ناسخه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] بعد ذكر الأشهر الحرم؛ فإنَّ (١) التقدير: قاتلوا فيها؛ ويدلُّ عليه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
ويحتمل أن يكون المراد: وقوع القتال في الشهر الحرام؛ أي: إباحته حسبما استقرَّ في الشرع؛ فلا تكون الآية منسوخةً، بل ناسخة لما كان في أوَّل الإسلام من تحريم القتال في الأشهر الحرم.
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ابتداءٌ، وما بعده معطوف عليه، و ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبرُ الجميع.
أي: أنَّ هذه الأفعال القبيحة التي فعلها الكفار أعظمُ عند الله من القتال في الشهر الحرام الذي عَيَّر به الكفارُ المسلمين في سرية عبد الله بن جحش حين قاتل في أوَّل يوم من رجب.
وقد قيل: إنه ظنَّه آخرَ يوم من جُمادَى.
﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ عطفٌ على: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ قال الزمخشري: «حتى» هنا: للتعليل (٢).
﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ذهب مالك إلى أن المرتدَّ يحبط عمله بنفس الارتداد؛ سواءٌ رجع إلى الإسلام، أو مات على الارتداد، ومن ذلك: انتقاض وضوئه، وبطلان صومه.
стр. 423
وذهب الشافعيُّ إلى أنه لا يحبط إلَّا إن مات كافرًا؛ لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾.
وأجاب المالكية: بأنَّ قوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: جزاءٌ على الردة، وقوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: جزاءٌ على الموت على الكفر.
وفي ذلك نظر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه.
﴿الْخَمْرِ﴾ كلُّ مسكر؛ من العنب وغيره.
﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ القمار. وكان ميسر العرب بالقداح في لحم الجزور.
ثم يدخل في ذلك: النَّرْدُ والشَّطْرنج وغيرهما.
وروي: أنَّ السائل عنهما كان حمزة بن عبد المطلب ﵁.
﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ نصٌّ في التحريم وأنهما من الكبائر؛ لأن الإثم حرام؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
خلافا لمن قال: إنما حرَّمتها آيةُ «المائدة»، لا هذه الآية.
﴿وَمَنَافِعُ﴾ في الخمر: التلذُّذ والطرب. وفي القمار: الاكتساب به.
ولا يدلُّ ذكرُ المنافع على الإباحة؛ قال ابن عباس: المنافع قبل التحريم، والإثم بعده.
﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ﴾ تغليبٌ (١) للإثم على المنفعة، وذلك -أيضًا- بيانٌ للتحريم.
стр. 424
﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: السَّهلَ من غير مشقة.
وقراءة الجماعة: بالنصب، بإضمار فعل؛ مشاكلةً للسؤال؛ (على أن يكون ﴿مَاذَا﴾ مركبًا مفعولًا بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
وقرأ أبو عمرو: بالرفع بالابتداء؛ مشاكلةً للسؤال)؛ (١) على أن يكون «ما» مبتدأ، و «ذا» خبره.
﴿تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في أمرهما.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ كانوا قد تجنبوا اليتامى تورُّعًا؛ فنزلت إباحة (٢) مخالطتهم بالإصلاح لهم.
فإن قيل: لم جاء ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ بالواو ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟
فالجواب: أن سؤالهم عن المسائل الثلاث الأول وقع في أوقات متفرقة؛ فلم تأت (٣) بحرف عطف، وجاءت الثلاثة الأخيرة بالواو؛ لأنها كانت متناسقة (٤).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ تحذيرٌ من الفساد، وهو أكل أموال اليتامى.
(﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لضيَّقَ عليكم بالمنع من مخالطتهم.
стр. 425
ابنُ عباس: لأهلككم بما سبق من أكلكم لأموال اليتامى) (١).
﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ أي: لا تتزوجوا.
والنكاح: مشترك بين الوطء والعقد.
﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ عُبَّاد الأوثان من العرب، فلا تتناول اليهود ولا النصارى المباح نكاحُهُنَّ في «المائدة»، فلا تعارض بين الموضعين، ولا نسخ.
خلافًا لمن قال: آيةُ «المائدة» نسخت هذه.
ولمن قال: هذه نسخت آيةَ «المائدة»؛ فمنع نكاح الكتابيات.
ونزلت الآية بسبب مَرْثَدِ الغَنَويِّ، أراد أن يتزوج امرأة مشركة.
﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: أمةٌ لله؛ حرَّةً كانت أو مملوكةً.
وقيل: أمةٌ مملوكة مؤمنة خيرٌ من حرَّةٍ مشركة.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ في الجمال، والمال، وغير ذلك.
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تُزوِّجوهم نساءكم.
وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يتزوَّج مسلمة؛ سواء كان كتابيًّا أو غيره.
واستدلَّ المالكية على وجوب الولاية في النكاح بقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾؛ لأنه أسند نكاح النساء إلى الرجال.
﴿وَلَعَبْدٌ﴾ أي: عبدٌ لله. وقيل: مملوكٌ.