← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾]. ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ جنسٌ، وهي أربعة أشهر: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلٌ من ﴿الشَّهْرِ﴾؛ وهو مقصود السؤال. ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي: ممنوعٌ؛ ثم نسخه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وذلك بعيد؛ فإن ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ عمومٌ في الأمكنة، لا في الأزمنة.

стр. 422

ويظهر أنَّ ناسخه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] بعد ذكر الأشهر الحرم؛ فإنَّ (١) التقدير: قاتلوا فيها؛ ويدلُّ عليه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. ويحتمل أن يكون المراد: وقوع القتال في الشهر الحرام؛ أي: إباحته حسبما استقرَّ في الشرع؛ فلا تكون الآية منسوخةً، بل ناسخة لما كان في أوَّل الإسلام من تحريم القتال في الأشهر الحرم. ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ابتداءٌ، وما بعده معطوف عليه، و ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبرُ الجميع. أي: أنَّ هذه الأفعال القبيحة التي فعلها الكفار أعظمُ عند الله من القتال في الشهر الحرام الذي عَيَّر به الكفارُ المسلمين في سرية عبد الله بن جحش حين قاتل في أوَّل يوم من رجب. وقد قيل: إنه ظنَّه آخرَ يوم من جُمادَى. ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ عطفٌ على: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ﴾ قال الزمخشري: «حتى» هنا: للتعليل (٢). ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ذهب مالك إلى أن المرتدَّ يحبط عمله بنفس الارتداد؛ سواءٌ رجع إلى الإسلام، أو مات على الارتداد، ومن ذلك: انتقاض وضوئه، وبطلان صومه.

стр. 423

وذهب الشافعيُّ إلى أنه لا يحبط إلَّا إن مات كافرًا؛ لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. وأجاب المالكية: بأنَّ قوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: جزاءٌ على الردة، وقوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: جزاءٌ على الموت على الكفر. وفي ذلك نظر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه. ﴿الْخَمْرِ﴾ كلُّ مسكر؛ من العنب وغيره. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ القمار. وكان ميسر العرب بالقداح في لحم الجزور. ثم يدخل في ذلك: النَّرْدُ والشَّطْرنج وغيرهما. وروي: أنَّ السائل عنهما كان حمزة بن عبد المطلب ﵁. ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ نصٌّ في التحريم وأنهما من الكبائر؛ لأن الإثم حرام؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. خلافا لمن قال: إنما حرَّمتها آيةُ «المائدة»، لا هذه الآية. ﴿وَمَنَافِعُ﴾ في الخمر: التلذُّذ والطرب. وفي القمار: الاكتساب به. ولا يدلُّ ذكرُ المنافع على الإباحة؛ قال ابن عباس: المنافع قبل التحريم، والإثم بعده. ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ﴾ تغليبٌ (١) للإثم على المنفعة، وذلك -أيضًا- بيانٌ للتحريم.

стр. 424

﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي: السَّهلَ من غير مشقة. وقراءة الجماعة: بالنصب، بإضمار فعل؛ مشاكلةً للسؤال؛ (على أن يكون ﴿مَاذَا﴾ مركبًا مفعولًا بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾. وقرأ أبو عمرو: بالرفع بالابتداء؛ مشاكلةً للسؤال)؛ (١) على أن يكون «ما» مبتدأ، و «ذا» خبره. ﴿تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في أمرهما. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ كانوا قد تجنبوا اليتامى تورُّعًا؛ فنزلت إباحة (٢) مخالطتهم بالإصلاح لهم. فإن قيل: لم جاء ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ بالواو ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟ فالجواب: أن سؤالهم عن المسائل الثلاث الأول وقع في أوقات متفرقة؛ فلم تأت (٣) بحرف عطف، وجاءت الثلاثة الأخيرة بالواو؛ لأنها كانت متناسقة (٤). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ تحذيرٌ من الفساد، وهو أكل أموال اليتامى. (﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لضيَّقَ عليكم بالمنع من مخالطتهم.

стр. 425

ابنُ عباس: لأهلككم بما سبق من أكلكم لأموال اليتامى) (١). ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ أي: لا تتزوجوا. والنكاح: مشترك بين الوطء والعقد. ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ عُبَّاد الأوثان من العرب، فلا تتناول اليهود ولا النصارى المباح نكاحُهُنَّ في «المائدة»، فلا تعارض بين الموضعين، ولا نسخ. خلافًا لمن قال: آيةُ «المائدة» نسخت هذه. ولمن قال: هذه نسخت آيةَ «المائدة»؛ فمنع نكاح الكتابيات. ونزلت الآية بسبب مَرْثَدِ الغَنَويِّ، أراد أن يتزوج امرأة مشركة. ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: أمةٌ لله؛ حرَّةً كانت أو مملوكةً. وقيل: أمةٌ مملوكة مؤمنة خيرٌ من حرَّةٍ مشركة. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ في الجمال، والمال، وغير ذلك. ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تُزوِّجوهم نساءكم. وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يتزوَّج مسلمة؛ سواء كان كتابيًّا أو غيره. واستدلَّ المالكية على وجوب الولاية في النكاح بقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾؛ لأنه أسند نكاح النساء إلى الرجال. ﴿وَلَعَبْدٌ﴾ أي: عبدٌ لله. وقيل: مملوكٌ.

стр. 426

﴿أُولَئِكَ﴾ المشركات والمشركون. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ إلى الكفر الموجب للنار. ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بإرادته، أو علمه. * * *

стр. 427

[﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾]. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ سألَ عن ذلك عبّاد بن بِشر وأُسيد بن الحُضَير؛ قالا لرسول الله ﷺ : ألا نجامع النساء في المحيض، خلافًا لليهود؟. ﴿هُوَ أَذًى﴾ مُستقذَرٌ، وهذا تعليلٌ لتحريم الجماع في المحيض. ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ أي: اجتنبوا جماعهنَّ. وقد فَسَّرَ ذلك الحديثُ بقوله: «لتشدَّ عليها إزارها، وشأنك بأعلاها» (١). ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: ينقطع عنهنَّ الدمُ. ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن بالماءِ.

стр. 428

وتعلَّقَ الحُكمُ: بالغاية الأخيرة عند مالك والشافعي؛ فلا يجوز عندهما وطء الحائض حتى تغتسل. وبالغاية الأولى عند أبي حنيفة؛ فأجاز الوطء عند انقطاع الدم، وقبل الغُسل. وقرئ: ﴿حَتَّى يَطَّهَّرْنَ﴾: بالتشديد، ومعنى هذه القراءة: بالماء؛ فتكون الغايتان (١) بمعنى واحدٍ، وذلك حجة لمالك. ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ﴾ قُبُل المرأة. ﴿التَّوَّابِينَ﴾ من الذُّنوب. ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ بالماء، أو من الذُّنوب. ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي: موضعُ حرثٍ؛ وذلك تشبيه للجماع في إلقاء النطفة وانتظار الولد: بالحرث في إلقاء البذر وانتظار الزرع. ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف شئتم من الهيئات، أو متى شئتم. لا: أين شئتم؛ لأنه يُوهِم الإتيان في الدبر، وقد افترى مَنْ نسَب جوازه إلى مالك، وقد تبرَّأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: الأعمال الصالحة (٢).

стр. 429

﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ أي: لا تكثروا الحلف بالله فتبتذلوا اسمه. و ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ على هذا: علةٌ للنهي؛ فهو مفعولٌ من أجله، أي: نُهيتُم (١) عن كثرة الحلف كي تبرُّوا. وقيل: المعنى: لا تحلفوا على أن تبرُّوا وتتقوا، وافعلوا البرَّ والتقوى دون يمين. فـ ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ على هذا: هو المحلوف عليه. والعُرضةُ على هذين القولين كقولك: «فلان عرضةٌ لفلان»: إذا أكثر التعرُّضَ له. وقيل: ﴿عُرْضَةً﴾ مَانع؛ من قولك: «عرض له أمرٌ»: حالَ بينه وبين كذا. أي: لا تمتنعوا بالحلف بالله من فعل البرِّ والتقوى، ومن ذلك يمين أبي بكر الصديق أن لا ينفق على مِسْطح. فـ ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ على هذا: علَّةٌ لامتناعهم؛ فهو مفعولٌ من أجله، أو مفعولٌ بـ ﴿عُرْضَةً﴾؛ لأنها بمعنى مانع. ﴿بِاللَّغْوِ﴾ الساقط. وهو عند مالك: قولُكَ (٢): «نعم والله»، و «لا والله»، الجاري على اللسان من غير قصدٍ، وفاقًا للشافعي.

стр. 430

وقيل: أن يحلف على الشيء يظنُّه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه، وفاقًا لأبي حنيفة. وقال ابن عباس: اللغو: الحلف حين الغضب. وقيل: اللغو: اليمين على المعصية. والمؤاخذةُ: العقاب، أو وجوب الكفارة. ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: قصدتْ؛ فهو خلاف اللغو. وقال ابن عباس: هو اليمين الغموس؛ وذلك أن يحلف على الكذب متعمِّدًا. وهو حرام إجماعًا. وليس فيه كفارةٌ عند مالك، خلافًا للشافعي. ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ يحلفون على ترك وطئهنَّ. وإنما تعدى بـ ﴿مِنْ﴾؛ لأنه تضمَّن معنى البعد منهن. ويدخل في عموم قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾: كل حالف؛ حرًّا كان أو عبدًا. إلا أن مالكًا جعل مدة إيلاء العبد شهرين، خلافًا للشافعي. ويدخل في إطلاق الإيلاء: اليمينُ بكل ما يلزم عنه حكمٌ، خلافًا للشافعي في قصره الإيلاءَ على الحلفِ بالله؛ ووجهُه: أنها اليمين الشرعية. ولا يكون مُؤْلِيًا - عند مالك والشافعي - إلَّا إذا حلف على مدَّةٍ أكثرَ من أربعة أشهر. وعند أبي حنيفة: أربعة أشهر فصاعدًا.

стр. 431

فإذا انقضت الأربعة الأشهر: وُقِف المؤلي (١) عند مالك والشافعي، فإمَّا فاء، وإلَّا طلَّق. فإن أبى: طلَّق عليه الحاكم. وقال أبو حنيفة: إذا انقضت الأربعة الأشهر: وقع الطلاق دون توقيف. ولفظ الآية يحتمل القولين. ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ رجعوا إلى الوطء، وكفَّروا عن اليمين. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر ما في الإيلاء من الإضرار بالمرأة. ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ العزيمة: على قول مالك: التطليق، أو الإباية؛ فيطلِّقُ عليه الحاكم. وعند أبي حنيفة: ترك الفيءِ حتى تنقضي الأربعة الأشهر. والطلاق في الإيلاء: رجعيّ عند مالك. بائنٌ عند الشافعي وأبي حنيفة. ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ بيانٌ للعِدَّة، وهو عمومٌ مخصوص؛ خرجت منه: الحاملُ بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. واليائسة والصغيرة بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآية.

стр. 432

والتي لم يُدخل بها بقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فيبقى حكمها: في المدخول بها، وهي في سنّ مَنْ تحيض. وقد خصّ مالك منها: الأمة؛ فجعل عدَّتها قُرأين. و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ خبرٌ بمعنى الأمر. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ انتصب ﴿ثَلَاثَةَ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ هكذا قال الزمخشري (١). و ﴿قُرُوءٍ﴾: جمع قُرْءٍ؛ وهو مشترك - في اللغة- بين الطُّهر والحيض. فحمله مالك والشافعي على الطُّهر؛ لإثبات التاء في ﴿ثَلَاثَةِ﴾، فإن الطهر مذكَّر، والحيض مؤنث، ولقول عائشة: الأقراء هي الأطهار. وحمله أبو حنيفة على الحيض؛ لأنه الدليل على براءة الرحم، وذلك مقصود العدّة. فعلى قول مالك: تنقضي العدة بالدخول في الحيضة الثالثة، إذا طلقها في طهر لم يمسّها فيه. وعند أبي حنيفة: بالطهر منها. ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ يعني: الحمل والحيض. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ جمع بَعْل؛ وهو هنا الزوج. ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي: في زمان العدة.

стр. 433

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ من الاستمتاع، وحسن المعاشرة. ﴿دَرَجَةٌ﴾ في الكرامة. وقيل: الإنفاقُ. وقيل: كونُ الطلاق بيده. * * *

стр. 434

[﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾]. ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ بيانٌ لعدد الطلاق الذي يُرْتَجع منه دون زوجٍ آخَر. وقيل: بيانٌ لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه، وهو طلاق السُّنَّة. ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾ ارتجاعٌ. وهو مرفوعٌ: بالابتداء، أو بالخبر. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ حُسْنِ المعاشرة، وتوفيةِ الحقوق. ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ هو تركُهَا حتى تنقضي العدةُ، فتَبِينَ منه. ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ المتعة. وقيل: التسريح هنا: الطلقة الثالثة بعد الاثنتين، وروي في ذلك حديثٌ ضعيف (١).

стр. 435

وهو بعيد؛ لأنَّ قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هو الطلقة الثالثة، وعلى ذلك يكون تكرارًا، أو طلقةً رابعة لا معنى لها. ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ الآية؛ نزلت بسبب ثابت بن قيس، اشتكت به امرأته إلى رسول الله ﷺ فقال لها: «أتردّين عليه حديقته؟» قالت: نعم، فدعاه فطلّقها على ذلك (١). وحكمها على العموم. وهي خطاب للأزواج في حكم الفدية؛ وهي الخلع. وظاهرها أنه: لا يجوز الخلع إلّا إذا خاف الزوجان ألّا يقيما حدود الله، وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما. ثم إن المخالعة على أربعة أحوال: الأول: أن تكون من غير ضرر من الزوج ولا من الزوجة: فأجازها مالك وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الآية [النساء: ٤]. ومنعها قومٌ؛ لقوله في هذه الآية: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. والثاني: أن يكون الضرر منهما جميعًا: فمنعه مالك في المشهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩].

стр. 436

وأجازه الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. والثالث: أن يكون الضرر من الزوجة خاصةً: فأجازه الجمهور؛ لظاهر هذه الآية. والرابع: أن يكون الضرر من الزوج خاصة: فمنعه الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية [النساء: ٢٠]. وقد منع بعضهم الخلع مطلقًا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ الآية. وأجازه أبو حنيفة مطلقًا، وقوله في ذلك مخالف للكتاب والسنة. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ خطاب للحكَّام والمتوسطين في هذا الأمر. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هذه هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أجمعت الأُمَّة على أن النكاح هنا هو العقد، مع الدخول والوطء؛ لقوله ﷺ للمطلَّقة ثلاثًا حين أرادت الرجوع إلى مطلّقها قبل أن يمسَّها الزوج الآخر: «لا؛ حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عسيلتك» (١). وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد يُحلُّها دون وطء، وهو قول مرفوض؛ لمخالفته للحديث، وخرقه للإجماع.

стр. 437

وإنما يُحِلُّ (١) عند مالك إذا كان: النكاحُ صحيحًا لا شبهة فيه. والوطءُ مباحًا في غير حيض، ولا إحرام، ولا اعتكاف، ولا صيام، خلافًا لابن الماجشون في الوطء غير المباح. وأما نكاح المحلّل: فحرام، ولا يُحلُّ الزوجة لزوجها عند مالك، خلافًا لأبي حنيفة. والمعتبر في ذلك: نية المحلّل، لا نية المرأة، ولا المحلّل له. وقال قوم: من نوى التحليل منهم أفسد. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني: هذا الزوج الثاني. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: على الزوجة والزوج الأول. ﴿أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: أوامره فيما يجب من حقوق الزوجيَّة. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية؛ خطاب للأزواج. وهو نهي عن أن يطوّل الرجل العدّة على المرأة؛ مضارَّةً منه لها، بأن يرتجع قرب انقضاء العدّة، ثم يطلّق بعد ذلك. ومعنى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ في هذا الموضع: قاربن انقضاء العدَّة، وليس المراد: انقضاؤها؛ لأنه ليس بيده إمساكٌ حينئذٍ. ومعنى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾: راجعوهنَّ.

стр. 438

و ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ هنا: قيل: هو الإشهاد. وقيل: النفقة. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية؛ هذه الأخرى خطاب للأولياء. وبلوغ الأجل هنا: انقضاء العدة. و ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهنَّ. ﴿أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أي: يراجعن الأزواج الذين طلقوهنَّ. قال السهيلي: نزلت في مَعقِل بن يسار، كان له أخت، فطلَّقها زوجها ثم أراد مراجعتها وأرادت هي مراجعته، فمنعها أخوها (١). وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله؛ وذلك أنَّ رجلًا طلق أخته وتركها حتى تمَّتْ عدتُها، ثم أراد ارتجاعها، فمنعها جابر وقال: تركتَها وأنت أملكُ بها، لا زوَّجْتُكها أبدًا، فنزلت الآية. و ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ هنا: الصداق. وقيل: الإشهاد. وهذه الآية تقتضي ثبوت حقِّ الولي في إنكاح وليته، خلافًا لأبي حنيفة. ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ خطاب للنبي ﷺ ، أو لكلِّ أحد على حِدَتِهِ؛ ولذلك وحَّد ضمير الخطاب. ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى﴾ خطاب للمؤمنين، والإشارة إلى ترك العَضْل. ومعنى ﴿أَزْكَى﴾: أطيبُ للنفس. ومعنى ﴿وَأَطْهَرُ﴾: للدين والعِرض.

стр. 439

[﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾]. ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر. * وتقتضي الآية حكمين: * الأول: مَنْ يُرْضِعُ الولد: مذهبُ (١) مالك: أن المرأة يجب عليها رضاع ولدها ما دامت في عصمة والده، إلَّا أن تكون شريفةً لا يُرضع مثلُها، فلا يلزمها ذلك. وإن كان والدهُ قد مات وليس للولد (٢) مال: لزمها إرضاعه في المشهور.

стр. 440

وقيل: أجرة رضاعه على بيت المال. وإن كانت مطلقةً بائنًا (١): لم يلزمها رضاعه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، إلَّا أن تشاء هي؛ فهي أحقُّ به بأجرة المثل. وإن (٢) لم يقبل غيرها: وجب (٣) عليها إرضاعه. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنها لا يلزمُها إرضاعه أصلًا، والأمر في هذه الآية عندهما على الندب. وقال أبو ثور: يلزمها على الإطلاق؛ لظاهر الآية، فحملها على الوجوب. وأما مالك: فحَمَلها في موضع على الوجوب، وفي موضع على الندب، وفي موضع على التَّخيير، حسبما ذكرنا (٤) من التقسيم في المذهب. * الحكم الثاني: مدَّةُ الرَّضاع: وقد ذكرها في قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وإنما وصفهما بكاملين؛ لأنه يجوز أن يقال في حولٍ وبعض آخر: حولان، فرَفع ذلك الاحتمال. وأباح الفطام قبل تمام الحولين بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.

стр. 441

واشترط أن يكون الفطام عن تراضي الأبوين بقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ الآية. فإن لم يكن على الولد ضررٌ في الفطام فلا جناح عليهما. ومن دعا منهما إلى تمام الحولين: فذلك له. وأما بعد الحولين: فمن دعا منهما إلى الفطام فذلك له. وقال ابن عباس: إنما يَرضعُ حولين مَنْ مكث في البطن ستة أشهر، فمن مكث سبعةً فرَضاعه: ثلاثة وعشرون شهرًا، وإن مكث تسعةً فرضاعه: أحَدٌ وعشرون؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ في هذه النفقة والكسوة قولان: أحدهما: أنها أجرة رضاع الولد، أوجبها الله للأم على الوالد، وهو قول الزمخشري (١) وابن العربي (٢). والثاني: أنها نفقة الزوجات على الإطلاق، قال منذر بن سعيد البَلُّوطيُّ: هذه الآية نصٌّ في وجوب نفقة الرجل على زوجته، وعلى هذا حملها ابن الفَرَس (٣). ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ هنا: أي: على قدْر حال الزوج في ماله، والزوجةِ في منصبها، وقد بيَّن ذلك بقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

стр. 442

﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قرئ: بفتح الراء -لالتقاء الساكنين-؛ على النهي. وبرفعهما؛ على الخبر، ومعناه النهي. ويحتمل على كل واحد من الوجهين: أن يكون الفعل مسندًا إلى الفاعل؛ فيكون ما قبل الآخر مكسورًا قبل الإدغام. أو يكون مسندًا إلى المفعول، فيكون مفتوحًا. والمعنى على الوجهين: النهي عن إضرار أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد. ويدخل في عموم النهي: وجوه الضرر كلها. والباء في قوله ﴿بِوَلَدِهَا﴾ و ﴿بِوَلَدِهِ﴾: سببية. والمراد بقوله: ﴿مَوْلُودٌ لَهُ﴾: الوالد، وإنما ذكره بهذا اللفظ؛ إعلامًا بأنَّ الولد يُنسب له، لا للأم. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ اختلف في الوارث: فقيل: وارث المولود له. وقيل: وارث الصبي لو مات. وقيل: هو الصبي نفسه. وقيل: مَنْ بَقِي من أبويه.

стр. 443

واختلف في المراد بقوله: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾: فقال مالك وأصحابه: عدم المضارة، وذلك يجري مع كل قول في الوارث؛ لأن ترك الضرر واجب على كل أحد. وقيل: المراد: أجرة الرضاع في النفقة والكسوة، ويختلف هذا القول بحسب الاختلاف في الوارث: فأما على القول بأن الوارث هو الصبي: فلا إشكال؛ لأن أجرة رضاعه في ماله. وأما على سائر الأقوال: فقيل: إن الآية منسوخة؛ فلا تجب أجرة الرضاع على أحدٍ غير الوالد. وقيل: إنها مُحْكَمَة؛ فتجب أجرة الرضاع على وارث الصبي لو مات، أو على وارث الوالد، وهو قول قتادة والحسن البصري. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ إباحةٌ لاتخاذ الظُّئُر. ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم﴾ أي: دفعتم أجرة الرضاع. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية؛ عموم في كل متوفى عنها؛ سواء توفي زوجها قبل الدخول أو بعده. إلا الحامل؛ فعدَّتها وضع حملها؛ سواء وضعته قبل الأربعة الأشهر والعشرِ أو بعدها عند مالك والشافعي وجمهور العلماء. وقال علي بن أبي طالب: عدَّتها أبعدُ الأجلين. وخصَّ مالكٌ من ذلك: الأمةَ؛ فعدَّتها في الوفاة: شهران وخمسُ ليالٍ.

стр. 444

و ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ معناه: عن التزوج. وقيل: وعن (١) الزينة؛ فيكون أمرًا بالإحداد. وإعراب ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ على تقدير: أزواجهم يتربصنَ. وقيل: التقدير: وأزواجُ الذين يتوفون منكم يتربصن. وقال الكوفيون: الخبرُ عن ﴿وَالَّذِينَ﴾ متروكٌ، والقصد: الإخبار عن أزواجهم. ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التزوج والزينة ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) هنا: إذا كان غير منكر. وقيل: معناه الإشهاد. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ﴾ الآية؛ إباحةٌ للتعريض بخطبة المرأة المعتدَّة. ويقتضي ذلك: النهيَ عن التَّصريح. ثم أباح ما يُضمر في النفس بقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾. ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي: تذكرونهنَّ (٣) في نفوسكم، وبألسنتكم لمن يَخفُّ عليكم.

стр. 445

وقيل: أي ستخطبونهنَّ إن لم تُنهَوا (١) عن ذلك. ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي: لا تواعدوهنَّ في العِدَّة خُفيةً بأن تتزوجوهنَّ بعد العدة. وقال مالك فيمن يَعِدُ (٢) في العِدَّة ثم يتزوج بعدها: فراقها أحب إليَّ، ثم يكون خاطبًا من الخُطَّاب. وقال ابن القاسم: يجب فراقها. ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ استثناءٌ منقطع. والقول المعروف: هو ما أُبيح من التَّعريض؛ كقوله: «إنكم لأكْفَاءٌ كرام»، وقوله: «إن الله سيفعل معكِ خيرًا»، وشبه ذلك. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ الآية؛ نهيٌ عن عقد النكاح قبل تمام العدة. و ﴿الْكِتَابُ﴾ هنا: القَدْر الذي شُرع من المدَّة. ومَن تزوَّج امرأةً في عدَّتها فرَّق بينهما اتفاقًا. فإن دخل بها حرُمت عليه على التأبيد عند مالك، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة. واختُلف عن مالك في تأبيد التحريم إذا لم يدخل بها، أو إذا دخل ولم يطأها. * * *

стр. 446

[﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾]. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية؛ قيل: إنها إباحة للطلاق قبل الدخول. لمَّا نُهي عن التزوُّج بمعنى الذَّوق، وأُمر بالتزوُّج طلب العِصمة ودوام الصُّحبة: ظنَّ قومٌ أن من طلَّق قبل البناء وقع في المنهيِّ عنه، فنزلت الآية رافعةً للجُناح في ذلك. وقيل: إنها في بيان ما يلزم من الصَّداق والمتعة في الطلاق قبل الدخول. وذلك أن مَنْ طلَّق قبل الدخول: فإن كان لم يَفرض لها صداقًا - وذلك في نكاح التَّفويض -: فلا شيءَ عليه من الصداق؛ لقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فالمعنى: لا طلب عليكم بشيءٍ من الصداق.

стр. 447

ويؤمر بالمتعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. وإن كان قد فَرَض لها: فعلية نصف الصداق؛ لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. ولا مُتعة عليه؛ لأن المتعة إنما ذُكِرت لمن لم يفرض لها؛ فقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا﴾ «أو» فيه بمعنى الواو. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: أحسنوا إليهنَّ، وأعطوهنَّ شيئًا عند الطلاق. والأمر بالمتعة مندوبٌ عند مالك، واجبٌ عند الشافعي. ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أي: يُمَتَّعُ كلُّ واحد على قَدْر ما يجد. و ﴿الْمُوسِعِ﴾: الغني، و ﴿الْمُقْتِرِ﴾: الضَّيق الحال. وقرئ بإسكان دال ﴿قَدَرُهُ﴾ وفتحها؛ وهما بمعنىً. و ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ هنا: أي: لا حَمْل فيه، ولا تكلف على أحد الجانبين. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ تعلَّق الشافعي في وجوب المتعة بقوله: ﴿حَقًّا﴾. وتعلق مالك في الندب بقوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ لأنَّ الإحسان تطوُّعٌ بما لا يلزم. ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية؛ بيانٌ أن المطلَّقة قبل الدخول لها نصف الصداق إذا كان قد فُرض لها صداقٌ مسمًّى، بخلاف نكاح التفويض. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ النون فيه: نون جماعة النسوة؛ يريد: المطلَّقات.

стр. 448

والعفو هنا: بمعنى الإسقاط. أي: للمطلقات قبل الدخول نصف الصداق، إلَّا أن يُسقِطْنَه، وإنما يجوز إسقاط المرأة إذا كانت مالكةً أمر نفسها. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن عباس ومالك وغيرهما: هو الوليُّ الذي تكون المرأة في حَجره، كالأب في ابنته المحجورة، والسيد في أَمَته، فيجوز له أن يسقط نصف الصداق الواجب له بالطلاق قبل الدخول. وأجاز شُريحٌ إسقاط غير الأب من الأولياء. وقال علي بن أبي طالب والشافعي: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو الزوج. وعفْوه: أن يعطي النصف الذي سقط عنه من الصداق. ولا يجوز عندهم أن يُسقِط الأبُ النصف الواجب لابنته. وحجة مالك: أن قوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ في الحال؛ والزوج ليس بيده بعد الطلاق عقدةُ نكاح. وحجة الشافعي: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإِنَّ الزوج إذا تطوَّع بإعطاء النصف الذي لا يلزمه فذلك فضلٌ، وأما إسقاط الأب لحقِّ ابنته فليس فيه تقوى؛ لأنه إسقاط (١) حقِّ الغير. ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قيل: إنه يعني إسقاط المرأة نصف صداقها، أو دفع الرجل النصف الساقط عنه.

стр. 449

واللفظ أعمُّ من ذلك. ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ جرَّد ذكرها بعد دخولها في ﴿الصَّلَوَاتِ﴾؛ اعتناءً بها. وهي: الصبح عند مالك وأهل المدينة. والعصر عند عليِّ بن أبي طالب؛ لقوله ﷺ : «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» (١). وقيل: هي الظهر. وقيل: المغرب. وقيل: العشاء الآخرة. وقيل: الجمعة. وسُمِّيت وسطى: لتوسُّطها في عدد الركعات، على القول بأنها المغرب؛ لأنها بين الركعتين والأربع. أو لتوسُّط وقتها: على القول بأنها الصبح؛ لأنها متوسطةٌ بين الليل والنهار. وعلى القول بأنها الظهر أو الجمعة؛ لأنها في وسط النهار.

стр. 450

أو لفضلها؛ من الوسط؛ وهو الخيار، وعلى هذا يجري اختلاف الأقوال فيها. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ معناه: في صلاتكم. ﴿قَانِتِينَ﴾ هنا: ساكتين؛ وكانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت. قاله ابن مسعود، وزيد بن أرقم. وقيل: خاشعين. وقيل هنا: طول القيام. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدوٍّ، أو سَبُعٍ، أو غير ذلك مما يخاف منه على النفس. ﴿فَرِجَالًا﴾ جمع راجل؛ أي: على رجليه. ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ جمع راكبٍ. أي: صلوا كيفما كنتم من ركوب أو غيره، وذلك في صلاة المُسايفة. ولا يُنقَص فيها من ركعتين في السفر، وأربع في الحضر عند مالك. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الآية؛ قيل: المعنى: إذا زال الخوف فصلوا الصلاة التي عَلِمتموها؛ وهي التامة. وقيل: إذا أمنتم فاذكروا الله كما علَّمكم هذه الصلاة التي تُجزِئكم في حال الخوف. فالذكر: على القول الأوَّل: بمعنى الصلاة.

стр. 451

وعلى الثاني: بمعنى الشكر. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ هذه الآية منسوخة. ومعناها: أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزلهِ سنةً، ويُنْفَق عليها من ماله، وذلك وصيةً لها. ثم نُسِخ إقامتُها سنةً: بالأربعةِ الأشهرِ والعشرِ. ونُسِخت النفقة: بالربعِ أو الثمنِ الذي لها في الميراث؛ حَسَبما ذُكِر في سورة «النساء». وإعراب ﴿وَصِيَّةً﴾: مبتدأٌ، وخبره: ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾. أو مضمرٌ تقديره: فعليهم وصيةٌ. وقرئت بالنصب: على المصدر؛ تقديره: ليوصوا وصيةً. و ﴿مَتَاعًا﴾: نُصب على المصدر. ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي: ليس لأولياء الميت إخراجُ المرأة. ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ معناه: إذا كان الخروج من قِبَل المرأة فلا جناح على أحد فيما فعلت في نفسها من تزوُّجٍ وزينةٍ. ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ عامٌّ في إمتاع كلِّ مطلَّقةٍ؛ وبعمومه أخذ أبو ثور.

стр. 452

واستثنى الجمهور: المطلقة قبل الدخول، وقد فُرِض لها؛ بالآية المتقدمة. واستثنى مالك: المختلعة والملاعنة. ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يدلُّ على وجوب المتعة؛ وهي الإحسان للمطلقات؛ لأن التقوى واجبةٌ. ولذلك قال بعضهم: نزلت مؤكِّدةً للمتعة؛ لأنه نزل قبلها: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. * * *

стр. 453

[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾]. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ رؤية قلب. ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وهم قومٌ من بني إسرائيل، أُمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتال، فخرجوا من ديارهم فرارًا من ذلك، فأماتهم الله؛ لِيُعرِّفهم أنهم لا ينجيهم من الموت شيءٌ. وقيل: بل فرُّوا من الطاعون. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ جمع ألفٍ؛ قيل: ثمانون ألفًا. وقيل: ثلاثون ألفًا. وقيل: ثمانية آلاف.

стр. 454

وقيل: هو من الأُلفة؛ وهذا ضعيف. ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ عبارةٌ عن إماتتهم. وقيل: إن مَلَكين صاحا بهم: «موتوا!»، فماتوا. ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ليستوفوا آجالهم. ﴿وَقَاتِلُوا﴾ خطابٌ لهذه الأمة. وقيل: للذين أماتهم الله ثم أحياهم. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ استفهامٌ يراد به: الطلب، والحضُّ على الإنفاق. وذكَّر لفظ القَرْض؛ تقريبًا للأفهام؛ لأن المنفق ينتظر الثواب، كما ينتظر المسلف ردَّ ما أسلف. وروي: أن الآية نزلت في أبي الدَّحداح حين تصدَّق بحائطٍ لم يكن له غيره. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي: خالصًا طيِّبًا من حلال، من غير منٍّ ولا أذى. ﴿فَيُضَاعِفُهُ﴾ قرئ: بالتشديد والتخفيف. وبالرفع: على الاستئناف، أو عطفًا على ﴿يُقْرِضُ﴾. وبالنصب: في جواب الاستفهام. ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ عشرةً فما فوقها إلى سبع مئة. ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ إخبارٌ يراد به: الترغيب في الإنفاق.

стр. 455

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ﴾ رؤيةُ قلبٍ، وكانوا قومًا نالتهم الذِّلَّة من أعدائهم، فطلبوا الإذن في القتال، فلما أُمِروا به كرهوه. ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ قيل: اسمه شَمْوِيل (١). وقيل: شَمْعون. ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أي: قاربتُم، وأراد النبيُّ المذكور أن يتوثَّق منهم. ويجوز في السين من ﴿عَسَيْتُمْ﴾: الكسرُ، والفتحُ؛ وهو أفصح ولذلك انفرد نافع بالكسر. وأمَّا إذ لم يتصل بـ «عسى» ضمير: فلا يجوز فيها إلا الفتح. ﴿طَالُوتَ مَلِكًا﴾ قال وهب بن مُنَبِّه: أوحى الله إلى نبيهم إذا دخل عليك رجل فنشَّ الدُّهنُ (٢) الذي في القَرْن (٣): فهو مَلِكُهم. وقال السُّدِّيُّ: أرسل الله إلى نبيهم عصًا، وقال له: إذا دخل عليك رجلٌ على طول هذه العصا فهو ملكهم؛ فكان ذلك طالوت. ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ روي أنه كان دَبَّاغًا، ولم يكن من بيت المُلْك. والواو في قوله: ﴿وَنَحْنُ﴾ واوُ الحال.

стр. 456

والواو في قوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾: لعطف الجملة على الأخرى. ﴿بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ كان عالمًا بالعلوم، وقيل: بالحروب. وكان أطولُ رجلٍ (١) يصل إلى مَنكِبَيه. ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ردٌّ عليهم في اعتقادهم أن الملك يُستحقُّ بالبيت أو المال. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ كان هذا التابوتُ قد تركه موسى عند يُوشَع، فجعله يوشع في البَرِّيَّة، فبعث الله ملائكةً حملته حتى جعلته (٢) في دار طالوت. وفيه قَصَصٌ كثيرٌ غير ثابت. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ قيل: ريحٌ لها رأسٌ ووجه كوجه الإنسان. وقيل: طَسْتٌ من ذهب تُغسَل فيه قلوبُ الأنبياء. وقيل: رحمةٌ. وقيل: وقارٌ. ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ ابنُ عباس: هي عصا موسى ورُضَاض الألواح (٣). وقيل: العصا والنَّعلان.

стр. 457

وقيل: ألواحُ من التوراة. ﴿آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ يعني: أقاربهما. وقال الزمخشري: يعني الأنبياء من بني إسرائيل (١). ويحتمل أن يريد موسى وهارون، وأقحم الآل. * * *

стр. 458

[﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾]. ﴿فَصَلَ طَالُوتُ﴾ أي: خرج من موضعه إلى الجهاد. ﴿بِنَهَرٍ﴾ قيل: هو نهر فلسطين. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ الآية؛ اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب. ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ رخَّص لهم في الغرفة باليد. وقُرِئَ: بفتح الغين؛ وهو المصدر، وبضمها؛ وهو الاسم. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قيل: كانوا ثمانين ألفًا، فشربوا منه كلُّهم إلَّا ثلاثَ مئةٍ وبضعة عشر، عددَ أصحاب بدر، فأمَّا من شرب فاشتدَّ عليه.

стр. 459

العطش، وأما من لم يشرب فلم يعطش. ﴿بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ كان كافرًا عدوًّا لهم، وهو ملك العمالقة. ويقال: إن البربر من ذريته. ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: يوقنون؛ وهم أهل البصائر من أصحابه. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ كان داود في جند طالوت، فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني إسرائيل. وفي ذلك قصصٌ كثير غير صحيح. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: النبوة، أو الزَّبور. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ صنعة الدروع، ومنطق الطَّير، وغير ذلك. ﴿وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ﴾ الآية؛ منَّةٌ على العباد بدفع بعضهم ببعض. وقرئ: ﴿دِفَاعُ﴾ بالألف، و ﴿دَفْعُ﴾ بغير ألف؛ والمعنى متفقٌ. ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الإشارةُ إلى جماعتهم. ﴿فَضَّلْنَا﴾ نصٌّ في التفضيل في الجملة، من غير تعيين مفضول؛ كقوله ﷺ : «لا تخيروا بين الأنبياء» (١)، و «لا تفضلوني على يونس بن مَتَّى» (٢)، فإنَّ معناه: النهي عن تعيين المفضول؛ لأنه تنقيصٌ له، وذلك غيبةٌ ممنوعة.

стр. 460

وقد صرَّح ﷺ بفضله على جميع الأنبياء بقوله: «أنا سيد ولدِ آدم» (١) لا بفضله على واحدٍ بعينه؛ فلا تعارض بين الحديثين. ﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ موسى ﵇. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ قيل: هو محمد ﷺ ؛ لتفضيله على الأنبياء بأشياء كثيرة. وقيل: هو إدريس؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]؛ فالرِّفعة على هذا: في المسافة. وقيل: هو مطلقٌ في كل من فضَّله الله منهم. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مِنْ بعد الأنبياء، والمعنى: بعدَ كلِّ نبيٍّ، لا بعد الجميع. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ كرَّره تأكيدًا، و (٢) ليبني عليه ما بعده. * * *
следующие страницы →