← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والواو في قوله: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾: لعطف الجملة على الأخرى. ﴿بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ كان عالمًا بالعلوم، وقيل: بالحروب. وكان أطولُ رجلٍ (١) يصل إلى مَنكِبَيه. ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ردٌّ عليهم في اعتقادهم أن الملك يُستحقُّ بالبيت أو المال. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ كان هذا التابوتُ قد تركه موسى عند يُوشَع، فجعله يوشع في البَرِّيَّة، فبعث الله ملائكةً حملته حتى جعلته (٢) في دار طالوت. وفيه قَصَصٌ كثيرٌ غير ثابت. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ قيل: ريحٌ لها رأسٌ ووجه كوجه الإنسان. وقيل: طَسْتٌ من ذهب تُغسَل فيه قلوبُ الأنبياء. وقيل: رحمةٌ. وقيل: وقارٌ. ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ ابنُ عباس: هي عصا موسى ورُضَاض الألواح (٣). وقيل: العصا والنَّعلان.

стр. 457

وقيل: ألواحُ من التوراة. ﴿آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ يعني: أقاربهما. وقال الزمخشري: يعني الأنبياء من بني إسرائيل (١). ويحتمل أن يريد موسى وهارون، وأقحم الآل. * * *

стр. 458

[﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾]. ﴿فَصَلَ طَالُوتُ﴾ أي: خرج من موضعه إلى الجهاد. ﴿بِنَهَرٍ﴾ قيل: هو نهر فلسطين. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾ الآية؛ اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب. ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ رخَّص لهم في الغرفة باليد. وقُرِئَ: بفتح الغين؛ وهو المصدر، وبضمها؛ وهو الاسم. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قيل: كانوا ثمانين ألفًا، فشربوا منه كلُّهم إلَّا ثلاثَ مئةٍ وبضعة عشر، عددَ أصحاب بدر، فأمَّا من شرب فاشتدَّ عليه.

стр. 459

العطش، وأما من لم يشرب فلم يعطش. ﴿بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ كان كافرًا عدوًّا لهم، وهو ملك العمالقة. ويقال: إن البربر من ذريته. ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي: يوقنون؛ وهم أهل البصائر من أصحابه. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ كان داود في جند طالوت، فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني إسرائيل. وفي ذلك قصصٌ كثير غير صحيح. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: النبوة، أو الزَّبور. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ صنعة الدروع، ومنطق الطَّير، وغير ذلك. ﴿وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ﴾ الآية؛ منَّةٌ على العباد بدفع بعضهم ببعض. وقرئ: ﴿دِفَاعُ﴾ بالألف، و ﴿دَفْعُ﴾ بغير ألف؛ والمعنى متفقٌ. ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الإشارةُ إلى جماعتهم. ﴿فَضَّلْنَا﴾ نصٌّ في التفضيل في الجملة، من غير تعيين مفضول؛ كقوله ﷺ : «لا تخيروا بين الأنبياء» (١)، و «لا تفضلوني على يونس بن مَتَّى» (٢)، فإنَّ معناه: النهي عن تعيين المفضول؛ لأنه تنقيصٌ له، وذلك غيبةٌ ممنوعة.

стр. 460

وقد صرَّح ﷺ بفضله على جميع الأنبياء بقوله: «أنا سيد ولدِ آدم» (١) لا بفضله على واحدٍ بعينه؛ فلا تعارض بين الحديثين. ﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ موسى ﵇. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ قيل: هو محمد ﷺ ؛ لتفضيله على الأنبياء بأشياء كثيرة. وقيل: هو إدريس؛ لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]؛ فالرِّفعة على هذا: في المسافة. وقيل: هو مطلقٌ في كل من فضَّله الله منهم. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مِنْ بعد الأنبياء، والمعنى: بعدَ كلِّ نبيٍّ، لا بعد الجميع. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ كرَّره تأكيدًا، و (٢) ليبني عليه ما بعده. * * *

стр. 461

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾]. ﴿أَنفِقُوا﴾ يعمُّ الزكاةَ والتطوُّعَ. ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: لا يتصرَّف أحدٌ في ماله، والمراد (١): لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق في الدنيا. ويدخل فيه: نفي الفدية؛ لأنها شراء الإنسان نفسه. ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾ أي: مودَّةٌ نافعة؛ لأنَّ كلَّ أحد يومئذٍ مشغولٌ بنفسه. ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: ليس في يوم القيامة شفاعة إلَّا بإذن الله؛ فهي في الحقيقة رحمةٌ من الله للمشفوع فيه، وكرامةٌ للشافع، ليس فيها تحكُّمٌ على الله. وعلى هذا يُحمَل ما ورد من نفي الشفاعة في القرآن؛ أعني: أنها لا تقع إلَّا بإذن الله؛ فلا تعارض بينه وبين إثباتها.

стр. 462

وحيثما كان سياقُ الكلام في أهوال يوم القيامة، والتخويف بها: نُفيت الشفاعة على الإطلاق؛ مبالغةً في التهويل. وحيثما كان سياقُ الكلام تعظيمَ الله: نُفيت الشفاعة إلَّا بإذنه. ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال هكذا، ولم يقل: «الظالمون هم الكافرون» (١). ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هذه آية الكرسي، وهي أعظم آية في القرآن حسبما ورد في الحديث (٢)، وجاء فيها فضلٌ كبير في الحديث الصحيح وفي غيره. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ تنزيهٌ لله تعالى عن الآفات البشرية. والفرق بين السِّنَة والنوم: أن السنة هي ابتداء النوم، لا نفسُه؛ كقول القائل: . . . . . . . . . . . . . . . . . . … في عينه سِنَةٌ وليس بنائمِ (٣) ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ استفهامٌ يراد به نفيُ الشفاعة إلَّا بإذن الله، فهي في الحقيقة راجعةٌ إليه. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضميران عائدان على مَنْ يعقل؛ ممَّن تضمَّنه قولُه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

стр. 463

والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يكون بعدهم. وقال مجاهد: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: الآخرة. ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ من معلوماته؛ أي: لا يعلم عباده من معلوماته إلَّا ما شاء هو أن يَعلَموهُ (١). ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ الكرسيُّ: مخلوقٌ عظيم بين يدي العرش، وهو أعظم من السموات والأرض، وهو بالنسبة إلى العرش كأصغر شيء. وقيل: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾: علمه. وقيل: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾: ملكه. ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾ أي: لا يُثقِلُه، ولا يَشُقُّ عليه. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ المعنى: أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور

стр. 464

البراهين على صحته، بحيث لا يُحتاج أن يُكرَه أحدٌ على الدخول فيه، بل يدخل فيه كلُّ ذي عقلٍ سليم من تلقاء نفسه، دون إكراه؛ ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أي: قد تبيَّن أن الإسلام رشدٌ، وأن الكفر غيٌّ؛ فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه. وقيل: معناها الموادعة، وأن لا يُكرَه أحدٌ بقتالٍ على الدخول في الإسلام؛ ثم نُسخت بالقتال، وهذا ضعيف؛ لأنها مدنية، وإنما آيات المسالمة وترك القتال بمكة. ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ العروة في الأجرام هي: موضع الإمساك وشدِّ الأيدي. وهي هنا تشبيهٌ واستعارة في الإيمان. ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ لا انكسار لها، ولا انفصال. ﴿يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ جُمع الطاغوت هنا، وأُفرد في غير هذا الموضع؛ فكأنه اسم جنس لما عُبِد من دون الله، ولمن يُضِلُّ الناس من الشياطين وبني آدم (١).

стр. 465

[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾]. ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو نُمْرُوذُ (١) الملك. وكان يدَّعي الربوبية؛ فقال لإبراهيم: من ربك؟ قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. فقال نُمْرُوذُ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، وأحضر رجلين فقتل أحدهما وترك الآخر، فقال: قد أحييتُ هذا وأمتُّ هذا.

стр. 466

فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ ﴿فَبُهِتَ﴾ أي: انقطعَ، وقامت عليه الحجة. فإن قيل: لم انتقلَ إبراهيم عن دليله الأوَّل إلى هذا الدليل الثاني، والانتقال علامة الانقطاع؟ فالجواب: أنه لم ينقطع، ولكنه لمَّا ذكر الدليل الأوَّل وهو الإحياء والإماتة: كان له حقيقةٌ - وهو فعل الله -، ومجازٌ - وهو فعل غيره -، فتعلقَ نمرودُ بالمجاز؛ غلطًا منه أو مغالطةً، فحينئذ انتقل إبراهيم إلى الدليل الثاني؛ لأنه لا مجاز له، ولا يمكن الكافرَ عدولٌ عنه (١). ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ تقديره: «أو رأيت مثل الذي»، فحُذف؛ لدلالة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ عليه؛ لأنَّ كلتيهما كلمةُ تعجيبٍ. ويجوز أن يُحمل على المعنى؛ كأنه قيل: أرأيت كالذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قرية. وهذا المارُّ: قيل: إنه عُزير. وقيل: الخَضر؛ فقوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ ليس إنكارًا للبعث، ولا استبعادًا، ولكنه: استعظامٌ لقدرة الذي يحيي الموتى. أو سؤالٌ عن كيفية الإحياء وصورته، لا شكَّ في وقوعه؛ وذلك مقتضى كلمة ﴿أَنَّى﴾، فأراه الله ذلك عِيانًا؛ ليزداد بصيرة.

стр. 467

وقيل: بل كان كافرًا، وقالها إنكارًا للبعث، واستبعادًا، فأراه الله الحياة بعد الموت في نفسه، وذلك أعظم برهان. ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خالية من الناس. وقال السُّدِّيُّ: سقطت سُقُفُها -وهي العروش-، ثم سقطت الحيطان على السُّقُف. ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ ظاهر هذا اللفظ: إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب. ولكن المعنى: إحياء أهلها بعد موتهم؛ لأنَّ ذلك هو الذي يمكن فيه الشكُّ أو الإنكار؛ ولذلك أراه الله الحياة بعد موته. والقرية كانت بيت المقدس، لما خرَّبه بُخْتُ نَصَّرَ (١). وقيل: قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ. ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ سؤالٌ على جهة التقرير. ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقلَّ مدَّة موته، قيل: أماته الله غُدْوة يوم، ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مئة عام، فظنَّ أنه يومٌ واحد، ثم رأى بقيَّةً من الشمس فخاف أن يكذب في قوله: ﴿يَوْمًا﴾ فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ قيل: إنَّ طعامه كان تينًا وعنبًا، وإِنَّ

стр. 468

شرابه كان عصيرًا، أو (١) لبنًا. ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ معناه: لم يتغيَّر، بل بقي على حاله طول مئة عام، وذلك أعجوبة إلهية. واللفظ يحتمل أن يكون مشتقًّا من السَّنَة؛ لأن لامَها هاءٌ. فتكون الهاء في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ أصليةً؛ أي: لم تغيِّره السّنون. ويحتمل أن يكون مشتقًّا من قولك: تسنَّنَ الشيءُ: إذا فسد؛ ومنه: «الحمأ المسنون»، ثم قلبت النون حرف علَّةٍ؛ كقولهم: «قَصَّيتُ أظفاري»، ثم حذف حرف العلة؛ للجزم. والهاء على هذا: هاء السكت. ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ قيل: بقي حماره حيًّا طول المئة عام، دون علَفٍ ولا ماء. وقيل: مات، ثم أحياه الله وهو ينظر إليه. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ التقدير: فَعَلْنا بك هذا؛ لتكون آية للناس. وروي: أنه قام شابًّا على حالته يوم مات، فوجد أولاده وأولادهم شيوخًا. ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ هي عظام نفسه. وقيل: عظام الحمار؛ على القول بأنه مات.

стр. 469

﴿نُنْشِرُهَا﴾ -بالراء-: نُحييها. وقرئ بالزاي؛ ومعناه: نرفعها للإحياء. ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ بهمزة قطع وضمِّ الميم؛ أي: قال الرجل ذلك اعترافًا. وقرئ: بألف وصل، والجزمِ؛ على الأمر؛ أي: قال له المَلِك ذلك. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ الآية؛ قال الجمهور: لم يشكَّ إبراهيم في إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة؛ لأنه رأى دابةً قد أكلتها السِّباع والحيتان، فسأل ذلك السؤال؛ ويدلُّ على ذلك قوله: ﴿كَيْفَ﴾؛ فإنها سؤال عن حال الإحياء وصورته، لا عن وقوعه. ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: بالمعاينة. ﴿أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قيل: هي الديك والطاووس والحمام والغراب، فقطَّعها، وخلط أجزاءها، ثم جعل من المجموع جزءًا على كل جبل، وأمسك رؤوسها بيده، ثم قال: تعالَيْنَ بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء حتى التأمَتْ، وبقيت بلا رؤوس، ثم كَرَّر النداء، فجاءته تسعى حتى وضعت أجسادها في رؤوسها، وطارت بإذن الله. ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي: ضُمَّهُنَّ. وقيل: قطِّعهن. ﴿عَلَى كُلِّ جَبَلٍ﴾ قيل: أربعة جبال. وقيل: سبعة. وقيل: الجبال التي وصل إليها حينئذٍ من غير حصرٍ بعددٍ. * * *

стр. 470

[﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾]. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ظاهِرُه: الجهاد. وقد يُحمل على جميع وجوه البرّ. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ كلُّ ما يُزْدَرَعُ (١) ويُقتات، وأشهره: القمح. وفي الكلام حذف؛ تقديره: مثل نفقةِ الذين ينفقون كمثل حبة. أو يقدر في آخره (٢) الكلام: كمثل صاحب حبة.

стр. 471

﴿أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ بيانٌ أن الحسنة بسبع مئة؛ كما جاء في الحديث: أن رجلًا جاء بناقةٍ فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبعُ مئة ناقةٍ» (١). ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يزيده على سبع مئة. وقيل: هو تأكيد وبيان للسبع مئة. والأول أرجح؛ لأنه ورد في الحديث ما يدل عليه. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في عثمان. وقيل: في عليّ. وقيل: في عبد الرحمن بن عوف. ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ المنُّ: ذكر النعمة على معنى التَّعديد لها والتقريع بها. والأذى: السبُّ. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ هو ردُّ السائل بجميلٍ من القول؛ كالدعاء له، والتأنيس. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: عفوٌ عن السائل إذا وُجِد منه جفاءٌ. وقيل: مغفرة من الله بسبب الردِّ الجميل. والمعنى: تفضيلُ عدمِ العطاءِ إذا كان بقولٍ معروف ومغفرة: على العطاء الذي يتبعه أذًى. ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ عقيدة أهل السنة: أن السيئات لا تُبطل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إنَّ الصدقة التي يعلم الله مِنْ صاحبها أنه يمُنُّ أو يؤذي لا تقبل منه.

стр. 472

وقيل: إنَّ المنَّ والأذى دليلٌ على أن نيتَه لم تكن خالصةً؛ فلذلك بطلت صدقتُه. ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ تمثيلٌ لمن يَمُنُّ ويؤذي بالذي ينفق رياءً وهو غير مؤمن. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثل المرائي في نفقته: كحجرٍ عليه تراب، فيظنُّ من يراه أرضًا مُنبِتةً طيبةً، فإذا نزل عليه المطرُ انكشف التراب، فبقِيَ الحجر لا منفعةَ فيه. فكذلك المرائي؛ يظنُّ أن له أجرًا، فإذا كان يومُ القيامة انكشف سرُّه ولم تنفعه نفقته. ﴿صَفْوَانٍ﴾ حجرٌ كبير. ﴿وَابِلٌ﴾ مطرٌ كثير. ﴿صَلْدًا﴾ أملسَ. ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيءٍ من إنفاقهم؛ وهو كسبُهم. ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ أي: تيقُّنًا وتحقيقًا للثواب؛ لأن أنفسهم لها بصائرُ تحملهم على الإنفاق. ويحتمل أن يكون معنى التثبيت: أنهم يثبتون أنفسهم على الإيمان؛ باحتمال المشقَّة في بذل المال. وانتصابُ ﴿ابْتِغَاءَ﴾: على المصدر في موضع الحال، وعطف عليه ﴿وَتَثْبِيتًا﴾.

стр. 473

ولا يصحُّ في ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ أن يكون مفعولًا من أجله؛ لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت؛ فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ﴿ابْتِغَاءَ﴾. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ تقديره: كمثل صاحب جنَّةٍ. أو يقدر أوَّلًا: مثل نفقة الذين ينفقون. ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ لأنَّ ارتفاع موضع الجنة أطيبُ؛ لتربتها وهوائها. ﴿فَطَلٌّ﴾ المطرُ الرَّقيق الخفيف؛ والمعنى: أنه يكفي هذه الجنة؛ لكرم أرضها. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية؛ مثلٌ ضرب للإنسان يعمل عملًا صالحًا، حتى إذا كان عند آخر عُمُرِه خُتِم له بعمل السُّوء. أو مثلٌ للكافر، أو المنافق، أو المرائي المتقدّم ذكره آنفًا، أو ذي المنِّ والأذى؛ فإنَّ كل واحد منهم يظن أنه ينتفع بعمله، فإذا كان وقت حاجته إليه لم يجد شيئًا. فشبَّههم الله بمن كانت له جنة، ثم أصابتها الجائحة المهلكة أحوجَ ما كان إليها؛ لشيخوخته، وضعف ذُرِّيته. فالواوُ في قوله: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾: للحال. ﴿إِعْصَارٌ﴾ أي: ريحٌ فيها سَمُومٌ محرقةٌ. * * *

стр. 474

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾]. ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الطيبات هنا عند الجمهور: الجيِّد غير الرديء. فقيل: إنَّ ذلك في الزكاة؛ فيكون واجبًا. وقيل: في التطوُّع؛ فيكون مندوبًا، لا واجبًا؛ لأنه كما يجوز التطوع بالقليل يجوز بالرديء. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا﴾ النبات، والمعادن، وغير ذلك. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: لا تقصدوا الرديء. ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ في موضع الحال.

стр. 475

﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ﴾ الواو للحال. والمعنى: أنكم لا تأخذونه في حقوقكم وديونكم، إلّا بأن تتسامحوا في أخذه (١). و ﴿تُغْمِضُوا﴾ من قولك: أغمض فلانٌ عن بعض حقّه: إذا لم يستوفه، أو إذا غضَّ بصره. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الآية؛ دفعٌ لما يوسوس به الشيطان من خوف الفقر، ففي ضمن ذلك حضٌّ على الإنفاق. ثم بيَّن عداوة الشيطان بأمره بالفحشاء؛ وهي: المعاصي. وقيل: الفحشاء: البخل؛ والفاحش عند العرب: البخيل. قال ابن عباس: في الآية اثنتان من الشيطان، واثنتان من الله. والفضل: هو الرزق والتوسعة. ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ قيل: هي المعرفة بالقرآن. وقيل: النبوة. وقيل: الإصابة في القول والعمل. ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِن نَفَقَةٍ﴾ الآية؛ ذكر نوعين وهما: ما يفعله الإنسان تبرُّعًا. وما يفعله بعد إلزامه نفسَه بالنذر. وفي قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وعدٌ بالثواب.

стр. 476

وفي قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وعيدٌ لمن يمنع الزكاة، أو ينفق (١) لغير الله. ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ هي التطوع عند الجمهور؛ لأنها يحسن إخفاؤها، وإبداء الواجبة؛ كالصلوات. ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ثناءٌ على الإظهار، ثم حكَم أنَّ الإخفاء خيرٌ من ذلك الإبداء. و «ما» من «نِعِمَّا»: في موضع نصب، تفسير للمضمر؛ والتقدير: فنعم شيئًا إبداؤها. ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ قيل: إنَّ المسلمين كانوا لا يتصدَّقون على أهل الذمة؛ فنزلت الآية مبيحةً للصدقة على من ليس على دين الإسلام، وذلك في التطوع، وأما الزكاة فلا تدفع لكافر أصلًا. فالضمير في ﴿هُدَاهُمْ﴾ على هذا القول: للكافر. وقيل: ليس عليك أن تهديهم لمَا أُمروا به من الإنفاق، وترك المنِّ والأذى والرياء والإنفاق من الخبيث، إنما عليك أن تبلِّغهم، والهدى بيد الله. فالضمير على هذا: للمسلمين. ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ أي: إنَّ منفعته لكم كقوله (٢): ﴿مَنْ عَمِلَ

стр. 477

صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قيل: إنه خبر عن الصحابة أنهم لا ينفقون إلا ابتغاء وجه الله؛ ففيه تزكيةٌ لهم، وشهادةٌ بفضلهم. وقيل: ما تنفقون نفقةً تُقْبَلُ منكم، إلَّا ابتغاء وجه الله؛ ففي ذلك حضٌّ على الإخلاص. ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلق بمحذوف؛ تقديره: الإنفاقُ للفقراء؛ وهم هنا: المهاجرون. ﴿أُحْصِرُوا﴾ حُبِسوا بالعدو، أو بالمرض. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَحتمل: الجهادَ، أو الدخول في الإسلام. ﴿ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ هو التصرُّفُ في التجارة وغيرها. ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ أي: يظنُّ الجاهلُ بحالهم أنهم أغنياءُ؛ لقلة سؤالهم. و ﴿التَّعَفُّفِ﴾ هنا: هو عن الطلب. و ﴿مِنْ﴾: سببية. وقال ابن عطية: لبيان الجنس (١).

стр. 478

﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ عَلَامَةِ وُجُوهِهِم؛ وهي ظُهُور الجَهْد والفاقَةِ، وقِلَّةُ النِّعْمَة. وقيل: الخشوع. وقيل: السجود. ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الإلحاف: هو الإلحاح في السؤال. والمعنى: أنهم إذا سألوا يتلطَّفون ولا يُلِحُّون. وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاح معًا. وباقي الآية وعدٌ. * * *

стр. 479

[﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾]. ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ تعميمٌ لوجوه الإنفاق، وأوقاته. ابنُ عباس: نزلت في عليٍّ؛ فإنه تصدَّقَ بدرهم بالليل، وبدرهم بالنهار، وبدرهم سرًّا، وبدرهم علانيةً. أبو هريرة: نزلت في علفِ الخيل. ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي: ينتفعون به، وعَبَّر عن ذلك بالأكل؛ لأنه أغلبُ المنافع. وسواء من أعطاه أو من أخذه. والرِّبا في اللغة: الزيادة، ثم استعمل في الشريعة في بيوعاتٍ ممنوعة، أكثرُها راجعٌ إلى الزيادة؛ فإِنَّ غالبَ الربا في الجاهلية قولهم للغريم:

стр. 480

أتَقضي أم تُربي؟، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطَّالب عليه. ثم إن الربا على نوعين: ربا النسيئة، وربا التفاضل. وكلاهما يكون في: الذهب والفضة، وفي الطعام. فأما النسيئة؛ فتَحرمُ في بيع الذهب بالذهب، وبيع الفضة بالفضة، وفي بيع الذهب بالفضة، وهو الصَّرف، وفي بيع الطعام بالطعام مطلقًا. وأما التفاضل؛ فإنما يَحرُم في بيع الجنس الواحد بجنسه؛ من النَّقدين، ومن الطعام. ومذهب مالك: أنه إنما يحرم التفاضل في المقتات المدَّخَر من الطعام. ومذهب الشافعي: أنه يحرم في كل طعام. ومذهب أبي حنيفة: أنه يحرم في المكيل والموزون؛ من الطعام وغيره. ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أجمع المفسرون أنَّ المعنى: لا يقومون من قبورهم في البعث إلَّا كالمجنون. و ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾: يتفعَّله؛ من قولك: خبَط يخبِط. و ﴿الْمَسِّ﴾: الجنون. و ﴿مِنَ﴾ تتعلَّق بـ ﴿يَقُومُ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ تعليلٌ للعقاب الذي يصيبهم، وإنما هذا للكفار؛ لأن قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾: ردٌّ على الشريعة وتكذيبٌ لها، ثم قد يأخذ العُصاة بحظٍّ من هذا الوعيد.

стр. 481

فإن قيل: فهلَّا قيل: «إنما الربا مثل البيع»؛ لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز؟ فالجواب: أن هذا مبالغةٌ؛ فإنهم جعلوا الربا أصلًا حتى شبَّهوا به البيع (١). ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ عمومٌ يخرج منه: البيوع الممنوعة شرعًا، وقد عدَدْناها في الفقه ثمانين نوعًا (٢). ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ردٌّ على الكفار، وإنكارٌ للتسوية بين البيع والربا. وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه النص؛ لأنه جعل الدليلَ على بطلان قياسهم: تحليل الله وتحريمه. ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: له ما أخذ من الربا؛ (أي: لا يؤاخذُ بما فعل منه) (٣) قبل نزول التحريم. ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الضمير عائد على صاحب الربا. والمعنى: أن الله يحكم فيه يومَ القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا. وقيل: الضمير عائد على الربا. والمعنى: أمرُ الربا إلى الله في تحريمه أو غير ذلك. ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ الآية؛ يعني: مَنْ عاد إلى فعل الربا، وإلى القول:

стр. 482

«إنما البيع مثل الربا». ولذلك حكم عليه بالخلود في النار؛ لأنَّ ذلك القول لا يصدر إلا من كافر، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة؛ لكونها في الكفار. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ ينقصه ويُذهبه. ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ يُنميها؛ في الدنيا: بالبركة، وفي الآخرة: بمضاعفة الثواب. ﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: مَنْ يجمع بين الكفر والإثم بفعل الربا؛ وهذا يدل على أن الآية في الكفَّار. ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ سبب الآية أنه كان بين قريش وثقيف ربًا في الجاهلية، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة قال في خطبته: «كل ربًا كان في الجاهلية موضوع»، ثم إنَّ ثقيفًا أرسلت تطلب الربا الذي كان لهم على قريش، فأبوا من دفعه وقالوا: قد وُضِع الربا، فتحاكموا إلى عتَّاب بن أسيد أمير مكة، فكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت الآية (١). ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرط لمن خوطب به؛ من ثقيف وغيرهم. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ أي: إن لم تنتهوا عن الربا حُوربتم. ومعنى ﴿فَأْذَنُوا﴾: اعلَموا. وقرئ بالمدّ؛ أي: أعلموا غيركم. ولما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله.

стр. 483

﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: لا تَظْلِمون بأخذِ زيادةٍ على رؤوس أموالكم، ولا تُظْلَمون بالنقص منها. ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ «كان» تامة؛ بمعنى: حضر، أو وقع. وقرئ ﴿ذَا عُسْرَةٍ﴾؛ أي: إن كان الغريم ذا عسرة. ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ حكم الله للمُعْسِر بالإنظار إلى أن يُوسِرَ، وقد كان قبل ذلك يباع فيما عليه. و ﴿نَظِرَةٌ﴾: مصدرٌ؛ معناه: التأخير. وهو مرفوع على أنه: خبر ابتداء؛ تقديره: فالواجب نظرةٌ. أو مبتدأ. و ﴿مَيْسَرَةٍ﴾ أيضًا مصدر. وقرئ بضم السين، وفتحها. ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ندب الله إلى الصدقة على المعسر بإسقاط الدَّين عنه، فذلك أفضل من إنظاره. وباقي الآية وعظٌ. وقيل: إنَّ آخر آية نزلت آيةُ الرِّبا. وقيل: بل قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية. وقيل: آية الدَّين المذكورة بعدُ.

стр. 484

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾]. ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ أي: إذا عامل بعضكم بعضًا بدين. وإنما ذُكر الدين وإن كان مذكورًا في ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾؛ ليعود عليه الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾، وليزول الاشتراك الذي في ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾؛ إذ قد يقال بمعنى: الجزاء. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ دليلٌ على أنه لا يجوز إلى أجلٍ مجهول. وأجاز مالك البيع إلى الجداد والحصاد؛ لأنه معروف عند الناس. ومنعه الشافعي وأبو حنيفة.

стр. 485

قال ابن عباس: نزلت الآية في السَّلَم خاصة؛ يعني: أن سَلَم أهل المدينة كان سبب نزولها. قال مالك: وهذا يجمع الدَّين كله؛ يعني: أنه يجوز التأخير في السلم والسلف وغيرهما. ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ذهب قومٌ إلى أن كتابة الدين واجبةٌ بهذه الآية. وقال قوم: إنها منسوخة بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾. وقال قوم: إنها على الندب. ﴿وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾ قال قوم: يجب على الكاتب أن يكتب. وقال قوم: نُسخ ذلك بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. وقال آخرون: يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه. وقال قوم: إنَّ الأمر بذلك على الندب؛ ولذلك جاز أخذ الأجرة على كَتْبِ الوثائق. ﴿بِالْعَدْلِ﴾ يتعلق عند ابن عطية بقوله: ﴿وَلْيَكْتُب﴾ (١). وعند الزمخشري بقوله: ﴿كَاتِبٌ﴾ (٢). فعلى الأول: تكون الكتابة بالعدل؛ وإن كان الكاتب غيرَ مرْضيّ. وعلى الثاني: يجب أن يكون الكاتب مَرضيًا في نفسه.

стр. 486

قال مالك: لا يكتب الوثائق إلا عارفٌ بها، عدلٌ في نفسه، مأمونٌ. ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ نهيٌ عن الإباية، وهو يقوّي الوجوب. ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ يتعلَّق بقوله: ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾، والكاف: للتشبيه؛ أي: يكتب مثلَ ما علَّمه الله. أو للتعليل؛ أي: ينفع الناسَ بالكتابة كما علَّمه الله؛ كقوله: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]. وقيل: يتعلَّق بقوله بعدها: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾. ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ يقال: أملَلْتُ الكتاب، وأملَيْتُه؛ فورد هنا على اللغة الواحدة، وفي قوله: ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥] على الأخرى. ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾؛ لأنَّ الشهادة إنما هي باعترافه. فإنْ كُتِبتْ الوثيقة دون إملاله، ثم أقرَّ بها جاز. ﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾ أَمَره الله بالتقوى فيما يُمِلُّ، ونهاه عن البَخْس؛ وهو نقص الحق. ﴿سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ السَّفيه: الذي لا يُحسن النظر في ماله. والضعيف: الصغير وشبهه. والذي لا يستطيع أن يُمِلَّ: الأخرس وشبهه. ﴿وَلِيُّهُ﴾ أبوه، أو وصيه.

стр. 487

والضمير عائد على: ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾. ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ شهادةُ الرجلينِ جائزةٌ في كلِّ شيءٍ، إلَّا في الزنا؛ فلا بد من أربعة. ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ نصٌّ في رفض شهادة الكفار، والصِّبيان، والنساء. وأما العبيد: فاللفظ يتناولهم؛ ولذلك أجاز ابن حنبل شهادتهم. ومنعها مالك والشافعي؛ لنقص الرِّقِّ. ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ قال قومٌ: لا تجوز شهادة المرأتين إلَّا مع عدم الرجال؛ وقالوا: معنى الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾: إن لم يوجَدَا. وأجازه الجمهور؛ لأن المعنى: إن لم يشهد (١) رجلان فرجلٌ وامرأتان. وإنما يجوز -عند مالك- شهادة الرجل والمرأتين في الأموال، لا في غيرها. وتجوز عنده شهادةُ المرأتين دون رجلٍ فيما لا يطَّلع عليه الرجال، كالولادة، والاستهلال، وعيوب النساء. وارتفع (٢) ﴿فَرَجُلٌ﴾: بفعل مضمر؛ تقديره: فليكن رجلٌ؛ فهو فاعل، أو تقديره: فليُستشهد رجلٌ؛ فهو مفعول لم يُسمَّ فاعله. أو بالابتداء؛ تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون.

стр. 488

﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ صفة للرجل والمرأتين. وهو مشترط -أيضًا- في الرجلين الشاهدين؛ لأنَّ الرِّضا مشترط في الجميع. وهو العدالة؛ ومعناها: اجتناب الذنوب الكبائر، وتوقِّي الصغائر، مع المحافظة على المروءة. ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ مفعول من أجله، والعامل فيه: هو المقدَّر العامل في ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾. والضَّلال في الشهادة: هو نسيانُها، أو نسيان بعضها. وإنما جُعِل ضلالُ إحدى المرأتين مفعولًا من أجله، وليس هو المراد؛ لأنه سببٌ لتذكير الأخرى لها، وهو المراد؛ فأُقيم السببُ مقام المسبَّب. وقرئ: ﴿إِنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الهمزة: على الشرط، وجوابه: الفاء في ﴿فَتُذَكِّرُ﴾. ولذلك رفعه مَنْ كسَر الهمزة، ونصبه من فتحها على العطف. وقرئ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بالتشديد والتخفيف؛ والمعنى واحد. ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أي: لا يمتنعوا إذا دعوا إلى أداء الشهادة، وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي ﷺ (١)، واتَّفق العلماء أن أداء الشهادة واجبٌ إذا دعي إليها.

стр. 489

وقيل: إذا دعوا (١) إلى تحصيل الشهادة وكَتْبِها. وقيل: إلى الأمرين. ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أي: لا تملُّوا من الكتابة إذا تردَّدتْ وكثرت؛ سواءً كان الحق صغيرًا أو كبيرًا. ونُصب ﴿صَغِيرًا﴾ على الحال. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى الكتابة. ﴿أَقْسَطُ﴾ من القسط؛ وهو العدل. ﴿وَأَقْوَمُ﴾ بمعنى: وأشدُّ إقامةً. وبُنِي أفعل فيهما من الرباعي؛ وهو قليل. ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: أقرب إلى عدم الشك في الشهادة. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ «أن» في موضع نصب على الاستثناء المنقطع؛ لأن الكلام المتقدِّم في الدين المؤجَّل. والمعنى: إباحةُ تركِ الكتابة في التجارة الحاضرة؛ وهي ما يباع بالنقد. وقوله: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي: القبضَ، والبينونة. ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ذهب قومٌ إلى وجوب الإشهاد على كلِّ بيعٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ، وهم الظاهرية، خلافًا للجمهور. وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾.

стр. 490

وذهب قوم إلى أنه على الندب. ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ يحتمل أن يكون ﴿كَاتِبٌ﴾ فاعلًا؛ على تقدير كسر الراء المدغمة من ﴿يُضَارَّ﴾. والمعنى على هذا: نهيٌ للكاتب والشهيد (١) أن يضرَّا صاحب الحقِّ أو الذي عليه الحق بالزيادة فيه، أو النقصان منه، أو الامتناع من الكتابة أو الشهادة. ويحتمل أن يكون ﴿كَاتِبٌ﴾ مفعولًا لم يسمَّ فاعله؛ على تقدير فتح الراء المدغمة، ويقوِّي ذلك قراءة عمر بن الخطاب ﵁: «لا يُضَارَرْ» بالتفكيك وفتح الراء. والمعنى: النهي عن الإضرار بالكاتب والشهيد؛ بإذايتهما بالقول أو بالفعل. ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ إن وقعتم في الإضرار ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ إخبارٌ على وجه الامتنان. وقيل: معناه الوعد بأنَّ من اتقى علَّمه الله وألهمه. وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يُعطيه؛ لأنه لو كان كذلك لجزم ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾ في جواب ﴿وَاتَّقُوا﴾. ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية؛ لما أمر الله تعالى بكتابة الديون: جعل الرَّهن توثيقًا للحق، عوضًا من الكتابة حيث تتعذَّر الكتابة في السفر.

стр. 491

وقال الظاهرية: لا يجوز الرهن إلَّا في السفر؛ لظاهر الآية. وأجازه مالك وغيره في الحضَر؛ لأنَّ النبي ﷺ رهن درعَه بالمدينة (١). ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن. وأجمع العلماء على صحةِ قبضِ المرتهنِ، وقبضِ وكيله. وأجاز مالك والجمهور وضعه على يد عَدْل. والقبض للرهن شرط في الصحة عند الشافعي وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾. وهو عند مالك شرط كمال. ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ الآية؛ أي: إن أمن صاحبُ الحق المِدْيَانَ لحسن ظنه به: فليستغْنِ عن الكتابة وعن الرهن. فأمر أولًا بالكتابة، ثم بالرهن، ثم بالائتمان؛ فللدَّيْن ثلاثة أحوال. ثم أمر المديان بأداء الأمانة؛ ليكون عند ظن صاحبه به. ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ محمولٌ على الوجوب. ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ معناه: قد تعلَّق به الإثمُ اللاحقُ عن المعصية في كتمان الشهادة. وارتفع ﴿آثِمٌ﴾ بأنه خبر «إنَّ»، و ﴿قَلْبُهُ﴾ فاعلٌ به. ويجوز أن يكون ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ، و ﴿آثِمٌ﴾ خبره.

стр. 492

وإنما أسند الإثم إلى القلب وإن كانت جملةُ الكاتم هي الآثمة: لأنَّ الكتمان مِنْ فعل القلب؛ إذ هو يُضمرها، ولئلا يُظَنَّ أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان.

стр. 493

[﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾] ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ الآية؛ مقتضاها: المحاسبة على ما في نفوس العباد من الذنوب؛ سواءٌ أبدَوْه أم أخفَوْه، ثم المعاقبة على ذلك لمن شاء الله أو الغفران لمن شاء الله. وفي ذلك إشكالٌ؛ لمعارضته لقول رسول الله ﷺ : «إنَّ الله تجاوز لأمتي ما حدَّثَتْ به أنفسها» (١). ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أنه لما نزلت شقَّ ذلك على الصحابة وقالوا: هلكنا إن حوسبنا بخواطر أنفسنا، فقال لهم النبي ﷺ : «قولوا: سمعنا وأطعنا»، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فكشف عنهم الكربة (٢)، ونسَخَ بذلك هذه الآية (٣).

стр. 494

وقيل: هي في معنى: كتم الشهادة وإبدائها؛ وذلك محاسبٌ به. وقيل: يحاسب الله خلقه على ما في نفوسهم، ثم يغفر للمؤمنين ويعذِّب الكافرين والمنافقين. والصحيح: التأويل الأوَّل؛ لوروده في الصحيح، وقد ورد - أيضًا - عن ابن عباس وغيره. فإن قيل: إنَّ الآية خبرٌ، والأخبار لا يدخلها النسخ؟ فالجواب: أنَّ النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة؛ وذلك حكمٌ يصحُّ دخول النسخ فيه. فلفظ الآية: خبر، ومعناها: حكم (١). ﴿فَيَغْفِرُ﴾ و ﴿يُعَذِّبُ﴾ قرئ: بجزمهما: عطفًا على ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾. وبرفعهما: على تقدير: فهو يغفرُ. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية؛ سببها: ما تقدَّم في حديث أبي هريرة؛ لما قالوا: سمعنا وأطعنا: مدَحهم الله بهذه الآية، وقدَّم ذلك قبل كشف ما شقَّ عليهم. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطفٌ على ﴿الرَّسُولُ﴾، أو مبتدأ: فعلى الأول: يُوقَف ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. وعلى الثاني: يوقف ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾.

стр. 495

والأول أحسن. ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ إن كان ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ معطوفًا: فـ ﴿كُلٌّ﴾ عمومٌ في الرسول والمؤمنين. وإن كان مبتدأً: فـ ﴿كُلٌّ﴾ عموم في المؤمنين. ووحَّد الضمير في ﴿آمَنَ﴾ على معنى: كلُّ واحدٍ منهم آمن. ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قرئ بالجمع؛ أي كل كتاب أنزله الله. وقرئ بالتوحيد؛ يريد: القرآن، أو الجنس. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ التقدير: يقولون: لا نفرّق. والمعنى: لا نفرّق بين أحدٍ من الرسل وبين غيره في الإيمان، بل نؤمن بجميعهم، ولسنا كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ حكايةُ قولِ المؤمنين؛ على وجه المدح لهم. ﴿غُفْرَانَكَ﴾ مصدرٌ، والعامل فيه مضمر. ونصبهُ: على المصدرية؛ تقديره: اغفر غفرانك. وقيل: على المفعولية؛ تقديره: نطلب غفرانك. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إقرارٌ بالبعث، مع تذلُّلٍ وانقياد. وهنا تمَّت حكاية كلام المؤمنين. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إخبارٌ من الله تعالى برفع تكليف ما لا يطاق.
следующие страницы →