← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال الظاهرية: لا يجوز الرهن إلَّا في السفر؛ لظاهر الآية. وأجازه مالك وغيره في الحضَر؛ لأنَّ النبي ﷺ رهن درعَه بالمدينة (١). ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن. وأجمع العلماء على صحةِ قبضِ المرتهنِ، وقبضِ وكيله. وأجاز مالك والجمهور وضعه على يد عَدْل. والقبض للرهن شرط في الصحة عند الشافعي وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾. وهو عند مالك شرط كمال. ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ الآية؛ أي: إن أمن صاحبُ الحق المِدْيَانَ لحسن ظنه به: فليستغْنِ عن الكتابة وعن الرهن. فأمر أولًا بالكتابة، ثم بالرهن، ثم بالائتمان؛ فللدَّيْن ثلاثة أحوال. ثم أمر المديان بأداء الأمانة؛ ليكون عند ظن صاحبه به. ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ محمولٌ على الوجوب. ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ معناه: قد تعلَّق به الإثمُ اللاحقُ عن المعصية في كتمان الشهادة. وارتفع ﴿آثِمٌ﴾ بأنه خبر «إنَّ»، و ﴿قَلْبُهُ﴾ فاعلٌ به. ويجوز أن يكون ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ، و ﴿آثِمٌ﴾ خبره.

стр. 492

وإنما أسند الإثم إلى القلب وإن كانت جملةُ الكاتم هي الآثمة: لأنَّ الكتمان مِنْ فعل القلب؛ إذ هو يُضمرها، ولئلا يُظَنَّ أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان.

стр. 493

[﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾] ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ الآية؛ مقتضاها: المحاسبة على ما في نفوس العباد من الذنوب؛ سواءٌ أبدَوْه أم أخفَوْه، ثم المعاقبة على ذلك لمن شاء الله أو الغفران لمن شاء الله. وفي ذلك إشكالٌ؛ لمعارضته لقول رسول الله ﷺ : «إنَّ الله تجاوز لأمتي ما حدَّثَتْ به أنفسها» (١). ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أنه لما نزلت شقَّ ذلك على الصحابة وقالوا: هلكنا إن حوسبنا بخواطر أنفسنا، فقال لهم النبي ﷺ : «قولوا: سمعنا وأطعنا»، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فكشف عنهم الكربة (٢)، ونسَخَ بذلك هذه الآية (٣).

стр. 494

وقيل: هي في معنى: كتم الشهادة وإبدائها؛ وذلك محاسبٌ به. وقيل: يحاسب الله خلقه على ما في نفوسهم، ثم يغفر للمؤمنين ويعذِّب الكافرين والمنافقين. والصحيح: التأويل الأوَّل؛ لوروده في الصحيح، وقد ورد - أيضًا - عن ابن عباس وغيره. فإن قيل: إنَّ الآية خبرٌ، والأخبار لا يدخلها النسخ؟ فالجواب: أنَّ النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة؛ وذلك حكمٌ يصحُّ دخول النسخ فيه. فلفظ الآية: خبر، ومعناها: حكم (١). ﴿فَيَغْفِرُ﴾ و ﴿يُعَذِّبُ﴾ قرئ: بجزمهما: عطفًا على ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾. وبرفعهما: على تقدير: فهو يغفرُ. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية؛ سببها: ما تقدَّم في حديث أبي هريرة؛ لما قالوا: سمعنا وأطعنا: مدَحهم الله بهذه الآية، وقدَّم ذلك قبل كشف ما شقَّ عليهم. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطفٌ على ﴿الرَّسُولُ﴾، أو مبتدأ: فعلى الأول: يُوقَف ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. وعلى الثاني: يوقف ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾.

стр. 495

والأول أحسن. ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ إن كان ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ معطوفًا: فـ ﴿كُلٌّ﴾ عمومٌ في الرسول والمؤمنين. وإن كان مبتدأً: فـ ﴿كُلٌّ﴾ عموم في المؤمنين. ووحَّد الضمير في ﴿آمَنَ﴾ على معنى: كلُّ واحدٍ منهم آمن. ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قرئ بالجمع؛ أي كل كتاب أنزله الله. وقرئ بالتوحيد؛ يريد: القرآن، أو الجنس. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ التقدير: يقولون: لا نفرّق. والمعنى: لا نفرّق بين أحدٍ من الرسل وبين غيره في الإيمان، بل نؤمن بجميعهم، ولسنا كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ حكايةُ قولِ المؤمنين؛ على وجه المدح لهم. ﴿غُفْرَانَكَ﴾ مصدرٌ، والعامل فيه مضمر. ونصبهُ: على المصدرية؛ تقديره: اغفر غفرانك. وقيل: على المفعولية؛ تقديره: نطلب غفرانك. ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إقرارٌ بالبعث، مع تذلُّلٍ وانقياد. وهنا تمَّت حكاية كلام المؤمنين. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إخبارٌ من الله تعالى برفع تكليف ما لا يطاق.

стр. 496

وهو جائزٌ عقلًا عند الأشعريَّةِ، ومحالٌ عقلًا عند المعتزلةِ. واتَّفقوا على أنه لم يقعْ في الشريعةِ. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: من الحسنات. ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من السيئات. وجاءت العبارة بـ ﴿لَهَا﴾ في الحسنات؛ لأنها مما ينتفع العبدُ به، وجاءت في السيئات بـ ﴿عَلَيْهَا﴾؛ لأنها مما يَضرُّ بالعبد. وإنما قال في الحسنات ﴿كَسَبَتْ﴾ وفي الشرِّ (١) ﴿اكْتَسَبَتْ﴾: لأنَّ في الاكتساب ضربًا من الاعتمال والمعالجة، حسّبما تقتضيه صيغة: «افتعل»؛ فالسيئات فاعلُها يتكلَّف مخالفة أمر الله، ويتعدَّاه، بخلاف الحسنات؛ فإنه فيها على الجادَّةِ من غير تكلُّفٍ. أو لأنَّ السيئات يجدُّ في فعلها؛ لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مُكتَسبَة، ولما لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وُصفت بما لا دلالةَ فيه على الاعتمال. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي: قولوا ذلك في دعائكم (٢). ويحتمل أن يكون من بقيَّةِ حكاية قولهم؛ كما حكى عنهم قولَهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.

стр. 497

والنِّسيانُ هنا: هو الذُّهُولُ الغالبُ على الإنسانِ. والخطأُ: غير العمدِ؛ فذلك معنى قوله ﷺ : «رُفِع عن أمَّتي الخطأُ والنسيانُ» (١). وقد كان يجوز أن يُؤاخَذَ به لولا أنَّ الله رفَعه. ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ التكاليفُ الصعبة؛ كانت قد كُلِّفَتْ لمن تقدَّم من الأمم؛ كقتل أنفسهم، وقَرْض أبدانهم، ورُفِعت عن هذه الأمة؛ قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقيل: الإصرُ: المسخُ قردةً وخنازيرَ. ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هذا الدعاء دليلٌ على جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه لا يدعى برفع ما لا يجوز أن يقع، ثم إنَّ الشرع دفع وقوعه. وتحقيقُ ذلك: أنَّ ما لا يطاق أربعةُ أنواع: الأول: عقليٌّ محض؛ كتكليف الإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن: فهذا جائزٌ، وواقعٌ باتِّفاق. والثاني: عاديٌّ؛ كالطَّيران في الهواء. والثالث: عقليٌّ وعادي؛ كالجمع بين الضِّدَّين. فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما، والاتفاق على عدم وقوعه. والرابع: تكليف ما يَشقُّ ويَصعُبُ:

стр. 498

فهذا جائز اتفاقًا، وقد كلَّفه الله من تقدَّم من الأمم (ورفعه عن هذه الأمة) (١). ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ ألفاظٌ متقاربةُ المعنى، وبينَها من الفرق: أنَّ العفو: تركُ المؤاخذة بالذنب. والمغفرة: تقتضي -مع ذلك- السَّتْرَ. والرحمة: تجمع ذلك، مع التفضُّل بالإِنعام. ﴿مَوْلَانَا﴾ وليُّنا وسيّدُنا.

стр. 499

(سورة آل عمران) نزل صدرُها إلى نيّفٍ وثمانين آيةً لما قدِم نصارى نجران المدينة يناظرون رسول الله ﷺ في عيسى بن مريم ﵇. [﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾]. ﴿الم (١)﴾ تقدَّم الكلام على حروف الهجاء (١). وقرأ الجمهور: بفتح الميم هنا في الوصل؛ لالتقاء الساكنين؛ نحو: «مِنَ الناس».

стр. 500

وقال الزمخشريُّ: هي حركة الهمزة نُقلت إلى الميم (١). وهذا ضعيف؛ لأنها ألفُ وَصْلٍ تسقط في الدَّرْج. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ردٌّ على النصارى في قولهم: إنَّ عيسى هو الله؛ لأنهم زعموا أنه صُلِب؛ فليس بحيٍّ، وليس بقيُّوم. ﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: القرآن. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: تضمَّن الحقَّ؛ من الأخبار والأحكام وغيرها. أو: بالاستحقاق. ﴿مُصَدِّقًا﴾ قد تقدَّم في: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١] (٢). ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الكتب المتقدّمة. ﴿التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ أعجميان؛ فلا يصحُّ ما ذكره النُّحاة من اشتقاقهما ووزنهما. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ هو القرآن؛ وإنما كرَّر ذكْرَه؛ ليصفه بأنه المفرِّق بين الحق والباطل. ويحتمل: أن يكون ذكَرَه أوَّلًا على وجه الإثبات لإنزاله بقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ثم ذكره ثانيًا على وجه الامتنان بالهدى به؛ كما قال في التوراة والإنجيل: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾؛ فكأنه قال: «وأنزل الفرقان هدى للناس»، ثم حذف ذلك؛ لدلالة الهدى الأوَّل عليه.

стр. 501

فلما اختلف قصدُ الكلام في الموضعين: لم يكن ذلك تكرارًا. وقيل: الفرقان هنا: كلُّ ما فرَّق بين الحق والباطل؛ من كتابٍ وغيره. وقيل: هو الزَّبور؛ وهذا بعيد. ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ خبرٌ عن إحاطةِ عِلْم الله بجميع الأشياء على التَّفصيل. وهذه صفةٌ لم تكن لعيسى، ولا لغيره؛ ففي ذلك ردٌّ على النصارى. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ برهانٌ على إثبات علم الله المذكور قبلُ. وفيه ردٌّ على النصارى؛ لأن عيسى لا يقدر على التَّصوير، بل كان مصورًا؛ كسائر بني آدم. ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ مِنْ طولٍ، وقِصَرٍ، وحُسْنٍ، وقبح، ولَوْن، وغير ذلك. ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ المُحْكَم من القرآن: هو البيِّنُ المعنى، الثابت الحكم. والمتشابه: هو الذي يحتاج إلى تأويل، أو يكون مُستغلقَ المعنى؛ كحروف الهجاء. قال ابن عباس: المحكمات: النَّاسخات والحلال والحرام، والمتشابهات: المنسوخات، والمقدَّم، والمؤخَّر. وهذا تمثيلٌ لما قلنا. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: عُمدةُ ما فيه، ومُعْظَمه.

стр. 502

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ نزلت في نصارى نجران؛ فإنهم قالوا للنبي ﷺ : أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروحٌ منه؟ قال: «نعم»، قالوا: فحسبُنا إذن (١). فهذا من المتشابه الذي اتَّبعوه. وقيل: نزلت في أبي ياسر ابن أخطب اليهودي وأخيه حُيَيٍّ. ثم يدخل في ذلك: كلُّ كافر، أو مبتدع، أو جاهل يتَّبع المتشابه من القرآن. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: ليفتنوا به الناسَ. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: يبتغون أن يتأوَّلوه على ما تقتضي مذاهبُهم. أو: يبتغون أن يصلوا من معرفة تأويله إلى ما لا يَصل إليه مخلوقٌ. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إخبارٌ عن انفراد الله بعلمِ تأويل المتشابه من القرآن، وذمٌّ لمن طلب عِلمَ ذلك من الناس. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأٌ مقطوع مما قبله. والمعنى: أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، وإنما يقولون: «آمنا به»؛ على وجه التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته. وقيل: إنه معطوفٌ على ما قبله. وإن المعنى: أنهم يعلمون تأويلَه. وكلا القولين مرويٌ عن ابن عباس.

стр. 503

والأوَّلُ قول أبي بكر الصديق، وعائشة، وعروة بن الزبير؛ وهو أرجحُ. وقال ابن عطية: المتشابه نوعان: نوعٌ انفرد الله بعلمه. ونوعٌ يمكن وصول الخلق إليه. فيكون ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾: ابتداءً: بالنظر إلى الأول. وعطفًا: بالنظر إلى الثاني (١). ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: المحكم والمتشابه من عند الله. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ حكايةٌ عن الراسخين. ويحتمل أن يكون مُنقطعًا؛ على وجه التَّعليم. والأول أرجح؛ لاتِّصال الكلام. وأما قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: فهو من كلام الله تعالى، لا حكايةُ قولِ الراسخين. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ استدلالٌ على البعث، ويحتمل أن يكون: من تمام كلام الراسخين. أو مُنقطعًا؛ فهو من كلام الله تعالى.

стр. 504

[﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾]. ﴿كَدَأْبِ﴾ في موضع رفع؛ أي: دأب هؤلاء ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ وفي ذلك تهديد. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عطف على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، ويعني بهم: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم.

стр. 505

والضمير عائد على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ البراهين، أو الكتب. ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ قرئ بتاء الخطاب: ليهود المدينة. وقيل: لكفّار قريش. وقرئ بالياء: إخبارًا: عن يهود المدينة. وقيل: عن قريش. وهو صادقٌ على كل قول: أما اليهود فغُلبوا يوم قريظة والنَّضير وقَيْنُقاع. وأما قريش ففي بدر وغيرِها. والأشهرُ أنَّها في بني قينقاع؛ لأن رسول الله ﷺ دعاهم إلى الإسلام بعد غزوة بدر، فقالوا له: لا يغرَّنَّك أنك قتلت نفرًا من قريش لا يعرفون القتال، فلو قاتلتنا لعرفتَ أنَّا نحن الناس، فنزلت الآية، ثم أخرجهم رسول الله ﷺ من المدينة. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قيل: خطابٌ للمؤمنين. وقيل: لليهود. وقيل: لقريش.

стр. 506

والأرجحُ (١) أنَّه لبني قينقاع الَّذين قيل لهم: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾؛ ففيه تهديدٌ لهم وعبرةٌ بما (٢) جرى لغيرهم. ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ المسلمون والمشركون يوم بدر. ﴿تَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ﴾ قرئ: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء: خطابًا لمن خوطب بقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾. والمعنى: ترون الكفارَ مِثْلَي المسلمين؛ ولكن الله أيّد المسلمين بنصره على قلّة عددهم. وقُرئ: بالياء؛ والفاعل في ﴿يَرَوْنَهُم﴾: هم المؤمنون، والمفعول به: هم المشركون، والضمير في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾: للمؤمنين. والمعنى: على حسب ما تقدّم. فإن قيل: إنَّ الكفار كانوا يوم بدر أكثرَ مِنْ مِثْلَي المسلمين؟ فالجواب: من وجهين: أحدهما: أن الكفار كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين؛ لأن الكفار كانوا قريبًا من ألف، والمؤمنون ثلاث مئة وثلاثة عشر، ثم إنَّ الله تعالى قلَّل عدد الكافرين في أعين المؤمنين؛ حتى حسبوا أنهم مثلهم مرَّتين؛ ليتجاسروا على قتالهم، إذا ظهر لهم أنهم على ما أُمِروا به من قتال الواحد للاثنين من قوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].

стр. 507

وهذا المعنى موافق لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤]. والآخر: أنه رجع قومٌ من الكفار حتى بقي منهم ستُّ مئة وستةٌ وعشرون رجلًا؛ وذلك قدرُ عدد المسلمين مرتين. وقيل: إنَّ الفاعل في ﴿يَرَوْنَهُم﴾: ضمير المشركين، والمفعول: ضمير المؤمنين، وإن الضمير في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ يحتمل أن يكون للمؤمنين أو للمشركين. والمعنى على هذا: أنَّ الله كثّر عدد المسلمين في أعين المشركين؛ حتى حَسِب الكفارُ المؤمنين مثلي الكافرين، أو مثلي المؤمنين، وهم أقل من ذلك، وإنما كثّرهم الله في أعينهم ليَرَهبوهم. ويردُّ هذا قوله تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ نُصب على المصدرية. ومعناه: معاينةً ظاهرةً لا شكَّ فيها. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ﴾ أي: أنَّ النصر بمشيئة الله، لا بالقِلَّة، ولا بالكثرة؛ فإن فئة المسلمين غلبت فئة الكافرين؛ مع أنهم كانوا أكثر منهم. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ قيل: المزيّن هو الله، وقيل: الشيطان. ولا تعارض بينهما؛ فتزيين الله: بالإيجاد والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجِبِلَّة على الميل إلى الدنيا. وتزيين الشيطان: بالوسوسة والخديعة.

стр. 508

﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار؛ وهو ألف ومئتا أوقية. وقيل: ألف ومئتا مثقال، وكلاهما مرويٌّ عن النبي ﷺ (١). ﴿الْمُقَنطَرَةِ﴾ مبنيَّةٌ من لفظ القنطار؛ للتأكيد؛ كقولهم: ألفٌ مؤلفة. وقيل: المضروبةُ دنانيرَ أو دراهمَ. ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ الراعية؛ من قولهم: سام الفرس وغيره: إذا جال في المسارح. وقيل: المُعْلَمَة في وجوهها شِياتٌ (٢)؛ فهي من السِّيما بمعنى العلّامة. وقيل: المعدَّة للجهاد. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تحقيرٌ لها؛ ليزهد فيها الناس. ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ تفضيلٌ للآخرة على الدنيا؛ ليُرغَب فيها. وتمَّ الكلامُ في قوله: ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾، ثم ابتدأ قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ تفسيرًا لذلك. فـ ﴿جَنَّاتٌ﴾ على هذا: مبتدأ، وخبره: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. وقيل: إنَّ قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ متعلّق بما قبله، ويتمُّ الكلام في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. فـ ﴿جَنَّاتٌ﴾ على هذا: خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ.

стр. 509

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ زيادةٌ إلى نعيم الجنة، وهو أعظم من النعيم حسبما ورد في الحديث (١). ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ نعتٌ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أو رُفع بالابتداء، أو نُصِب بإضمار فعل. ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في الأقوال والأفعال. ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ العابدين، أو المطيعين. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ الاستغفار: هو طلب المغفرة. قيل لرسول الله ﷺ : كيف نستغفر؟ فقال: «قولوا: اللهم اغفر لنا وارحمنا وتُب علينا إنك أنت التوَّاب الرحيم» (٢). ﴿وَبِالْأَسْحَارِ﴾ جمع سَحَرٍ؛ وهو آخر الليل؛ يقال: إنه الثلث الآخر؛ وهو الذي ورد أن الله يقول حينئذٍ: «من يستغفرني فأغفر له» (٣). ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الآية؛ شهادةٌ من الله سبحانه لنفسه بالوحدانية. وقيل: معناها: إعلامُه لعباده بذلك.

стр. 510

﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ عطفٌ على اسم ﴿اللَّهِ﴾؛ أي: هم شهداءُ بالوحدانية. ويعني بأولي العلم: العارفين بالله، الذين يقيمون البراهينَ على وحدانيته. ﴿قَائِمًا﴾ منصوبٌ على الحال من: اسم ﴿اللَّهِ﴾، أو من: ﴿هُوَ﴾. أو منصوبٌ على المدح. ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إنما كرَّر التهليل لوجهين: أحدهما: أنه ذكر أوَّلًا الشهادة بالوحدانية، ثم ذكرها ثانيًا بعد ثبوتها بالشهادة المتقدمة (١). والآخر: أن ذلك تعليمٌ لعباده؛ ليُكثروا من قولها. ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بكسر الهمزة: ابتداءٌ. وبفتحها: بدلٌ من ﴿أَنَّهُ﴾، وهو بدل شيءٍ من شيء؛ لأن التوحيد هو الإسلام. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ﴾ الآية؛ إخبارٌ أنهم اختلفوا بعد معرفتهم بالحقائق؛ من أجل البغي، وهو الحسد. والآية في اليهود، وقيل: في النصارى، وقيل: فيهما.

стр. 511

﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ قد تقدَّم معناه في «البقرة» (١). وهو هنا تهديدٌ؛ ولذلك وقع في جواب: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في الدين. والضمير: لليهود، ونصارى نجران. ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: أخلصتُ نفسي وجملتي لله؛ وعبَّر بالوجه عن الجملة. ومعنى الآية: إقامة الحجة عليهم؛ لأنَّ مَنْ أسلم وجهه لله فهو على الحق بلا شكٍّ، فسقطت حجَّةُ مَنْ خالفه. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عطفٌ على التاء في ﴿أَسْلَمْتُ﴾. ويجوز أن يكون مفعولًا معه. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ تقريرٌ بعد إقامة الحجة؛ أي: قد جاءكم من البراهين ما يقتضي أن تُسلموا. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: إنما عليك أن تبلِّغَ رسالة ربك، فإذا بلَّغتها فقد فعلتَ ما عليك. وقيل: إن فيها موادعةً نسختها آية السيف.

стр. 512

[﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ الآية؛ نزلت في اليهود والنصارى؛ توبيخا لهم، ووعيدًا على قبيح (١) أفعالهم، وأفعال أسلافهم. ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود.

стр. 513

والكتاب هنا: التوراة، أو جنس. ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ ابنُ عباس: دخل رسول الله ﷺ على جماعةٍ من اليهود، فيهم النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد، فقالوا له: على أيِّ دينٍ أنت؟ فقال: «على دين إبراهيم»، فقالوا: إنَّ إبراهيم كان يهوديًّا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «فهلمُّوا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم»، فأبوا عليه فنزلت الآية (١). فـ ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ على هذا: التوراة. وقيل: هو القرآن؛ كان النبي ﷺ يدعوهم إليه فيُعرِضون عنه. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارةُ إلى إعراضهم عن كتاب الله. والباءُ سببية. والمعنى: أنَّ كفرهم بسبب اغترارهم وأكاذيبهم. والأيام المعدودات قد ذُكِرت (٢) في «البقرة» (٣). ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ أي: كيف يكون حالهم يوم القيامة؟ والمعنى: تهويلٌ واستعظام لما أُعِدَّ لهم. ﴿اللَّهُمَّ﴾ منادى، والميم فيه عوض من حرف النداء عند البصريين؛ ولذلك لا يجتمعان.

стр. 514

وقال الكوفيون: أصله: «يا اللهُ أُمَّنا بخير» فالميم عندهم من: «أُمَّنا». ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ منادى عند سيبويه. وأجاز الزَّجَّاج أن يكون صفةً لاسم الله. وقيل: إنَّ الآية نزلت ردًّا على النصارى في قولهم: إنَّ عيسى هو الله؛ لأن هذه الأوصاف ليست لعيسى. وقيل: لما أخبر النبيُّ ﷺ أن أمته يفتحون مُلك كسرى وقيصر: استبعد ذلك المنافقون، فنزلت الآية. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ قيل: المراد: «بيدك الخير والشر»، فحذف أحدهما؛ لدلالة الآخر عليه. وقيل: إنما خصَّ الخير بالذكر؛ لأنَّ الآية في معنى دعاء ورغبة؛ فكأنه يقول: بيدك الخير فأجزل حظي منه. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ عبد الله بن مسعود: هي النُّطفة؛ تخرج من الرجل ميتة وهو حيّ، ويخرج الرجل منها حيًّا وهي ميتةٌ. وقال عكرمة: هو إخراج الدَّجاجة من البيضة، والبيضة من الدَّجاجة. وقيل: تُخرج (١) المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فالحياة والموت على هذا: استعارة.

стр. 515

وفي ذِكر الحيِّ مع الميت: المطابقة؛ وهي من أدوات البيان. وفيه -أيضًا- القلب؛ لأنه قدَّم الحيَّ على الميت، ثم عكس. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير تضييق. وقيل: بغير محاسبة. ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية؛ عامة في جميع الأعصار. وسببها: مَيْلُ بعض الأنصار إلى بعض اليهود. وقيل: كتاب حاطب إلى مشركي قريش. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ تبرُّؤٌ ممن فعل ذلك، ووعيدٌ على موالاة الكفار. وفي الكلام حذف؛ تقديره: ليس من التقرُّب إلى الله في شيء. وموضع ﴿فِي شَيْءٍ﴾: نصبٌ على الحال من الضمير في ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ﴾. قاله ابن عطية (١). ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ﴾ إباحةٌ لموالاتهم إن خافوا منهم.

стр. 516

والمراد: موالاةٌ بالظاهر، مع البغضاء في الباطن. ﴿تُقَاةً﴾ وزنه: فُعَلَة -بضم الفاء وفتح العين-، وفاؤه واوٌ، أُبدل منها تاءٌ، ولامه ياء أبدل منها ألف. وهو منصوب على المصدرية. ويجوز أن ينتصب على الحال من الضمير في ﴿تَتَّقُوا﴾. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تخويفٌ. ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ منصوبٌ على الظرفية، والعامل فيه: فعل مضمر؛ تقديره: اذكروا، أو خافوا. وقيل: العامل فيه: ﴿قَدِيرٌ﴾. وقيل: ﴿الْمَصِيرُ﴾. وقيل: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾. ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿تَوَدُّ﴾. أو معطوف. ﴿أَمَدًا﴾ أي: مسافةً. ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ﴾ ذُكر بعد التَّحذير: تأنيسًا؛ لئلا يُفرط الخوفُ. أو لأن التحذير والتنبيه رأفةٌ.

стр. 517

﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ جَعل اتِّباع النبي ﷺ : علامةً على محبة العبد لله تعالى. وشرطًا في محبة الله للعبد ومغفرته له. وقيل: إنَّ الآية خطابٌ لنصارى نجران، ومعناها على العموم في جميع الناس.

стр. 518

[﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾]. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ الآية؛ لما مضى صدرٌ من محاجّة نصارى نجران: أخذ يبيّن لهم ما اختلفوا فيه وأشكل عليهم من أمر عيسى ﵇، وكيفية ولادته. وبدأ بذكر آدم ونوح ﵉؛ تكميلًا للأمر؛ لأنهما أبوان لجميع الأنبياء. ثم ذكر إبراهيم؛ تدريجًا إلى ذكر عمران والد مريم أمّ عيسى ﵇. وقيل: إنَّ عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف وثمان مئة سنة. والأظهر أن المراد هنا: هو والد مريم؛ لذكر قصّتها بعد ذلك. ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ يحتمل أن يريد بالآل: القرابة، أو الأتباع. وعلى الوجهين يدخل نبيّنا محمد ﷺ في آل إبراهيم.

стр. 519

﴿ذُرِّيَّةً﴾ بدل مما تقدَّم، أو حال. ووزنه فُعْلِيَّةٌ؛ منسوب إلى الذَّرِّ؛ لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، وغُيِّر أوَّلُه في النَّسَب. وقيل: أصل ذُرِّيَّة: ذُرُّورَةٌ؛ وزنها: فُعُولَةٌ، ثم أُبدل من الراء الأخيرة ياء، فصار: ذُرُّويَة، ثم أدغمت الواو في الياء وكسرت الراء فصار: ذُرِّيَّة. ﴿إذْ قَالَتِ﴾ العامل فيه محذوف؛ تقديره: اذكر. وقيل: ﴿عَلِيمٌ﴾. وقال الزَّجَّاج: العامل فيه: معنى الاصطفاء. ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ اسمها: حَنَّةُ -بالنون-، وهي أم مريم، وعمران هنا: هو والد مريم. ﴿نَذَرْتُ﴾ أي: جعلت نذرًا عليَّ أن يكون هذا الولد الذي في بطني حَبِيسًا على خدمة بيتك؛ وهو بيت المقدس. ﴿مُحَرَّرًا﴾ أي: عَتِيقًا من كل شُغْلٍ إلَّا خدمة المسجد. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ الآية؛ كانوا لا يُحرِّرون الإناث لخدمة المساجد، فقالت: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾؛ تحسُّرًا وتلهُّفًا على ما فاتها من النَّذر الذي نذرتْ. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرئ ﴿وَضَعَتْ﴾: بإسكان التاء، وهو من كلام الله؛ تعظيمًا لموضوعها. وقرئ: بضم التاء وسكون العين؛ وهو -على هذا- من كلامهما.

стр. 520

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ يحتمل: أن يكون من كلام الله. فالمعنى: ليس الذكر الذي طلبتِ كالأنثى التي وُهِبتْ لكِ. وأن يكون من كلامها. فالمعنى: ليس الذكر كالأنثى في خدمة المساجد؛ لأن الذكور كانوا يخدمونها دون الأناث. ﴿سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ إنما قالت لربها: ﴿سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى: العابدة، فأرادت بذلك التقرُّب إلى الله. ويؤخذ من هذا: تسميةُ المولود يوم ولادته. وامتنع ﴿مَرْيَمَ﴾ من الصَّرْف؛ للتعريف والتأنيث، وفيه -أيضًا- العُجمة. ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ ورد في الحديث: «ما من مولود إلَّا نخسه الشيطان حين يُولَد فيستهلُّ صارخًا، إلَّا مريم وابنها؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية» (١). ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ أي: رَضِيَهَا للمسجد مكانَ الذَّكَر. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مصدرًا على غير الصَّدْر (٢).

стр. 521

والآخر: أن يكون اسمًا لما يُقبَل به، كالسَّعوط: اسم (١) لما يُسْعَط به. ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ عبارةٌ عن حسن النشأة. ﴿وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي: ضمَّها إلى إنفاقه وحضانته، والكافل: هو الحاضن. وكان زكرياءُ زوجَ خالتها، وقيل: زوجُ أختها. وقرئ: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بتشديد الفاء، ونصب ﴿زَكَرِيَّا﴾، أي: جعلَه الله كافلَها. ﴿الْمِحْرَابَ﴾ في اللغة: أشرفُ المجالس، وبذلك سُمِّي موضع الإمام. ويقال: إن زكرياءَ بنى لها غرفةً في المسجد؛ وهي المحراب هنا. وقيل: المحراب: موضع العبادة. ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ كان يجد عندها فاكهةَ الشتاء في الصَّيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء. ويقال: إنها لم تَرْضَعْ ثديًا قطُّ، وكان الله يرزقها.

стр. 522

﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي: كيف؟ ومن أين؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ﴾ من كلام مريم، أو من كلام الله تعالى. ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارةٌ إلى مكان. وقد يستعمل في الزمان؛ وهو الأظهر هنا، أي: لما رأى زكرياءُ كرامةَ الله تعالى لمريم: سأل من اللهِ الولد. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أُنِّثَ رَعْيًا للجماعة. وقرئ بالألف على التذكير. وقيل: إن الذي ناداه جبريل وحده، وإنما قيل: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ كقولهم: فلان يركب الخيلَ؛ أي: جنس الخيل، وإن كان فرسًا واحدًا. ﴿بِيَحْيَى﴾ اسمٌ سمَّاه الله تعالى به قبل أن يولد، وهو اسم بالعبرانية صادف اشتقاقًا وبناءً في العربية. وهو لا ينصرف، فإن كان أعجميًّا: ففيه التعريف والعُجْمة، وإن كان عربيًّا: فالتعريف ووزن الفعل. ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: مصدِّقًا بعيسى ﵇، مؤمنًا به. وسمِّي عيسى كلمةَ الله؛ لأنه لم يوجد إلَّا بكلمة الله وحدَها؛ وهي قوله: ﴿كُنْ﴾، لا بسبب آخر؛ وهو الوالد كسائر بني آدم. ﴿وَسَيِّدًا﴾ السَّيِّد: الذي يسود قومَه؛ أي: يفوقهم في الشرف والفضل. ﴿وَحَصُورًا﴾ أي: لا يأتي النساء؛ فقيل: خلَقه الله كذلك، وقيل: كان يُمْسِك نفسه.

стр. 523

وقيل: الحصور: الذي لا يأتي الذُّنوب. ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ تعجبٌ واستبعادٌ أن يكون له ولد مع شيخوخته، وعُقْم امرأته، ويقال: إنه كان له تسع وتسعون سنةً، ولامرأته ثمان وتسعون؛ فاستبعَدَ ذلك في العادة، مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك. فسأله؛ لعلمه بقدرة الله، واستبعده؛ لأنه نادر في العادة. وقيل: سأله وهو شابٌّ، وأُجيب وهو شيخ؛ ولذلك استبعده. ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ أي: مثل هذه الفِعْلة العجيبة: يفعلُ الله ما يشاء؛ فالكاف لتشبيه أفعال الله العجيبة بهذه الفِعْلة. والإشارة بـ «ذلك»: إلى هبة الولد لزكرياء. واسم ﴿اللَّهُ﴾ مرفوعٌ بالابتداء، و ﴿كَذَلِكَ﴾ خبره؛ فيجب وصله معه. وقيل: إن الخبر: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ويحتمل ﴿كَذَلِكَ﴾ - على هذا - وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع الحال من فاعل ﴿يَفْعَلُ﴾. والآخر: أن يكون في موضع خبر مبتدأٍ محذوف؛ تقديره: «الأمر كذلك»، أو «أنتما كذلك». وعلى هذا يوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾. والأول أرجح؛ لاتِّصال الكلام، وارتباط قوله: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ مع ما قبله، ولأنَّ له نظائرَ كثيرةً في القرآن؛ منها قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢].

стр. 524

﴿اجْعَل لِي آيَةً﴾ أي: علامةٌ على حَملِ المرأة. ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ أي: علامتك أن لا تقدر على كلام الناس ثلاثة أيام، يُمنَعُ لسانُه (١) عن ذلك، مع إبقاء قدرته على التكلُّمِ بذكر الله؛ ولذلك قال: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا﴾. وإنما حُبِسَ لسانُه عن الكلام تلك المدَّة؛ لِيُخْلِصَ فيها لذكر الله؛ شكرًا على استجابة دعائه، ولا يُشغلَ لسانُه بغير الشُّكر والذِّكر. ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ إشارةً باليد، أو بالرأس، أو غيرهما؛ فهو استثناء منقطع. ﴿بِالْعَشِيِّ﴾: من زوال الشمس إلى غروبها، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾: من طلوع الفجر إلى الضحى.

стр. 525

[﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾] ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ اختُلِفَ هل المراد جبريل أو جمعٌ من الملائكة؟. والعامل في «إذ» مضمر. ﴿اصْطَفَاكِ﴾ أوَّلا حين تقبَّلك من أمِّك. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من كل عيب في خَلْق أو خُلُق أو دين.

стр. 526

﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ يحتمل: أن يكون هذا الاصطفاء مخصوصًا بأن وهب لها عيسى من غير أبٍ. فيكون ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ عامًا. وأن يكون الاصطفاء عامًا. فيُخصَّصُ (١) من ﴿نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: خديجة وفاطمة. أو يكون المعنى: على نساء زمانها. وقد قيل بتفضيلها على الإطلاق. وقيل: إنها كانت نبيّةً؛ لتكليم الملائكة لها. ﴿اقْنُتِي﴾ القنوت هنا: بمعنى الطاعة والعبادة. وقيل: طول القيام في الصلاة؛ وهو قول الأكثرين. ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ أُمرت بالصلاة؛ فذَكر القنوت والسجود؛ لكونهما (٢) من هيئات الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين؛ أي: في الجماعة. فلا يقتضي الكلامُ - على هذا - تقديمَ السجود على الركوع؛ لأنه لم يُرِدِ الركوع والسجود المنتظمين في ركعةٍ واحدة. وقيل: أراد ذلك، وقدَّم السجود؛ لأن الواو لا تُرَتِّبُ.

стр. 527

ويحتمل أن تكون الصلاةُ في ملَّتهم بتقديم السجود على الركوع. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدم من القَصَص، وهو خطابٌ للنبي ﷺ . ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ احتجاجٌ على نبوته ﷺ ؛ لكونه أخبر بهذه الأخبار وهو لم يحضر معهم. ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ أزلامَهم (١)؛ وهي قِدَاحُهم. وقيل: الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اقترعوا بها على كفالة مريم؛ حرصًا عليها وتنافسًا في كفالتها. وتدلُّ الآية على جواز القرعة، وقد ثبتت - أيضًا - من السنة. ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، في موضع نصبٍ بفعل تقديره: يَنظرون أيُّهم. ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون فيمن يَكْفُلُها منهم. ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ «إذ» بدلٌ من ﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾، أو من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أو العامل فيه مضمر. ﴿اسْمُهُ﴾ أعاد الضمير المذكَّر على «الكلمة»؛ لأن المسمَّى بها ذَكَرٌ. ﴿الْمَسِيحُ﴾ قيل: هو مشتقٌّ من: ساحَ في الأرض؛ فوزنه: مَفْعَل. وقال الأكثرون: من مَسَح؛ لأنه مُسِح بالبركة؛ فوزنه: فَعِيل.

стр. 528

وإنما قيل (١): ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والخطاب لمريم؛ لينسبه إليها؛ إعلامًا بأنه يولد من غير والد. ﴿وَجِيهًا﴾ نُصب على الحال. ووجاهته في الدنيا: النبوة، والتقدم على الناس، وفي الآخرة: الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ في موضع الحال، ﴿وَكَهْلًا﴾ عطف عليه. والمعنى: أنه يكلم الناس صغيرًا؛ آيةً تدل على براءة أمه مما قذفها به اليهود، وتدل على نبوته. ويكلمهم - أيضًا - كبيرًا؛ ففيه إعلام بعيشه إلى أن يبلغ سن الكهولة؛ وأوله: ثلاث (٢) وثلاثون سنة. وقيل: أربعون. ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ عطف على ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، أو على ﴿وَيُكَلِّمُ﴾. ﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: جنس. وقيل: الخط باليد. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: العلوم الدينية، أو الإصابة في القول والفعل. ﴿وَرَسُولًا﴾ حال معطوفة على ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾؛ إذ التقدير: ومعلمًا الكتاب. أو يضمر له فعل تقديره: أُرسل رسولًا، أو جاء رسولًا. ﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أُرسل إليهم عيسى ﵇ مبينًا لحكم التوراة. ﴿أَنِّي﴾ تقديره: بأني.

стр. 529

﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ بفتح الهمزة: بدلٌ من ﴿أَنِّي﴾ الأول، أو من ﴿بِآيَةٍ﴾. وبكسرها: ابتداءُ كلام. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ ذكَّر هنا الضمير؛ لأنه يعود على الطِّين (١)، أو على الكاف من ﴿كَهَيْئَةِ﴾. وأنَّث في «المائدة»؛ لأنه يعود على الهيئة. ﴿فَيَكُونُ طَائِرَا﴾ قيل: إنه لم يخلق غير الخُفَّاش. وقرئ ﴿طَيْرًا﴾ بياءٍ ساكنة: على الجمع، وبألف وهمزة: على الإفراد. وكرّر ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ رفعًا لوَهْم من توهَّم في عيسى الربوبية. ﴿وَأُبْرِئُ﴾ روي أنه كان يجتمع إليه جماعةٌ من العُميان والبُرْصِ (٢) فيدعو لهم فيبرَؤون. ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾ روي أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر، فيقوم الميت ويكلّمه. وروي أنه أحيا سام بن نوح. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ﴾ كان يقول: يا فلان أكلتَ كذا، وادَّخرت في بيتك كذا. ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطفٌ: على ﴿وَرَسُولًا﴾.

стр. 530

أو على موضع: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ لأنه في موضع الحال، وهو أحسن؛ لأنه من جملة كلام عيسى، فالتقدير: جئتكم (١) بآية، وجئتكم مصدقًا. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وكانوا قد حُرِّم عليهم الشحمُ، ولحمُ الإبل، وأشياءُ من الحيتان والطيرِ، فأحلَّ لهم عيسى بعضَ ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ ردٌّ على مَنْ نسَب الربوبية لعيسى. وانتهى كلام عيسى ﵇ إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، وابتداؤه من قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾. وكلُّ ذلك يحتمل: أن يكون مما ذكرت الملائكة لمريم حكايةً عن عيسى ﵇ أنه سيقولُه. ويحتمل أن يكون خطابُ مريم قد انقطع، ثم استؤنف الكلام من قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾؛ على تقدير: جاء عيسى رسولًا بأني قد جئتكم بآية (٢)، ثم استمرَّ كلامُه إلى آخره. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي: عَلِم علمًا ظاهرًا، كعلم ما يُدرك بالحواسِّ. ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ طَلَبَ النُّصرةَ (٣). والأنصار: جمع ناصرٍ.
следующие страницы →