﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ يحتمل:
أن يكون هذا الاصطفاء مخصوصًا بأن وهب لها عيسى من غير أبٍ.
فيكون ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ عامًا.
وأن يكون الاصطفاء عامًا.
فيُخصَّصُ (١) من ﴿نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: خديجة وفاطمة. أو يكون المعنى: على نساء زمانها. وقد قيل بتفضيلها على الإطلاق. وقيل: إنها كانت نبيّةً؛ لتكليم الملائكة لها.
﴿اقْنُتِي﴾ القنوت هنا: بمعنى الطاعة والعبادة. وقيل: طول القيام في الصلاة؛ وهو قول الأكثرين.
﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ أُمرت بالصلاة؛ فذَكر القنوت والسجود؛ لكونهما (٢) من هيئات الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين؛ أي: في الجماعة.
فلا يقتضي الكلامُ - على هذا - تقديمَ السجود على الركوع؛ لأنه لم يُرِدِ الركوع والسجود المنتظمين في ركعةٍ واحدة.
وقيل: أراد ذلك، وقدَّم السجود؛ لأن الواو لا تُرَتِّبُ.
стр. 527
ويحتمل أن تكون الصلاةُ في ملَّتهم بتقديم السجود على الركوع.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدم من القَصَص، وهو خطابٌ للنبي ﷺ .
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ احتجاجٌ على نبوته ﷺ ؛ لكونه أخبر بهذه الأخبار وهو لم يحضر معهم.
﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ أزلامَهم (١)؛ وهي قِدَاحُهم.
وقيل: الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اقترعوا بها على كفالة مريم؛ حرصًا عليها وتنافسًا في كفالتها.
وتدلُّ الآية على جواز القرعة، وقد ثبتت - أيضًا - من السنة.
﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، في موضع نصبٍ بفعل تقديره: يَنظرون أيُّهم.
﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يختلفون فيمن يَكْفُلُها منهم.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ «إذ» بدلٌ من ﴿وَإِذْ قَالَتِ﴾، أو من ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أو العامل فيه مضمر.
﴿اسْمُهُ﴾ أعاد الضمير المذكَّر على «الكلمة»؛ لأن المسمَّى بها ذَكَرٌ.
﴿الْمَسِيحُ﴾ قيل: هو مشتقٌّ من: ساحَ في الأرض؛ فوزنه: مَفْعَل.
وقال الأكثرون: من مَسَح؛ لأنه مُسِح بالبركة؛ فوزنه: فَعِيل.
стр. 528
وإنما قيل (١): ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والخطاب لمريم؛ لينسبه إليها؛ إعلامًا بأنه يولد من غير والد.
﴿وَجِيهًا﴾ نُصب على الحال.
ووجاهته في الدنيا: النبوة، والتقدم على الناس، وفي الآخرة: الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.
﴿فِي الْمَهْدِ﴾ في موضع الحال، ﴿وَكَهْلًا﴾ عطف عليه.
والمعنى: أنه يكلم الناس صغيرًا؛ آيةً تدل على براءة أمه مما قذفها به اليهود، وتدل على نبوته. ويكلمهم - أيضًا - كبيرًا؛ ففيه إعلام بعيشه إلى أن يبلغ سن الكهولة؛ وأوله: ثلاث (٢) وثلاثون سنة. وقيل: أربعون.
﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ عطف على ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، أو على ﴿وَيُكَلِّمُ﴾.
﴿الْكِتَابَ﴾ هنا: جنس. وقيل: الخط باليد.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هنا: العلوم الدينية، أو الإصابة في القول والفعل.
﴿وَرَسُولًا﴾ حال معطوفة على ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾؛ إذ التقدير: ومعلمًا الكتاب. أو يضمر له فعل تقديره: أُرسل رسولًا، أو جاء رسولًا.
﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أُرسل إليهم عيسى ﵇ مبينًا لحكم التوراة.
﴿أَنِّي﴾ تقديره: بأني.
стр. 529
﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ بفتح الهمزة: بدلٌ من ﴿أَنِّي﴾ الأول، أو من ﴿بِآيَةٍ﴾.
وبكسرها: ابتداءُ كلام.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ ذكَّر هنا الضمير؛ لأنه يعود على الطِّين (١)، أو على الكاف من ﴿كَهَيْئَةِ﴾.
وأنَّث في «المائدة»؛ لأنه يعود على الهيئة.
﴿فَيَكُونُ طَائِرَا﴾ قيل: إنه لم يخلق غير الخُفَّاش.
وقرئ ﴿طَيْرًا﴾ بياءٍ ساكنة: على الجمع، وبألف وهمزة: على الإفراد.
وكرّر ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ رفعًا لوَهْم من توهَّم في عيسى الربوبية.
﴿وَأُبْرِئُ﴾ روي أنه كان يجتمع إليه جماعةٌ من العُميان والبُرْصِ (٢) فيدعو لهم فيبرَؤون.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾ روي أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر، فيقوم الميت ويكلّمه.
وروي أنه أحيا سام بن نوح.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ﴾ كان يقول: يا فلان أكلتَ كذا، وادَّخرت في بيتك كذا.
﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطفٌ:
على ﴿وَرَسُولًا﴾.
стр. 530
أو على موضع: ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ لأنه في موضع الحال، وهو أحسن؛ لأنه من جملة كلام عيسى، فالتقدير: جئتكم (١) بآية، وجئتكم مصدقًا.
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
وكانوا قد حُرِّم عليهم الشحمُ، ولحمُ الإبل، وأشياءُ من الحيتان والطيرِ، فأحلَّ لهم عيسى بعضَ ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ ردٌّ على مَنْ نسَب الربوبية لعيسى.
وانتهى كلام عيسى ﵇ إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، وابتداؤه من قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾.
وكلُّ ذلك يحتمل:
أن يكون مما ذكرت الملائكة لمريم حكايةً عن عيسى ﵇ أنه سيقولُه.
ويحتمل أن يكون خطابُ مريم قد انقطع، ثم استؤنف الكلام من قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾؛ على تقدير: جاء عيسى رسولًا بأني قد جئتكم بآية (٢)، ثم استمرَّ كلامُه إلى آخره.
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي: عَلِم علمًا ظاهرًا، كعلم ما يُدرك بالحواسِّ.
﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾ طَلَبَ النُّصرةَ (٣). والأنصار: جمع ناصرٍ.
стр. 531
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ تقديره: مَنْ يضيفُ أنفسَهم -في نصرتي- إلى الله؛ فلذلك قيل: «إلى» هنا بمعنى: «مع».
أو: يتعلَّق بمحذوف تقديره: ذاهبًا إلى الله، أو ملتجئًا إلى الله.
﴿الْحَوارِيُّونَ﴾ حواريُّ الرجل: صِفْوَتُه وخالصته؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : «لكل نبي حواري، وإن حواريَّ الزبير» (١).
وقيل: إنَّ الحواريين كانوا قَصَّارين (٢) يُحَوِّرُون الثيابَ -أي: يبَيِّضونها- ولذلك سمَّاهم الحواريين.
﴿بِمَا أَنزَلْتَ﴾ يريدون: الإنجيل، و ﴿الرَّسُولَ﴾ هنا: عيسى ﵇.
﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع الذين يشهدون بالحقِّ من الأمم.
وقيل: مع أمة محمد ﷺ ؛ لأنهم يشهدون على الناس.
﴿وَمَكَرُوا﴾ الضمير لكفار بني إسرائيل، ومكرُهم: أنهم وكَّلوا بعيسى مَنْ يقتله غيلةً.
﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ أي: رفع عيسى إلى السماء، وألقى شَبَهَهُ على من أراد اغتياله حتى قُتِل عِوَضًا منه.
стр. 532
وعبَّر عن فِعْل الله بالمكر مشاكلةً لقوله: ﴿وَمَكَرُوا﴾ (١).
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: أقواهم، وهو فاعلٌ ذلك بحقٍّ، والماكر من البشر فاعلٌ بباطل.
﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾ أي: من سوءِ جِوَارهم.
﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ هم المسلمون، وعُلُوُّهم على الكفار: بالحجة وبالسيف في غالب الأمر.
وقيل: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ (١): النصارى، و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اليهود؛ فالآية مخبرةٌ عن عِزَّة النصارى على اليهود، وإذلالهم لهم.
﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الأخبار.
﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ المتلوَّة، أو المعجزات.
﴿وَالذِّكْرِ﴾ القرآن.
﴿الْحَكِيمِ﴾ الناطق بالحكمة.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ الآية؛ حجةٌ على النصارى في قولهم: كيف يكون ابنٌ دون أب؟، فمثَّله الله بآدم الذي خلقه دون أمٍّ ولا أبٍ، وذلك أغرب مما استبعدوه؛ فهو أقطعُ لقولهم.
стр. 535
﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ تفسيرٌ لحالِ آدم.
﴿فَيَكُونُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، والأصل لو قال: «خلقه من تراب ثم قال له كن فكان»، لكنه وضع المضارعَ موضعَ الماضي؛ ليصوّرَ في نفوس المخاطبين أن الأمرَ كأنه حاضرٌ دائمٌ.
﴿الْحَقُّ﴾ خبر ابتداءٍ مضمر.
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى، وكان الذي حاجَّه فيه وفدُ نجران من النصارى، وكان لهم سيِّدان يقال لأحدهما: السيد، وللآخر: العاقب.
﴿نَبْتَهِلْ﴾ نلتعن، والبهلةُ: اللعنة؛ أي: نقول: «لعنةُ الله على الكاذب منَّا ومنكم»، هذا أصل الابتهال.
ثم استعمل في كل دعاءٍ يُجتهَدُ فيه، وإن لم يكن لعنةً.
ولما نزلت الآية أرسل رسول الله ﷺ إلى عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين، ودعا نصارى نجران إلى الملاعنة فخافوا أن يُهلكهم الله أو يمسخهم الله قردةً وخنازير، فأبوا من الملاعنة، وأعطوا الجزية.
﴿هَاأَنتُمْ﴾ «ها» تنبيهٌ، وقيل: بدلٌ من همزة الاستفهام، و «أنتم» مبتدأ: و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ خبره، و ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ استئناف.
أو: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ منصوبٌ على التخصيص، و ﴿حَاجَجْتُمْ﴾ الخبر.
﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ فيما نطقت به التوراة والإنجيل.
﴿فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما تقدَّم على ذلك من حال إبراهيم.
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ردٌّ على اليهود والنصارى.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ نفيٌ للإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي يتضمَّنه دينُ اليهود والنصارى.
﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ عطف على ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، أي: محمدٌ ﷺ أولى الناس بإبراهيم؛ لأنه على دينه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: أمة محمد ﷺ .
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ هم اليهود؛ دَعَوا حذيفة وعمارًا ومعاذًا إلى اليهوديَّة.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ أي: لا يعود وبال الإضلال إلَّا عليهم.
﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: تعلمون أن محمدًا ﷺ نبيٌّ.
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾ أي: تَخْلِطون. والحق: نبوة محمد ﷺ ، والباطل: الكفر به.
﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يحتمل:
أن يكون من تمام الكلام الذي أُمر النبي ﷺ أن يقوله؛ فيكون متصلًا بقوله: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.
وأن يكون من كلام أهل الكتاب؛ فيكون متصلًا بقولهم: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ويكون ﴿إِنَّ الْهُدَى﴾ اعتراضًا بين الكلامين.
فعلى الأول: يكون المعنى: كراهةَ أن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم: قُلتم ما قلتم، ودبّرتم ما دبّرتم من الخداع.
فموضع ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾:
مفعولٌ من أجله.
أو منصوبٌ بفعل مضمر تقديره: فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة.
وعلى الثاني: يكون المعنى: لا تؤمنوا أي: لا تُقِرُّوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، واكتموا ذلك عمَّن لم يتبع دينكم؛ لئلا يدعوهم إلى الإسلام.
فموضع ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾:
مفعولٌ بـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾ المضمَّنِ معنى: تُقِرُّوا.
ويمكن أن يكون في موضع المفعول من أجله؛ أي: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم؛ كراهةَ أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم.
стр. 540
﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾، وضمير الفاعل: للمسلمين، وضمير المفعول: لليهود.
﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ ردٌّ على اليهود في قولهم: لم يؤتِ الله أحدًا مثلَ ما أوتي بنو إسرائيل من النبوة والشرف.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن أهل الكتب على قسمين: أمين، وخائن.
وذَكَر القنطارَ مثالًا (١) للكثير؛ فمن أدَّاه أدَّى ما دونه، وذكر الدينارَ مثالًا للقليل؛ فمن منعه منع ما فوقه بطريق الأولى.
﴿قَائِمًا﴾ يحتمل أن يكون:
من القيام الحقيقي بالجسد.
أو من القيام بالأمر؛ وهو العزيمة عليه.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارةُ إلى خيانتهم، والباء: للتعليل.
﴿لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ زعموا أنَّ أموال الأمِّيِّين -وهم العرب- حلالٌ لهم.
﴿الْكَذِبَ﴾ هنا: قولهم: إنَّ الله أحلها لهم في التوراة، أو كذِبُهم على الإطلاق.
﴿بَلَى﴾ أي: عليهم سبيلٌ وتبِاعةٌ في أموال الأمِّيِّين.
﴿بِعَهْدِهِ﴾ الضمير يعود على: ﴿مَنْ﴾، أو على ﴿اللَّه﴾.
стр. 541
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في اليهود؛ لأنهم تركوا عهد الله في التوراة لأجل الدنيا.
وقيل: نزلت بسبب خصومةٍ بين الأشعث بن قيس وآخَرَ، فأراد خصمهُ أن يحلف كاذبًا.
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضميرُ عائد على أهل الكتاب.
﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم﴾ أي: يحرِّفون اللفظ، أو المعنى.
﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ الضمير يعود على ما دلَّ عليه قوله: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم﴾، وهو الكلام المحرَّف.
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية؛ هذا النفي يتسلَّطُ (١) على ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾، والمعنى: لا يدَّعي الربوبية من آتاه الله النبوَّةَ.
والإشارة: إلى عيسى ﵇، ردٌّ على النصارى الذي قالو: إنه إلهٌ.
وقيل: إلى محمد ﷺ ؛ لأن اليهود قالوا له: يا محمد أتريد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى؟ فقال: «معاذ الله!، ما بذلك أُمِرتُ، ولا إليه دعوتُ» (٢).
﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ جمع ربَّانيّ؛ وهو العالِم.
وقيل: الرباني: الذي يربّي الناسَ بصغار العلم قبل كباره.
﴿بِمَا كُنتُمْ﴾ الباء: سببية، و «ما»: مصدرية.
стр. 542
﴿تَعْلَمُونَ﴾ بالتخفيف: تَعْرِفُونَ.
وقرئ بالتشديد: من التَّعْلِيم.
﴿وَلَا يَأْمُرُكُمْ﴾ بالرفع: استئناف، والفاعل: الله، أو البشر المذكور.
وقرئ بالنصب: عطفًا على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾، أو على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾، والفاعل على هذا: البشر.
و «ما» يَحتمل:
أن تكون شرطيةً، و ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ سدَّ مَسَدَّ جواب القسَم والشرط.
وأن تكون موصولةً؛ بمعنى: الذي آتيناكموه لَتؤمنُنَّ به.
والضمير في: ﴿بِهِ﴾ و ﴿وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾: عائدٌ على الرسول.
﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ اعترفتم.
﴿إِصْرِي﴾ عهدي.
﴿فَاشْهَدُوا﴾ أي: على أنفسكم، وعلى أُممكم بالتزام هذا العهد.
﴿وَأَنَا مَعَكُمْ﴾ تأكيدٌ للعهد بشهادة ربِّ العزة ﷻ .
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: مَنْ تولَّى عن الإيمان بهذا النبي ﷺ بعد هذا الميثاق فهو فاسقٌ مُتمردٌ (١) في كفره.
﴿أَفَغَيْرَ﴾ الهمزة: للإنكار، والفاء: عَطفت جملةً على جملة، و «غيرَ»: مفعولٌ؛ قُدِّمَ: للاهتمام به، أو للحصر.
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ أي: انقادَ واستسلم.
﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ مصدرٌ في موضع الحال.
والطَّوع: للمؤمنين.
والكَره: للكافر إذا عاين الموتَ.
وقيل: عند أخذ الميثاق المتقدِّم.
стр. 545
وقيل: إقرارُ كلِّ كافر بالصانع هو إسلامُه كَرهًا.
﴿قُلْ آمَنَّا﴾ أُمِر النبيُّ ﷺ أن يُخبرَ عن نفسه وعن أمّته بالإيمان.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ تعدَّى هنا بـ «على»؛ مناسبةً لقوله: ﴿قُلْ﴾.
وفي «البقرة» بـ «إلى»؛ لقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ لأنَّ «على» حرف استعلاء يقتضي النزول من عُلُوٍ، ونزولُه على هذا المعنى مختصٌّ بالنبي ﷺ ، و «إلى» حرف غاية؛ وهو مُوصِلٌ (١) إلى جميع الأمة.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ الآية؛ إبطالٌ لجميع الأديان غير الإسلام.
وقيل: نسخت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢] الآية.
﴿كَيْفَ﴾ سؤالٌ، والمراد به هنا: استبعاد الهدى.
﴿قَوْمًا كَفَرُوا﴾ نزلت في الحارث بن سُوَيْدٍ وغيره؛ أسلموا ثم ارتدُّوا ولحقوا بالكفار، ثم كتبوا إلى أهليهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، فرجعوا إلى الإسلام.
وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، شهدوا بصفة النبي ﷺ ، وآمنوا به، ثم كفروا به لما بُعِث.
﴿وَشَهِدُوا﴾ عطف على ﴿إِيمَانِهِمْ﴾؛ لأنَّ معناه: بعد أن آمنوا.
وقيل: الواو للحال.
وقال ابن عطية: عطفٌ على ﴿كَفَرُوا﴾، والواو لا ترتّب (٢).
стр. 546
﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ عمومٌ بمعنى الخصوص في المؤمنين.
أو على عمومه؛ وتكون اللعنة في الآخرة.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الضمير عائد: على اللَّعْنة.
وقيل: على النار وإن لم تُذْكَر؛ لأنَّ المعنى يقتضيها.
﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قيل: هم اليهود؛ كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى، ثم ازدادوا كفرًا بكفرهم بمحمد ﷺ .
وقيل: كفروا بمحمد ﷺ بعدما كانوا مؤمنين قبل مَبْعثِه، ثم ازدادوا كفرًا بعداوتهم له وطَعْنِهم عليه.
وقيل: هم الذين ارتدّوا.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قيل: ذلك عبارةٌ عن موتهم على الكفر؛ أي: ليس لهم توبةٌ فتقبلُ، وذلك في قوم بأعيانهم ختم الله لهم بالكفر.
وقيل: لن تقبل توبتهم مع إقامتهم على الكفر؛ فذلك عامٌّ.
﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ﴾ جَزْمٌ بالعذاب لكلِّ مَنْ مات على الكفر.
والواو في قوله: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾:
قيل: زائدةٌ.
وقيل: للعطف على محذوف؛ كأنه قال: لن يقبل من أحدهم لو تصدَّق به، ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾.
وقيل: نفى أوَّلًا القَبول جملةً على الوجوه كلِّها، ثم خصَّ الفدية بالنفي؛ كقولك: أنا لا أفعل كذا أصلًا ولو رَغِبتَ إليَّ.
﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن الأطعمة كانت حلالًا لبني إسرائيل، إلَّا ما حرَّم أبوهم على نفسه؛ وهو لحم الإبل ولبنها.
ثم حُرّمت عليهم أنواعٌ من الأطعمة كالشُّحوم وغيرها؛ عقوبةً لهم على معاصيهم.
وفيها ردٌّ عليهم في قولهم: إنهم على ملَّة إبراهيم ﵇، وإنَّ الأشياء التي هي محرمةٌ عليهم كانت محرمةً على إبراهيم.
وفيها دليلٌ على جواز النسخ ووقوعه؛ لأنَّ الله حرَّم عليهم تلك الأشياء بعد حِلِّها، خلافًا لليهود في قولهم: إنَّ النسخ محالٌ على الله.
وفيها معجزةٌ للنبي ﷺ ؛ لإخباره بذلك من غير تعلُّمٍ من أحدٍ.
وسبب تحريم إسرائيل لحومَ الإبل على نفسه: أنه مرض، فنذر إن شفاه الله أن يُحرِّم أحبَّ الطعام إليه؛ شكرًا لله وتقربًا إليه.
ويؤخذ من ذلك: أنه يجوز للأنبياء أن يحرّموا على أنفسهم باجتهادهم.
﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ تعجيزٌ لليهود، وإقامةُ حجة عليهم.
وروي: أنهم لم يَجسُروا على إخراج التوراة.
﴿فَمَنِ افْتَرَى﴾ أي: مَنْ زَعَم بعد هذا البيان أن الشحم وغيره كان محرَّمًا على بني إسرائيل قبل نزول التوراة فهو الظَّالم المكابر بالباطل.
﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: الأمرُ كما وصف، لا كما تكذبون أنتم؛ ففيه تعريضٌ بكذبهم.
стр. 549
﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلزامٌ لهم أن يُسْلِموا؛ لما ثبت أنَّ مِلَّة الإسلام هي ملةُ إبراهيم التي لم يحرم فيها شيءٌ مما هو محرَّمٌ عليهم.
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ أي: أول مسجد بُني في الأرض.
وقد سأل أبو ذرّ النبيَّ ﷺ : أيُّ مسجد بني أوَّلُ (١)؟ قال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» (٢).
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: المعنى: أنه أول بيت وُضِع مباركًا وهدًى، وقد كانت قبله بيوتٌ.
﴿بِبَكَّةَ﴾ قيل: هي مكة؛ والباء بدل من الميم.
وقيل: مكةُ: الحرم كلُّه، وبكَّةُ: المسجد وما حوله.
﴿مُبَارَكًا﴾ نُصِب على الحال، والعامل فيه:
على قول عليٍّ: ﴿وُضِعَ﴾؛ لأنه حالٌ من الضمير الذي فيه.
وعلى القول الأوَّل: هو حالٌ من الضمير الذي في المجرور، والعامل فيه: العامل في المجرور من معنى الاستقرار.
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ آيات البيت (٣) كثيرة:
منها: الحَجَر الذي هو مقام إبراهيم، وهو الذي قام عليه حين رَفع القواعد من البيت، فكان كلَّما طال البناء ارتفع به الحجر في الهواء حتى
стр. 550
أكمل البناء، وغَرِقت قدَمُ إبراهيم في الحجر كأنها في طين، وذلك الأثر باقٍ إلى اليوم.
ومنها: أن الطَّيْرَ لا تعلُوه.
ومنها: إهلاكُ أصحاب الفيل، وردُّ الجبابرة عنه.
ونَبْعُ زمزم لهاجَرَ أُمِّ إسماعيل بهَمْز جبريل بعَقِبه، وحفْرُ عبد المطلب لها بعد دُثُورها، وأنَّ ماءها ينفع لما شُرِب به، إلى غير ذلك.
﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قيل: إنه بدلٌ من الآيات، أو عطف بيان؛ وإنما جاز بدل الواحد من الجمع؛ لأن المقامَ يحتوي على آياتٍ كثيرة؛ لدلالته على قدرة الله تعالى، وعلى نبوة إبراهيم وغير ذلك.
وقيل: الآيات: مقامُ إبراهيم، وأمْنُ مَنْ دخَله؛ فعلى هذا: يكون قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ﴾ عطفًا.
وعلى الأول: استئنافًا.
وقيل: التقدير: منهنَّ مقامُ إبراهيم؛ فهو على هذا: مبتدأٌ.
والمقام: هو الحجَر المذكور.
وقيل: البيت كله.
وقيل: مكة كلها.
﴿كَانَ آمِنًا﴾ أي: آمنًا من العقاب؛ فإنه كان في الجاهلية إذا فعل أحدٌ جَرِيرةً (١) ثم لجأ إلى البيت لا يُطلَبُ، ولا يُعاقَب.
стр. 551
فأما في الإسلام: فإنَّ الحرم لا يَمنع من الحدود، ولا من القصاص.
وقال ابن عباس وأبو حنيفة: ذلك الحكم باقٍ في الإسلام؛ إلَّا أنَّ مَنْ وجب عليه حدٌّ أو قصاصٌ فدخل الحرم لا يُطْعَم ولا يُباع منه حتى يخرج.
وقيل: آمنًا من النار.
﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بيانٌ لوجوب الحج، واختلف هل هو على الفور أو على التراخي؟.
وفي الآية ردٌّ على اليهود؛ لمَّا زعموا أنهم على ملة إبراهيم قيل لهم: إن كنتم صادقين فحُجُّوا البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إليه.
﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ «مَنْ»: بدلٌ من ﴿النَّاسِ﴾.
وقيل: فاعلٌ بالمصدر؛ وهو ﴿حِجُّ﴾.
وقيل: شرطٌ مبتدأٌ؛ أي: من استطاع فعليه الحجُّ.
والاستطاعةُ:
عند مالك: هي القدرة على الوصول إلى مكة بصِحَّةِ البدن، إمَّا راجلًا وإما راكبًا، مع الزاد المبلِّغ والطريق الآمن.
وقيل: الاستطاعة: الزاد والراحلة؛ وهو مذهب الشافعي وعبد الملك ابن حبيب، وروي في ذلك حديث ضعيف (١).
стр. 552
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قيل: المعنى: من لم يحجَّ؛ وعبَّر عنه بالكفر تغليظًا؛ كقوله ﷺ : «من ترك الصلاة فقد كفر» (١).
وقيل: أراد اليهود؛ لأنهم لا يحجون.
وقيل: مَنْ زعم أن الحج ليس بواجب.
﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ توبيخ لليهود.
﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ توبيخ أيضًا، وكانوا يمنعون الناس من الإسلام، ويرومون فتنة المسلمين عن دينهم.
و ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هنا: الإسلام.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ الضمير يعود على السبيل؛ أي: تطلبون لها الاعوجاج.
﴿وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾ أي: تشهدون أن الإسلام حقٌّ.
﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ الآية؛ لفظها عام، والخطاب للأوس والخزرج؛ إذ كان اليهود يريدون فتنتهم.
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ إنكار واستبعاد.
стр. 553
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾].
﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قيل: نسخها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقيل: لا نسخ؛ إذ لا تعارض، فإنَّ العباد أُمِروا بالتقوى على الكمال فيما استطاعوا؛ تحرُّزًا من الإكراه وشبهه.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: تمسَّكوا، والحبل هنا: مستعارٌ من الحبل الذي يُشَدُّ عليه اليدُ.
والمراد به هنا: القرآن، وقيل: الجماعة.
﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ نهيٌ عن التدابر والتقاطع؛ إذ كان الأوس هَمُّوا بالقتال مع الخزرج، لما رام اليهود إيقاعَ الشرِّ بينهم.
ويحتمل أن يكون نهيًا عن التفرُّق في أصول الدين.
ولا يدخل في النهي: الاختلافُ في الفروع.
стр. 554
﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ كان بين الأوس والخزرج عداوةٌ وحروب عظيمة إلى أن جمعهم الله على الإسلام.
﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ أي: حَرْفِ حفرةٍ، وذلك تشبيهٌ لما كانوا عليه من الكفر والعداوة التي تقودهم إلى النار.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ الآية؛ دليلٌ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على أنه فرض كفاية؛ لأن «مِنْ» للتبعيض.
وقيل: إنها لبيان الجنس، وأن المعنى: كونوا أمةً. وتغييرُ المنكر يكون: باليد وباللسان وبالقلب، على حسَب الأحوال.
﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ هم اليهود والنصارى، نهى الله المسلمين أن يكونوا مثلهم.
ورد في الحديث أنه ﵇ قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين (١) وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النار إلَّا واحدة» قيل: ومن تلك الواحدة؟ قال: «مَنْ كان على ما أنا وأصحابي عليه» (٢).
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ العامل فيه: محذوفٌ. وقيل: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
стр. 555
﴿أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: يقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُم﴾.
والخطاب: لمن ارتدَّ عن الإسلام.
وقيل: للخوارج.
وقيل: لليهود؛ لأنهم آمنوا بصفة النبي ﷺ المذكورة في التوراة، ثم كفروا به لما بعث.
وقيل: كنتم فيما وُصِفتم به في الكتب المتقدِّمة.
وقيل: «كنتم» بمعنى: «أنتم».
والخطاب: لجميع المؤمنين. وقيل: للصَّحابة خاصةً.
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ أي: بالكلام خاصة، وهو أهون المضرَّة.
﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ إخبارٌ بغيب ظهر في الوجود صِدْقُهُ.
﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ إخبارٌ مستأنَفٌ، غير معطوف على ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾، وفائدة ذلك: أنَّ توليتهم الأدبار مقيَّدةٌ بوقت القتال، وعدم النصر على الإطلاق.
وعُطفت الجملة على جملة الشرط والجزاء.
و ﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الأحوال؛ لأن عدم نصرهم على الإطلاق أشدُّ من توليتهم الأدبار حين القتال.
﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو هنا: العهد والذمة.
﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي: ليس أهلُ الكتاب مستوِين (١) في دينهم.
﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمةٌ بالحقِّ، وذلك فيمن أسلم من اليهود، كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية وأخيه أسد وغيرهم.
﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يدلُّ أن تلاوتَهم للكتاب في الصلاة.
﴿فَلَنْ تُكْفَرُوهُ﴾ أي: لا تُحرمون ثوابه.
﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ الآية؛ تشبيهٌ لنفقة الكفَّار بزرعٍ أهلكته ريحٌ باردة، فلم
стр. 558
ينتفع به أصحابه، فكذلك لا ينتفع الكفار بما ينفقون.
وفي الكلام حذف تقديره:
مَثَل ما ينفقون كمثل مُهْلِكِ ريحٍ.
أو: مثل إهلاكِ ما ينفقون كمثل إهلاك ريحٍ.
وإنما احتيج لهذا؛ لأنَّ ما ينفقون ليس شبيها بالريح، إنما هو شبيهٌ بالزرع الذي أهلكته الريح.
﴿صِرٌّ﴾ أي: برْدٌ.
﴿حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ أي: عَصَوا الله فعاقبهم بإهلاك حرثهم.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الضمير:
للكفار والمنافقين.
أو لأصحاب الحرث.
والأول أرجح؛ لأن قوله: ﴿أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فعلُ حالٍ فدلَّ (١) على أنه للحاضرين.
﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: أولياءَ من غيركم؛ فالمعنى: نهيٌ عن استخلاص الكفار وموالاتهم.
وقيل لعمر ﵁: إن هنا رجلًا من النصارى لا أحد أحسنُ خطًّا منه،
стр. 559
أفلا يكتب عنك؟ فقال: إذن أَتَّخِذُ بطانةً من دون المؤمنين (١).
﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يُقَصِّرون في فسادكم، والخبال: الفساد.
﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: تمنَّوْا مضرَّتكم، و «ما» مصدرية.
وهذه الجملة والتي قبلها: صفةٌ للبطانة. أو استئنافٌ.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بكلِّ كتابٍ أنزله الله، واليهود لا يؤمنون بقرآنكم.
﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ عبارةٌ عن شدَّة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه. و ﴿الْأَنَامِلَ﴾: جمع أنملة بضم الميم وفتحها.
﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ تقريعٌ وإغاظة، وقيل: دعاء.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ الحسنة هنا: الخيرات من النصر والرزق وغير ذلك، والسيئة: ضدها.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ من الضَّيْر؛ بمعنى الضُّرِّ.
стр. 560
[﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾].
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ نزلت في غزوة أحد، وكان غُدُوُّ رسول الله ﷺ للقتال صبيحةَ يوم السبت، وخرج من المدينة يوم الجمعة بعد الصلاة، وكان قد شاور أصحابه قبل الصلاة.
﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تُنزلهم، وذلك يوم السبت حين حضر القتال.
وقيل: ذلك يوم الجمعة بعد الصلاة حين خرج من المدينة، وذلك ضعيف؛ لأنه لا يقال: «غدوت» فيما بعد الزوال إلَّا على المجاز.
وقيل: ذلك يوم الجمعة قبل الصلاة حين شاور الناس، وذلك ضعيف؛ لأنه لم يبوِّئ حينئذٍ مقاعد للقتال؛ إلَّا أن يراد أنه بوَّأهم بالتدبير حين المشاورة.
﴿مَقَاعِدَ﴾ مواضع، وهو جمع مَقْعَدٍ.
﴿طَائِفَتَانِ مِنكُمْ﴾ هما: بنو حارثة مِنَ الأوس، وبنو سَلِمَةَ مِنْ الخزرج.
стр. 561
لَمَّا رأوا كثرة المشركين وقلَّة المسلمين همُّوا بالانصراف؛ فعصمهم الله ونهضوا مع رسول الله ﷺ .
﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ الفشل في البدن: هو الإعياء، والفشل في الرأي: هو العجز والحيرة وفساد العزم.
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: مُثبِّتُهما.
وقال جابر بن عبد الله: ما وددنا أنها لم تنزل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (١).
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ تذكيرٌ بنصر الله يوم بدر؛ لتقوى قلوبهم.
﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الذلَّةُ: هي قلة عددهم وضعف عُددهم؛ كانوا يوم بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا، ولم يكن لهم إلَّا فرسٌ واحد، وكان المشركون ما بين التسع مئة والألف، وكان معهم مئة فرسٍ، فقُتل من المشركين سبعون، وأُسر منهم سبعون، وانهزم سائرهم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ متعلِّقٌ: بـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾، أو بـ ﴿فَاتَّقُوا﴾، والأوَّل أظهر.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كان هذا القولُ: يوم بدر.
وقيل: يوم أحد.
فالعامل في «إذ»:
على الأول: محذوف.
стр. 562
وعلى الثاني: هي بدلٌ من: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تقريرٌ، جوابُه: ﴿بَلَى﴾.
وإنما جاوب المتكلِّمُ؛ لصحة الأمر وبيانه؛ كقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦].
﴿وَيَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ الضمير للمشركين، والفَوْر: السُّرعة (١).
أي: من ساعتهم.
وقيل: المعنى: من سفرهم.
﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ بأكثر من العدد الذي يكفيكم (٢)؛ ليزيدَ ذلك في قوَّتكم (٣).
فإن كان هذا يومَ بدر: فقد قاتلتْ فيه الملائكة.
وإن كان يومَ أحد: فقد شَرط قولَه: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، فلما خالفوا الشَّرْط لم تنزل الملائكة.
﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بفتح الواو وكسرها - أي: مُعَلَّمين، أو مُعْلِمين أنفسهم أو خيَلهم.
وكانت سِيما الملائكة يوم بدر عمائمَ بيضاء، إلَّا جبريل فإنه كانت عمامتُه صفراء.
стр. 563
وقيل: كانوا بعمائم صفرٍ، وكانت خيلهم مجزوزة الأذناب.
وقيل: كانوا على خيل بُلْقٍ.
﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ الضمير عائد على: الإنزال و (١) الإمداد.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ معطوف على ﴿بُشْرَى﴾؛ لأنه هذا الفعل بتأويل المصدر.
وقيل: يتعلّق بفعل مضمر يدلُّ عليه ﴿جَعَلَهُ﴾.
﴿لِيَقْطَعَ﴾ يتعلَّق: بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾. أو بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾.
﴿لَيْسَ لَكَ﴾ جملةٌ اعتراضية بين المعطوفين.
ونزلت لما دعا رسول الله ﷺ في الصلاة على أحياء من العرب، فترك الدعاء عليهم (٢).
﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ معناه: يُسْلِمون.
وقيل: ليس العرضُ هنا خلافَ الطول، وإنما المعنى: سعتُها كسعة السموات والأرض.
﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ في العسر واليسر.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حُذف مفعولُه، وتقديره: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ خطابٌ للمؤمنين؛ تأنيسًا لهم.
وقيل: للكفار؛ تخويفًا لهم.
﴿فَانظُرُوا﴾ من نظر العين عند الجمهور.
وقيل: هو بالفكر.
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ تقويةٌ لقلوب المؤمنين.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ إخبارٌ بعلوِّ كلمة الإسلام.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية؛ معناها: إن مسَّكم قتلٌ أو جراح في أحد فقد مسَّ الكفارَ مثله في بدر.
وقيل: قد مسَّ الكفار يومَ أحد مثلُ ما مسكم فيه؛ فإنهم نالوا منكم ونلتم منهم.
وذلك تسلية (١) للمؤمنين بالتأسِّي.
﴿نُدَاوِلُهَا﴾ تسليةٌ أيضًا عما جرى يوم أحد.