لَمَّا رأوا كثرة المشركين وقلَّة المسلمين همُّوا بالانصراف؛ فعصمهم الله ونهضوا مع رسول الله ﷺ .
﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾ الفشل في البدن: هو الإعياء، والفشل في الرأي: هو العجز والحيرة وفساد العزم.
﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: مُثبِّتُهما.
وقال جابر بن عبد الله: ما وددنا أنها لم تنزل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (١).
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ تذكيرٌ بنصر الله يوم بدر؛ لتقوى قلوبهم.
﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ هذه الذلَّةُ: هي قلة عددهم وضعف عُددهم؛ كانوا يوم بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا، ولم يكن لهم إلَّا فرسٌ واحد، وكان المشركون ما بين التسع مئة والألف، وكان معهم مئة فرسٍ، فقُتل من المشركين سبعون، وأُسر منهم سبعون، وانهزم سائرهم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ متعلِّقٌ: بـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾، أو بـ ﴿فَاتَّقُوا﴾، والأوَّل أظهر.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ كان هذا القولُ: يوم بدر.
وقيل: يوم أحد.
فالعامل في «إذ»:
على الأول: محذوف.
стр. 562
وعلى الثاني: هي بدلٌ من: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تقريرٌ، جوابُه: ﴿بَلَى﴾.
وإنما جاوب المتكلِّمُ؛ لصحة الأمر وبيانه؛ كقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦].
﴿وَيَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ الضمير للمشركين، والفَوْر: السُّرعة (١).
أي: من ساعتهم.
وقيل: المعنى: من سفرهم.
﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ بأكثر من العدد الذي يكفيكم (٢)؛ ليزيدَ ذلك في قوَّتكم (٣).
فإن كان هذا يومَ بدر: فقد قاتلتْ فيه الملائكة.
وإن كان يومَ أحد: فقد شَرط قولَه: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، فلما خالفوا الشَّرْط لم تنزل الملائكة.
﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بفتح الواو وكسرها - أي: مُعَلَّمين، أو مُعْلِمين أنفسهم أو خيَلهم.
وكانت سِيما الملائكة يوم بدر عمائمَ بيضاء، إلَّا جبريل فإنه كانت عمامتُه صفراء.
стр. 563
وقيل: كانوا بعمائم صفرٍ، وكانت خيلهم مجزوزة الأذناب.
وقيل: كانوا على خيل بُلْقٍ.
﴿وَمَا جَعَلَهُ﴾ الضمير عائد على: الإنزال و (١) الإمداد.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ معطوف على ﴿بُشْرَى﴾؛ لأنه هذا الفعل بتأويل المصدر.
وقيل: يتعلّق بفعل مضمر يدلُّ عليه ﴿جَعَلَهُ﴾.
﴿لِيَقْطَعَ﴾ يتعلَّق: بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾. أو بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ﴾.
﴿لَيْسَ لَكَ﴾ جملةٌ اعتراضية بين المعطوفين.
ونزلت لما دعا رسول الله ﷺ في الصلاة على أحياء من العرب، فترك الدعاء عليهم (٢).
﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ معناه: يُسْلِمون.
وقيل: ليس العرضُ هنا خلافَ الطول، وإنما المعنى: سعتُها كسعة السموات والأرض.
﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ في العسر واليسر.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حُذف مفعولُه، وتقديره: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ خطابٌ للمؤمنين؛ تأنيسًا لهم.
وقيل: للكفار؛ تخويفًا لهم.
﴿فَانظُرُوا﴾ من نظر العين عند الجمهور.
وقيل: هو بالفكر.
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ تقويةٌ لقلوب المؤمنين.
﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ إخبارٌ بعلوِّ كلمة الإسلام.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية؛ معناها: إن مسَّكم قتلٌ أو جراح في أحد فقد مسَّ الكفارَ مثله في بدر.
وقيل: قد مسَّ الكفار يومَ أحد مثلُ ما مسكم فيه؛ فإنهم نالوا منكم ونلتم منهم.
وذلك تسلية (١) للمؤمنين بالتأسِّي.
﴿نُدَاوِلُهَا﴾ تسليةٌ أيضًا عما جرى يوم أحد.
стр. 566
﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ متعلق بمحذوف؛ تقديره: أصابكم ما أصاب يوم أحد؛ لِيَعْلَمَ.
والمعنى: لِيعلمَ ذلك علمًا ظاهرًا لكم تقوم به الحجة.
﴿شُهَدَاءَ﴾ مَنْ قُتِل من المسلمين يوم أحد.
﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ أي: يُطهّر، وقيل: يُميز.
وهو معطوف على ما تقدَّم من التعليلات لقصة أحد.
والمعنى: أن إدالة الكفار على المسلمين إنما هي لتمحيص المؤمنين، وأنَّ نَصْرَ المؤمنين على الكفار إنما هو ليمحق الله الكافرين؛ أي: يُهلِكهم.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ «أم» هنا منقطعة، مقدَّرة بـ «بل» والهمزة عند سيبويه.
وهذه الآيةُ وما بعدها معاتبةٌ لقوم من المؤمنين صدرت منهم أشياءُ يوم أحد.
﴿تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ خوطب به قومٌ فاتتهم غزوة بدر، فتمنَّوا حضور قتال الكفار مع النبي ﷺ ؛ ليستدركوا ما فاتهم من الجهاد، فعلى هذا: إنما تمنَّوا الجهاد، وهو سبب الموت.
وقيل: تمنَّوا الشهادة في سبيل الله.
стр. 567
[﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾].
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ المعنى: أنَّ محمدًا ﷺ رسول كسائر الرسل؛ قد بلَّغ الرِّسالة كما بلَّغوا، فيجب عليكم التَّمسُّك بدينه في حياته وبعد موته.
وسببها: أنه صرَخ صارخٌ يوم أحد: إنَّ محمدًا قد مات، فتزلزل بعض الناس.
﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ دخلت أَلف التَّوبيخ على جملة الشَّرط والجزاء، ودخلت الفاء؛ لتربط الجملة الشَّرطية بالجملة التي قبلها.
والمعنى: أنَّ موت رسول الله ﷺ أو قتله لا يقتضي انقلاب أصحابه على أعقابهم؛ لأن شريعته قد تقرَّرت، وبراهينه قد صحَّت، فعاتبهم على تقدير أنْ لو صدَر منهم انقلابٌ لو مات ﷺ ، أو قُتِل، وقد عَلم أنه لا يُقتل؛ ولكنه (١) ذَكر ذلك لما كان قد صرخ به صارخ ووقع في نفوسهم.
﴿الشَّاكِرِينَ﴾ قال علي بن أبي طالب ﵁: الثابتون على دينهم.
стр. 568
﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ نُصِب على المصدر؛ لأنَّ المعنى: كُتِب الموتُ كتابًا. وقال ابن عطية: نصب على التمييز (١).
﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ في ثواب الدنيا مقيَّد بالمشيئة؛ بدليل قوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨].
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ﴾ الفعل مسندٌ إلى ضمير النبيِّ، و ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ على هذا في موضع الحال.
وقيل: إنه مسند إلى الرِّبِّيين، فيكون (٢) ﴿رِبِّيُّونَ﴾ على هذا مفعولًا لما لم يُسمَّ فاعلُه.
فعلى الأول: يوقف على قوله: ﴿قُتِلَ﴾.
ويترجَّح الأوَّل: بما صرخ به الصارخ يوم أحد: إن محمدًا قد قُتل، فضرب لهم المثل بنبيٍّ قُتل.
ويترجح الثاني: بأنه لم يُقتل قطُّ نبيٌّ في محاربة.
﴿رِبِّيُّونَ﴾ علماء؛ مثل ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾.
وقيل: جموعٌ كثيرة.
﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ الضمير لـ ﴿رِبِّيُّونَ﴾؛ على إسناد القتل للنبي.
وهو لمن بقي منهم؛ على إسناد القتل إليهم.
стр. 569
﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي: لم يذلُّوا للكفَّار.
قال بعض النحاة: استكانَ مشتقٌ من السُّكون، ووزنه افتَعَلُوا؛ مُطلت (١) فتحةُ الكاف فحدَث عن مَطْلِها ألفٌ، وذلك كالإشباع.
وقيل: أنه مِنْ: كان يكون، فوزنه استفعلوا (٢).
وقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وما بعده: تعريضٌ بما صدر من بعض الناس يوم أحد.
﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: في الحرب.
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ النصر.
﴿ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ الجنة.
﴿الرُّعْبَ﴾ قيل: ألقى الله الرعب في قلوب المشركين بأحد، فرجعوا إلى مكة من غير سبب.
وقيل: لما كانوا ببعض الطريق همُّوا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، فألقى الله الرعب في قلوبهم فأمسكوا.
والآية بعدُ تتناول جميع الكفَّار؛ لقوله ﷺ : «نُصِرتُ بالرُّعب» (١).
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ كان رسول الله ﷺ قد وعد المسلمين عن الله بالنصر، فنصرهم الله أوَّلًا، وانهزم المشركون وقُتِل منهم اثنان وعشرون رجلًا، وكان رسول الله ﷺ قد أمر الرُّماة أن يثبتوا في مكانهم ولا يَبْرَحوا، فلما رأوا المشركين قد انهزموا طَمِعوا في الغنيمة وأَتْبَعُوهم، وخالفوا ما أُمِروا به من الثُّبوت في مكانهم، فانقلبت الهزيمة على المسلمين.
﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ أي: تقتلونهم قتلًا ذريعًا؛ يعني: في أوَّل الأمر.
﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾ وقع التنازع بين الرماة، فثبت بعضهم كما أُمِروا، ولم يثبت بعضهم.
﴿وَعَصَيْتُم﴾ أي: خالفتم ما أمرتم به من الثبوت.
وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين، وإن كان المخالفُ بعضَهم؛ وعْظًا للجميع، وسترًا على مَنْ فعل ذلك.
وجواب ﴿إِذَا﴾: محذوف؛ تقديره: انهزمتم.
﴿مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ الذين حرَصوا على الغنيمة.
стр. 572
﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ معناه: لينزل بكم ما نزل من القتل والتَّمحيص.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ إعلامٌ بأن الذنب كان يستحقُّ أكثر مما نزل بهم؛ لولا عفو الله عنهم، فمعناه: لقد أبقى عليكم.
وقيل: هو عفوٌ عن الذنب.
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ العامل في "إذ":
﴿عَفَا﴾؛ فيُوصل ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ مع ما قبله.
ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمرًا.
﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾ مبالغةٌ في صفة الانهزام.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ كان رسول الله ﷺ يقول (١): "إليَّ عبادَ الله"، وهم يفرون (٢).
﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾ في ساقتِكم.
وفيه مدحٌ للنبي ﷺ ؛ فإِنَّ الآخر هو موقفُ الأبطال (٣).
﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي: جازاكم.
﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قيل: أثابكم غمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين إذ عصيتم وتنازعتم.
стр. 573
وقيل: أثابكم غمًّا متصلًا بغمٍّ؛ وأحد الغميّن: ما أصابهم من القتل والجراح، والآخر: ما أُرجف به من قتل رسول الله ﷺ .
﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من النَّصر والغنيمة.
﴿مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتل والجراح والانهزام.
﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ قال ابن مسعود: نعسنا يوم أحد، والنعاس في الحرب أمنٌ من الله (١).
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنكُمْ﴾ هم المؤمنون المخلصون، غشيهم النعاس؛ تأمينًا لهم.
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ هم المنافقون، كانوا خائفين من أن يرجع إليهم أبو سفيان والمشركون.
﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ معناه: يظنُّون أن الإسلام ليس بحقٍّ، وأن الله لا ينصره.
و ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ بدل؛ وهو على حذف موصوف، تقديره: ظنَّ المُدَّةِ الجاهلية، أو الفرقة الجاهلية.
﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قالها عبد الله بن أبيِّ بن سلول، والمعنى:
ليس لنا رأيٌ، ولا يُسمع قولنا.
أو: لسنا على شيءٍ من الأمر الحقِّ؛ فيكون قولهم هذا كفرًا.
стр. 574
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ يحتمل أن يريد:
الأقوال التي قالوها.
أو الكفر.
﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قاله مُعَتِّبُ بن قُشَيرٍ، ويحتمل من المعنى ما احتمل قول عبد الله بن أبيّ.
﴿قُلْ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الآية؛ ردٌّ عليهم، وإعلامٌ بأنَّ أَجَلَ كلِّ إنسان إنما هو واحد، وأن من لم يُقتل يموتُ لأجله، ولا يؤخَّر، وأَنَّ مَنْ كُتب عليه القتل لا ينجيه منه شيءٌ.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ يتعلق بفعلٍ، تقديره: ليبتلي فعل بكم ذلك.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ الآية؛ نزلت فيمن فرَّ يوم أحد.
﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ أي: طلب منهم أن يَزِلُّوا. ويحتمل أن يكون معناه: أزلَّهم؛ أي: أوقعهم في الزَّلَل.
﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ أي: كانت لهم ذنوبٌ عاقبهم الله عليها؛ بأن مكَّن الشيطان (١) من استزلالهم.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: غفر لهم ما وقعوا فيه من الفرار.
والخزرج، وكان أكثر المقتولين يوم أحد منهم، ولم يُقتل من المهاجرين إلا أربعة.
﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافروا.
وإنما قال: «إذا» التي للاستقبال مع ﴿قَالُوا﴾؛ لأنه على حكاية الحال الماضية.
﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ جمع غازٍ، ووزنه فُعَّل -بضم الفاء وتشديد العين-.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ اعتقادٌ منهم فاسد؛ لأنهم ظنُّوا أن إخوانهم لو كانوا عندهم لم يموتوا ولم يُقتلوا، وهذا قول من لا يؤمن بالقدر والأجل المحتوم.
ويقرب منه مذهب المعتزلة في القول بالأجلين (١).
﴿لِيَجْعَلَ﴾ يتعلَّق بـ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالوا ذلك فكان حسرةً في قلوبهم، فاللام لام الصيرورة لبيان العاقبة.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى قولهم واعتقادهم الفاسد الذي أوجب لهم الحسرة؛ لأن الذي يتيقَّنُ بالقدر والأجل تذهب عنه الحسرة.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ردٌّ على قولهم واعتقادهم.
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن مغفرة الله ورحمته لهم إذا قُتلوا أو ماتوا في سبيل الله خيرٌ لهم مما يجمعون من الدنيا.
стр. 577
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ الآية؛ إخبارٌ أن من مات أو قتل فإنه يُحشَر إلى الله.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ «ما» زائدةٌ للتأكيد.
﴿لَانفَضُّوا﴾ أي: تفرَّقوا.
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فيما يختصُّ بك.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيما يختصُّ بحقِّ الله.
﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ المشاورة مأمورٌ بها شرعًا، وإنما يشاور النبي ﷺ الناسَ في الرأي؛ في الحروب وغيرها، لا في أحكام الشريعة (١).
وقرأ ابن عباس: «وشاورهم في بعض الأمر».
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكُّل: هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع، أو حفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرَّات، أو رفعها بعد وقوعها.
وهو من أعلى المقامات؛ لوجهين:
أحدهما: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
والآخر: الضَّمان الذي في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
وقد يكون واجبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، فجعله شرطًا في الإيمان، ولظاهر قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
стр. 578
الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ فإن الأمر محمولٌ على الوجوبِ.
واعلم أن الناس في التوكُّل على ثلاث مراتب:
الأولى: أن يعتمد العبد على ربّهِ، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشُكُّ في نصيحته له، وقيامه بمصالحه.
والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمّهِ؛ فإنه لا يعرف سواها، ولا يلجأ إلَّا إليها.
والثالثة: أن يكون العبد مع ربه: كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم نفسه إليه بالكلية.
(فصاحب الدرجة الأولى: عنده حظٌ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية.
وصاحب الثانية: له حظٌ من المراد والاختيار، بخلاف صاحب الثالثة) (١)(٢).
стр. 579
وهذه الدَّرجات مبنيَّةٌ على التوحيد الخاصِّ الذي تكلَّمنا عليه في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] (١)، فهي تقْوَى بقوَّته، وتَضعف بضعْفه.
فإن قيل: هل يُشترط في التوكل تركُ الأسباب أم لا؟
فالجواب: أنَّ الأسباب على ثلاثة أقسام:
أحدها: سببٌ معلومٌ قطعًا، قد أجراه الله تعالى، فهذا لا يجوز تركه، كالأكل لدفع الجوع، واللِّباس لدفع البرد.
والثاني: سببٌ مظنونٌ، كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدحُ فعلُه في التوكل؛ فإن التوكل من أعمال القلب، لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي على ذلك.
والثالث: سبب موهومٌ بعيد، فهذا يقدحُ فعلُه في التوكل.
ثم إنَّ فوقَ التوكل التفويضُ؛ وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مرادٌ واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربه، وأما المفوِّض فليس له مرادٌ ولا اختيار، بل أسند الاختيارَ إلى الله تعالى، فهو أكملُ أدبًا مع الله تعالى.
стр. 580
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ هو من الغُلول، وهو أخذ الشيء في خفية من المغانم وغيرها.
وقرئ بفتح الياء وضم الغين، ومعناه: تبرئةٌ للنبي ﷺ من الغلول.
وسببها: أنه فُقدت من المغانم قطيفة حمراء، فقال بعض المنافقين: لعلَّ رسول الله ﷺ أخذها.
وقرئ بضم الياء وفتح الغين:
أي: ليس لأحد أن يُغَلَّ نبيًا؛ أي: يخونه في المغانم.
وخصَّ النبي بالذكر وإن كان ذلك محظورًا مع الأمراء؛ لشنُعة الحال مع النبي؛ لأن المعاصي تعظُم بحضرته.
وقيل: معنى هذه القراءة: أن يوجد غالًّا، كما تقول: أحمدتُ الرجلَ؛ إذا أصبته محمودًا، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه القراءة إلى معنى فتح الياء.
﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ وعيدٌ لمن غلَّ بأن يسوق يوم القيامة على رقبته الشيء الذي غلَّ.
وقد جاء ذلك مفسَّرًا في الحديث، قال رسول الله ﷺ : «لا أُلفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير، لا ألفين أحدكم على رقبته فرس، لا ألفين أحدكم على رقبته رقاع، لا ألفين أحدكم على رقبته صامت (١)، لا ألفين أحدكم على رقبته إنسان، فيقول: يا رسول الله أغثني!، فأقول: لا أملك
стр. 581
لك من الله شيئًا، قد بَلَّغْتُك» (١).
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ﴾ الآية؛ قيل: إن الذي اتَّبع رضوان الله: من لم يَغُلَّ، والذي باء بالسَّخَط: من غلَّ.
وقيل: الذي اتبع الرضوان: من استُشهد بأحد، والذي باء بالسخط: المنافقون الذين رجعوا عن الغزو.
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ أي: ذووا درجات، والمعنى:
تفاوتُ ما بين منازل أهل الرّضوان وأهل السُّخْط.
أو التفاوت بين درجات أهل الرضوان، فإن بعضهم فوقَ بعض، وكذلك (٢) درجات أهل السخط.
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ الآية؛ إخبارٌ بفضل الله على المؤمنين ببعث رسوله محمد ﷺ .
﴿مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ معناه: في الجنس واللسان، فكونه من جنسهم: يوجب الأُنْسَ به، وقلَّةَ الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم: يُوجب حسنَ الفهم عنه، ولكونه منهم يعرفون حسَبَه وصدقه وأمانته ﷺ ، ويكون هو ﷺ أشفق عليهم وأرحم بهم من الأجنبيين.
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ﴾ الآية؛ عتابٌ للمسلمين على كلامهم فيمن أصيب منهم يوم أحد.
стр. 582
ودخلت ألف التوبيخ على واو العطف.
والجملة معطوفة على:
ما تقدَّم من قصة أحد.
أو على محذوف.
﴿قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا﴾ قُتِل من المسلمين يوم أحد سبعون، وكان قد قُتِل من المشركين يوم بدر سبعون، وأُسِر سبعون.
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ قيل: معناه أنهم عوقبوا بالهزيمة؛ لمخالفتهم رسول الله ﷺ حين أراد أن يقيم بالمدينة ولا يَخرج إلى المشركين، فأبوا إلَّا الخروج.
وقيل: بل ذلك إشارةٌ إلى عصيان الرماة حسبما تقدَّم.
﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: جَمْعُ المسلمين والمشركين يوم أحد.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ الآية؛ كان رأي عبد الله بن أبيّ بن سلول أن لا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طَلَب الخروجَ قومٌ من المسلمين فخرج رسول الله ﷺ غضب عبد الله، وقال: أطاعهم وعصاني!، فرجع ورجع معه ثلاث مئة رجل، فمشى في أَثَرهم عبد الله بن عَمرو بن حرام الأنصاري، فقال لهم: ارجعوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا!، فقال له عبد الله بن أبيّ: ما أرى أن يكون قتالٌ، ولو علمنا أنه يكون قتال لكُنَّا معكم.
﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ أي: كثروا السَّواد وإن لم تقاتلوا.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾.
стр. 583
﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾: في النَّسَب؛ لأنهم كانوا من الأوس والخزرج.
﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾ أي: ادفعوا، والمعنى: ردٌّ عليهم.
بَقُوا في الدنيا من بعدهم؛ لأنهم يرجون أن يُسْتَشهدوا مثلهم، فينالوا مثل ما نالوا من السَّعادة.
﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ في موضع المفعول من أجله، أو بدلٌ من ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ كُرِّر ليُذكر ما تعلَّق به من النعمة والفضل.
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ صفةٌ لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو مبتدأ وخبره: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ الآية.
ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ في اتِّباع المشركين بعد غزوة أحد، فبلغ بهم إلى حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانوا قد أصابتهم جراحاتٌ وشدائدُ، فتجلَّدوا وخرجوا، فمدحهم الله بذلك.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية؛ لما خرج رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد بعد أحد، بلغ ذلك أبا سفيان، فمرَّ عليه ركْبٌ من عبد القيس يريدون المدينة بالميرة، فجعل لهم حِمْلَ بعيرٍ من زبيب على أن يثبِّطوا المسلمين عن اتِّباع المشركين، فخوَّفوهم بهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وخرجوا.
فـ ﴿النَّاسُ﴾ الأول: ركْب عبد القيس، و ﴿النَّاسُ﴾ الثاني: مشركو قريش.
وقيل: نادى أبو سفيان يوم أحد: موعدنا بدرٌ في العام القابل، فقال رسول الله ﷺ : «إن شاء الله»، فلما كان العام القابل خرج رسول الله ﷺ إلى بدر للميعاد، فأرسل أبو سفيان نُعيم بن مسعود الأشجعيَّ ليثبِّط المسلمين.
стр. 586
فعلى هذا: ﴿النَّاسُ﴾ الأول: نعيم، وإنما قيل له: «الناس» وهو واحد؛ لأنه من جنس الناس، كقولك: ركبت الخيل؛ إذا ركبت فرسًا.
﴿فَزَادَهُمْ﴾ الفاعل ضمير المقُول، وهو: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾.
والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا: قَوِيَ يقينهم وثقتهم بالله.
﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ كلمةٌ يُدفع بها ما يخاف ويكره، وهي التي قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار.
ومعنى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كافينا الله وحده؛ فلا نخاف غيرَه.
ومعنى: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ثناءٌ على الله، وأنه خير مَنْ يتوكَّل العبدُ عليه ويلجأ إليه.
﴿فَانقَلَبُوا﴾ أي: رجعوا بنعمة السَّلامة وفضل الأجر.
﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ لخروجهم مع رسول الله ﷺ .
﴿ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ المراد به هنا: أبو سفيان، أو نعيم الذي أرسله أبو سفيان أو إبليس.
و ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الشَّيْطَانُ﴾ خبره، وما بعده استئناف.
أو: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ نعتٌ، وما بعده خبر.
﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوِّفكم أيها المؤمنون أولياءه؛ وهم الكفار، فالمفعول الأول محذوف، ويدل عليه: قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾، وقراءةُ ابن عباس وابن مسعود: «يخوفكم أولياءه».
стр. 587
وقيل: المعنى: يخوّفُ المنافقين - وهم أولياؤه - من كفار قريش، فالمفعول الثاني على هذا محذوف.
﴿وَلَا يَحْزُنكَ﴾ تسلية للنبي ﷺ .
وقرئ بفتح الياء وضم الزاي حيث وقع مضارعًا، من: «حَزَن» الثلاثي، وهو أشهر في اللغة من «أحزن».
﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يبادرون إلى أقواله وأفعاله، وهم: المنافقون، أو الكفار.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ الآية؛ هم: المذكورون قبل، أو على العموم في جميع الكفار.
﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: نُمهلهم.
و «أنّ» مفعول بـ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، و «ما» اسم «أنَّ»؛ فحقّها أن تكتب منفصلة، و ﴿خَيْرٌ﴾ الخبر.
﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ «ما» هنا كافَّةٌ، والمعنى: ردٌّ عليهم؛ أي: أن الإملاء لهم ليس خيرًا لهم، إنما هو استدراج؛ ليكتسبوا الآثام.
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية؛ خطاب للمؤمنين، والمعنى: ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، ولكنه ميَّز هؤلاء من هؤلاء؛ بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال، التي تدلُّ على الإيمان أو على النفاق.
стр. 588
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: ما كان الله ليُطلِعكم على ما في القلوب من الإيمان والنفاق.
أو: ما كان الله ليطلعكم على أنكم تغلبون أو تُغلبون.
﴿يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ﴾ أي: يختار مَنْ شاء مِنْ رسله، فيطلعه على ما شاء من غيبه.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يمنعون الزكاة وغيرها.
﴿هُوَ خَيْرًا﴾: ﴿هُوَ﴾ فَضْلٌ، و ﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثان، والأول محذوف؛ تقديره: لا يَحسبنَّ (١) البخل خيرًا لهم.
﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أي: يُلزَمون إثم ما بخلوا به.
وقيل: يُجعَلُ ما بَخِل به حَيَّةً يُطوَّقُها في عنقه يوم القيامة.
﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ أي: قتَلَ آباؤهم للأنبياء، وأُسنِد إليهم؛ لأنهم راضون به، ومتَّبِعون لمن فعَله من آبائهم.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾ صفةٌ لـ ﴿الَّذِينَ﴾، وليس صفةً ﴿لِلْعَبِيدِ﴾.
﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ كانوا إذا أرادوا أن يعرفوا قَبولَ الله لصدقةٍ أو غيرها جعلوه في مكان، فتنزل نارٌ من السماء فتحرِقُه، وإن لم تنزل فليس بمقبول، فزعموا أن الله جعل لهم ذلك علامةً على صدق الرُّسل.
﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ﴾ الآية؛ ردٌّ عليهم بأن الرسل قد جاؤوهم بمعجزات توجب الإيمان بهم، وجاؤوهم أيضًا بالقُربان الذي تأكله النار، ومع ذلك كذَّبوهم وقتلوهم، فذلك يدلُّ على أن كفرهم عنادٌ، وأنهم كذَّبوا في قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ﴾ الآية؛ تسليةٌ للنبي ﷺ بالتأسِّي بغيره.
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ أي: نُحِّي (١) وأُبعد.
﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ الآية؛ خطابٌ للمسلمين، والبلاء في الأنفس: بالموت والأمراض، وفي الأموال: بالمصائب والإنفاق.
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾ الآية؛ سببها: قولُ اليهود: «إن الله فقير»، وسبُّهم للنبي ﷺ وللمسلمين.
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ابنُ عباس: هي لليهود؛ أُخِذ عليهم العهد في أمر محمد ﷺ فكتموه.
стр. 591
وقيل: هي عامَّةٌ في كل من علَّمه الله علمًا.
﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا﴾ الآية؛ ابنُ عباس: نزلت في أهل الكتاب؛ سألهم النبي ﷺ عن شيءٍ فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستَحمدوا إليه بذلك، وفرحوا بما أتوا من كِتمانهم إياه ما سألهم عنه.
وقال أبو سعيد الخدري: نزلت في المنافقين؛ كانوا إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزوِ تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قَدِم النبي ﷺ اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
﴿فَلَا تَحْسِبَنَّهُم﴾ بالتاء وفتح الباء: خطاب للنبي ﷺ .
وبالياء وضم الباء: أسند الفعل لـ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾؛ أي: لا يحسبون أنفسَهم (١) بمفازةٍ من العذاب.
ومن قرأ: ﴿لَا يَحْسِبَنَّ﴾ بالتاء: فهو أيضًا خطاب للنبي ﷺ و ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ مفعول به، و ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ المفعول الثاني، وكرَّر ﴿فَلَا تَحْسِبَنَّهُم﴾ للتأكيد.
ومن قرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء من أسفل: فإنه حذف المفعولين؛ لدلالة مفعولي ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ عليهما.
وقيل: إن ذلك في الصلاة؛ يصَلُّون قيامًا، فإن لم يستطيعوا صلَّوا قعودًا، فإن لم يستطيعوا صلَّوا على جنوبهم.
﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون: ربنا ما خلقت هذا لغير فائدة، بل خلقته وخلقت البشر؛ لينظروا فيه فيعرفوك فيعبدوك.
﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ هو النبيُّ ﷺ .
﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي: على ألسنة رسلك.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ «من»: لبيان الجنس، وقيل: زائدةٌ؛ لتقدُّم النفي.
﴿بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: الرجال والنساء سواءٌ في الأجور والخيرات.
﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ هم المهاجرون؛ آذاهم المشركون بمكة حتى خرجوا منها.
﴿ثَوَابًا﴾ منصوبٌ على المصدرية.
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ الآية؛ تسليةٌ للنبي ﷺ ؛ أي: لا تظنَّ أن حال الكفار في الدنيا دائمةٌ فتهتمَّ لذلك، وأنزل ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ منزلة: «لا يَحْزُنُكَ».
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: تقلبهم في الدنيا قليلٌ؛ بالنظر إلى ما فاتهم في الآخرة.
﴿نُزُلًا﴾ منصوبٌ:
على الحال من ﴿جَنَّاتٌ﴾.
أو على المصدرية.
﴿لِلْأَبْرَارِ﴾ جمع بارٍّ أو بَرٍّ، ومعناه: العاملون بالبرِّ؛ وهو غاية التقوى والعمل الصالح.
стр. 594
قال بعضهم: الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ (١).
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في النجاشيِّ ملك الحبشة، فإنه كان نصرانيًّا فأسلم.
وقيل: في عبد الله بن سلَّام وغيره ممن أسلم من اليهود.
﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ مدحٌ لهم، وفيه تعريضٌ بذمِّ غيرهم ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا.
﴿وَصَابِرُوا﴾ أي: صابروا أعداءكم (٢) في القتال.
﴿وَرَابِطُوا﴾ أقيموا في الثُّغور رابطين خيلكم، مستعدّين للجهاد.
وقيل: هو مرابطةُ العبد فيما بينه وبين الله؛ أي: معاهدتُه على فعل الطاعة وترك المعصية.
والأول أظهر وأشهر؛ قال ﷺ : «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه» (٣).
وأما قوله -في انتظار الصلاة-: «فذلكم الرِّباط» (٤) فهو تشبيه بالرباط في سبيل الله؛ لعِظَم أجره.
стр. 595
والمرابط عند الفقهاء: هو الذي يسكن الثغور؛ ليرابط فيها، وهي غيرُ موطنه.
فأمَّا سكَّانُها دائمًا بأهليهم لمعايشهم فليسوا بمرابطين، ولكنهم حُماةٌ. حكاه ابن عطية (١).
في أوَّل «البقرة» (١).
﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدمُ ﵇.
﴿زَوْجَهَا﴾ هي حوَّاءُ؛ خُلِقت من ضِلَعِ آدمَ.
﴿وَبَثَّ﴾ نشَر.
﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله أن تفعل كذا. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب عطفٌ: على اسم الله؛ أي: اتقوا الأرحام فلا تقطعوها.
أو على موضع الجار والمجرور -وهو ﴿بِهِ﴾ -؛ لأنَّ موضعه نصبٌ. وقرئ بالخفض: عطفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾، وهو ضعيف عند البصريين؛ لأن الضمير المخفوض لا يُعطف عليه إلَّا بإعادة الخافض.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ إذا تحقَّق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة، وهو مقام شريفٌ، أصله: علمٌ، وحال، ثم يُثمر حالَين.
أما العلم: فهو معرفة العبد بأن الله مَطَّلِعٌ عليه، ناظرٌ إليه، يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كلَّ ما يخطر على باله.
وأما الحال: فهو ملازمة هذا العلم للقلب، بحيث يَغلِب عليه ولا يَغفُل عنه، ولا يكفي العلم دون هذه الحال.
стр. 598
فإذا حصل العلم والحال:
كانت ثمرتُهما عند أصحاب اليمين: الحياءَ من الله، وهو يوجب بالضرورة تركَ المعاصي، والجدَّ في الطاعات.
وكانت ثمرتُهما عند المقرَّبين: المشاهدة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال.
وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله ﷺ بقوله: «الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١).
فقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» إشارةٌ إلى الثمرة الثانية، وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم؛ كمن يشاهد ملِكًا عظيمًا، فإنه يعظّمه إذ ذاك بالضرورة.
وقوله: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» إشارةٌ إلى الثمرة الأولى، ومعناه: إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقرَّبين، فاعلمْ أنه يراك؛ فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسَّر الإحسان أوَّل مرَّةٍ بالمقام الأعلى؛ رأى أن كثيرًا من الناس قد يَعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام الآخر.
واعلمْ أن المراقبة لا تستقيم حتى يتقدَّمَ (٢) قبلها: المشارطة، والمرابطة، ويتأخَّرَ عنها: المحاسبة، والمعاقبة.
فأما المشارطة: فهي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة وترك المعاصي.
стр. 599
وأما المرابطة: فهي معاهدة العبد لربِّه على ذلك.
ثم بعد المشارطة والمرابطة في أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره.
وبعد ذلك (١) يحاسب العبدُ نفسَه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله: حمد الله.
وإن وجد نفسه قد حلَّ عُقْدَةَ (٢) المشارطة، ونقض عهد المرابطة: عاقب النفس عقابًا يزجرُها (٣) عن العودة إلى مثل ذلك.
ثم عاد إلى المشارطة، والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى.
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ خطابٌ للأوصياء.
وقيل: للعرب الذين لا يورِّثون الصغير مع الكبير؛ فأُمِروا أن يورِّثوهم.
وعلى القول بأنَّ الخطاب للأوصياء:
فالمراد: أن يؤتوا اليتامى من أموالهم ما يأكلون ويلبسون في حال صِغَرهم؛ فيكون اليتيم على هذا حقيقةً.
وقيل: المراد: دفع أموالهم إذا بَلَغوا؛ فيكون اليتيم على هذا مجازًا؛ لأن اليتيم قد كَبِرَ.
﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ كان بعضهم يبدِّل الشاةَ السمينة من مال اليتيم
стр. 600
بالمَهزولة من ماله، والدرهم الطيِّب بالزائف؛ فنُهوا عن ذلك.
وقيل: المعنى: لا تأكلوا مالهم (١) - وهو الخبيث -، وتدعوا مالكم (٢) -وهو الطيب-.
﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ المعنى: نهيٌ أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعةً إلى أموالهم.
وقيل: نهيٌ عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أُبيح ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وإنما تعدَّى الفعل بـ «إلى»؛ لأنه تضمن معنى الجمع والضم.
وقيل: «إلى» بمعنى «مع».
﴿حُوبًا﴾ أي: ذنبًا.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا﴾ الآية؛ قالت عائشة: نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمالُ ولياتهم، فيريدون أن يتزوجوهنَّ ويبخسوهنَّ في الصَّداق؛ لمكان ولايتهم عليهنَّ، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يُقسط فليتزوَّج ما طاب له من الأجنبيات اللاتي يوفِّيين حقوقهنَّ.
وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرَّج في أموال اليتامى، ولا تتحرَّج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك؛ أي: كما تخافون أن لا تقسطوا