← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

(سورة النساء) [﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ خطابٌ على العموم، وقد تكلَّمنا على التقوى

стр. 597

في أوَّل «البقرة» (١). ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدمُ ﵇. ﴿زَوْجَهَا﴾ هي حوَّاءُ؛ خُلِقت من ضِلَعِ آدمَ. ﴿وَبَثَّ﴾ نشَر. ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله أن تفعل كذا. ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب عطفٌ: على اسم الله؛ أي: اتقوا الأرحام فلا تقطعوها. أو على موضع الجار والمجرور -وهو ﴿بِهِ﴾ -؛ لأنَّ موضعه نصبٌ. وقرئ بالخفض: عطفًا على الضمير في ﴿بِهِ﴾، وهو ضعيف عند البصريين؛ لأن الضمير المخفوض لا يُعطف عليه إلَّا بإعادة الخافض. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ إذا تحقَّق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة، وهو مقام شريفٌ، أصله: علمٌ، وحال، ثم يُثمر حالَين. أما العلم: فهو معرفة العبد بأن الله مَطَّلِعٌ عليه، ناظرٌ إليه، يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كلَّ ما يخطر على باله. وأما الحال: فهو ملازمة هذا العلم للقلب، بحيث يَغلِب عليه ولا يَغفُل عنه، ولا يكفي العلم دون هذه الحال.

стр. 598

فإذا حصل العلم والحال: كانت ثمرتُهما عند أصحاب اليمين: الحياءَ من الله، وهو يوجب بالضرورة تركَ المعاصي، والجدَّ في الطاعات. وكانت ثمرتُهما عند المقرَّبين: المشاهدة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال. وإلى هاتين الثمرتين أشار رسول الله ﷺ بقوله: «الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١). فقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه» إشارةٌ إلى الثمرة الثانية، وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم؛ كمن يشاهد ملِكًا عظيمًا، فإنه يعظّمه إذ ذاك بالضرورة. وقوله: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» إشارةٌ إلى الثمرة الأولى، ومعناه: إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقرَّبين، فاعلمْ أنه يراك؛ فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسَّر الإحسان أوَّل مرَّةٍ بالمقام الأعلى؛ رأى أن كثيرًا من الناس قد يَعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام الآخر. واعلمْ أن المراقبة لا تستقيم حتى يتقدَّمَ (٢) قبلها: المشارطة، والمرابطة، ويتأخَّرَ عنها: المحاسبة، والمعاقبة. فأما المشارطة: فهي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة وترك المعاصي.

стр. 599

وأما المرابطة: فهي معاهدة العبد لربِّه على ذلك. ثم بعد المشارطة والمرابطة في أول الأمر تكون المراقبة إلى آخره. وبعد ذلك (١) يحاسب العبدُ نفسَه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله: حمد الله. وإن وجد نفسه قد حلَّ عُقْدَةَ (٢) المشارطة، ونقض عهد المرابطة: عاقب النفس عقابًا يزجرُها (٣) عن العودة إلى مثل ذلك. ثم عاد إلى المشارطة، والمرابطة، وحافظ على المراقبة، ثم اختبر بالمحاسبة، فهكذا يكون إلى أن يلقى الله تعالى. ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ خطابٌ للأوصياء. وقيل: للعرب الذين لا يورِّثون الصغير مع الكبير؛ فأُمِروا أن يورِّثوهم. وعلى القول بأنَّ الخطاب للأوصياء: فالمراد: أن يؤتوا اليتامى من أموالهم ما يأكلون ويلبسون في حال صِغَرهم؛ فيكون اليتيم على هذا حقيقةً. وقيل: المراد: دفع أموالهم إذا بَلَغوا؛ فيكون اليتيم على هذا مجازًا؛ لأن اليتيم قد كَبِرَ. ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ كان بعضهم يبدِّل الشاةَ السمينة من مال اليتيم

стр. 600

بالمَهزولة من ماله، والدرهم الطيِّب بالزائف؛ فنُهوا عن ذلك. وقيل: المعنى: لا تأكلوا مالهم (١) - وهو الخبيث -، وتدعوا مالكم (٢) -وهو الطيب-. ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ المعنى: نهيٌ أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعةً إلى أموالهم. وقيل: نهيٌ عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أُبيح ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وإنما تعدَّى الفعل بـ «إلى»؛ لأنه تضمن معنى الجمع والضم. وقيل: «إلى» بمعنى «مع». ﴿حُوبًا﴾ أي: ذنبًا. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا﴾ الآية؛ قالت عائشة: نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمالُ ولياتهم، فيريدون أن يتزوجوهنَّ ويبخسوهنَّ في الصَّداق؛ لمكان ولايتهم عليهنَّ، فقيل لهم: أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يُقسط فليتزوَّج ما طاب له من الأجنبيات اللاتي يوفِّيين حقوقهنَّ. وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرَّج في أموال اليتامى، ولا تتحرَّج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك؛ أي: كما تخافون أن لا تقسطوا

стр. 601

في اليتامى فكذلك خافوا في النساء. وقيل: إن الرجل منهم كان يتزوج العشر وأكثر، فإذا ضاق مالُهُ أخَذ مال يتيمه، فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في النساء. ﴿مَا طَابَ﴾ أي: ما حلَّ. وإنما قال «ما» ولم يقل «مَنْ»: لأنه أراد الجنس. وقال الزمخشري: لأن الإناث من العقلاء يُجرَى مُجْرَى غيرِ العقلاء؛ ومنه قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ لا تنصرف؛ للعدل والوصف. وهي: حالٌ من ﴿مَا طَابَ﴾. وقال ابن عطية: بدلٌ (٢). وهي معدولةٌ عن أعدادٍ مكرَّرة، ومعنى التكرار فيها: أن الخطاب لجماعةٍ؛ فيجوز لكل واحد منهم أن يَنكح ما أراد من تلك الأعداد، فتكرَّرت الأعداد بتكرار (٣) الناس. والمعنى: انكحوا اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وفي ذلك منعٌ لما كان في الجاهلية مِنْ تزوُّجِ ما زاد على الأربع.

стр. 602

وقال قوم لا يُعبأ بقولهم: إنه يجوز الجمع بين تسع؛ لأن مثنى وثلاث ورباع يجتمعُ منه تسعةٌ، وهذا خطأٌ؛ لأن المراد التَّخييرُ بين تلك الأعداد لا الجمعُ، ولو أراد الجمع لقال: «تسع»، ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو أطولُ منه وأقلُّ بيانًا، وأيضًا قد انعقد الإجماع على تحريم ما زاد على الرابعة. ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: إن خفتم أن لا تعدلوا بين الاثنين (١) أو الثلاث أو الأربع فاقتصروا على واحدة، أو على ما ملكت أيمانكم من قليلٍ أو كثيرٍ؛ رغبةً في العدل. وانتصاب (٢) ﴿فَوَاحِدَةً﴾ بفعل مضمر؛ تقديره: فانكحوا واحدةً. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ الإشارة إلى الاقتصار على الواحدة، والمعنى: أن ذلك أقرب إلى أن لا تعولوا. ومعنى ﴿تَعُولُوا﴾: تميلوا، وقيل: يَكثرُ عيالُكم. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ خطابٌ للأزواج. وقيل: للأولياء؛ لأن بعضهم كان يأكل صداق وليّته. وقيل: هي (٣) نهيٌ عن الشِّغار. ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عطيَّةً منكم لهنَّ، أو عطيَّةً من الله.

стр. 603

وقيل: معنى ﴿نِحْلَةً﴾ أي: شِرْعَةً وديانةً (١). وانتصابه: على المصدر من معنى: آتوهن. أو على الحال من ضمير المخاطبين. ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ الآية؛ إباحة للأزواج أو الأولياء - على ما تقدَّم من الخلاف - أن يأخذوا ما دفعه النساءُ مِنْ صَدُقاتهنَّ عن طيب أنفسهن. والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود: على الصَّداق. أو على الإيتاء. ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ عبارةٌ عن التَّحليل، ومبالغةٌ في الإباحة. وهما صفتان؛ من قولك: «هَنُؤَ الطعامُ ومَرُؤَ»: إذا كان سائغًا لا تنغيص فيه. وهما: وصفٌ للمصدر؛ أي: أكلًا هنيئًا. أو حال من ضمير الفاعل (٢).

стр. 604

وقيل: يوقف على ﴿فَكُلُوهُ﴾، ويبتدأ: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ على الدعاء. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ قيل: هم أولاد الرجل وامرأته؛ أي: لا تؤتوهم أموالكم للتبذير. وقيل: السفهاء: المحجورون، و ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: أموال المحجورين، وأضافها إلى المخاطبين؛ لأنهم ناظرون عليها وهي تحت ولايتهم. ﴿قِيَامًا﴾ جمع قِيَمَة. وقيل: بمعنى «قيام» بالألف؛ أي: تقومُ بها معايشُكم (١). ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ قيل: إنها فيمن تلزم الرجل نفقته من زوجته وأولاده. وقيل: في المحجورين؛ يُرزقون ويُكسون من أموالهم. ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: ادعوا لهم بخير، أو عِدُوهم وعدًا جميلًا؛ أي: إن رَشَدتُّم دفعنا لكم أموالكم. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أي: اختبروا رشْدَهم. ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ بلغوا مَبْلغ الرجال. ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الرُّشد: هو المعرفة بمصالحه وتدبير ماله، وإن لم يكن من أهل الدِّين. واشترط قومٌ الدين.

стр. 605

واعتبر مالك: البلوغَ والرشد؛ وحينئذٍ يدفع المال (١). واعتبر أبو حنيفة: البلوغ وحده؛ ما لم يظهرْ سفَهٌ. وقوله مخالف للقرآن. ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ معناه: مبادرةً لِكِبَرِهم؛ أي: إن الوصيَّ يَستغنم أكلَ مال اليتيم قبل أن يَكبرَ. وموضع ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ نصبٌ: على المفعولية بـ ﴿وَبِدَارًا﴾. أو على المفعول من أجله؛ تقديره: مخافةَ أن يَكبروا. ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أمر الوصيَّ (٢) الغنيَّ أن يَستعفف عن مال اليتيم (٣)، ولا يأكلَ منه شيئًا. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال عمر بن الخطاب: المعنى: أن يَستسلفَ الوصيُّ الفقيرُ من مال المحجور (٤)، فإذا أيسرَ ردَّه. وقيل: المراد: أن يكون له أُجرةٌ بقَدْرِ عمله وخدمته. ومعنى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير إسراف. وقيل: نسخها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾.

стр. 606

﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أمر بالتحرُّز والحزم؛ فهو ندبٌ، وقيل: فرض. ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية؛ سببها: أن بعض العرب كانوا لا يورثون النساء، فنزلت الآية؛ ليرثَ الرجال والنساء (١). ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ منصوب انتصاب المصدر المؤكّد؛ كقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. وقال الزمخشري: منصوب على التَّخصيص؛ بمعنى: أعني نصيبًا (٢). ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية؛ خطاب للوارثين؛ أُمِروا أن يتصدَّقوا من الميراث على قرابتهم، وعلى اليتامى والمساكين. فقيل: إن ذلك على الوجوب. وقيل: على الندب؛ وهو الصحيح. وقيل: نُسِخ بآية المواريث. ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ﴾ الآية؛ معناها: الأمر لأولياء اليتامى أن يُحسنوا إليهم في نظر أموالهم، فيخافوا الله على أيتامهم كخوفهم على ذُرِّيَّتهم لو تركوهم ضعافًا، ويُقَدِّروا ذلك في أنفسهم؛ حتى لا يفعلوا خلاف الشَّفقة والرحمة. وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيأمروه أن يتصدَّق بماله حتى يُجحِفَ بورثته، فأُمِروا أن يخشوا على الورثة كما يخشون على أولادهم. وحُذف مفعولُ ﴿وَلْيَخْشَ﴾.

стр. 607

و ﴿خَافُوا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾. ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾ على القول الأول: ملاطفةُ الوصيِّ لليتيمِ بالكلامِ الحسن. وعلى القول الثاني: أن يقول للموروث: «لا تُسرفِ في وصيتك وارفق بورثتك». ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ قيل: نزلت في الذين لا يُورِّثون الإناث. وقيل: في الأوصياء. ولفظها (١) عامٌّ في كل من أكل مال يتيمٍ بغير حق. ﴿يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي: إِنَّ أكْلَهُم لمال اليتامى يؤول إلى دخولهم النار. وقيل: بل يأكلون النار في جهنم.

стр. 608

[﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾]. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ هذه الآية نزلت بسبب بنات (١) سعد بن الربيع. وقيل: بسبب جابر بن عبد الله؛ إذ عاده (٢) رسول الله ﷺ في مرضه. ورفعت ما كان في الجاهلية من ترك توريث النساء والأطفال.

стр. 609

وقيل: نَسخت: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وإنما قال: ﴿يُوصِيكُمُ﴾ بلفظ الفعل الدَّائم، ولم يقل: «أوصاكم»؛ تنبيهًا على نسخ ما مضى والشروع في حكم آخر. وإنما قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ بالاسم الظاهر، ولم يقل: «نوصيكم»؛ لأنه أراد تعظيم الوصية، فجاء بالاسم الذي هو أعظم الأسماء. وإنما قال: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ولم يقل: «في أبنائكم»؛ لأن الابن يقع على الابن من الرَّضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى الابن المتبنَّى (١)، وليسوا من الورثة. ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ هذا بيانٌ للوصية المذكورة. فإن قيل: هلا قال: «للأنثيين مثل حظ الذكر»، أو «للأنثى نصف حظ الذكر»؟ فالجواب: أنه بدأ بالذَّكر لفضله، ولأن القصد ذِكْرُ حظِّه، ولو قال: «للأنثيين مثل حظ الذكر» لكان فيه تفضيلٌ للإناث (٢). ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ إنما أنَّث ضمير الجماعة في ﴿كُنَّ﴾؛ لأنه قَصَد الإناث وأصله أن يعود على الأولاد؛ لأنه يشمل الذكور والإناث. وقيل: يعود على المتروكات.

стр. 610

وأجاز الزمخشري أن تكون «كان» تامةً، والضمير مبهم، و ﴿نِسَاءً﴾ تفسير (١). ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ظاهره: أكثر من اثنتين، ولذلك أُجمع على أن للثلاث فما فوقهن الثلثين (٢). وأما البنتان: فاختلف فيهما: فقال ابن عباس: لهما النصف، كالبنت الواحدة. وقال الجمهور: لهما الثلثان، وتأولوا ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾: أن المراد: اثنتان فما فوقهما. وقال قوم: إن ﴿فَوْقَ﴾ زائدة؛ كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا ضعيف. وقال قوم: إنما وجب لهما الثلثان بالسنة لا بالقرآن. وقيل: بالقياس على الأختين. ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ بالرفع: فاعل، و «كان» تامة. وبالنصب: خبر «كان». وقوله تعالى: ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ نصٌ على أن للبنت النصف إذا انفردت، ودليلٌ على أن للابن جميع المال إذا انفرد؛ لأن للذكر مثل حظ الأنثيين.

стр. 611

﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الولد: يقع على الذكر والأنثى، والواحد والاثنين والجماعة، سواء كان للصُّلْبِ، أو ولدِ ابنٍ، وكُلُّهم يَرُدُّ الأبوين إلى السُّدس. ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ لم يجعل الله للأم الثلث إلَّا بشرطين: أحدهما: عدم الولد. والآخر: إحاطة الأبوين بالميراث؛ ولذلك دخلت الواو؛ لتعطف أحد الشرطين على الآخر. وسكت عن حظِّ الأب؛ استغناءً بفهمه؛ لأنه لا يبقى بعد الثلث إلَّا الثلثان، ولا وارث إلَّا الأبوان، فاقتضى ذلك أن الأب (١) يأخذ بقية المال؛ وهو الثلثان. ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أجمع العلماء على أن ثلاثةً من الإخوة يَرُدُّون الأمَّ إلى السُّدس. واختلفوا في الاثنين: فمذهب الجمهور: أنهما يَرُدَّانها إلى السُّدس. ومذهب ابن عباس: أنهما لا يردَّانها إليه، بل هما كالأخ الواحد. وحجَّته: أن لفظ الإخوة لا يقع على الاثنين؛ لأنه جمعٌ لا تثنيةٌ، وأقلُّ الجمع ثلاثة. وقال غيره: إن لفظ الجمع قد يقع على الاثنين؛ كقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ

стр. 612

شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، و ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]، و ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠]، واحتجُّوا بقوله ﷺ : «الاثنان فما فوقهما جماعة» (١)، وقال مالك: مضت السُّنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا، ومذهبه: أن أقل الجمع اثنان. فعلى هذا: يَحجُبُ الأخوان فصاعدًا الأمَّ عن الثلث إلى السدس، سواءٌ كانا شقيقين أو لأب أو لأم، أو مختلفين، وسواءٌ كانا ذكرين أو أنثيين أو ذكرًا وأنثى. فإن كان معهما أبٌ: ورث بقية المال، ولم يكن للإخوة شيءٌ عند الجمهور، فهم يحجبون الأم، ولا يرثون. وقال قومٌ: يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأمَّ. وإن لم يكن أبٌ ورثوا. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ يتعلَّق بالاستقرار المضمر في قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؛ أي: استقرَّ لهنَّ الثلثان من بعد وصية. ويمتنع أن يتعلَّق بـ ﴿تَرَكَ﴾. وفاعل ﴿يُوصَى﴾: الميت. وإنما قُدِّمت الوصية على الدَّين، والدَّين مقدَّمٌ عليها في الشريعة؛ اهتمامًا

стр. 613

بها، وتأكيدًا للأمر بها (١)، ولئلا يُتهاون بها. وأُخِّر الدَّين؛ لأن صاحبه يتقاضاه، فلا يحتاج إلى تأكيد في الأمر بإخراجه. وتُخرَج الوصية من الثلث، والدَّين من رأس المال بعد الكفن. وإنما ذَكَر الوصية والدَّين نكرتين؛ ليدلَّ على أنهما قد يكونان، وقد لا يكونان؛ فدلَّ ذلك على سقوط وجوب الوصية. ﴿أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ قيل: بالإنفاق إذا احتيج إليه. وقيل: بالشفاعة في الآخرة. ويحتمل أن يريد: نفعًا بالميراث من ماله، وهو أليقُ بسياق الكلام. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ الآية؛ خطابٌ للرجال، وأجمع العلماء على ما تضمنته هذه الآية من ميراث الزوج والزوجة، وأن ميراث الزوجة تنفرد به إن كانت واحدةً، ويُقسَم بينهنَّ إن كنَّ أكثر من واحدة، ولا يُنقَص من ميراث الزوج والزوجة وسائر أهل السهام إلَّا ما نَقَصه العَوْلُ على مذهب جمهور العلماء، خلافًا لابن عباس؛ فإنه لا يقول بالعول. فإن قيل: لم كرَّر قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ مع ميراث الزوج وميراث الزوجة، ولم يذكره قبل ذلك إلَّا مرَّةً واحدة في ميراث الأولاد والأبوين؟ فالجواب: أن الموروث في ميراث الزوج هو الزوجة، والموروث في ميراث الزوجة هو الزوج، فكل واحدة قضيةٌ على انفرادها؛ فلذلك ذكر

стр. 614

ذلك مع كل واحدة، بخلاف الأولى؛ فإن الموروث فيها واحدٌ، ذَكَرَ حكمَ ما يرث منه أولاده وأبواه؛ وهي قضيةٌ واحدة؛ فلذلك قال فيها: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ مرَّةً واحدة. ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة: هي انقطاع عمودي النسب؛ وهي خُلُوُّ الميت عن وَلَدٍ و (١) والد. ويحتمل أن تطلق هنا على: الميت الموروث، أو على الورثة، أو على الوراثة، أو على القرابة، أو على المال. [١] فإن كانت للميت فإعرابها: ١ - خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿يُورَثُ﴾ في موضع الصفة (٢). ٢ - أو ﴿يُورَثُ﴾ خبر كان، و ﴿كَلَالَةً﴾ حالٌ من الضمير في ﴿يُورَثُ﴾. ٣ - أو تكون ﴿كَانَ﴾ تامةً، و ﴿يُورَثُ﴾ في موضع الصفة (٣) و ﴿كَلَالَةً﴾ حال من الضمير. [٢] وإن كانت للورثة فهي: ١ - خبر ﴿كَانَ﴾؛ على حذف مضاف تقديره: «ذا كلالةٍ». ٢ - أو حال؛ على حذف مضاف أيضًا.

стр. 615

[٣] وإن كانت للوراثة فهي: مصدر في موضع الحال. [٤] وإن كانت للقرابة فهي: مَفْعُولٌ من أجله، (تقديره: «يورث (١) من أجل القربى») (٢). [٥] وَإِنْ كَانَتْ للمَالِ فَهِيَ: مَفْعُولٌ ثَانٍ لـ ﴿يُورَثُ﴾. وكل وجه من هذه الوجوه (٣) على أن تكون: ١ - ﴿كَانَ﴾ تَامَّةً، و ﴿يُورَثُ﴾ في موضع الصفة. ٢ - وَأَنْ (٤) تكون ناقصةً، و ﴿يُورَثُ﴾ خبرها. ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ المراد هنا: الأخ للأم والأخت للأم بإجماع. وقرأ سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت لأمه»؛ وذلك تفسير للمعنى. ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إِذَا كَانَ الأخ للأم واحدًا فله السدس، وكذلك إن كانت الأخت للأم واحدةً. ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ إِذَا كَانَ الإِخوة للأم اثنين فأكثر فَلهم الثلث بِالسَّواء بين الذكر والأنثى؛ لأن قوله: ﴿شُرَكَاءُ﴾ يقتضي التسوية بينهم، ولا خلاف في ذلك.

стр. 616

﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ منصوبٌ على الحال، والعامل فيه: ﴿يُوصِي﴾، و ﴿مُضَارٍّ﴾ اسم فاعل. قال ابن عباس: الضّرار في الوصية من الكبائر. ووجوه المضارَّة كثيرة؛ منها: الوصية لوارث، والوصية بأكثر من الثلث، أو بالثلث؛ فرارًا عن (١) وارثٍ محتاج. فإن عُلم أنه قصد بوصيَّته الإضرارَ رُدَّ ما زاد على الثلث اتفاقًا. واختلف: هل يُردُّ الثلث؟ على قولين في المذهب، والمشهور: أنه ينفذُ. ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكّدٌ لقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾. ويجوز أن ينتصب بـ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما تقدّم من المواريث وغيرها. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية؛ تعلَّق بها المعتزلة في قولهم: إن العصاة من المؤمنين يُخلَّدون في النار. وتأوَّلها الأشعرية: على أنها في الكفار.

стр. 617

[﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾]. ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ هي هنا: الزّنا. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ أي: من المسلمات؛ لأن المسلمة تُحَدُّ حَدَّ الزنا. وأما الكافر والكافرة: فاختُلف هل يُحدُّ أو يعاقب؟ ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ قيل: إنما جعل شهداء الزنا أربعةً؛ تغليظًا على المدَّعي، وسترًا على العباد. وقيل: ليكون شاهدان على كلِّ واحدٍ من الزَّانيين.

стр. 618

﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ كانت عقوبةُ الزنا الإمساكَ في البيوت، ثم نُسِخَ ذلك بالأذى المذكور بعد هذا؛ وهو السَّبُّ والتَّوبيخ. وقيل: إن الإمساك في البيوت للنساء، والأذى للرجال، فلا نسخ بينهما. ورجَّحه ابن عطية (١) وابن الفَرَس (٢) بقوله - في الإمساك -: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، وفي الأذى: ﴿مِنكُمْ﴾. ثم نُسخ الإمساك والأذى بالرَّجم للمُحصَن، وبالجلد لغير المحصن، واستقرَّ الأمر على ذلك. فأما الجلد: فمذكور في سورة «النور». وأما الرجم: فقد كان في القرآن، ثم نُسِخَ لفظه وبقي حكمه، وقد رجم رسول الله ﷺ ماعزًا الأسلميَّ (٣) وغيره. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ لما أمر بالأذى للزاني؛ أُمر بالإعراض عنه إذا تاب، وهو ترك الأذى. ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إنما يقبل الله توبةَ مَنْ كان على هذه الصفة. وإذا تاب العبد توبةً صحيحةً بشروطها: فيُقطع بقبول الله لتوبته عند جمهور العلماء.

стр. 619

وقال أبو المعالي: يغلب ذلك على الظنّ، ولا يُقطع به (١). ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ أي: بسفاهة وقلّة تحصيل أدّت إلى المعصية. وليس المعنى: أنه يجهل أن يكون ذلك الفعل معصيةً؛ قال أبو العالية: أجمع الصحابة على أن كل معصية فهي بجهالةٍ، سواءً كانت عمدًا أو جهلًا (٢). ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قيل: قبل المرض والموت. وقيل: قبل السّياق، ومعاينة الملائكة، وفي هذا قال رسول الله ﷺ : «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر» (٣). ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ الآية (٤)؛ في الذين يُصِرُّون على الذنوب إلى حين لا تقبل التوبة؛ وهو معاينة الموت. فإن كانوا كفارًا فهم مخلَّدون في النار بإجماع. وإن كانوا مسلمين فهم في مشيئة الله إن شاء عذّبهم، وإن شاء غفر لهم. فقوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ثابتٌ في حق الكفار، ومنسوخٌ في حق العصاة من المسلمين بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ فعذابهم مقيَّدٌ بالمشيئة.

стр. 620

﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقَّ بامرأته؛ إن شاؤوا تزوَّجها أحدهم، وإن شاؤوا زوَّجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها التزوُّج (١)، فنزلت الآية في ذلك. فمعنى الآية على هذا: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء يُورَثْنَ عن الرجال كما يورث المال. وقيل: الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في العصمة؛ ليرثوا مالها من غير غبطة بها. وقيل: الخطاب للأولياء الذين يمنعون وليّاتهم (٢) من التزوُّج؛ ليرثوهن دون الزوج. ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ معطوفٌ على: ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾، أو نهيٌ. والعضل: المنع. فقال ابن عباس: هي - أيضًا - في أولياء الزوج الذين يمنعون زوجته من التزوُّج بعد موته. إلَّا أنَّ قوله: ﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ على هذا معناه: ما آتاها الرجل الذي مات. وقال ابن عباس أيضًا: هي في الأزواج الذي يمسكون المرأة ويُسيئون عِشْرَتَها؛ حتى تفتديَ بصَداقها.

стр. 621

وهو ظاهر اللفظ في قوله: ﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، ويقويه قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ فإن الأظهر فيه أن يكون في الأزواج، وقد يكون في غيرهم. وقيل: هي للأولياء. ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قيل: الفاحشة هنا: الزنا. وقيل: نشوزُ المرأة وبغضُها في زوجها، فإذا نَشَزت جاز له أن يأخذ ما آتاها من صَداق وغير ذلك من مالها. وهذا جارٍ على مذهب مالك في جواز الخلع إذا كان الضرر من المرأة، والزنا أصعب على الزوج من النشوز؛ فيجوز له أخذ الفدية معه. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ الآية؛ معناها: إن كرهتم النساء لوجهٍ فاصبروا عليه؛ فعسى أن يجعل الله الخيرَ في وجهٍ آخر. وقيل: الخير الكثير: الولد. والأحسن العموم؛ وهذا معنى قوله ﷺ : «لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن سخِط منها خلقًا رضيَ منها (١) آخر» (٢). ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ الآية؛ معناها: المنع من أن يأخذ الرجل من المرأة فديةً على الطلاق إذا أراد أن يُبدلها بأخرى، وعلى هذا جرى مذهب مالك وغيره في المنع من (أن يأخذ الرجل) (٣) الفديةَ إذا كان الضَّرَرُ

стр. 622

وإرادةُ الفراقِ من الزوجِ. وقال قوم: إنَّ هذه الآية منسوخةٌ بقوله في «البقرة»: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال قوم: هي ناسخةٌ. والصحيح: أنها غير ناسخة ولا منسوخة؛ فإنَّ جواز الفدية على وجهٍ، ومنعها على وجه؛ فلا تعارض ولا نسخ. ﴿قِنطَارًا﴾ مثالٌ على جهة (١) المبالغة في الكثرة. وقد استدلَّتْ به المرأةُ على جواز المغالاة في المهور حين نهى عمر بن الخطاب ﵁ عن ذلك؛ فقال عمر ﵁: «امرأةٌ أصابت، ورجل أخطأ، كلُّ الناس أفقهُ منك يا عمر» (٢). ﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ كنايةٌ عن الجماع. ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قيل: هو عُقدةُ (٣) النكاح. وقيل: قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقيل: الأمر بحسن العِشْرة. ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾ كان بعض العرب يتزوَّج امرأة أبيه بعده؛ فنزلت الآية تحريمًا لذلك.

стр. 623

فكلُّ امرأةٍ تزوَّجها رجلٌ حُرِّمت على أولاده ما سَفُلوا، سواءٌ دخل بها أو لم يَدخل؛ فالنكاح في الآية بمعنى العقد. و ﴿مَا نَكَحَ﴾ يعني: النساء، وإنما أطلق عليهن «ما» وإن كانت (١) ممن يعقلُ؛ لأنَّ المراد الجنس. فإن زنى رجلٌ بامرأة فاختُلِف هل يحرم تزوُّجها على أولاده أم لا؟ فحرمَّه أبو حنيفة. وأجازه الشافعي. وفي المذهب قولان. واحتج من حرَّمه: بهذه الآية، وحمل النكاح فيها على الوطء. وقال من أجازه: إنَّ الآية لم تتناوله؛ إذ النكاح فيها بمعنى العقد. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: إلَّا ما فعلتم في الجاهلية من ذلك، وانقطع بالإسلام؛ فقد عُفي عنه فلا تؤاخذون به، ويدلُّ على هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ بعد قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في المرَّة الأخرى في الجمع بين الأختين. قال ابن عباس: كانت العرب تحرّم كل ما حرَّمت الشريعةُ، إلَّا امرأة الأب، والجمع بين الأختين. وقيل: المعنى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فدعوه.

стр. 624

وقال الزمخشريُّ: المعنى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فانكحوه إن أمكنكم، وذلك غير ممكن؛ فالمعنى: المبالغة في التحريم (١). ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ «كَانَ» في هذه الآية تقتضي الدَّوام؛ كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وشبه ذلك. وقال المبرِّد: هي زائدة. وذلك خطأ؛ لوجود خبرها منصوبًا. وزاد هنا المقت على ما وصف به الزنا في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]؛ دلالةً على أن هذا أقبح من الزنا.

стр. 625

[﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾]. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية؛ معناها: تحريم ما ذُكر من النساء. والنساء المحرَّمات على التأبيد ثلاثة أصناف: بالنسب، وبالرَّضاع، وبالمصاهرة. فأما النَّسب فيحرم به سبعة أصناف؛ وهي المذكورة في هذه الآية. وضابطها: أنه يحرم على الرجل فُصولُه ما سَفُلَت، وأصولُه ما علَت، وفصول أبويه ما سفلت، وأول فصل من كل أصل متقدّم على أبويه.

стр. 626

﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: الوالدات، والجدَّات من الأم ومن الأب ما عَلَوْنَ. ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: البنت، وبنت الابن، وبنت البنت ما سَفُلن. ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: الأخت الشقيقة، والأخت للأب، والأخت للأم. ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: أخت الوالد، وأخت الجد ما علا؛ سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم. ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ يدخل فيه: أخت الأم، وأخت الجدَّة ما علت؛ سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم. ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ يدخل فيه: كل من تناسل من الأخ الشقيق، وللأب، وللأم. ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ يدخل فيه: كل من تناسل من الأخت الشقيقة، وللأب، وللأم. ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ذكر تعالى صنفين من الرضاعة وهما: الأم والأخت، وقال رسول الله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (١). فاقتضى ذلك: تحريم الأصناف السبعة التي تحرم من النسب، وهي: الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت.

стр. 627

وتفصيل ذلك يطول. وفي الرَّضاع مسائلُ لم نذكرْها؛ لأنها ليس لها تعلُّقٌ بألفاظ الآية. ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ المحرَّمات بالمصاهرة أربع؛ وهنَّ: زوجة الأب، وزوجة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة. فأما الثلاث الأوَّلُ: فتحرُم بالعقد؛ دخل بها أو لم يدخل. وأما بنت الزوجة: فلا تحرم إلَّا بعد الدخول بأمها. فإن وطئها حرمت عليه بنتها بإجماع. وإن تلذَّذ بها دون الوطء: فحرَّمها مالك والجمهور. وإن عقد عليها ولم يدخل بها: لم تحرم بنتها إجماعًا. وتحرم هذه الأربع بالرَّضاع كما تحرم بالنسب. ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الرَّبيبة: هي بنتُ امرأةِ الرجل من غيره، سُمِّيت بذلك؛ لأنه يُربيها، فلفظها: فَعيلة بمعنى مفعولة. وقوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ على غالب الأمر؛ إذ الأكثر أن تكون الربيبة في حجر زوج أمِّها، وهي محرَّمة؛ سواءٌ كانت في حجره أم لا، هذا عند الجمهور من العلماء، إلَّا ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره. ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ اشتَرط الدخول في تحريم بنت الزوجة خاصة، ولم يشترطه في غيرها، وعلى ذلك جمهور العلماء، إلَّا ما روي عن علي بن أبي طالب أنه اشترط الدخول في تحريم الجميع، وقد

стр. 628

انعقد الإجماع بعده على خلاف ذلك. ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ الحلائل: جمع حليلة؛ وهي الزوجة. ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ تخصيص؛ ليخرج عنه زوجة الابن الذي يتبناه الرجل وهو أجنبيٌّ عنه؛ كتزوُّج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، امرأة زيد بن حارثة الكلبيِّ الذي كان يقال له: زيد بن محمد. ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يقتضي تحريم الجمع بين الأختين؛ سواءٌ كانتا شقيقتين أو لأب أو لأم؛ وذلك في الزوجتين. وأما الجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء: فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم، ورأوا أنه داخل في عموم لفظ: ﴿الْأُخْتَيْنِ﴾. وأجازه الظاهرية؛ لأنهم قَصَرُوا الآية على الجمع بالنكاح. وأما الجمع بين الأختين في الملك دون وطء فجائز باتفاق. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ المعنى: إلا ما فعلتم من ذلك في الجاهلية وانقطع بالإسلام؛ فقد عُفي عنكم فلا تؤاخذون به، هذا أرجحُ الأقوال حسبما تقدَّم في الموضع الأول. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ المراد هنا: ذوات الأزواج، وهو معطوف على المحرمات المذكورات قبله. والمعنى: أنه لا يحلُّ (١) نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل.

стр. 629

﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يريد: السَّبايا في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل. والمعنى: أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج، ثم سُبيتْ جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها. وسبب ذلك: أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا إلى أوطاسٍ، فأصابوا سبايا من العدوِّ لهنَّ (١) أزواج من المشركين، فتأثَّم المسلمون من غشيانهنَّ، فنزلت الآية مبيحةً لذلك. ومذهب مالك: أن السبي يهدم النكاح؛ سواءٌ سُبي الزوجان الكافران معًا أو سُبي أحدهما قبل الآخر. وقال ابن الموَّاز: لا يهدم السبيُّ النكاحَ. ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ منصوبٌ على المصدرية؛ أي: كتب الله ذلك عليكم كتابًا، وهو تحريم ما حرَّم. وهو عند الكوفيين: منصوب على الإغراء. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ معناه: أُحلَّ لكم تزوُّج مَنْ سوى ما حرَّم من النساء. وعطف ﴿أُحِلَّ﴾ على الفعل المضمر الذي نصب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾، والفاعل هو الله؛ أي: كَتب الله عليكم تحريم مَنْ ذَكر، وأحلَّ لكم ما وراء ذلكم.

стр. 630

﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ مفعولٌ من أجله، أو بدلٌ من: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. وحُذِف مفعوله؛ وهو النساءُ. ﴿مُحْصِنِينَ﴾ هنا: أَعِفَّةً. ونصبُه على الحال من الفاعل في ﴿تَبْتَغُوا﴾. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: غير زُناةٍ. والسِّفاح: هو الزنا. ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ابن عباس وغيره: معناها: إذا استمتعتم بالزوجة، ووقع الوطء، فقد وجب إعطاء الأجر؛ وهو الصَّداق كاملًا. وقيل: إنها في نكاح المتعة؛ وهو النكاح إلى أجلٍ من غير ميراث، وكان جائزًا في أول الإسلام، فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه، ثم حُرِّم عند جمهور العلماء؛ فالآية على هذا منسوخة: بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة. وقيل: نسخها آية الفرائض؛ لأن نكاح المتعة لا ميراث فيه. وقيل: نسخها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥]. وروي عن ابن عباس جواز نكاح المتعة، وروي أنه رجع عنه. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ﴾ مَنْ قال: إن الآية المتقدمة في مهور النساء؛ فمعنى هذه: جواز ما يتراضون به من حطٍّ من (١) الصداق، أو تأخيره بعد استقرار الفريضة.

стр. 631

ومن قال: إن الآية في نكاح المتعة؛ فمعنى هذه: جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر. ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ معناها: إباحة تزوُّج الفتيات - وهنَّ الإماء - للرجل إذا لم يجد طَوْلًا للمحصنات. والطَّوْل: هو السعة في المال. والمحصنات هنا: يراد به (١) الحرائر غير المملوكات. ومذهب مالك وأكثر أصحابه: أنه لا يجوز للحُرِّ نكاحُ أمَةٍ إلا بشرطين: أحدهما: عدم الطَّوْل؛ وهو أن لا يجد ما يتزوج به حرةً (٢). والآخر: خوف العنت؛ وهو الزِّنا؛ لقوله بعد هذا: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾. وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين؛ على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر. واتَّفقوا على اشتراط الإسلام في الأَمَة التي تُتَزَوَّج (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلا أهل العراق فلم يشترطوه.

стр. 632

وإعراب ﴿طَوْلًا﴾: [١ - ] مفعولٌ بالاستطاعةِ، و ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾: بدلٌ منه، فهو في موضع نصبٍ. (أو في موضع نصبٍ) (١) بتقدير: «لأن ينكحَ». [٢ - ] ويحتملُ أن يكونَ ﴿طَوْلًا﴾ نُصِبَ على المصدرِ؛ والعاملُ فيه الاستطاعةُ لأنهما بمعنى يتقارب، و ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾ على هذا مفعولٌ: بالاستطاعةِ. أو بالمصدرِ. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم﴾ معناه: أنهُ يعلمُ بواطنَ الأمورِ ولكم ظواهرُها، فإذا كانتِ الأمةُ ظاهرةَ الإيمانِ، فنكاحُها صحيحٌ، وعِلْمُ باطنِها إلى الله. ﴿بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: إماؤكم منكم؛ وهذا تأنيسٌ بنكاحِ الإماءِ؛ لأن بعضَ العربِ كان يأنفُ من ذلك. ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: بإذنِ ساداتهنَّ المالكين لهنَّ. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: صَدُقاتهنَّ. وهذا يقتضي أنهنَّ أحقُّ بصَدُقاتهنَّ من ساداتهنَّ، وهو مذهبُ مالك. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالشَّرعِ على ما تقتضيه السُّنة.

стр. 633

﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: عفيفاتٍ غيرَ زانيات. وهو منصوب على الحال؛ والعامل فيه: ﴿فَانكِحُوهُنَّ﴾. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع خِدْنٍ؛ وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية مَنْ تتخذ خِدْنًا تزني معه خاصة، ومنهنَّ مَنْ كانت لا ترُدُّ يد لامسٍ. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ معنى ذلك: أن الأمَة إذا زنت بعد أن أُحْصِنت فعليها نصف حدِّ الحرة، فإن الحرة تُجلد في الزنا مئة جلدة، والأمَة تجلد خمسين. فـ ﴿إِذَا أُحْصِنَّ﴾ يريد به هنا: تزوَّجْنَ، والفاحشة هنا: الزنا، و ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ هنا: الحرائر، و ﴿الْعَذَابِ﴾ هنا: الحدُّ (١). فاقتضت الآية: حدَّ الأمة إذا زنت بعد أن تزوَّجت، ويؤخذ حدُّ غير المتزوِّجة من السنة؛ وهو مثل حدِّ المتزوِّجة. وهذا على (٢) قراءة ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد. وقرئ بفتحهما، ومعناه: أَسْلَمن. وقيل: تزوَّجن. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ الإشارة إلى تزوُّج الأمة؛ أي: إنما يجوز لمن خَشِي على نفسه الزنا، لا لمن يملك نفسه.

стр. 634

﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المراد: الصبر عن نكاح الإماء، وهذا نَدْبٌ إلى تركه، وعِلَّته: ما يؤدي إليه من استرقاق الولد.

стр. 635

[﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾]. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ قال الزمخشري: «أصله: أن يبين؛ فزيدت اللام مؤكِّدة، كما زيدت في: لا أبا لك» (١). وقال الكوفيون: اللام مصدرية؛ مثل: «أن». ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين؛ لتقتدوا بهم. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ كُرِّر توطئةً لفساد إرادة الذين يتبعون الشهوات، وهم هنا: الزناة عند مجاهد.
следующие страницы →