ومن قال: إن الآية في نكاح المتعة؛ فمعنى هذه: جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ معناها: إباحة تزوُّج الفتيات - وهنَّ الإماء -
للرجل إذا لم يجد طَوْلًا للمحصنات.
والطَّوْل: هو السعة في المال.
والمحصنات هنا: يراد به (١) الحرائر غير المملوكات.
ومذهب مالك وأكثر أصحابه: أنه لا يجوز للحُرِّ نكاحُ أمَةٍ إلا بشرطين:
أحدهما: عدم الطَّوْل؛ وهو أن لا يجد ما يتزوج به حرةً (٢).
والآخر: خوف العنت؛ وهو الزِّنا؛ لقوله بعد هذا: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾.
وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين؛ على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر.
واتَّفقوا على اشتراط الإسلام في الأَمَة التي تُتَزَوَّج (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلا أهل العراق فلم يشترطوه.
стр. 632
وإعراب ﴿طَوْلًا﴾:
[١ - ] مفعولٌ بالاستطاعةِ، و ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾:
بدلٌ منه، فهو في موضع نصبٍ.
(أو في موضع نصبٍ) (١) بتقدير: «لأن ينكحَ».
[٢ - ] ويحتملُ أن يكونَ ﴿طَوْلًا﴾ نُصِبَ على المصدرِ؛ والعاملُ فيه الاستطاعةُ لأنهما بمعنى يتقارب، و ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾ على هذا مفعولٌ:
بالاستطاعةِ.
أو بالمصدرِ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم﴾ معناه: أنهُ يعلمُ بواطنَ الأمورِ ولكم ظواهرُها، فإذا كانتِ الأمةُ ظاهرةَ الإيمانِ، فنكاحُها صحيحٌ، وعِلْمُ باطنِها إلى الله.
﴿بَعْضُكُم مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: إماؤكم منكم؛ وهذا تأنيسٌ بنكاحِ الإماءِ؛ لأن بعضَ العربِ كان يأنفُ من ذلك.
﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: بإذنِ ساداتهنَّ المالكين لهنَّ.
﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: صَدُقاتهنَّ.
وهذا يقتضي أنهنَّ أحقُّ بصَدُقاتهنَّ من ساداتهنَّ، وهو مذهبُ مالك.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالشَّرعِ على ما تقتضيه السُّنة.
стр. 633
﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: عفيفاتٍ غيرَ زانيات.
وهو منصوب على الحال؛ والعامل فيه: ﴿فَانكِحُوهُنَّ﴾.
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ جمع خِدْنٍ؛ وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية مَنْ تتخذ خِدْنًا تزني معه خاصة، ومنهنَّ مَنْ كانت لا ترُدُّ يد لامسٍ.
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ معنى ذلك: أن الأمَة إذا زنت بعد أن أُحْصِنت فعليها نصف حدِّ الحرة، فإن الحرة تُجلد في الزنا مئة جلدة، والأمَة تجلد خمسين.
فـ ﴿إِذَا أُحْصِنَّ﴾ يريد به هنا: تزوَّجْنَ، والفاحشة هنا: الزنا، و ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ هنا: الحرائر، و ﴿الْعَذَابِ﴾ هنا: الحدُّ (١).
فاقتضت الآية: حدَّ الأمة إذا زنت بعد أن تزوَّجت، ويؤخذ حدُّ غير المتزوِّجة من السنة؛ وهو مثل حدِّ المتزوِّجة.
وهذا على (٢) قراءة ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد.
وقرئ بفتحهما، ومعناه:
أَسْلَمن.
وقيل: تزوَّجن.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ الإشارة إلى تزوُّج الأمة؛ أي: إنما يجوز لمن خَشِي على نفسه الزنا، لا لمن يملك نفسه.
стр. 634
﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المراد: الصبر عن نكاح الإماء، وهذا نَدْبٌ إلى تركه، وعِلَّته: ما يؤدي إليه من استرقاق الولد.
وقيل: المجوس؛ لنكاحهم ذواتِ المحارم.
وقيل: عامٌّ في كل متبع شهوةً. وهو أرجح.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ يقتضي سياقُ الكلام التخفيف الذي وقع في إباحة نكاح الإماء، وهو مع ذلك عامٌّ في كلِّ ما خفَّف الله عن عباده، وجَعَل دينهم يُسرًا.
﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ قيل: معناه لا يصبر عن النساء؛ وذلك مقتضى سياق الكلام.
واللفظ أعمُّ من ذلك.
﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ يدخل فيه: القمار، والغصب، والسرقة، وغير ذلك.
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ استثناء منقطع، والمعنى: لكن إن كانت تجارةً فكلوها.
وفي إباحة التجارة دليلٌ على أنه يجوز للإنسان أن يشتري بدرهم سلعةً تساوي مئة، والمشهور إمضاء البيع. وحُكي عن ابن وهب: أنه يُردُّ إذا كان الغبن أكثر من الثلث.
وموضع «أن» نصبٌ، و ﴿تِجَارَةٌ﴾ بالرفع: فاعل ﴿تَكُونَ﴾؛ وهي تامة. وقرئ بالنصب: خبر ﴿تَكُونَ﴾؛ وهي ناقصة. ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾ أي: اتفاقٍ.
стр. 637
وبهذا استدلَّ المالكية على تمام البيع بالعقد دون التفرُّق.
وقال الشافعي: إنما يتمُّ بالتفرق بالأبدان؛ لقوله ﷺ : «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» (١).
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ قال ابن عطية: أجمع المفسِّرون أن المعنى: لا يقتلُ بعضكم بعضًا (٢).
قلت: ولفظها يتناول قتلَ الإنسان لنفسِه (٣)، وقد حملها عمرو بن العاص على ذلك، ولم ينكرْه رسول الله ﷺ إذْ سمعه (٤).
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى:
القتل؛ لأنه أقرب مذكور.
وقيل: إليه، وإلى أكل المال بالباطل.
وقيل: إلى كل ما تقدَّم من المنهيات من أوَّل السورة.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ اختلف الناس في الكبائر ما هي؟
стр. 638
فقال ابن عباس: الكبائر: كلُّ ذنب ختمه الله بنارٍ أو لعنةٍ أو غضبٍ.
وقال ابن مسعود: الكبائر هي الذُّنوب المذكورة من أول هذه السورة إلى هذه الآية.
وقال بعض العلماء: كل ما عُصيَ الله به فهو كبيرةٌ.
وعدَّها بعضهم سبعَ عشرة.
وفي البخاري عن النبي ﷺ : «اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات» (١) فلا شكَّ أن هذه من الكبائر؛ للنص عليها في الحديث.
وزاد بعضهم عليها أشياء وردَ في الأحاديث (٢) النصُّ على أنها كبائر، أو ورد في القرآن أو في الحديث وعيدٌ عليها؛ فمنها: عقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين الغَموس، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنَّهبة، والقُنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والنميمة، وترك التحرُّز من البول، والغُلول، واستطالة المرء في عِرْض أخيه، والجور في الحكم.
﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وعدٌ بغفران الذنوب الصغائر إذا اجتُنبت الكبائر.
стр. 639
﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ اسم مكان؛ وهو هنا: الجنة.
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ الآية؛ سببها: أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث، وشاركناهم في الغزو!، فنزلت نهيًا عن ذلك؛ لأن في تمنِّيهم ردًّا (١) على حكم الشريعة.
فيدخل في النهي: تمنّي مخالفةِ الأحكام الشرعية كلّها.
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ الآية؛ أي: من الأجر والحسنات. وقيل: من الميراث؛ ويردُّه لفظ الاكتساب.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ الآية؛ في معناها وجهان:
أحدهما: لكل شيءٍ من الأموال جعلنا مواليَ يرثونه؛ فـ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ -على هذا-: بيان لـ «كُلٍّ».
والآخر: لكلِّ أحدٍ جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون؛ فـ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ -على هذا-: يتعلَّق بفعل مضمر.
والموالي هنا: الورثة (٢) والعَصَبة.
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ اختلف هل هي منسوخة أو مُحْكَمة؟
فالذين قالوا إنها منسوخة قالوا: معناها: الميراث بالحِلْف الذي كان في الجاهلية.
стр. 640
وقيل: بالمؤاخاة التي آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه.
ثم نسخها: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]؛ فصار الميراث للأقارب.
والذين قالوا إنها محكمة اختلفوا:
فقال ابن عباس: هي في المؤازرة والنُّصرة بالحِلْف، لا في الميراث به.
وقال أبو حنيفة: هي في الميراث؛ وأن الرجلين إذا والى أحدهما الآخَرَ على أن يتوارثا صحَّ ذلك، وإن لم تكن بينهما قرابةٌ.
﴿وَبِمَا أَنفَقُوا﴾ هو: الصَّداقُ، والنفقةُ المستمرَّةُ على الزوجات.
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: النساءُ الصالحات في دينهنَّ مطيعاتٌ لأزواجهن. أو: مطيعاتٌ لله في حقِّ أزواجهن.
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي: تحفظ كلَّ ما غاب عن علم زوجها، فيدخل في ذلك: صيانةُ نفسها، وحفظ ماله وبيته، وحفظ أسراره.
﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: بحفظ الله ورعايته.
أو: بأمره للنساء أن يُطِعْنَ الزوج ويحفظنه.
فـ «ما»: مصدرية، أو بمعنى «الذي».
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قيل: الخوف هنا بمعنى اليقين.
وقيل: هو على أصله.
﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ هذه أنواعٌ من تأديب المرأة إذا نَشَزَتْ على زوجها؛ وهي على مراتب:
فالوعظ في النُّشوز في الخفيف.
والهجران فيما هو أشدُّ منه.
والضرب فيما هو أشد منه (١).
ومتى انتهت عن النشوز بوجه من التأديب لم يُتَعَدَّ إلى ما بعده.
стр. 643
والهِجران هنا: هو ترك مضاجعتها، وقيل: ترك الجماع إذا ضاجعها.
والضرب: غير مُبرِّح.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: إذا أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يؤذيها بهجران ولا ضرب.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الشقاق: الشرُّ والعداوة.
وكان الأصل: «إن خفتم شقاقًا بينهما»، ثم أُضيف الظرف إلى الشقاق على طريق الاتِّساع؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]؛ وأصله: «مكرٌ بالليل والنهار».
﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ الآية؛ ذكر تعالى الحُكْمَ في نشوز المرأة، والحكم في طاعتها، ثم ذكر هنا حالةً أخرى؛ وهي: إذا ساء (١) ما بين الزوجين ولم يُقَدَرْ على الإصلاح بينهما، ولا عُلِم مَنْ الظالم منهما، فيُبْعَث حكمان مسلمان؛ لينظرا في أمرهما، ويُنَفِّذَا (٢) ما ظهر لهما من تطليق وخُلْع من غير إذن الزوج.
وقال أبو حنيفة: ليس لهما الفراق إلا إن جُعل (٣) لهما.
وإن اختلفا لم يلزم شيءٌ إلا باتِّفاقهما.
ومشهور مذهب مالك: أن الحاكم هو الذي يبعث الحكمين.
стр. 644
وقيل: يبعثهما الزوجان.
وجرت عادة القضاة أن يبعثوا امرأةً أمينة، ولا يبعثوا حكمين؛ قال بعض العلماء: هذا تغيير لحكم القرآن والسُّنة الجارية.
﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾ يجوز في المذهب أن يكون الحكمان من غير أهل الزوجين والأكملُ أن يكونا من أهلهما؛ كما ذَكر الله.
﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الضمير في ﴿يُرِيدَا﴾: للحكمين، وفي ﴿بَيْنَهُمَا﴾: للزوجين على الأظهر.
وقيل: الضميران للزوجين.
وقيل: للحكمين.
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ ابنُ عباس: الجارُ ذو القربى: هو القريب النَّسب، والجار الجنب: هو الأجنبي.
وقيل: ذو القربى: القريب المسكن منك، والجنب: البعيد المسكن عنك.
وحد الجوار (١) عند بعضهم: أربعون دارًا من كل ناحية.
﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ ابنُ عباس: الرفيق في السفر.
عليُّ بن أبي طالب: الزوجة.
стр. 645
﴿مُخْتَالًا﴾ اسم فاعل؛ وزنه مُفتعِل؛ من الخيلاء، وهي (١) الكبر وإعجاب المرء بنفسه.
﴿فَخُورًا﴾ شديد الفخر.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بدلٌ من قوله: ﴿مُخْتَالًا﴾.
أو نَصْبٌ على الذم.
أو رفعٌ بخبر ابتداء مضمر.
أو مبتدأ وخبره محذوف؛ تقديره: «يُعذَّبون».
والآية في اليهود؛ نزلت في قوم منهم: كَرْدَمٌ، وحُيِي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التَّابوت، كانوا يقولون للأنصار: لا تُنفقوا أموالكم في الجهاد والصدقات.
وهي -مع ذلك- عامةٌ فيمن فعل هذه الأفعال من المسلمين.
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ عطفٌ على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾.
وقيل: على: ﴿الْكَافِرِينَ﴾.
والآية في المنافقين الذين كانوا ينفقون في الزكاة والجهاد رياءً (٢) ومُصانعة.
وقيل: في اليهود.
стр. 646
وقيل: في مشركي مكة الذين أنفقوا أموالهم (١) في حرب المسلمين.
﴿قَرِينًا﴾ أي: مُلازمًا له يُغويه.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا﴾ الآية؛ استدعاءٌ لهم بملاطفة.
أو: توبيخٌ على ترك الإيمان والإنفاق؛ كأنه يقول: أيُّ مَضَرَّةٍ عليهم في ذلك.
﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: وزْنَها؛ وهي النملة الصغيرة، وذلك تمثيلٌ بالقليل تنبيهًا على الكثير.
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بالرفع: فاعل، و ﴿تَكُ﴾ تامةٌ.
وبالنصب: خبرٌ؛ على أنها ناقصة، واسمها مضمر فيها.
﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أي: يكثرها (٢)؛ واحدة بعشرٍ (٣)، إلى سبع مئة وأكثر.
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من عنده؛ تفضُّلًا وزيادةً على ثواب العمل.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ تقديره: كيف يكون الحال إذا جئنا!
﴿بِشَهِيدٍ﴾ هو نبيُّهم؛ يشهد عليهم بأعمالهم.
﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ أي: تشهد على قومك.
ولما قرأ ابن مسعود هذه الآية على رسول الله ﷺ ذرفت عيناه (٤).
стр. 647
﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: يتمنون أن يدفنوا فيها، ثم تَسَّوَّى بهم كما تَسَّوَّى بالموتى.
وقيل: يتمنون أن يكونوا سواءً مع الأرض؛ كقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وذلك لما يرون من أهوال يوم القيامة.
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ استئنافٌ، إخبارٌ أنهم لا يكتمون يوم القيامة عن الله شيئًا.
فإن قيل: كيف هذا مع قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الكتم لا ينفعهم؛ لأنهم إذا كتموا تنطق جوارحهم، فكأنهم لم يكتموا.
والآخر: أنهم طوائفُ مختلفة، ولهم أوقاتٌ مختلفة.
وقيل: إن قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ﴾ عطفٌ على ﴿تُسَوَّى﴾؛ أي: يتمنون أن لا يكتموا؛ لأنهم إذا كتموا افتُضِحوا.
стр. 648
[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾].
﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ سببها: أن جماعةً من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها، ثم قاموا إلى الصلاة، وأمَّهم أحدهم فخلط في القراءة.
فمعناها: النهيُ عن الصلاة في حال (١) السُّكر.
قال بعض الناس: هي منسوخة بتحريم الخمر، وذلك لا يلزم؛ لأنها ليس فيها ما يقتضي إباحة الخمر، إنما هي نهيٌ عن الصلاة في حال السكر، وذلك
стр. 649
الحكم ثابت في حين إباحة الخمر وفي حين تحريمها.
وقال بعضهم: معناها: لا يكن منكم سكرٌ يمنع قرب الصلاة؛ إذ المرء مأمور بالصلاة، فكأنها تقتضي النهي عن السُكْرِ، وعن سببه وهو الشُرْبُ، وهذا بعيدٌ من مقتضى اللفظ.
﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ أي: حتى تعود إليكم عقولكم فتعلمون ما تقرؤون.
ويظهر من هذا: أن السكران (لا يعلم ما يقول؛ فأخذ بعض الناس من ذلك: أن السكران) (١) لا يلزمه طلاقه ولا إقراره.
﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ عطف ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ على موضع: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ إذ هو في موضع الحال.
والجنب هنا: غير الظاهر؛ بإنزال أو إيلاج، وهو واقع على جماعة؛ بدليل استثناء الجمع منه.
واختلف في عابري السبيل:
فقيل: إنه المسافر؛ ومعنى الآية على هذا: نهيٌ أن يقرب الصلاة وهو جنب إلَّا في السفر، فيصلي بالتيمم دون اغتسال.
فمقتضى الآية: إباحة التيمم للجنب في السفر، ويؤخذ إباحة التيمم للجنب في الحضر من الحديث.
стр. 650
وقيل: عابرُ السبيل: المارُّ في المسجد، والصلاة هنا يراد بها: المسجد؛ لأنه موضع الصلاة، فمعنى الآية على هذا: النهيُ أن يقرب الجنبُ المسجدَ إلَّا خاطرًا عليه.
وعلى هذا أخذ (١) الشافعي الآية؛ لأنه يُجيز للجنب أن يمرَّ في المسجد، ولا يجيز له أن يقعد فيه.
ومنع مالك المرور والقعود.
وأجازهما داود.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية؛ سببها: عَدَمُ الصحابةِ للماء في غزوة المُرَيسِيع، فأبيح لهم التيمم في عَدَم الماء.
ثم إنَّ عدمَ الماء على ثلاثة أوجه:
أحدها: عدمه في السفر.
والثاني: عدمه في المرض.
فيجوز التيمم في هذين الوجهين بإجماع؛ لأن الآية نصٌّ في المرض والسفر إذا عدم الماء فيهما؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
الوجه الثالث: عدم الماء في الحضر دون مرضٍ؛ فاختلف الفقهاء فيه:
فمذهب أبي حنيفة: أنه لا يجوز فيه التيمم؛ لأن ظاهر الآية أنَّ عدم الماء إنما يعتبر مع المرض أو السفر.
стр. 651
ومذهب مالك والشافعي: أنه يجوز فيه التيمم.
فإن قلنا: إن الآية لا تقتضيه، فيؤخذ جوازه من السنة.
وإن قلنا: إن الآية تقتضيه، فيؤخذ جوازه منها (١).
وهذا هو الأرجح إن شاء الله؛ وذلك أنه ذكر في أول الآية المرض والسفر، ثم ذكر الأحداث دون مرض ولا سفر، ثم قال بعد ذلك كله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فيرجع قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إلى المرض وإلى السفر وإلى مَنْ أحدث في غير مرض ولا سفر؛ فيجوز التيمم على هذا لمَن عَدِمَ الماءَ في غير مرض ولا سفر، فيكون في الآية حجةٌ لمالك والشافعي.
ويجوز التيمم أيضًا في مذهب مالك للمريض إذا وجد الماء، ولم يقدر على استعماله؛ لضررٍ بدنه.
فإن قلنا: إن الآية لا تقتضيه، فيؤخذ جوازه من السنة.
وإن قلنا: إن الآية تقتضيه، فيؤخذ جوازه منها (٢)؛ على أن يُتأوَّل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ أن معناه: مرضى لا تقدرون على مسِّ الماء.
وحدُّ المرض الذي يجوز فيه التيمم:
عند مالك: هو أن يخاف الموت، أو زيادة المرض، أو تأخُّرَ البُرْءِ.
وعند الشافعي: خوفُ الموت لا غيرُ.
وحدُّ السفر: الغيبة عن الحضر، سواءً كان مما تُقصر فيه الصلاة أم لا.
стр. 652
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾ في «أو» هنا تأويلان:
أحدهما: أن تكون للتفصيل والتنويع على بابها.
والآخر: أنها بمعنى الواو.
فعلى القول بأنها على بابها: يكون قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ راجعًا إلى المريض والمسافر، وإلى مَنْ جاء من الغائط، وإلى مَنْ لامس، سواءً كانا مريضين أو مسافرين أم لا؛ حسبما ذكرنا قبل هذا.
فيقتضي ذلك: جواز التيمم للحاضر الصحيح إذا عَدِمَ الماءَ، وهو مذهب مالك والشافعي فيكون في الآية حجةٌ لهما.
وعلى القول بأنها بمعنى الواو: يكون قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ راجعًا إلى المريض والمسافر.
فيقتضي ذلك: أنه لا يجوز التيمم إلَّا في المرض والسفر مع عَدَمِ الماءِ، وأنه لا يجوز للحاضر الصحيح إذا عدِمِ الماءَ، ولكن يؤخذ جواز التيمم له من موضع آخر.
والراجح: أن تكون «أو» على بابها؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ جعلها بمعنى الواو إخراجٌ لها عن أصلها، وذلك ضعيف.
والآخر: أنه (١) إذا كانت على بابها: كان فيها إفادة (٢) إباحة التيمم للحاضر الصحيح إذا عَدِمِ الماءَ على ما ظهر لنا فيها، وإذا كانت بمعنى
стр. 653
الواو لم تُعْطَ (١) هذه الفائدة.
وحجَّةُ مَنْ جعلها بمعنى الواو: أنه لو جعلها على بابها لاقتضى المعنى أن المرض والسفر حدثٌ يوجب الوضوء كالغائط؛ لعطفه عليهما.
وهذا لا يلزم؛ لأن العطف بـ «أو» هنا للتنويع والتفصيل، ومعنى الآية كأنه قال: يجوز لكم التيمم إذا لم تجدوا ماءً إن كنتم مرضى أو على سفر، أو أحدثتم في غير مرض ولا سفر.
﴿الْغَائِطِ﴾ أصله: المكان المنخفض، وهو هنا: كنايةٌ عن الحدث الخارج من المخرجين، وهو العذرة، والرِّيح، والبول؛ لأن مَنْ ذهب إلى الغائط تكون منه هذه الأحداث الثلاثة.
وقيل: إنما هو كناية عن العذرة، وأما البول والريح، فيؤخذ وجوب الوضوء لهما من السُّنَّة، وكذلك الوَدْيُ والمذْيُ.
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ اختُلف في المراد بالملامسة هنا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الجماع وما دونه؛ من التقبيل واللمس باليد وغيرها. وهو قول مالك.
فعلى هذا: ينتقض الوضوء باللمس الذي هو دونَ الجماع على تفصيل في المذهب، ويجب معه التيمم إذا عدم الماء، ويكون الجنب من أهل التيمم.
والقول الثاني: أنها ما دون الجماع.
فعلى هذا: ينتقض الوضوء باللمس، ولا يجوز التيمم للجنب، وقد قال
стр. 654
بذلك عمر بن الخطاب، ويؤخذ جوازه عند من أجازه من الحديث. والثالث: أنها الجماع لا غيرُ.
فعلى هذا: يجوز التيمم للجنب، ولا يكون ما دونَ الجماع ناقضًا للوضوء. وهو مذهب أبي حنيفة.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ هذا يفيد وجوب طلب الماء (١)، وهو مذهب مالك، خلافًا لأبي حنيفة.
فإن وجده بثمنٍ فاختلف: هل يجوز له التيمم أم لا؟
وإن وُهب له فاختلف: هل يلزمه قبوله أم لا؟
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ التيمم في اللغة: القصد.
وفي الفقه: الطَّهارة بالتراب، وهو منقولٌ من المعنى اللُّغوي.
﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الصَّعيد عند مالك: هو وجه الأرض، كان ترابًا أو رملًا أو حجارة، فأجاز التيمم بذلك كلِّه.
وهو عند الشافعي: الترابُ لا غيرُ.
والطَّيِّب هنا: الطاهر.
واختلف في التيمم بالمعادن كالذهب، وبالملح، وبالتراب المنقول كالمجعول في طبق، وبالآجُرِّ، وبالجصِّ المطبوخ، وبالجدار، وبالنبات الذي على وجه الأرض، وذلك كلُّه على الاختلاف في معنى الصعيد.
стр. 655
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ لا يكون التيمم إلَّا في هذين العضوين، ويُقدَّم الوجه على اليدين؛ لظاهر الآية، وذلك على الندب عند مالك، ويستوعب الوجه بالمسح.
وأما اليدان فاختلف هل يمسحهما إلى الكوعين، أو إلى المرفقين؟
ولفظ الآية مُحتملٌ؛ لأنه لم يُحدَّ.
وقد احتجَّ من قال: إلى المرفقين بأن هذا مطلق، فيُحمل على المقيَّد، وهو تحديدهما في الوضوء بالمرفقين.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود هنا، وفي الموضع الثاني.
قال السهيلي في الموضع الأول: نزل في رِفاعة بن زيد بن التَّابوت، وفي الثاني: نزل في كعب بن الأشرف (١).
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ عبارةٌ عن إيثارهم الكفرَ على الإيمان، فالشراء مجازٌ؛ كقوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦].
وفي تكرار قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ مبالغةٌ.
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ «من»:
راجعةٌ إلى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾، أو إلى: ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾؛ فهي بيانٌ.
وقال الفارسيُّ (٢): هي ابتداء كلام؛ تقديره: «من الذين هادوا قومٌ».
стр. 656
وقيل: هي متعلِّقةٌ بـ ﴿نَصِيرًا﴾؛ وهو ضعيف.
ويوقَفُ على ﴿نَصِيرًا﴾ على قول الفارسي.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ يُحتمل: تحريف اللفظ، أو المعنى.
و ﴿الْكَلِمَ﴾ هنا: التوراة، وقيل: كلام النبي ﷺ .
﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ معناه: لا سَمِعتَ.
﴿وَرَاعِنَا﴾ ذُكِر في «البقرة» (١).
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ عوضٌ من قولهم: «سمعنا وعصينا».
﴿وَاسْمَعْ﴾ عوضٌ من قولهم: «اسمع غير مسمع».
﴿وَانظُرْنَا﴾ عوضٌ من قولهم: «راعنا»؛ وهو من النَّظَر أو الانتظار.
فهذه الأشياء الثلاثة في مقابلة الأشياء الثلاثة التي ذمَّهم على قولها؛ لما فيها من سوء الأدب مع رسول الله ﷺ ، وأخبر أنهم لو قالوا هذه الثلاثة الأُخَر عوضًا من تلك لكان خيرًا لهم؛ فإن هذه ليس فيها سوءُ أدب.
﴿مُصَدِّقًا﴾ ذُكِر في «البقرة» (٢).
﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ ابنُ عباس: طَمْسُها: أن تُزال العينان منها، وتُرَدَّ في القفا؛ فيكون ذلك ردًّا على الدُّبُر.
وقيل: طمسها: محوُ تخطيط صُوَرِها؛ من أنف وعين وحاجب، حتى
стр. 657
تصير كالأدبار في خُلُوِّها عن الحواسّ.
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ أي: نمسخهم كما مُسِخَ (١) أصحاب السبت، وقد ذُكِروا (٢) في «البقرة» (٣).
أو يكون من اللَّعن المعروف.
والضمير يعود:
على الوجوه؛ والمراد أصحابُها.
أو يعود على الذين أوتوا الكتاب؛ على الالتفات.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذه الآية هي الحاكمة في مسألة الوعيد، وهي المبيِّنة لما تعارَض فيها من الآيات، وهي الحجَّة لأهل السنة، والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة.
وذلك أن مذهب أهل السنة: أن العصاة من المؤمنين في مشيئة الله، إن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم، وحجَّتُهم: هذه الآية؛ فإنها نصٌّ في هذا المعنى.
ومذهب الخوارج: أن العصاة يُعذَّبون ولا بدَّ؛ سواءً كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر.
ومذهب المعتزلة: أنهم يعذبون على الكبائر ولا بدَّ.
стр. 658
ويَردُّ على الطائفتين قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾.
ومذهب المرجئة: أن العصاة كلهم يُغفر لهم ولا بدَّ، وأنه لا يضرُّ (١) ذنبٌ مع الإيمان.
ويَردُّ عليهم قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ فإنه تخصيصٌ لبعض العصاة.
وقد تأوَّلت المعتزلة الآية على مذهبهم، فقالوا: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾: هو التائب، فإن التائب لا خلاف أنه لا يعذَّب.
وهذا التأويل بعيدٌ؛ لأن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ في غير التائب من الشرك، وكذلك قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في غير التائب من العصيان؛ ليكون أوَّلُ الآية وآخرها على نسقٍ واحد.
وتأوَّلتها المرجئة على مذهبهم، فقالوا: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ معناه: لمن يشاء أن يؤمن.
وهذا أيضًا بعيدٌ، لا يقتضيه اللفظ.
وقد ورد في القرآن آيات كثيرة في الوعيد:
فحملها المعتزلة على العصاة.
وحملها المرجئة على الكفار.
وحملها أهل السنة على الكفار، وعلى مَنْ لا يغفر الله له من العصاة.
كما حملوا آيات الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا، وعلى المذنبين
стр. 659
التائبين، وعلى مَنْ يغفر الله له من العصاة غير التائبين.
فعلى مذهب أهل السنة لا يبقى تعارضٌ بين آيات الوعد وآيات الوعيد، بل يُجمَع بين معانيها، بخلاف قول غيرهم؛ فإن الآيات فيه تتعارض (١).
وتلخيص المذاهب:
أن الكافر إذا تاب من كفره غُفِر له بإجماع، وإن مات على كفره لم يُغفَر له، وخُلِّد في النار بإجماع.
وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلَف الناس فيه.
﴿الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾ هم اليهود، وتزكيتهم:
قولهم: «نحن أبناء الله وأحباؤه».
وقيل: مدحهم لأنفسهم.
﴿فَتِيلًا﴾ الفتيل: هو الخيط الذي في شقِّ نواة التمرة.
وقيل: ما يخرج بين إصبعيك وكفِّك إذا فتلتهما.
وهو تمثيلٌ وعبارة عن أقلِّ الأشياء؛ فيدلُّ على الأكثر بطريق الأولى.
﴿يَفْتَرُونَ﴾ دليلٌ على أن تزكيتهم لأنفسهم بالباطل.
الأشرف أو غيرهما من اليهود قالوا لكفار قريش: أنتم أهدى سبيلًا من محمد وأصحابه.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ الهمزة للاستفهام مع الإنكار.
﴿نَقِيرًا﴾ النقير: هو النُّقْرَةُ في ظهر النواة، وهو تمثيل وعبارة عن أقل الأشياء.
والمراد: وصف اليهود بالبخل لو كان لهم نصيب من الملك، وأنهم حينئذ يبخلون بالنقير الذي هو أقل الأشياء، ويبخلون بما هو أكثر منه من باب أولى.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ وصفهم بالحسد مع البخل.
والناس هنا يراد به: النبي ﷺ وأُمَّته، والفضل: النبوة، وقيل: النصر والعزة.
وقيل: الناس: العرب، والفضل: كون النبي ﷺ منهم.
﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ المراد بآل إبراهيم: ذريته من بني إسرائيل وغيرهم؛ ممن آتاه الله الكُتُبَ التي أنزلها والحكمة التي عَلَّمها.
والقصد بالآية: الردُّ على اليهود في حسدهم لمحمدٍ ﷺ .
ومعناها: إلزامٌ لهم بما عرفوه من فضل الله تعالى على آل إبراهيم، فلأيِّ شيءٍ يخصُّون محمدًا ﷺ بالحسد دون غيره ممن أنعم الله عليه.
﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ الملك في آل إبراهيم: هو ملك يوسف، وداود، وسليمان ﵈.
стр. 662
﴿فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ الآية؛ قيل: المراد: من اليهود مَنْ آمن: بالنبي ﷺ . أو بالقرآن المذكور في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
أو بما ذُكِر من حديث إبراهيم.
فهذه ثلاثة أوجه في ضمير ﴿بِهِ﴾.
وقيل: ﴿فَمِنْهُم﴾ أي: من آل إبراهيم مَنْ آمن بإبراهيم، ومنهم مَنْ كفر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦].
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآية؛ قيل: تُبدَّل لهم جلودٌ بعدَ جلودٍ أُخَرَ؛ إذ نفوسهم هي المعذَّبة.
وقيل: تبديل الجلود: تغيير صفاتها بالنار.
وقيل: الجلود السَّرابيل؛ وهو بعيد.
﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ذُكِر في «البقرة» (١).
﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ صفةٌ من لفظ «الظِّلِّ» للتأكيد؛ أي: دائمًا لا تنسخه الشمس.
وقيل: يقي الحرَّ والبردَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ الآية؛ قيل: هي خطاب للولاة.
وقيل: للنبي ﷺ حين أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة.
ولفظها عامٌّ، وكذلك حكمها.
стр. 663
﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ هم: الولاة، وقيل: العلماء.
ونزلت في عبد الله بن حذافة؛ بعثه رسول الله ﷺ في سرية.
﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الردُّ إلى الله: هو النظر في كتابه، والردُّ إلى الرسول ﷺ : هو سؤاله في حياته، والنظرُ في سنته بعد وفاته.
﴿إِنْ كُنتُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا الشرط راجعًا:
إلى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ﴾.
أو إلى قوله: ﴿أَطِيعُوا﴾.
والأول أظهر؛ لأنه أقرب إليه.
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: مالًا وعاقبةً.
وقيل: أحسنُ نظرًا منكم.
﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ﴾ الآية؛ أي: كيف يكون حالهم إذا عاقبهم الله بذنوبهم!.
﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ يُحتمل أن يكون هذا:
مَعْطُوفًا على ما قبله.
أو يكون معطوفًا على قوله: ﴿يَصُدُّونَ﴾، ويكون قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم﴾ اعتراضًا.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن معاقبتهم.
وليس المراد بالإعراض القطيعة؛ لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ الآية؛ وعدٌ بالمغفرة لمن استغفر، وفيه استدعاءٌ للاستغفار والتوبة. ومعنى ﴿جَاءُوكَ﴾: أتوك تائبين معتذرين من ذنوبهم، يطلبون أن تستغفر لهم الله.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ «لا» هنا: مؤكّدةٌ للنفي الذي بعدها.
﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلط واختلفوا فيه. ومعنى الآية: أنهم لا يؤمنون حتى يرضوا بحكم النبي ﷺ .
ونزلت بسبب:
المنافقين الذين تخاصموا.
وقيل: بسبب خصام الزبير مع رجل من الأنصار في الماء.
стр. 666
وحكمها عامٌّ.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية؛ معناها: لو فُرِضَ عليهم ما فرض على مَنْ كان قبلهم من المشقَّات لم يَفْعلُوها؛ لقلة انقيادهم، إِلَّا القليل منهم الذين هم مؤمنون حقًّا، وقد روي أن من هؤلاء القليل: أبا بكر وعمر وابن مسعود وعمار بن ياسر وثابت بن قيس.
﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ بالرفع: بدلٌ من الضمير.
وقرأ ابن عامر وحده بالنصب:
على أصل الاستثناء.
أو على: إِلَّا فِعْلًا قليلًا.
﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من اتِّباع النبي ﷺ وطاعته والانقياد له.
﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي: تحقيقًا لإيمانهم.
﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُم﴾ جوابٌ لسؤال مقدَّر عن حالهم لو فعلوا ذلك.
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ثوابٌ على الطاعة؛ أي: هم معهم في الجنة.
وهذه الآية مفسِّرةٌ لقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
والصِّدِّيق: فِعِّيل؛ من الصدق، أو من التصديق، والمراد به المبالغة، والصِّدِّيقون أرفع الناس درجةً بعد الأنبياء.
والشهداء: المقتولون في سبيل الله، ومَن جرى مجراهم من سائر
стр. 667
الشهداء، كالغريق وصاحب الهدم؛ حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة (١). ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الإشارةُ إلى الأصناف الأربعة المذكورة. والرَّفيق: يقع على الواحد والجماعة؛ كالخَليط.
أو هو مفردٌ بيّن به الجنس.
ومعنى الكلام: إخبارٌ، واستدعاءٌ للطاعة التي يُنال بها مرافقةُ هؤلاء.
﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ الإشارةُ إلى الثواب على الطاعة بمرافقة مَنْ ذُكِر في الجنة.
و ﴿الْفَضْلُ﴾: صفةٌ، أو خبرٌ.
وعبر عنهم بـ ﴿مِنكُمْ﴾؛ إذ هم يزعمون أنهم من المؤمنين، ويقولون: آمنا.
واللام:
في ﴿لَمَنْ﴾ للتأكيد.
وفي ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ جواب قسم محذوف.
ومعناه:
يُبطئ غيرَه - أي: يثبّطه - عن الجهاد، ويحمله على التخلف عن الغزو.
وقيل: يبطئ: يتخلَّف هو عن الغزو ويتثاقل.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وهزيمة.
والمعنى: أنَّ المنافق تسرُّه غيبته عن المؤمنين إذا هُزموا.
و ﴿شَهِيدًا﴾ معناه: حاضرًا معهم.
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ أي: نصر وغنيمة.
والمعنى: أنَّ المنافق يندم على ترك الغزو معهم إذا غَنِموا؛ فيتمنَّى أن يكون معهم.
﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملةُ اعتراضٍ بين القول ومعموله؛ فلا يجوز الوقف عليها.
وهذه المودة في ظاهر المنافق، لا في اعتقاده.
﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي: يبيعون.
стр. 670
﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ ذَكَرَ الحالتينِ للمقاتلِ، ووعدَ بالأجرِ على كلِّ واحدةٍ (١) منهما.
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ تحريضٌ على القتالِ.
و «ما» مبتدأٌ والمجرور خبره، و ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع الحال.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هم: الذين حبسهم مشركو قريش بمكة؛ ليفتنوهم عن الإسلام.
وهو عطفٌ على اسمِ ﴿اللَّهِ﴾، أو مفعولٌ معه.
﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ هي مكة حين كانت للمشركين.
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وما بعده: إخبارٌ، قصدَ به: تقوية قلوب المسلمين وتحريضهم على القتال.