← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وحكمها عامٌّ. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية؛ معناها: لو فُرِضَ عليهم ما فرض على مَنْ كان قبلهم من المشقَّات لم يَفْعلُوها؛ لقلة انقيادهم، إِلَّا القليل منهم الذين هم مؤمنون حقًّا، وقد روي أن من هؤلاء القليل: أبا بكر وعمر وابن مسعود وعمار بن ياسر وثابت بن قيس. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ بالرفع: بدلٌ من الضمير. وقرأ ابن عامر وحده بالنصب: على أصل الاستثناء. أو على: إِلَّا فِعْلًا قليلًا. ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من اتِّباع النبي ﷺ وطاعته والانقياد له. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي: تحقيقًا لإيمانهم. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُم﴾ جوابٌ لسؤال مقدَّر عن حالهم لو فعلوا ذلك. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ثوابٌ على الطاعة؛ أي: هم معهم في الجنة. وهذه الآية مفسِّرةٌ لقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. والصِّدِّيق: فِعِّيل؛ من الصدق، أو من التصديق، والمراد به المبالغة، والصِّدِّيقون أرفع الناس درجةً بعد الأنبياء. والشهداء: المقتولون في سبيل الله، ومَن جرى مجراهم من سائر

стр. 667

الشهداء، كالغريق وصاحب الهدم؛ حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة (١). ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الإشارةُ إلى الأصناف الأربعة المذكورة. والرَّفيق: يقع على الواحد والجماعة؛ كالخَليط. أو هو مفردٌ بيّن به الجنس. ومعنى الكلام: إخبارٌ، واستدعاءٌ للطاعة التي يُنال بها مرافقةُ هؤلاء. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ الإشارةُ إلى الثواب على الطاعة بمرافقة مَنْ ذُكِر في الجنة. و ﴿الْفَضْلُ﴾: صفةٌ، أو خبرٌ.

стр. 668

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾]. ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تحرَّزوا من عدوكم واستعدُّوا له. ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: اخرجوا للجهاد جماعاتٍ متفرِّقين؛ وذلك كنايةٌ عن السرايا. وقيل: إنَّ الثُّبة: ما فوق العشرة. ووزنها فُعَلَةٌ - بفتح العين -، ولامها محذوفة. ﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين في الجيش (١) الكثيف. فخيَّرهم بين (٢) الخروج إلى الغزو في قلة أو في كثرة. ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخطاب للمؤمنين، والمراد بـ «مَنْ»: المنافقون،

стр. 669

وعبر عنهم بـ ﴿مِنكُمْ﴾؛ إذ هم يزعمون أنهم من المؤمنين، ويقولون: آمنا. واللام: في ﴿لَمَنْ﴾ للتأكيد. وفي ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ جواب قسم محذوف. ومعناه: يُبطئ غيرَه - أي: يثبّطه - عن الجهاد، ويحمله على التخلف عن الغزو. وقيل: يبطئ: يتخلَّف هو عن الغزو ويتثاقل. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وهزيمة. والمعنى: أنَّ المنافق تسرُّه غيبته عن المؤمنين إذا هُزموا. و ﴿شَهِيدًا﴾ معناه: حاضرًا معهم. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ أي: نصر وغنيمة. والمعنى: أنَّ المنافق يندم على ترك الغزو معهم إذا غَنِموا؛ فيتمنَّى أن يكون معهم. ﴿كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملةُ اعتراضٍ بين القول ومعموله؛ فلا يجوز الوقف عليها. وهذه المودة في ظاهر المنافق، لا في اعتقاده. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي: يبيعون.

стр. 670

﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ ذَكَرَ الحالتينِ للمقاتلِ، ووعدَ بالأجرِ على كلِّ واحدةٍ (١) منهما. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ تحريضٌ على القتالِ. و «ما» مبتدأٌ والمجرور خبره، و ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع الحال. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هم: الذين حبسهم مشركو قريش بمكة؛ ليفتنوهم عن الإسلام. وهو عطفٌ على اسمِ ﴿اللَّهِ﴾، أو مفعولٌ معه. ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ هي مكة حين كانت للمشركين. ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وما بعده: إخبارٌ، قصدَ به: تقوية قلوب المسلمين وتحريضهم على القتال.

стр. 671

[﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾]. ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية؛ قيل: هي في قوم من الصحابة؛ كانوا قد أُمِروا بالكفّ عن القتال قبل أن يُفرَض الجهاد، فتمنّوا أن يؤمروا به، فلما أُمِروا به كرهوه، لا شكًّا في دينهم، ولكن خوفًا من الموت.

стр. 672

وقيل: هي في المنافقين؛ وهو أليقُ بسياق الكلام. ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وما بعده: تحقيرٌ للدنيا؛ يتضمَّنُ (١) ردًّا عليهم في كراهتهم للموت. ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة﴾ أي: في حصون منيعة. وقيل: المشيدة: المطوَّلة. وقيل: المبنيَّة بالشَّيد؛ وهو الجصُّ. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَة﴾ الآية؛ الحسنة هنا: النصر والغنيمة وشبه ذلك من المحبوبات، والسيئة: الهزيمة والجوع وشبه ذلك. والضمير في ﴿تُصِبْهُمْ﴾ وفي ﴿يَقُولُوا﴾ لـ ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، وهذا يدلُّ على أنها في المنافقين؛ لأن المؤمنين لا يقولون للنبي ﷺ : إن السيئات من عنده. ﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ردٌّ على من نسب السيئة إلى رسول الله ﷺ ، وإعلامٌ أن السيئة والحسنة والخير والشر من عند الله؛ أي: بقضائه وقدره. ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ توبيخٌ لهم على قلة فهمهم. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ خطابٌ للنبي ﷺ ، والمراد به: كل مخاطب على الإطلاق؛ فدخل فيه غيره من الناس. وفيه تأويلان: أحدهما: نسبةُ الحسنة إلى الله، والسيئة إلى العبد؛ تأدُّبًا مع الله في

стр. 673

الكلام، وإن كان كلُّ شيء منه في الحقيقة؛ وذلك كقوله ﷺ : «والخير كله بيديك (١)، والشر ليس إليك» (٢)، وأيضًا فنسبة (٣) السيئة إلى العبد؛ لأنها بسبب ذنوبه؛ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فهي من العبد بتسبُّبِه (٤) فيها، ومن الله بالخلقة (٥) والاختراع. والثاني: أن هذا كلام القوم المذكورين قبلُ؛ والتقدير: يقولون كذا؛ فمعناها كمعنى التي قبلَها. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ هذه الآية من فضائل رسول الله ﷺ ، وإنما كانت طاعته طاعة الله؛ لأنه يأمر وينهى عن الله. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: مَنْ أعرض عن طاعتك فما أنت عليه بحفيظ تحفظ أعماله، بل حسابه وجزاؤه على الله. وفي هذا مُتاركةٌ وموادعة منسوخة بالقتال. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ أي: أمرنا وشأننا طاعةٌ لك. وهي في المنافقين بإجماع. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ بَيَّتَ: أي: دبَّر الأمرَ بالليل.

стр. 674

والضمير في ﴿تَقُولُ﴾: للمخاطب؛ وهو النبي ﷺ . أو للطائفة. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعاقبهم. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ حضٌّ على التفكر في معانيه؛ لتظهر أدلته وبراهينه. ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أي: تناقض؛ كما في كلام البشر، أو تفاوت في الفصاحة، لكن القرآن منزه عن ذلك؛ فدل على أنه كلام الله. وإن عَرَضت لأحدٍ شبهةٌ وظنَّ اختلافًا في شيء من القرآن فالواجب: أن يتَّهم نظره، ويسأل أهل العلم، ويطالع تواليفهم؛ حتى يَعْلَم أن ذلك ليس باختلاف. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ قيل: هم المنافقون. وقيل: قوم من ضعفاء المسلمين؛ كانوا إذا بلغهم خبر عن السرايا والجيوش أو غير ذلك أذاعوا به، أي تكلَّموا به وشهروه قبل أن يعلموا صحته، وكان في إذاعتهم له مفسدة على المسلمين، مع ما في ذلك من العجلة وقلة التثبت، فأنكر الله عليهم ذلك. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: لو ترك هؤلاء القوم الكلام بذلك الأمر الذي بلغهم، وردُّوه إلى

стр. 675

رسول الله ﷺ وإلى أولي الأمر (١)، وهم كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم = لعلمه القوم الذين يستنبطونه -أي: يستخرجونه- من الرسول وأولي الأمر. فـ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ على هذا: طائفة من المسلمين؛ يسألون عنه الرسول ﷺ وأولي الأمر. وحرف الجر في قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ لابتداء الغاية؛ وهو (٢) يتعلَّق بالفعل. والضمير المجرور يعود على: الرسول ﵇ وأولي الأمر. وقيل: إن ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ هم أولو الأمر؛ كما جاء في الحديث عن عمر ﵁: أنه سمع أن رسول الله ﷺ طلَّق نساءه، فدخل عليه، فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: «لا»، فقام على باب المسجد، فقال: إن رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه (٣). فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطتُّه. فعلى هذا: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ هم أولو الأمر. والضمير المجرور يعود عليهم، و ﴿مِنْهُمْ﴾ لبيان الجنس. واستنباطه على هذا: هو بسؤالهم عنه النبيَّ ﷺ .

стр. 676

أو بالنظر والبحث. واستنباطه على التأويل الأول: هو بسؤال الذين أذاعوه للرسول ﷺ ولأولي الأمر. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: هُداه وتوفيقه، أو بعثه للرَّسول (١)، وإنزاله للكتاب (٢). والخطاب في هذه الآية للمؤمنين. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلَّا اتباعًا قليلًا؛ فالاستثناء من المصدر، والمعنى: لولا فضل الله ورحمته لاتبعتم الشيطان إلَّا في أمورٍ قليلة كنتم لا تتبعونه فيها. وقيل: إنه استثناءٌ من الفاعل في ﴿لَاتَّبَعْتُمُ﴾؛ أي: إلَّا قليلًا منكم، وهم الذين كانوا قبل الإسلام غيرَ متَّبعين للشيطان؛ كورقة بن نوفل. والفضل والرحمة على هذا: بعث الرسول (٣) وإنزال الكتاب (٤). وقيل: إن الاستثناء من قوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ لما تثاقل بعض الناس عن القتال قيل هذا للنبي ﷺ ؛ أي: إن أفردوك فقاتلْ وحدَك؛ فإنما عليك ذلك.

стр. 677

﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليس عليك في شأن المؤمنين إِلَّا التحريض. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيل: "عسى" من الله واجبة. و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هنا: قريش، وقد كفَّهم الله بهزيمتهم في بدر وغيرها، وبفتح مكة. ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ أي: عقابًا وعذابًا. ﴿شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ هي الشفاعةُ في مسلم؛ لتُفرَّجَ عنه كربةٌ، أو تُدفَعَ (١) مظلمةٌ، أو يُجلَب إليه خيرٌ (٢)، والشفاعة السيئة بخلاف ذلك. وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الطاعة، والشفاعة السيئة: هي المعصية. والأول أظهر. والكِفْل: هو النَّصيب. ﴿مُقِيتًا﴾ قيل: قديرًا. وقيل: حفيظًا. وقيل: الذي يُقيت الحيوانَ؛ أي: يرزقهم القوتَ. ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ معنى ذلك: الأمر بردِّ السلام، والتخييرُ بين أن يردَّ بمثل ما سلَّم عليه أو بأحسنَ منه، والأحسنُ أفضل؛ مثل أن يقال له: "سلام عليك"، فيردُّ السلام ويزيد الرحمة، أو يزيد الرحمة والبركة.

стр. 678

وردُّ السلام واجب على الكفاية عند مالك والشافعي. وقال بعض الناس: هو فرض عين. واختلف في الردِّ على الكفار: فقيل: يردُّ عليهم؛ لعموم الآية. وقيل: لا يردُّ عليهم. وقيل: يقال لهم: «عليكم»؛ حسبما جاء في الحديث (١)، وهو مذهب مالك. ولا يُبتدؤون بالسلام. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ جواب قسمٍ محذوف، وتضمَّن معنى الحشر؛ ولذلك تعدَّى بـ «إلى». ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ لفظه استفهامٌ؛ ومعناه: لا أحدَ أصدقُ من الله.

стр. 679

[﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾]. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ «ما» استفهاميةٌ بمعنى التوبيخ، والخطاب للمسلمين. ومعنى ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أي: طائفتين مختلفتين، وهو منصوب على الحال. والمراد بالمنافقين هنا: ما قال ابن عباس: إنها نزلت في قوم كانوا بمكة مع المشركين؛ فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم منهم إلى الشام بتجارات، فاختلف المسلمون هل يقاتلونهم ليغنموا تجارتهم؛ لأنهم لم يهاجروا؟ أو هل يتركونهم لأنهم مؤمنون؟ وقال زيد بن ثابت: نزلت في المنافقين الذين رجعوا عن القتال يوم أحد، فاختلف الصحابة في أمرهم. ويردُّ هذا قوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.

стр. 680

﴿أَرْكَسَهُم﴾ أي: أضلَّهم وأهلكهم. ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ الضمير للمنافقين؛ أي: تمنَّوا أنْ تكفروا. ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ يريد به: الأسر. ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ الآية؛ استثناءٌ من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾. ومعناها: أنَّ مَنْ وصل من الكفار غير المعاهدين إلى الكفار المعاهدين - وهم الذين بينهم وبين المسلمين عهدٌ ومهادنة - فحكمه (١) كحكمهم في المسالمة وترك قتاله (٢)، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ بالقتال في أول سورة «براءة». قال السهيلي وغيره: ﴿الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾: هم بنو مُدْلِج بن كنانة ﴿إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: بنو خزاعة، فدخل بنو مدلج في صلح خزاعة مع رسول الله ﷺ (٣)، فمعنى: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾: ينتهون إليهم، ويدخلون فيما دخلوا فيه من المهادنة. وقيل: معنى ﴿يَصِلُونَ﴾: ينتسبون؛ وهذا ضعيف جدًّا؛ بدليل قتال رسول الله ﷺ لقريش، وهم أقاربه وأقارب المؤمنين؛ فكيف لا يقاتل أقارب الكفار المعاهدين!.

стр. 681

﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عطفٌ: على ﴿يَصِلُونَ﴾. أو على صفة ﴿قَوْمٍ﴾؛ وهي: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾. والمعنى يختلف على ذلك، والأول أظهر. و ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ في موضع الحال؛ بدليل قراءة يعقوب: «حَصِرَةً»، ومعناه: ضاقت عن القتال وكرهته. ونزلت الآية في قوم جاؤوا إلى المسلمين، وكرهوا أن يقاتلوا المسلمين، وكرهوا أيضًا أن يقاتلوا قومهم -وهم أقاربهم الكفار-، فأمر الله بالكفِّ عنهم، ثم نُسِخَ (١) أيضًا ذلك بالقتال. ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أي: سالموكم فلا تقاتلوهم، و ﴿السَّلَمَ﴾ هنا: الانقياد. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية؛ نزلت في قوم مخادعين، وهم من أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا؛ ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا؛ ليأمنوا قومهم. و ﴿الْفِتْنَةِ﴾ هنا: الكفر على الأظهر. وقيل: الاختبار.

стр. 682

[﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾]. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ نزلت بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد، وكان الحارث يُعذِّبُه على الإسلام، ثم أسلم وهاجر، ولم يعلم عياش بإسلامه فقتله. وقيل: إنَّ الاستثناء هنا منقطع؛ والمعنى: لا يَحلُّ لمؤمن أن يقتل مؤمنًا بوجه، لكن الخطأ قد يقع. والصحيح: أنه متصل؛ والمعنى: لا ينبغي لمؤمن ولا يليق به أن يقتل مؤمنًا إلَّا على وجه الخطإ، من غير قصدٍ ولا تعمُّدٍ؛ إذ هو مغلوبٌ فيه.

стр. 683

وانتصاب ﴿خَطَأً﴾ على أنه: مفعولٌ من أجله. أو حالٌ. أو صفةٌ لمصدر محذوف. ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ﴾ هذا بيانُ ما يجب على القاتل خطأً، فأوجب الله عليه التَّحريرَ والدية، فأما التحرير ففي مال القاتل، وأما الدية ففي مال عاقلته، وجاء ذلك عن النبي ﷺ (١)، وهو بيانٌ للآية؛ إذ لفظها يَحتمل ذلك وغيره، وأجمع الفقهاء عليه. واشترط مالك في الرَّقبة التي تُعتَق: أن تكون مؤمنةً، ليس فيها عقدٌ من عقود الحرية، سالمةً من العيوب. فأما إيمانها: فنصٌّ هنا؛ ولذلك أجمع العلماء عليه هنا، واختلفوا في رقبة الظِّهار وكفارة اليمين. وأما سلامتها من عقود الحرية: فيظهر من قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ لأنَّ ظاهرَه أنه ابتداءُ عتق عند التكفير بها. وأما سلامتها من العيوب: فزعموا أن إطلاق الرقبة يقتضيه؛ وفي ذلك نظر. ولم يبين في الآية مقدار الدية، وهي عند مالك: مئة من الإبل على أهل الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، واثنا عشر ألف درهم شرعية على أهل الوَرِق، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب.

стр. 684

﴿مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: مدفوعةٌ إليهم، والأهل هنا: الورثة. واختلف في مدَّة تسليمها: فقيل: هي حالةٌ عليهم. وقيل: يؤدونها في ثلاث سنين. وقيل: في أربع. ولفظ التَّسليم مطلقٌ؛ وهو أظهر في الحلول لولا ما جاء من السنة في ذلك. ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ الضمير يعود على أولياء المقتول؛ أي: إذا أسقطوا الدية سقطت. وإذا أسقطها المقتولُ سقطت أيضًا عند مالك والجمهور، خلافًا لأهل الظاهر؛ وحجَّتهم: عَودُ الضمير على الأولياء. وقال الجمهور: إنما هذا إذا لم يُسقِطها المقتولُ. ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ معنى الآية: أنَّ المقتولَ خطأً إن كان مؤمنًا وقومه كفارٌ (١) أعداءٌ - وهم المحاربون -، فإنما في قتله التَّحريرُ خاصةً دون الدية، فلا تُدفع لهم؛ لئلا يتقوَّوا بها على المسلمين. ورأى ابن عباس أن ذلك إنما هو فيمن آمن وبقي في دار الحرب لم يهاجر، وخالفه غيره.

стр. 685

ورأى مالك أن الدية في هذا لبيت المال؛ فالآية عنده منسوخةٌ. ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾ الآية؛ معناها: أن المقتول خطأً إن كان قومه كفارًا معاهدين ففي قتله تحريرُ رقبة والديةُ إلى أهله؛ لأجل معاهدتهم. والمقتول على هذا مؤمن؛ ولذلك قال مالك: لا كفارةَ في قتل الذِّمِّيِّ. وقيل: إن المقتول في هذه الآية كافرٌ؛ فعلى هذا: تجب الكفارة في قتل الذمي. وقيل: هي عامةٌ في المؤمن والكافر. ولفظ الآية مطلقٌ؛ إلا إنْ قيَّده قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في الآية التي قبلها، وقرأ الحسن هنا: "وهو مؤمن". ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي: من لم يجد العتق ولم يقدر عليه فصيام الشهرين المتتابعين عِوَضٌ منه. ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ منصوبٌ على المصدر؛ ومعناه: رحمةٌ منه وتخفيفًا. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية؛ نزلت بسبب مِقْيَسِ بن صُبابةَ؛ كان قد أخذ دية أخيه هشام المقتول خطأً، ثم قَتَل رجلًا من القوم الذين قتلوا أخاه وارتدَّ مشركًا، فأمر رسول الله ﷺ بقتله. والمتعمِّد عند الجمهور: هو الذي يقصد القتل بحديدٍ أو حجرٍ أو عصًا أو غير ذلك.

стр. 686

وهذه الآية مُعضِلةٌ على مذهب الأشعرية وغيرهم ممن يقول: لا يُخَلَّدُ عصاةُ المؤمنين في النار. واحتجَّ بها المعتزلة وغيرهم ممن يقول بتخليد العصاة في النار؛ لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾. وتأوَّلها الأشعرية بأربعة أوجه: أحدها: أنْ قالوا: إنها في الكافر إذا قَتَل مؤمنًا. والثاني: قالوا: معنى المتعمّد هنا: المستحلُّ للقتل؛ وذلك يؤول إلى الكفر. والثالث: قالوا: الخلود فيها ليست بمعنى الدَّوام الأبديِّ، وإنما هو عبارةٌ عن طول المدة. والرابع: أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وأما المعتزلة: فحملوها على ظاهرها، ورأوا أنها ناسخةٌ لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، واحتجوا على ذلك: بقول زيد بن ثابت: «نزلت الشديدة بعد الهيئة» (١)، وبقول ابن عباس: «الشرك والقتل من مات عليهما خُلِّد» (٢)، وبقول رسول الله ﷺ : «كلُّ ذنب عسى الله أن

стр. 687

يغفره، إلاَّ الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل المؤمن متعمِّدًا» (١)، وتقتضي الآية وهذه الآثار: أن للقتل حُكمًا يخصُّه من بين سائر المعاصي (٢). واختلف الناس في القاتل عمدًا إذا تاب؛ هل تقبل توبته أم لا؟.

стр. 688

وكذلك حكى ابن رُشْدٍ الخلافَ في القاتل إذا اقتُصَّ منه؛ هل يسقط عنه العقاب (١) في الآخرة أم لا؟ (٢). والصحيح: أنه يسقط عنه؛ لقول رسول الله ﷺ : «من أصاب ذنبًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة» (٣)، وبذلك قال جمهور العلماء. ﴿ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: سافرتم في الجهاد. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ من البيان. وقرئ: بالثاء المثلثة؛ من الثبات. والتفعُّل فيها بمعنى الاستفعال؛ أي: اطلبوا (٤) بيان الأمر أو (٥) ثبوته. ﴿أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ بغير ألف؛ أي: انقادَ وألقى بيده. وقرئ: ﴿السَّلَامَ﴾؛ بمعنى التحية. ونزلت في سريةٍ لقيت رجلًا فسلَّم عليهم، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، فشقَّ ذلك على رسول الله ﷺ . وكان القاتل: مُحَلِّمُ بن جثَّامة، والمقتول: عامرُ بن الأَضْبَط. وقيل: القاتل أسامة بن زيد، والمقتول: مِرْداس بن نَهِيك.

стр. 689

﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: الغنيمة، وكان للرجل المقتول غَنَمٌ. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ وعدٌ، وتزهيدٌ في غنيمة مَنْ أظهر الإسلام. ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: معناه: كنتم كفَّارًا، فهداكم الله للإسلام. وقيل: كنتم تخفون إيمانكم من قومكم، فمَنَّ الله عليكم بالعزة والنصر حتى أظهرتموه. ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ الآية؛ معناها: تفضيلُ المجاهدين على مَنْ لم يجاهد؛ وهم القاعدون. ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لما نزلت الآية قام ابن أمّ مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله هل من رخصة؛ فإني ضرير البصر؟ فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وقرى ﴿غَيْرُ﴾ بالحركات الثلاث: فالرفعُ؛ صفةٌ للقاعدين. والنصبُ؛ على الاستثناء، أو الحال. والخفض؛ صفةٌ للمؤمنين. ﴿دَرَجَةً﴾ قيل: هي تفضيلٌ على القاعدين من أهل العذر، والدرجات: على القاعدين بغير عذر. وقيل: إن الدرجات مبالغةٌ وتأكيدٌ للدرجة.

стр. 690

﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة. ﴿أَجْرًا﴾ منصوب: على الحال من ﴿دَرَجَاتٍ﴾ (١) أو على المصدرية من معنى ﴿فَضَّلَ﴾. وانتصب ﴿دَرَجَاتٍ﴾: على البدل من الأجر. أو بفعل مضمر. وانتصب ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ بإضمار فعليهما؛ أي: غفر لهم ورحمهم مغفرةً ورحمةً.

стр. 691

[﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية؛ نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا فلما كان يوم بدر خرجوا مع الكفار فَقُتِلوا؛ منهم: قيس بن الفاكه، والحارث بن زمعة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف. ويحتمل ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ أن يكون: ماضيًا، أو مضارعًا. وانتصب ﴿ظَالِمِي﴾ على الحال. ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم. ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ اعتذارٌ عن التوبيخ الذي وبَّخهم الملائكة؛ أي: لم نَقْدِر (١) على الهجرة، وكان اعتذارًا بالباطل. ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ ردٌّ عليهم، وتكذيبٌ لهم في اعتذارهم. ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أي: الذين كان استضعافُهم حقًّا، قال ابن عباس: كنت أنا وأبي وأمي ممن عنى الله بهذه الآية. ﴿مُرَاغَمًا﴾ أي: مُتَحَوَّلًا وموضعًا يُرغِم عدوَّه بالذَّهاب إليه.

стр. 692

﴿وَسَعَةً﴾ أي: اتساع في الأرض. وقيل: في الرزق. ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ﴾ أي: ثبت وصحَّ (١). ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ الآية؛ حكمها على العموم. ونزلت في ضَمْرَةَ بن العِيْس (٢) وكان من المستضعفين بمكة، وكان مريضًا فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني (٣)، فهيئ له فراشٌ فوُضع عليه وخرج، فمات في الطريق. وقيل: نزلت في خالد بن حزام؛ فإنه هاجر إلى أرض الحبشة، فنهشته حيةٌ في الطريق فمات قبل أن يصل إلى أرض الحبشة.

стр. 693

[﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾]. ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اختلف العلماء في تأويلها على خمسة أقوال: الأول: أنها في قَصْر الصلاة الرُّباعيَّة إلى ركعتين في السَّفر، وأن ذلك لا يجوز إلَّا في حال الخوف على ظاهر الآية، وهو قول عائشة وعثمان بن عفان ﵄. الثاني: أن الآية تقتضي ذلك، ولكن يؤخذ القصرُ في السفر دون الخوف من السُّنَّة، ويؤيد هذا: حديثُ يَعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنَّ الله يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وقد أمن الناس؟ فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا

стр. 694

صدقته» (١)، وقد ثبت أن النبي ﷺ قصر في السفر وهو آمن (٢). الثالث: أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ راجع إلى قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية التي بعد ذلك، والواو زائدة، وهذا بعيد. الرابع: أنها في صلاة الخوف؛ على قول مَنْ يرى أن تُصليَّ كلُّ طائفةٍ ركعةً خاصة، قال ابن عباس: فرضت الصلاةُ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. الخامس: أنها في صلاة المسايفة؛ فالقصر على هذا هو من هيئات الصلاة؛ كقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وإذا قلنا: إنها في القصر في السفر: فظاهرها: أن القصرَ رخصةٌ، والإتمام أفضل. وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: القصر أفضل. وقيل: إنهما سواءٌ. وأوجب أبو حنيفة القصر. وليس في لفظ الآية ما يدلُّ على مقدار المسافة التي يقصر فيها؛ لأن قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ معناه: السفر مطلقًا؛ ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفرٍ؛ طويلٍ أو قصيرٍ.

стр. 695

ومذهب مالك والشافعي: أن مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلًا؛ واحتجوا بآثار عن ابن عمر وابن عباس. وكذلك ليس في الآية ما يدلُّ على تخصيص القصر بسفر القُربة، أو السفر المباح دون سفر المعصية؛ فإنَّ لفظها مطلقٌ في السفر، ولذلك أجاز أبو حنيفة: القصر في سفر القربة، وفي المباح، وفي سفر المعصية. ومنعه مالك: في سفر المعصية. ومنعه ابن حنبل: في المعصية، وفي المباح (١). وللقصر أحكامٌ لا تتعلَّق بالآية؛ فأضربنا عن ذكرها. والمراد بالفتنة في هذه الآية: القتال والتعرُّض بما يُكرَه. ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية؛ في صلاة الخوف، وظاهرها يقتضي: أنها لا تُصلَّى بعد رسول الله ﷺ ؛ لأنه شَرَط كونه فيهم، وبذلك قال أبو يوسف. وأجازها الجمهور بعده ﷺ ؛ لأنهم رأوا أن الخطاب له يتناول أُمَّته، وقد فعلها الصحابة بعده ﵇. واختلف الناس في صفة صلاة الخوف على عشرة أقوال؛ لاختلاف الأحاديث فيها، ولسنا نضطرُّ إلى ذكرها؛ فإنَّ تفسيرها لا يتوقَّف على ذلك. وكانت صلاة رسول الله ﷺ لصلاة الخوف في غزوة ذات الرِّقاع.

стр. 696

﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُم مَعَكَ﴾ يقسم الإمام المسلمين على طائفتين؛ فيصلي بالأُولى نصف الصلاة، وتقف الأُخرى تحرس، ثم يصلي بالثانية بقية الصلاة، وتقف الأُولى تحرس. واختلف هل تُتِمُّ كلُّ طائفة صلاتها -وهو مذهب الجمهور-، أم لا؟ وعلى القول بالإتمام اختلف؛ هل يُتِمُّونها في إثر صلاتهم مع الإمام أو بعد ذلك؟ ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ اختلف مَنْ المأمور بأخذ الأسلحة؟. فقيل: الطائفة المصلِّية. وقيل: الحارسة. والأول أرجح؛ لأنه قد قال بعد ذلك في الطائفة الأخرى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. ويدلُّ ذلك على أنَّهم إن قوتلوا وهم في الصلاة جاز لهم أن يقاتلوا مَنْ قاتلهم؛ وإلاَّ لم يكن معنى لأخذ الأسلحة إذا لم يدفعوا بها مَنْ قاتلهم. ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ الضمير في قوله: ﴿سَجَدُوا﴾ للمصلين، والمعنى: إذا سجدوا معك في الركعة الأُولى. وقيل: إذا سجدوا في ركعة القضاء. والضمير في قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: [أ -] يحتمل أن يكون للذين سجدوا؛ أي: إذا سجدوا فليقوموا ولْيرجعوا وراءكم.

стр. 697

وعلى هذا: إن كان السجود هنا في الركعة الأولى: فيقتضي ذلك أنهم يقومون للحراسة بعد انقضاء الركعة الأولى، ثم يحتمل بعد ذلك أن يقضوا بقية صلاتهم أو لا يقضونها. وإن كان السجود ركعة القضاء: فيقتضي ذلك أنهم لا يقومون للحراسة إلا بعد القضاء، وهو مذهب مالك والشافعي. [ب -] ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ للطائفة الأخرى؛ أي: يقفون وراء المصلين يحرسونهم في حال سجودهم. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ يعني: الطائفة الحارسة. ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ إخبارٌ عما جرى في غزوة ذات الرقاع من عزم الكفار على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فنزل جبريل على النبي ﷺ ، وأخبره بذلك، وشُرعت صلاة الخوف؛ حذرًا من الكفار. وفي قوله تعالى: ﴿مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ مبالغةٌ؛ أي: مُستأصلةً لا يُحتاج معها إلى ثانية. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ الآية؛ نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف، كان مريضًا فوضع سلاحه فعنَّفه (١) بعض الناس، فرخص الله في وضع السلاح في حال المرض والمطر، ويُقاس عليهما: كلُّ عذر يَحدث في ذلك الوقت.

стр. 698

﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ إن قيل: كيف طابق الأمر بالحذر للعذاب المهين؟ فالجواب: أن الأمر بالحذر من العدو يقتضي توهُّمُ قوَّتَهم وعزَّتَهم، فنفى ذلك الوهم بالإخبار أن الله يُهينُهم ولا ينصرهم؛ لتقوى قلوب المؤمنين. قال ذلك الزمخشري (١). وإنما يصحُّ ذلك إذا كان العذاب المهين في الدنيا، والأظهر: أنه في الآخرة. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الآية؛ أي: إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بألسنتكم. وذكر القيام والقعود وعلى الجنوب؛ ليعمَّ جميع أحوال الإنسان. وقيل: المعنى: إذا تلبَّستم بالصلاة فافعلوها قيامًا، فإن لم تقدروا فقعودًا، فإن لم تقدروا فعلى جنوبكم. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: إذا اطمأننتم من الخوف فأقيموا الصلاة على هيئتها المعهودة. ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي: محدودًا بالأوقات. وقال ابن عباس: فرضًا مفروضًا. ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب الكفار.

стр. 699

﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ الآية؛ معناها: إن أصابكم ألمٌ من القتال فكذلك يصيب الكفارَ ألمٌ مثله، ومع ذلك فإنكم ترجون -إذا قاتلتموهم- النصرَ في الدنيا، والأجر في الآخرة، وذلك تشجيعٌ للمسلمين.

стр. 700

[﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾]. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يريد: بالوحي، أو بالاجتهاد أو بهما. وإذا تضمَّنت الاجتهاد؛ ففيها دليلٌ على إثبات النظر والقياس، خلافًا لمن منع ذلك من الظاهرية وغيرهم. ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ نزلت هذه الآية وما بعدها في قصة طُعْمَة ابن الأُبَيْرِق؛ إذ سَرَق طعامًا وسلاحًا لبعض الأنصار، وجاء قومُه إلى النبي ﷺ وقالوا: إنه بريء، ونسبوا السرقة إلى غيره، وظنَّ رسول الله ﷺ أنهم صادقون، فجادل عنهم؛ ليدفع ما نُسب إليهم، حتى نزل القرآن فافتُضحوا. فالخائنون في الآية: هم السُّراق بنو الأبيرق، وقال السهيلي: هم بِشْرٌ

стр. 701

وبُشَير ومُبشَّر وأَسير (١). ومعناها: لا تكن لأجل الخائنين مخاصمًا لغيرهم. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: مِنْ خِصامك عن الخائنين؛ على أنه ﷺ إنما تكلم على الظاهر وهو يعتقد براءتهم. ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يُدبّرون ليلًا، وإنما سُمِّي التدبير قولًا؛ لأنه كلامُ النفس، وربما كان معه كلام باللسان. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ قيل: إن الخطيئة تكون عن عمدٍ وعن غير عمدٍ، والإثم لا يكون إلّا عن عمد. وقيل: هما بمعنى (٢)؛ وكُرّر لاختلاف اللفظ. ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ كان القوم قد نسبوا السرقة إلى لَبِيد بن سهل. ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ هم الذين جاؤوا إلى النبي ﷺ وأبرؤوا ابنَ الأبيرق من السرقة. وهذه الآيات (٣)، وإن كانت إنما نزلت بسبب هذه القصة؛ فهي أيضًا تتضمَّن أحكامَ غيرِها. وبقية الآية تشريفٌ للنبي ﷺ ، وتقرير لنِعَم الله عليه.

стр. 702

[﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾]. ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ إن كانت النجوى هنا بمعنى: الكلام الخفي؛ فالاستثناء الذي بعد هذا منقطع. وقد يكون متَّصلًا؛ على حذف مضاف تقديره: إِلَّا نجوى مَنْ أمر. وإن كانت النجوى بمعنى: الجماعة؛ فالاستثناء متصلٌ.

стр. 703

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يُعاديه؛ والشِّقاق: هو العداوة. ونزلت الآية بسبب ابن الأبيرق؛ لأنه ارتدَّ وسار إلى المشركين ومات على الكفر، وهي عامةٌ فيه وفي غيره. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ استدلَّ الأصوليون بهذا (١) على صحة إجماع المسلمين، وأنه لا تجوز مخالفته؛ لأن مَنْ خالفه اتَّبع غير سبيل المؤمنين. وفي ذلك نظر. ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نتركه مع اختياره الفاسد. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قد تقدَّم الكلام على نظيرتها (٢). ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ للكفار. ومعنى ﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون. واختُلف في الإناث هنا: فقيل: هي الأصنام؛ لأن العرب كانت تسمِّي الأصنام بأسماء مؤنثة، كاللَّات والعزى. وقيل: المراد: الملائكة؛ لقول الكفار: إنهم إناثٌ، وكانوا يعبدونهم؛ فذكر ذلك على وجه إقامة الحجة عليهم بقولهم الفاسد. وقيل: المراد: الأصنام؛ لأنها لا تَعْقِل، فيُخبَر عنها كما يُخبَر عن المؤنث.

стр. 704

﴿إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ يعني: إبليس، وإنما قال: إنهم يعبدونه؛ لأنهم يطيعونه في الكفر والضلال. والمريد: هو الشديدُ العُتُوِّ والإضلال. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفة للشيطان. ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الضمير في ﴿قَالَ﴾ للشيطان. و ﴿مَفْرُوضًا﴾ أي: فَرَضْتُهُ لنفسي؛ من قولك: فَرَضَ للجندِ وغيرهم، والمراد بهم: أهلُ الضلال. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أَعِدُهم الأمانيَّ الكاذبة. ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: يُقَطِّعونها، والإشارةُ بذلك إلى البَحيرة وشبهها. ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ التَّغيير: هو الخِصاءُ وشِبهُه؛ وقد رخَّص جماعة من العلماء في خِصاء البهائم إذا كان فيه منفعةٌ، ومَنَعَه بعضُهم؛ لظاهر الآية. وقيل: التغيير: هو الوَشْمُ وشِبهُه؛ ويدلُّ على هذا الحديثُ الذي لعن فيه الواشماتِ، والمستوشماتِ، والمتنمصاتِ، والمتفلجاتِ للحسنِ، المغيراتِ خلق الله (١). ﴿مَحِيصًا﴾ أي: مَعدِلًا ومَهْرَبًا.

стр. 705

﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران: الأول: مؤكِّد للوعد الذي يقتضيه قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾. والثاني: مؤكِّد لـ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية؛ اسم «ليس» مضمر؛ تقديره: «الأمرُ» وشبهه. والخطاب للمسلمين، وقيل: للمشركين. أي: لا يكون ما تتمنَّون (١)، ولا ما يتمنَّى أهل الكتاب، بل يحكم الله بين عباده، ويجازيهم بأعمالهم. ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وعيدٌ حتمٌ في الكفار، ومقيَّدٌ بمشيئة الله في المسلمين. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ دخلت «مِنْ» للتبعيض؛ رفقًا بالعباد؛ لأن الصالحات على الكمال لا يُطيقها البشر. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تقييدٌ باشتراط الإيمان؛ فإنه لا يقبل عملٌ إلَّا به. ﴿نَقِيرًا﴾ هو النُّقْرَة التي في ظهر نواة التمرة، والمعنى: تمثيلٌ بأقلِّ الأشياء. ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: دينَ الإسلام. ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ: من المتَّبِع، أو من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي: صفيًّا؛ وهو مشتقٌّ من الخُلَّة بمعنى المودَّة، وفي ذلك تشريفٌ لإبراهيم، وترغيبٌ في اتِّباعه.
следующие страницы →