وبُشَير ومُبشَّر وأَسير (١).
ومعناها: لا تكن لأجل الخائنين مخاصمًا لغيرهم.
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: مِنْ خِصامك عن الخائنين؛ على أنه ﷺ إنما تكلم على الظاهر وهو يعتقد براءتهم.
﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يُدبّرون ليلًا، وإنما سُمِّي التدبير قولًا؛ لأنه كلامُ النفس، وربما كان معه كلام باللسان.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ قيل: إن الخطيئة تكون عن عمدٍ وعن غير عمدٍ، والإثم لا يكون إلّا عن عمد.
وقيل: هما بمعنى (٢)؛ وكُرّر لاختلاف اللفظ.
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ كان القوم قد نسبوا السرقة إلى لَبِيد بن سهل.
﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ هم الذين جاؤوا إلى النبي ﷺ وأبرؤوا ابنَ الأبيرق من السرقة.
وهذه الآيات (٣)، وإن كانت إنما نزلت بسبب هذه القصة؛ فهي أيضًا تتضمَّن أحكامَ غيرِها.
وبقية الآية تشريفٌ للنبي ﷺ ، وتقرير لنِعَم الله عليه.
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: يُعاديه؛ والشِّقاق: هو العداوة.
ونزلت الآية بسبب ابن الأبيرق؛ لأنه ارتدَّ وسار إلى المشركين ومات على الكفر، وهي عامةٌ فيه وفي غيره.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ استدلَّ الأصوليون بهذا (١) على صحة إجماع المسلمين، وأنه لا تجوز مخالفته؛ لأن مَنْ خالفه اتَّبع غير سبيل المؤمنين. وفي ذلك نظر.
﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نتركه مع اختياره الفاسد.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قد تقدَّم الكلام على نظيرتها (٢).
﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾ للكفار.
ومعنى ﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون.
واختُلف في الإناث هنا:
فقيل: هي الأصنام؛ لأن العرب كانت تسمِّي الأصنام بأسماء مؤنثة، كاللَّات والعزى.
وقيل: المراد: الملائكة؛ لقول الكفار: إنهم إناثٌ، وكانوا يعبدونهم؛ فذكر ذلك على وجه إقامة الحجة عليهم بقولهم الفاسد.
وقيل: المراد: الأصنام؛ لأنها لا تَعْقِل، فيُخبَر عنها كما يُخبَر عن المؤنث.
стр. 704
﴿إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ يعني: إبليس، وإنما قال: إنهم يعبدونه؛ لأنهم يطيعونه في الكفر والضلال.
والمريد: هو الشديدُ العُتُوِّ والإضلال.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفة للشيطان.
﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الضمير في ﴿قَالَ﴾ للشيطان.
و ﴿مَفْرُوضًا﴾ أي: فَرَضْتُهُ لنفسي؛ من قولك: فَرَضَ للجندِ وغيرهم، والمراد بهم: أهلُ الضلال.
﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أَعِدُهم الأمانيَّ الكاذبة.
﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: يُقَطِّعونها، والإشارةُ بذلك إلى البَحيرة وشبهها.
﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ التَّغيير: هو الخِصاءُ وشِبهُه؛ وقد رخَّص جماعة من العلماء في خِصاء البهائم إذا كان فيه منفعةٌ، ومَنَعَه بعضُهم؛ لظاهر الآية.
وقيل: التغيير: هو الوَشْمُ وشِبهُه؛ ويدلُّ على هذا الحديثُ الذي لعن فيه الواشماتِ، والمستوشماتِ، والمتنمصاتِ، والمتفلجاتِ للحسنِ، المغيراتِ خلق الله (١).
﴿مَحِيصًا﴾ أي: مَعدِلًا ومَهْرَبًا.
стр. 705
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران:
الأول: مؤكِّد للوعد الذي يقتضيه قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾.
والثاني: مؤكِّد لـ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية؛ اسم «ليس» مضمر؛ تقديره: «الأمرُ» وشبهه. والخطاب للمسلمين، وقيل: للمشركين.
أي: لا يكون ما تتمنَّون (١)، ولا ما يتمنَّى أهل الكتاب، بل يحكم الله بين عباده، ويجازيهم بأعمالهم.
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وعيدٌ حتمٌ في الكفار، ومقيَّدٌ بمشيئة الله في المسلمين.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ دخلت «مِنْ» للتبعيض؛ رفقًا بالعباد؛ لأن الصالحات على الكمال لا يُطيقها البشر.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تقييدٌ باشتراط الإيمان؛ فإنه لا يقبل عملٌ إلَّا به.
﴿نَقِيرًا﴾ هو النُّقْرَة التي في ظهر نواة التمرة، والمعنى: تمثيلٌ بأقلِّ الأشياء.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: دينَ الإسلام.
﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ: من المتَّبِع، أو من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي: صفيًّا؛ وهو مشتقٌّ من الخُلَّة بمعنى المودَّة، وفي ذلك تشريفٌ لإبراهيم، وترغيبٌ في اتِّباعه.
وقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ يعني: لجمالهنَّ ومالهنَّ من غير توفيةِ حقوقهنَّ، فنهاهم الله عن ذلك في قوله أوّل السورة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية، وهذه هي التي تُليت عليهم في يتامى النساء.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ عطفٌ على: ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾؛ أي: والذي يُتلى في المستضعفين من الولدان؛ وهو قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾؛ لأن العرب كانت لا تُوَرِّثُ البنتَ ولا الابن الصغير، فأمر الله أن يأخذوا نصيبهم من الميراث.
﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ عطفٌ على: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أي: والذي يُتلى عليكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط.
ويجوز أن يكون منصوبًا (١)؛ تقديره: ويأمركم أن تقوموا.
والخطاب في ذلك: للأولياء والأوصياء، أو للقضاة وشبههم.
والذي تُلي (٢) عليهم في ذلك هو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] إلى غير ذلك.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ معنى الآية: إباحةُ الصُّلح بين الزوجين إذا خافت النُّشورَ أو الإعراض، وكما يجوز الصلح مع الخوف؛ كذلك يجوز بعد وقوع
стр. 708
النشوز أو (١) الإعراض.
وقد تقدَّم معنى النشوز (٢)، وأما الإعراض فهو أخفُّ منه.
ووجوه الصلح كثيرةٌ؛ منها: أن يعطيها الزوج شيئًا، أو تعطيه هي، أو تسقط حقَّها من النفقة أو الاستمتاع أو غير ذلك.
وسبب الآية: أن سَودةَ بنت زَمْعة لما كَبِرَتْ خافت أن يطلِّقها رسول الله ﷺ ، فقالت له: أمسكني في نسائك ولا تَقْسِم لي، وقد وهبتُ يومي لعائشة.
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ لفظٌ عامٌ؛ يدخل فيه صُلح الزوجين وغيرهما.
وقيل: معناه: صلح الزوجين خيرٌ من فراقهما؛ فـ ﴿خَيْرٌ﴾ على هذا للتفضيل، واللام في ﴿وَالصُّلْحُ﴾ للعهد.
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ معناه: أن الشحَّ جُعِل حاضرًا مع النفوس لا يَغيب عنها؛ لأنها جُبِلت عليه.
والشُّحُّ: هو أن لا يسمح الإنسانُ لغيره بشيءٍ من حظوظ نفسه.
وشُحُّ المرأة من (٣) هذا: هو طلبها لحقِّها من النفقة والاستمتاع.
وشُحُّ الزوج: هو منع الصَّداق، أو التضييق في النفقة، وزهده في المرأة؛ لكِبَر سنِّها أو قُبْح صورتها.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ معناه: العدلُ التامُّ الكامل في
стр. 709
الأقوال والأفعال والمحبّة وغير ذلك، فرفع الله ذلك عن عباده؛ فإنهم لا يستطيعونه، وقد كان رسول الله ﷺ يَقْسِمُ بين نسائه ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك؛ فلا تؤاخذني فيما (١) لا أملك» (٢) يعني: مَيْلَه بقلبه.
وقيل: إنَّ الآية نزلت في ميله ﷺ بقلبه إلى عائشة.
ومعناها: اعتذارٌ من الله تعالى عن عباده.
﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: لا ذات زوج ولا مطلَّقة.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ الآية؛ معناها: إن تفرَّق الزوجان بطلاقٍ أغنى الله كلَّ واحدٍ منهما من فضله عن صاحبه، وهذا وعدٌ بخير وتأنيسٌ.
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ الآية؛ إخبارٌ أنَّ الله وصَّى الأوَّلين والآخرين بأن يتقوه.
﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أي: بقومٍ غيركم، وروي أنَّ النبي ﷺ لما نزلت ضرب بيده على كَتِف سلمان الفارسي، وقال: «هم قوم هذا» (٣).
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ الآية؛ تقتضي الترغيب في طلب ثواب الآخرة؛ لأنه خيرٌ من ثواب الدنيا.
وتقتضي -أيضًا- أن يُطلَب ثوابُ الدنيا والآخرة من الله وحده؛ فإنَّ ذلك بيده لا بيد غيره.
стр. 710
وعلى أحد هذين الوجهين يَرتبط الشرطُ بجوابه:
فالتقدير على الأول: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يَقتَصِرْ عليه خاصةً؛ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
وعلى الثاني: من كان يريد ثواب الدنيا فليطلبه من الله؛ فعنده ثواب الدنيا والآخرة.
يكن المشهودُ عليه غنيًّا فلا يَمتنِعُ (١) من الشهادة عليه تعظيمًا له، وإن كان فقيرًا فلا يَمتنعُ (٢) من الشهادة عليه إشفاقًا عليه؛ فإنَّ اللهَ أولى بالغني والفقير؛ أي: بالنظر لهما.
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ «أنْ» مفعولٌ من أجله، ويحتمل أن يكون المعنى:
مِنَ العدل؛ فالتقدير: إرادةَ أن تعدِلوا بين الناس.
أو من العُدول؛ فالتقدير: كراهةَ أن تعدِلوا عن الحقِّ.
﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قيل: إنَّ الخطاب للحُكَّام.
وقيل: للشهود.
واللفظ عامٌّ في الوجهين.
واللَّيُّ: هو تحريف الكلام.
أي: إن تَلْوُوا عن الحكم بالعدل أو عن الشهادة بالحقِّ، أو تُعْرِضوا عن صاحب الحق، أو عن المشهود (٣) له فإنَّ الله يُجازيكم؛ فإنه خبير بما تعملون.
وقرئ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بضم اللام؛ من الولاية؛ أي: إن وَلِيتُم إقامة الشهادة، أو أعرضتم عنها.
стр. 713
﴿آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآية؛ خطابٌ للمسلمين، معناه:
الأمر بأن يكون إيمانهم على الكمال بكلِّ ما ذُكر.
أو يكونُ أمرًا بالدَّوام على الإيمان.
وقيل: خطابٌ لأهل الكتاب الذين آمنوا بالأنبياء المتقدِّمين، معناه: الأمر بأن يؤمنوا مع ذلك بمحمد ﷺ .
وقيل: خطابٌ للمنافقين، معناه: الأمر بأن يؤمنوا بألسنتهم وقلوبهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية؛ قيل: هي في المنافقين؛ لتردُّدهم بين الإيمان والكفر.
وقيل: في اليهود والنصارى؛ لأنهم آمنوا بأنبيائهم ثم (١) كفروا بمحمد ﷺ .
والأول أرجح؛ لأنَّ الكلام من هنا فيهم.
والأظهر: أنها فيمن آمن بمحمد ﷺ ، ثم ارتدَّ، ثم عاد إلى الإيمان، ثم ارتدَّ وزاد كفرًا.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ذلك فيمن عَلِمَ اللهُ أنه يموت على كفره، وقد يكون إضلالهم عقابًا لهم بسوء أفعالهم.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية؛ إشارةٌ إلى قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] وغيرها.
стр. 714
وفي الآية دليلٌ على وجوب تجنُّب أهل المعاصي.
والضمير في قوله: ﴿مَعَهُمْ﴾ يعود على: ما يدلُّ عليه سياق الكلام مِنْ الكافرين والمنافقين.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ صفةٌ للمنافقين؛ أي: ينتظرون بكم دوائرَ الزمان.
﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: نَغْلِبْ على أمركم بالنُّصرة لكم والحَمِيَّة.
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال علي بن أبي طالب وغيره: ذلك في الآخرة.
وقيل: السبيل هنا: الحجة الغالبة (١).
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ أي: في الطبقة السُّفلى من جهنم، وهي سبعُ طبقاتٍ.
وفي ذلك دليلٌ على أنهم شرٌّ من الكفار.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناءٌ من المنافقين، والتوبة هنا: الإيمان الصَّادق في الظاهر والباطن.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ المعنى: أيُّ حاجةٍ أو منفعةٍ لله بعذابكم وهو الغنيُّ عنكم!.
وقدَّم الشكر على الإيمان؛ لأنَّ العبد ينظر إلى النعم فيشكر عليها ثم يؤمن بالمنعم، فكأنَّ الشكر سببٌ للإيمان متقدِّمٌ عليه.
ويحتمل أن يكون الشكر يتضمَّن الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعده توكيدًا واهتمامًا به.
والشَّاكر اسم الله، ذُكِر في «اللغات» (١).
﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ أي: إلَّا جَهْرَ المظلوم، فيجوز له من الجهر:
أن يدعو على مَنْ ظلمه.
وقيل: أن يَذكر ما فُعل به من الظُّلم.
وقيل: أن يَرُدَّ عليه بمثل مظلمته إن كان شتمه.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية؛ ترغيبٌ في فعل الخير سرًّا وعلانية،
стр. 717
وفي العفو عن الظلم بعد أن أباح الانتصار؛ لأن العفو أحبُّ إلى الله من الانتصار، وأكّد ذلك بوصفه تعالى نفسه بالعَفُوّ مع القُدرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ الآية؛ (١) في اليهود والنصارى؛ لأنهم آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمحمد ﷺ وغيره.
ومعنى التَّفريق بين الله ورسله: الإيمانُ به والكفر برسله.
وكذلك التفريق بين الرُّسل: هو الكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم، فحَكم الله على مَنْ كان كذلك بحُكم الكفر الحقيقيّ الكامل.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؛ في أمة محمد ﷺ ؛ لأنهم آمنوا بالله وجميع رسله.
ثم ذكر أفعالهم القبيحة؛ ليبين أنَّ كفرهم إنما هو عنادٌ، وقد تقدَّم في «البقرة» (١) ذكرُ طلبهم للرؤية، واتخاذهم العجلَ، ورفع الطور فوقهم، واعتدائهم في السَّبت وغير ذلك مما أشير إليه هنا.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ﴾ «ما» زائدةٌ؛ للتأكيد، والباء تتعلَّق:
بمحذوف؛ تقديره: بسبب نقضهم فعَلْنا بهم ما فعلنا.
أو تتعلَّق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾، ويكون ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ -على هذا- بدلًا من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾.
﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ هو أنْ رَمَوْا مريم بالزِّنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عدَّ اللهُ في جملة قبائحهم قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾؛ لأنهم قالوها افتخارًا وجرأةً مع أنهم كذَّبوا في ذلك، ولزمهم الذنبُ وهم لم يقتلوه؛ لأنهم صلبوا الشخص الذي أُلْقِي شَبَهُه عليه، وهم يعتقدون أنه عيسى.
وروي أن عيسى قال للحواريين: أيُّكم يُلْقَى عليه شَبَهِي فيُقتَل ويكون رفيقي في الجنة؟ فقال أحدهم: أنا، فأُلْقِي عليه شَبَهُ عيسى فقُتِل على أنه عيسى.
وقيل: بل دلَّ على عيسى يهوديٌّ، فألقى اللهُ شَبَه عيسى على اليهودي،
стр. 720
فَقُتِلَ اليهوديُّ، ورُفِعَ عيسى إلى السماء حيًّا، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدَّجَّال.
﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ إن قيل: كيف قالوا فيه ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وهم يكفرون به ويسبُّونه؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم قالوا ذلك على وجه التهكُّم والاستهزاء.
والثاني: أنهم قالوه على حسَب اعتقاد المسلمين فيه؛ كأنهم قالوا: رسول الله عندكم أو بزعمكم.
الثالث: أنه من قول الله لا من قولهم؛ فيوقف قبله، وفائدته: تعظيم ذنبهم، وتقبيح قولهم: إنا قتلناه.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ردٌّ عليهم وتكذيبٌ لهم وللنصارى أيضًا في قولهم: إنه صُلِب؛ حتى عبدوا الصَّليب من أجل ذلك، والعجب كلُّ العجب من تناقضهم في قولهم: إنه إلهٌ أو ابن إله، ثم يقولون: إنه صُلِب!.
﴿وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: ما ذكرناه من إلقاء شَبَهه على الحواريِّ، أو على اليهودي.
والآخر: أنَّ معناه: شُبِّه لهم الأمرُ؛ أي: خَلط لهم القومُ الذين حاولوا قتله؛ فإنهم قتلوا رجلًا آخر وصلبوه ومنعوا الناس أن يقربوا منه، حتى تغيَّر بحيث لا يُعرف، وقالوا للناس: هذا عيسى، ولم يكن عيسى، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمِّدين للكذب.
стр. 721
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ روي أنه لما رُفع عيسى وأُلقي شبهُه على غيره فقتلوه قالوا: إن كان هذا المقتولُ عيسى فأين صاحبُنا؟، وإن كان هذا صاحبَنا فأين عيسى؟ فاختلفوا، فقال بعضهم: هو هو، وقال بعضهم: ليس هو، فأجمعوا أنَّ شخصًا قُتِل، واختلفوا مَنْ كان.
﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناءٌ منقطع؛ لأنَّ العلم تحقيقٌ والظن تردُّدٌ.
وقال ابن عطية: هو متَّصلٌ؛ إذ الظنُّ والعلم يجمعهما جنسُ المعتقدات (١).
فإن قيل: كيف وصفهم بالشكِّ وهو تردُّدٌ بين احتمالين على السَّواء، ثم وصفهم بالظنِّ وهو ترجيحُ أحد الاحتمالين؟
فالجواب: أنهم كانوا على الشكِّ، ثم لاحتْ لهم أمارةٌ فظنُّوا. قاله الزمخشري (٢).
وقد يقال: الظنُّ بمعنى الشك، وبمعنى الوَهْم الذي هو أضعف من الشك.
﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: ما قتلوه قتلًا يقينًا؛ فإعراب ﴿يَقِينًا﴾ على هذا: صفةٌ لمصدر محذوف.
وقيل: هو مصدرٌ في موضع الحال؛ أي: ما قتلوه متيقِّنين.
وقيل: هو تأكيدٌ للنفي الذي في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾؛ أي: تيقَّنَ نفيُ قتله، وهو على هذا منصوبٌ على المصدرية.
стр. 722
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى سمائه (١)، وقد ورد في حديث الإسراء أنه في السماء الثانية (٢).
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فيها تأويلان:
أحدهما: أنَّ الضمير في ﴿مَوْتِهِ﴾ لعيسى، والمعنى: أنَّ كلَّ أحدٍ من أهل الكتاب يؤمن بعيسى حين ينزلُ إلى الأرض، قبل أن يموت عيسى، وتصيرُ الأديانُ كلُّها حينئذٍ دينًا واحدًا، وهو دين الإسلام.
والثاني: أنَّ الضمير في ﴿مَوْتِهِ﴾ للكتابي الذي تضمَّنه قولُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، التقدير: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلَّا ليؤمننَّ بعيسى ويَعلَمُ أنه نبيٌّ قبل أن يموت هذا الإنسان؛ وذلك حين معاينة الموت، وهو إيمانٌ لا ينفعه، وقد رُوي هذا المعنى عن ابن عباس وغيره.
وفي مصحف أبيِّ بن كعب: «قبل موتهم»، وفي هذه القراءة تقويةٌ للقولِ الثاني.
والضمير في ﴿بِهِ﴾: لعيسى على الوجهين.
وقيل: هو لمحمد ﷺ .
﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ يَحتملُ أن يكون:
بمعنى الإعراض؛ فيكون ﴿كَثِيرًا﴾ صفةً لمصدر محذوف؛ تقديره: صدًّا كثيرًا.
стр. 723
أو بمعنى صدّهم لغيرهم؛ فيكون ﴿كَثِيرًا﴾ مفعولًا بالصدّ؛ أي: صَدُّوا كثيرًا من الناس عن سبيل الله.
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ هم عبد الله بن سلام، ومُخَيْرِيق، ومَن جرى مجراهم.
﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ منصوبٌ على المدح بإضمارِ فعلٍ، وهو جائزٌ كثيرٌ في الكلام.
وقالت عائشة: هو من لحن كُتَّاب المصحف (١).
وفي مصحف ابن مسعود: «والمقيمون» على الأصل.
﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ تصريح بالكلام، مؤكَّد بالمصدر، وذلك دليل على بطلان قول المعتزلة: إنَّ الشجرة هي التي كَلَّمت موسى.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾ منصوب:
بفعل مضمر.
أو على البدل.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي: بعثهم الله ليقطع حجَّة مَنْ يقول: لو أرسل إليَّ رسولٌ لآمنت.
﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ﴾ الآية؛ معناها: أنَّ الله يشهد بأن القرآن من عنده، وكذلك تشهد الملائكة بذلك.
وسبب الآية: إنكارُ اليهود للوحي، فجاء الاستدراك؛ على تقدير أنهم قالوا: لن نشهدَ بما أُنزل إليك، فقيل: لكن الله يشهد بذلك.
وفي الآية من أدوات البيان: التَّرديد، وهو ذكر الشهادة أوَّلًا، ثم ذكرها في آخر الآية.
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ في هذا دليلٌ لأهل السنة على إثبات علم الله، خلافًا للمعتزلة في قولهم: إنه عالم بلا علم، وقد تأوَّلوا الآية بتأويلٍ بعيد.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ عام؛ لأن النبي ﷺ بُعث إلى جميع الناس.
﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ انتصب ﴿خَيْرًا﴾ هنا، وفي قوله: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾:
بفعلٍ مضمر لا يظهر؛ تقديره: ائتوا خيرًا لكم. هذا مذهب سيبويه.
стр. 726
وقال الخليل: انتصب بقوله: ﴿فَآمِنُوا﴾ و ﴿انتَهُوا﴾ على المعنى.
وقال الفرَّاء: فآمنوا إيمانًا خيرًا لكم؛ فنصبه على النعت لمصدر محذوف.
وقال بعض الكوفيين: هو خبر «كان» المحذوفة؛ تقديره: يكن الإيمان خيرًا لكم.
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو غنيٌّ عنكم، لا يضرُّه كفرُكم.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ هذا خطابٌ للنصارى؛ لأنهم غلوْا في عيسى حتى كفروا، فلفظ «أهل الكتاب» عمومٌ يراد به الخصوص في النصارى؛ بدليل ما بعد ذلك.
والغلو: هو الإفراط وتجاوز الحد.
﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي: مكونٌ عن كلمته التي هي «كن»، من غير واسطة أبٍ ولا نطفة.
﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: ذو روحٍ من الله، فـ «من» هنا: لابتداء الغاية، والمعنى: من عند الله.
وجعله من عند الله؛ لأن الله أرسل به جبريل ﵇ إلى مريم.
﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ نهيٌّ عن التثليث الخبيث، وهو مذهب النصارى.
وإعراب ﴿ثَلَاثَةٌ﴾: خبر ابتداء مضمر.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ برهانٌ على تنزيهه تعالى عن الولد؛ لأنه مالك كل شيء.
стр. 727
[﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾].
﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ﴾ لن يأنف. وكذلك (١) حيث وقع.
﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيه دليل لمن قال: إنَّ الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لأنَّ المعنى: لن يستنكف عيسى ولا مَنْ فوقه.
﴿قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ﴾ هو القرآن، وهو أيضًا النور المبين.
ويحتمل أن يريد بالبرهان: الدلائل والحجج، وبالنور: النبي ﷺ ؛ لأنه سمَّاه سراجًا.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: يطلبون منك الفتيا.
ويحتمل أن يكون هذا الفعل:
طالبًا للكلالة، و ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ أيضًا طالبًا لها؛ فيكون من باب الإعمال،
стр. 728
وأُعْمِل العامل الثاني على اختيار البصريين.
أو يكون ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ مقطوعًا عن ذلك؛ فيوقف عليه. والأول أظهر.
وقد تقدَّم معنى الكلالة في أوَّل السورة (١).
والمراد بالأخت والأخ هنا: الشقائق، والذين للأب إذا عَدِم الشقائقُ، وقد تقدَّم حكم الإخوة للأمِّ في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الآية.
﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ارتفع بفعل مضمر عند البصريين.
ولا إشكال فيما ذُكر هنا من أحكام المواريث.
﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ مفعول من أجله؛ تقديره: كراهةَ أن تَضِلُّوا.
ونكاح وعتق وشبه ذلك.
وقيل: ما عقده مع ربه من الطاعات، كالحج والصيام وشبه ذلك.
وقيل: ما عقده الله عليهم من التحليل والتحريم في دينه؛ ذُكر مجملًا ثم فُصّل بعد ذلك في قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾ وما بعده.
﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ هي: الإبل والبقر والغنم.
وإضافة البهيمة إليها من باب إضافة الشيء إلى ما هو أخصُّ منه؛ لأن البهيمة تقع على الأنعام وغيرها.
قال الزمخشري: هي الإضافة التي بمعنى «من»، كخاتمٍ من حديد؛ أي: البهيمة من الأنعام (١).
وقيل: هي الوحش؛ كالظِّباء، وبقر الوحش.
والمعروف من كلام العرب: أن الأنعام لا يقع إلا على الإبل والبقر والغنم، وأن البهيمة تقع على كل حيوانٍ ما عدا الإنسان.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يريد: الميتة وأخواتها.
﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ نُصب على الحال من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾.
﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ حال من ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾.
و ﴿حُرُمٌ﴾ جمع حرام؛ وهو المُحْرِم بالحج.
стр. 731
فالاستثناء بـ «إلَّا» من البهائم المحلَّلة، والاستثناء بـ «غير» من القوم المخاطبين.
﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قيل: هي مناسك الحج؛ كان المشركون يحجون ويعتمرون، فأراد المسلمون أن يُغيروا عليهم، فقيل لهم: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا تُغيروا عليهم ولا تصدُّوهم.
وقيل: هي الحَرَم، وإحلالُه: الصيد فيه.
وقيل: هي ما يَحرُم على الحاج من النساء والصيد (١) وغير ذلك، وإحلالُه: فعله.
﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ قيل: هو جنس الأشهر الحُرُم الأربعة؛ وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم.
وقيل: أشهر الحج؛ وهي: شوال، وذو قعدة، وذو الحجة. وإحلالها: هو القتال فيها، وتغيير حالها.
﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ هو ما يُهدى إلى البيت الحرام من الأنعام، ويُذبح تقرُّبًا إلى الله، فنهى الله أن يُستحلَّ؛ بأن يُغار عليه، أو يُصَدَّ عن البيت.
﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ قيل: هي التي تُعلَّق في أعناق الهدي؛ فنهى عن التعرض لها.
وقيل: أراد: ذواتِ القلائد من الهدي؛ وهي البُدْن، وجرَّدَها بالذِّكر بعد دخولها في الهدي؛ اهتمامًا بها وتأكيدًا لأمرها.
стр. 732
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: القاصدين إلى البيت لحجّ أو عمرة، نهى الله عن الإغارة عليهم أو صدّهم عن البيت.
ونزلت الآية - على ما قال السهيلي - بسبب الحُطَم البَكْرِيّ - واسمه: شريح بن ضُبيعة - (١)، أخذته خيل رسول الله ﷺ وهو يقصد إلى الكعبة ليعتمر (٢).
وهذا النهي عن إحلال هذه الأشياء عامٌّ في المسلمين والمشركين، ثم نُسخ النهي عن قتال المشركين بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وبقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وبقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧].
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ الفضل: الربح في التجارة، والرضوان: الرحمة (٣) في الدنيا أو (٤) في الآخرة.
стр. 733
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي: إذا حللتم من إحرامكم بالحج فاصطادوا إن شئتم؛ فالأمر هنا إباحةٌ بإجماع.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ معنى ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكْسِبَنَّكم؛ يقال: جَرَمَ فلانٌ فلانًا هذا الأمرَ: إذا أكسبه إيَّاه وحمله عليه.
والشنآن: هو البغض والحقد؛ ويقال بفتح النون وإسكانها.
و ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ مفعولٌ من أجله.
و ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.
ومعنى الآية: لا تَحملَنَّكم (١) عداوةُ قومٍ على أن تعتدوا عليهم من أجل أنْ صدُّوكم عن المسجد الحرام.
ونزلت عام الفتح؛ حين ظفر المسلمون بأهل مكة فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل؛ لأنهم كانوا قد صدُّوهم عن المسجد الحرام عامَ الحديبية، فنهاهم الله عن قتلهم؛ لأن الله عَلِم أنهم يؤمنون.
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وصيةٌ عامة.
والفرق بين البرِّ والتقوى:
أن البرَّ: عامٌّ في فعل الواجبات والمندوبات، وترك المحرمات، وفي كل ما يُقَرِّب إلى الله.
стр. 734
والتقوى: في الواجبات، وترك المحرمات، دون فعل المندوبات.
فالبرُّ أعم من التقوى.
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الفرق بينهما:
أن الإثم: كلُّ ذنب بين العبد وبين الله (أو بينه وبين الناس) (١).
والعدوان: على الناس.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ تقدَّم الكلام عليها في «البقرة» (٢).
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ هي التي تُخنق بحبل وشبهه.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ هي المضروبة بعصًا أو حجر وشبهه.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هي التي تسقط من جبل وشبهه (٣).
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ هي التي نطحتها بهيمة أخرى.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي: أكلَ بعضَه، والسَّبُعُ: كلُّ حيوان مفترس؛ كالذئب والأسد والنَّمِر والثعلب والعُقاب والنَّسْر.
﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ قيل: إنه استثناء منقطع؛ وذلك إذا أريد بالمنخنقة وأخواتها: ما مات من الاختناق والوَقْذ والتَّرَدِّي والنَّطح وأكل السَّبُع، والمعنى: حُرِّمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم من غيرها فهو حلال.
стр. 735
وهذا القول ضعيف؛ لأنها إذا ماتت بهذه الأسباب فهي مَيْتَةٌ؛ فقد دخلت في عموم الميتة، فلا فائدة لذكرها بعدها.
وقيل: إنه استثناء متصل؛ وذلك إن أُريد بالمنخنقة وأخواتها: ما أصابته تلك الأسباب وأُدركت ذكاته، والمعنى على هذا: إلَّا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء فهو حلال.
ثم اختلف أهلُ هذا القول: هل يشترط أن تكون لم تُنْفَذْ مَقَاتِلُها أم لا؟ وأما إذا لم تُشرفِ على الموت من هذه الأسباب فذكاتها جائزة باتفاق.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ عطف على المحرمات المذكورة.
و ﴿النُّصُبِ﴾ حجارةٌ كان أهل الجاهلية يُعظمونها ويذبحون عليها، وليست بالأصنام؛ لأن الأصنامَ مصوَّرةٌ والنُّصُب غير مصوَّرة، وهي الأنصاب، والمفرد: نِصَابٌ.
وقد قيل: إن النُّصُب بضمتين: مفرد، وجمعه: أنصاب.
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ عطف على المحرمات أيضًا.
والاستقسام: هو طلب ما قُسم له.
والأزلام: هي السِّهَام؛ واحدها: زَلَمٌ - بضم الزاي وفتحها -، وكانت ثلاثةً قد كُتب على أحدها: «افعل»، وعلى الآخر: «لا تفعل»، والثالث مهملٌ، فإذا أراد الإنسان أن يَعمل أمرًا جعلها في خَرِيطةٍ، وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج له الذي فيه «افعل» فعل ما أراد، وإن خرج له
стр. 736
الذي فيه «لا تفعل» تركه، وإن خرج (١) المهمل أعاد الضَّرْب.
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ الإشارةُ:
إلى تناول المحرمات المذكورة كلِّها.
أو إلى الاستقسام بالأزلام، وإنما حرَّمه الله وجعله فسقًا؛ لأنه دخولٌ في علم الغيب الذي انفرد الله به، فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطِّلاعُ على الغيوب.
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: يئسوا أن يغلبوه أو يُبطلوه. ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يومَ عرفة في حجة الوداع؛ فذلك هو اليوم المذكور؛ لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين. ويَحتمل أن يكون المرادُ باليوم: الزمانَ الحاضر، لا اليومَ بعينه.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هذا الإكمال يَحتمل أن يكون: بالنصر والظهور. أو بتعليم الشرائع، وبيان الحلال والحرام.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ راجعٌ إلى المحرمات المذكورة قبلَ هذا، أباحها الله عند الاضطرار.
﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ في مجاعةٍ.
стр. 737
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ هو بمعنى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ وقد تقدَّم في «البقرة» (١).
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قام مقام: «فلا جناح عليه»، وتضمَّن زيادةَ الوعد.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ سببها: أن المسلمين سألوا رسول الله ﷺ عما يَحلُّ لهم من المآكل.
وقيل: لما أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب سألوه: ماذا يحل لنا من الكلاب؟ فنزلت مبيّنةً للصيد بالكلاب.
﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ هي عند مالك: الحلال؛ وذلك ما لم يرد تحريمه في كتاب ولا سنة.
وعند الشافعي: الحلال المستلذُّ؛ فحرَّم كل مستقذَرٍ كالخنافس وشبهها؛ لأنها من الخبائث.
﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ عطفٌ على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾؛ على حذف مضاف تقديره: وصيدُ ما علَّمتم.
أو: مبتدأ وخبره: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا أحسن؛ لأنه لا حذف فيه.
والجوارح: هي الكلاب ونحوها مما يُصاد به، وسُمِّيت جوارح؛ لأنها كواسبُ لأهلها، فهو من الجَرْح بمعنى الكسب.
стр. 738
ولا خلاف في جواز الصيد بالكلاب.
واختلف فيما سواها:
ومذهب الجمهور: الجواز؛ للأحاديث الواردة في البزاة وغيرها.
ومنع بعضهم ذلك؛ لقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ فإنه مشتق من الكلب.
ونزلت الآية بسبب عدي بن حاتم؛ فإنه كان له كلاب يصطاد بها، فسأل رسول الله ﷺ عما يحل من الصيد.
﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي: معلِّمين للكلاب (١) الاصطياد.
وقيل: معناه: أصحاب كلاب.
وهو منصوب على الحال من ضمير الفاعل في ﴿عَلَّمْتُمْ﴾.
ويقتضي قوله: ﴿عَلَّمْتُمْ﴾ و ﴿مُكَلِّبِينَ﴾: أنه لا يجوز الصيد إلا بجارح معلَّم؛ لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ ولقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ على القول الأول، ولتأكيده ذلك بقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾.
وحدُّ التعليم:
عند ابن القاسم: أن يفهم الجارح الإيساد (٢) والزَّجر.
стр. 739
وقيل: الإيسادُ خاصةً.
وقيل: الزجرُ خاصة.
وقيل: أن يُجيبَ إذا دُعِي.
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: تعلمونهنَّ مِنْ الحيلة في الاصطياد وتأتّي تحصيل الصيد، وهذا جزءٌ مما علمه الله الإنسانَ؛ فـ «من» للتبعيض.
ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية.
والجملة في موضع: الحال، أو استئنافٌ.
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الأمر هنا إباحةٌ.
ويحتمل أن يريد: مما أمسكن سواءٌ أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو ظاهر إطلاق اللفظ، وبذلك أخذ مالك.
ويحتمل أن يريد: مما أمسكن ولم يأكلن منه؛ وبذلك فسَّره رسول الله ﷺ بقوله: «فإن أكل منه فلا تأكل؛ فإنه إنما أمسك على نفسه» (١)، وقد أخذ بهذا بعض العلماء.
وقد ورد في حديثٍ آخر: «إذا أكل فكل» (٢)، وهو حجة لمالك.
﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ هذا أمرٌ بالتسمية على الصَّيد، ويجري الذبح مجراه.
стр. 740
وقد اختلف الناس في حكم التَّسمية:
فقال الظاهرية: إنها واجبةٌ؛ حملًا للأمر على الوجوب، فإن تُرِكت التسمية عمدًا أو نسيانًا، لم تؤكل عندهم.
وقال الشافعي: إنها مستحبة؛ حملًا للأمر على الندب، وتؤكل عنده؛ سواءٌ تركت التسمية عمدًا أو نسيانًا.
وجعل بعضهم الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدًا على الأكل؛ فليس فيها - على هذا - أمرٌ بالتسمية على الصيد.
ومذهب مالك: أنه: إن تُرِكت التسمية عمدًا لم تؤكل، وإن تركت نسيانًا أُكلت؛ فهي عنده واجبةٌ مع الذِّكْرِ، ساقطةٌ مع النسيان.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ معنى ﴿حِلٌّ﴾: حلالٌ، و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى.
واختلف في نصارى بني تَغْلِبٍ من العرب، وفيمن كان مسلمًا ثم ارتدَّ إلى اليهودية أو النصرانية هل يحلُّ لنا طعامهم أم لا؟.
ولفظ الآية يقتضي الجواز؛ لأنهم من أهل الكتاب.
واختلف في المجوس والصابئين هل هم أهل كتاب أم لا؟.
وأما الطعام؛ فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: الذبائح؛ وقد اتفق العلماء على أنها مُرادة في الآية، فأجازوا أكل ذبائح اليهود والنصارى.
واختلفوا فيما هو محرَّمٌ عليهم في دينهم، هل يحل لنا أم لا؟.