← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الذي فيه «لا تفعل» تركه، وإن خرج (١) المهمل أعاد الضَّرْب. ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ الإشارةُ: إلى تناول المحرمات المذكورة كلِّها. أو إلى الاستقسام بالأزلام، وإنما حرَّمه الله وجعله فسقًا؛ لأنه دخولٌ في علم الغيب الذي انفرد الله به، فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطِّلاعُ على الغيوب. ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: يئسوا أن يغلبوه أو يُبطلوه. ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يومَ عرفة في حجة الوداع؛ فذلك هو اليوم المذكور؛ لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين. ويَحتمل أن يكون المرادُ باليوم: الزمانَ الحاضر، لا اليومَ بعينه. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هذا الإكمال يَحتمل أن يكون: بالنصر والظهور. أو بتعليم الشرائع، وبيان الحلال والحرام. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ راجعٌ إلى المحرمات المذكورة قبلَ هذا، أباحها الله عند الاضطرار. ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ في مجاعةٍ.

стр. 737

﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ هو بمعنى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ وقد تقدَّم في «البقرة» (١). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قام مقام: «فلا جناح عليه»، وتضمَّن زيادةَ الوعد. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ سببها: أن المسلمين سألوا رسول الله ﷺ عما يَحلُّ لهم من المآكل. وقيل: لما أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب سألوه: ماذا يحل لنا من الكلاب؟ فنزلت مبيّنةً للصيد بالكلاب. ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ هي عند مالك: الحلال؛ وذلك ما لم يرد تحريمه في كتاب ولا سنة. وعند الشافعي: الحلال المستلذُّ؛ فحرَّم كل مستقذَرٍ كالخنافس وشبهها؛ لأنها من الخبائث. ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ عطفٌ على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾؛ على حذف مضاف تقديره: وصيدُ ما علَّمتم. أو: مبتدأ وخبره: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا أحسن؛ لأنه لا حذف فيه. والجوارح: هي الكلاب ونحوها مما يُصاد به، وسُمِّيت جوارح؛ لأنها كواسبُ لأهلها، فهو من الجَرْح بمعنى الكسب.

стр. 738

ولا خلاف في جواز الصيد بالكلاب. واختلف فيما سواها: ومذهب الجمهور: الجواز؛ للأحاديث الواردة في البزاة وغيرها. ومنع بعضهم ذلك؛ لقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ فإنه مشتق من الكلب. ونزلت الآية بسبب عدي بن حاتم؛ فإنه كان له كلاب يصطاد بها، فسأل رسول الله ﷺ عما يحل من الصيد. ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي: معلِّمين للكلاب (١) الاصطياد. وقيل: معناه: أصحاب كلاب. وهو منصوب على الحال من ضمير الفاعل في ﴿عَلَّمْتُمْ﴾. ويقتضي قوله: ﴿عَلَّمْتُمْ﴾ و ﴿مُكَلِّبِينَ﴾: أنه لا يجوز الصيد إلا بجارح معلَّم؛ لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ ولقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ على القول الأول، ولتأكيده ذلك بقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾. وحدُّ التعليم: عند ابن القاسم: أن يفهم الجارح الإيساد (٢) والزَّجر.

стр. 739

وقيل: الإيسادُ خاصةً. وقيل: الزجرُ خاصة. وقيل: أن يُجيبَ إذا دُعِي. ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: تعلمونهنَّ مِنْ الحيلة في الاصطياد وتأتّي تحصيل الصيد، وهذا جزءٌ مما علمه الله الإنسانَ؛ فـ «من» للتبعيض. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية. والجملة في موضع: الحال، أو استئنافٌ. ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الأمر هنا إباحةٌ. ويحتمل أن يريد: مما أمسكن سواءٌ أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو ظاهر إطلاق اللفظ، وبذلك أخذ مالك. ويحتمل أن يريد: مما أمسكن ولم يأكلن منه؛ وبذلك فسَّره رسول الله ﷺ بقوله: «فإن أكل منه فلا تأكل؛ فإنه إنما أمسك على نفسه» (١)، وقد أخذ بهذا بعض العلماء. وقد ورد في حديثٍ آخر: «إذا أكل فكل» (٢)، وهو حجة لمالك. ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ هذا أمرٌ بالتسمية على الصَّيد، ويجري الذبح مجراه.

стр. 740

وقد اختلف الناس في حكم التَّسمية: فقال الظاهرية: إنها واجبةٌ؛ حملًا للأمر على الوجوب، فإن تُرِكت التسمية عمدًا أو نسيانًا، لم تؤكل عندهم. وقال الشافعي: إنها مستحبة؛ حملًا للأمر على الندب، وتؤكل عنده؛ سواءٌ تركت التسمية عمدًا أو نسيانًا. وجعل بعضهم الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدًا على الأكل؛ فليس فيها - على هذا - أمرٌ بالتسمية على الصيد. ومذهب مالك: أنه: إن تُرِكت التسمية عمدًا لم تؤكل، وإن تركت نسيانًا أُكلت؛ فهي عنده واجبةٌ مع الذِّكْرِ، ساقطةٌ مع النسيان. ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ معنى ﴿حِلٌّ﴾: حلالٌ، و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى. واختلف في نصارى بني تَغْلِبٍ من العرب، وفيمن كان مسلمًا ثم ارتدَّ إلى اليهودية أو النصرانية هل يحلُّ لنا طعامهم أم لا؟. ولفظ الآية يقتضي الجواز؛ لأنهم من أهل الكتاب. واختلف في المجوس والصابئين هل هم أهل كتاب أم لا؟. وأما الطعام؛ فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: الذبائح؛ وقد اتفق العلماء على أنها مُرادة في الآية، فأجازوا أكل ذبائح اليهود والنصارى. واختلفوا فيما هو محرَّمٌ عليهم في دينهم، هل يحل لنا أم لا؟.

стр. 741

على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والكراهة. وهذا الاختلاف مبنيٌّ على: هل هو من طعامهم أم لا؟ فإن أريد بطعامهم ما ذبحوه: جاز. وإن أريد به ما يَحلُّ لهم: مُنِعَ. والكراهة توسُّطٌ بين القولين. القسم الثاني: ما لا محاولة لهم فيه؛ كالقمح والفاكهة، فهو جائز لنا باتِّفاقٍ. والثالث: ما فيه محاولةٌ؛ كالخبز، وتَعصِير الزَّيت، وعَقْد الجُبْن، وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فيه: فمنعه ابن عباس؛ لأنه رأى أن طعامهم هو الذَّبائح خاصةً، ولأنه يمكن أن يكون نجسًا. وأجازه الجمهور؛ لأنهم رأوه داخلًا في طعامهم. وهذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملًا، فأمَّا إذا تحقَّقنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة فلا يجوز أصلًا، وقد صنف الطَّرطوشيُّ (١) في تحريم جُبْن النصارى، وقال: إنه يُنجِّس البائعَ

стр. 742

والمشتري والآلة؛ لأنهم يَعْقِدُونه بِإِنْفَحَةِ (١) الميتة (٢). ويجري مجرى ذلك الزيت إذا عَلِمنا أنهم يجعلونه في ظروف الميتة. ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ هذه إباحةٌ للمسلمين أن يُطْعِموا أهلَ الكتاب من طعامهم. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ عطفٌ على الطعام المحلَّل. وقد تقدَّم أن الإحصان له أربعة معان: الإسلام، والتزوُّج، والعِفَّة، والحرية. فأما الإسلام فلا يصحُّ هنا؛ لقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. وأما التزوج فلا يصحُّ أيضًا؛ لأن ذات الزوج لا تحلُّ لغيره. ويحتمل هنا: العفة والحرية. فمَن حمله على العفة أجاز نكاح المرأة الكتابية سواءً كانت حرة أو أَمَة. ومن حمله على الحرية أجاز نكاح الكتابية الحرة ومنع الأمة، وهو مذهب مالك. ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] لأنه هذه في الكتابيَّات، والأخرى في المشركين من العرب.

стр. 743

وقد جعل بعضُ الناس هذه ناسخةً لتلك. وقيل بالعكس. وقد تقدَّم معنى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ومعنى الأخدان (١).

стр. 744

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ نزلت في غزوة المريسيع، حينَ انقطعَ (١) عِقدُ عائشةَ ﵂، فأقامَ الناسُ على التِماسهِ وليسوا على ماءٍ، وليسَ معهم ماءٌ، فنزلت الرُّخصةُ في التيممِ، فقال أُسيدُ بنُ حُضيرٍ: ما هذهِ بأوَّلِ بركاتِكم يا آلَ أبي بكرٍ (٢)، ولذلك سُمِّيتِ الآيةُ آيةَ التيممِ، وقد كانَ الوضوءُ مشروعًا قبلها، ثابتًا بالسنةِ.

стр. 745

وقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا. ويقتضي ظاهرُها: وجوبَ تجديد الوضوء لكل صلاة، وهو مذهب ابن سيرين وعكرمة. ومذهب الجمهور: أنه لا يجب، واختلفوا في تأويل الآية على أربعة أقوال: الأول: أنَّ وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة منسوخٌ بفعل رسول الله ﷺ ؛ إذ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد (١). والثاني: أن ما تقتضيه الآيةُ من التجديد يُحمَل على الندب. والثالث: أن تقديرها: إذا قمتم مُحْدِثين؛ فإنما يجب على من أحدث. والرابع: أن تقديرها: إذا قمتم من النوم. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ذكر في هذه الآية أربعة أعضاء: اثنين محدودين؛ وهما اليدان والرجلان. واثنين غير محدودين؛ وهما الوجه والرأس. فأما المحدودان: فتُغسل اليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين وجوبًا بإجماع؛ فإنَّ ذلك هو الحدُّ الذي جعَل الله لهما. واختُلف: هل يجب غسل المرفقين مع اليدين، وغسل الكعبين مع

стр. 746

الرجلين أم لا؟ وذلك مبنيٌّ على معنى «إلى»: فمن جعل «إلى» بمعنى «مع» في قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ و ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ أوجب غَسْلَهما. ومَن جعَلها بمعنى الغاية لم يوجب غسلهما. واختلف في الكعبين؛ هل هما اللَّذان عند مَعقِد الشِّراك؟ أو العظمان النَّاتِئان في طرف السَّاق؟ وهو أظهر؛ لأنه ذكرهما بلفظ التثنية، ولو كان اللذان عند معقد الشراك لذكرهما بلفظ الجمع كما ذكر المرافق؛ لأنه على ذلك في كل رِجلٍ كعبٌ واحد. وأما غير المحدودين: فاتُّفِق على وجوب إيعاب الوجه. وحدُّه طولًا: من أول منابت الشَّعر إلى آخر الذَّقن أو اللحية، وحدُّه عرضًا: من الأذن إلى الأذن، وقيل: من العِذَار إلى العذار. وأما الرأس: فمذهب مالك: وجوب إيعابه؛ كالوجه. ومذهب كثير من العلماء: جواز الاقتصار على بعضه؛ لما ورد في الحديث: أن رسول الله ﷺ مسح على ناصيته (١). ولكنهم اختلفوا في القَدْر الذي يُجزئ على أقوال كثيرة. ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اختُلف في هذه الباء: فقال قومٌ: إنها للتَّبعيض؛ وبَنَوا على ذلك: جوازَ مسح بعض الرأس. وهذا القول غير صحيح عند أهل العربية.

стр. 747

وقال القَرَافِيُّ: إنها باءُ الاستعانة التي تَدخل على الآلات، وإن المعنى: امسحوا أيديكم برؤوسكم (١). وهذا ضعيف؛ لأن الرأس على هذا ماسحٌ لا ممسوح، وذلك خلاف المقصود. وقيل: إنها زائدة. وهو ضعيف؛ لأن هذا ليس موضعَ زيادتها. والصحيح عندي: أنها باء الإلصاق التي تُوصل الفعل إلى مفعوله؛ لأن المسح تارةً يتعدَّى بنفسه، وتارةً بحرف الجر؛ كقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، وكقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب؛ عطفًا على الوجوه (٢) والأيدي، فيقتضي ذلك: وجوبَ غسل الرجلين. وقرئ بالخفض: فحمله بعضهم على أنه عطفٌ على قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، فأجاز مسح الرجلين، روي ذلك عن ابن عباس. وقال الجمهور: لا يجوز مسحهما، بل يجب غسلهما، وتأوَّلوا قراءة الخفض بثلاثة تأويلات: أحدها: أنه خفضٌ على الجوار، لا على العطف. والآخر: أنه يراد به المسح على الخفين. والثالث: أن ذلك منسوخٌ بالسنة.

стр. 748

والفرق بين الغسل والمسح: أن المسح: إمرارُ اليدين بالبلل الذي يبقى من الماء. والغسل: عند مالك: إمرارُ اليد بالماء، وعند الشافعي: إمرار الماء، وإن لم يدلك باليد. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ تقدَّم الكلام على نظيرتها في «النساء» (١). ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من ضيق ولا مشقة؛ كقول رسول الله ﷺ : «دين الله يُسْرٌ» (٢). وبقية الآية تفضُّلٌ من الله على عباده ورحمةٌ، وفي ضمن ذلك ترغيبٌ في الطهارة وتنشيط عليها. ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ هو ما وقع في بيعة العقبة، وبيعة الرِّضوان، وكلُّ موطن قال المسلمون فيه: سمعنا وأطعنا. ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾ تقدَّم الكلام على نظيرتها في «النساء» (٣). ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يحملنَّكم بغضُ قومٍ على ترك العدل فيهم. ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ في سببها أربعة أقوال: الأول: أن النبي ﷺ ذهب إلى بني النَّضِير من اليهود، فهمُّوا أن يصبُّوا عليه صخرةً يقتلونه بها، فأخبره جبريل بذلك فقام من المكان، ويقوِّي هذا

стр. 749

القولُ: ما ورد من الآيات بعد هذا في غدر اليهود. الثاني: أنها نزلت في شأن الأعرابي الذي سلَّ السيف على رسول الله ﷺ حين وجده في سفر وهو وحده، وقال له: من يمنعك مني؟ قال: «الله»، فأغمد السيف وجلس (١). واسمه: غَوْرَثُ بن الحارث الغطفانيُّ. الثالث: أنها فيما همَّ به الكفار من الإيقاع بالمسلمين حين نزلت صلاة الخوف. الرابع: أنها على الإطلاق في دفعِ اللهِ الكفارَ عن المسلمين.

стр. 750

[﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾].

стр. 751

﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ النَّقيبُ: هو كبير القوم القائمُ بأمورهم. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أَي: بنصري. والخطاب: لبني إسرائيل، وقيل: للنُّقَباء. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ اختُلِف: هل أُريد تحريفُ الألفاظ أو المعاني؟. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ أي: على خيانة؛ فهو مصدر كالعاقبة. وقيل: على طائفةٍ خائنة. وهو إخبارٌ بأمرٍ مُستقبَل. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ منسوخٌ بالسيف والجزية. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أي: ادَّعوا أنهم أنصار الله، وسَمَّوا أنفسهم بذلك، ثم كفروا بالله، ووصفوه بما لا يليق به. ويتعلَّقُ (١) ﴿وَمِنَ الَّذِينَ﴾ بـ ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾، والضمير عائد على النصارى. ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾ أي: أثبتنا وألصقنا؛ وهو مأخوذٌ من الغِراء. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ في الموضعين: يَعُمُّ اليهود والنصارى. وقيل: إنها نزلت بسبب اليهود الذين كانوا بالمدينة؛ فإنهم كانوا يذْكرون رسول الله ﷺ ويصفونه بصفته، فلما حلَّ بالمدينة كفروا به. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، وفي الآية دلالةٌ على صحة

стр. 752

نبوته؛ لأنه بيَّن لهم ما أَخفوه مما في كتبهم، وهو أُمِّيٌّ لم يقرأ كتبهم. ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يتركُه ولا يفضحُكم فيه. ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ محمدٌ ﷺ ، والقرآن. ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية؛ ردٌّ على الذين قالوا: إن الله هو عيسى، وهم فرقة من النصارى. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ إشارة إلى خَلْقَةِ (١) عيسى من غير والدٍ. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى﴾ أي: قالت كل فرقةٍ عن نفسها: إنهم أبناء الله وأحبَّاؤه. والبُنُوَّة هنا: بُنُوَّة الحنان والرأفة. وقال الزمخشريُّ: المعنى: نحن أشياعُ أبناء الله -عندهم-، وهما المسيح وعُزير، كما يقول حَشَم الملوك: نحن الملوك (٢). ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ ردٌّ عليهم؛ لأنهم قد اعترفوا أنهم يدخلون النار أيامًا معدوداتٍ. وقد أخذ الصوفيةُ مِنْ الآية أن المحبَّ لا يعذِّب حبيبه (٣)، ففي ذلك بِشارةٌ لمن أحبَّ الله.

стр. 753

[﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾]. ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قيل: جعل منكم ملوكا؛ أي: أمراء. وقيل: الملك: مَنْ له مسكنٌ وامرأةٌ وخادمٌ. ﴿مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قيل: يعني: المنَّ والسلوى والغمام وغير ذلك من الآيات، وعلى هذا: يكون ﴿الْعَالَمِينَ﴾ خاصًّا بأهل زمانهم؛ لأن أمة محمد ﷺ قد أوتيت من آياته مثل ذلك وأعظم. وقيل: المراد: كثرةُ الأنبياء، فعلى هذا: يكون عامًّا؛ لأن الأنبياء في

стр. 754

بني إسرائيل أكثرُ منهم في سائر الأمم. ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أرض بيت المقدس، وقيل: الطُّور، وقيل: دمشق. ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: قضى أن تكون لكم. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ يحتمل أن يريد: الارتدادَ عن الدين والطاعة. أو الرجوعَ إلى الطريق الذي جاؤوا منه؛ فإنه رُوي أنه لما أمرهم موسى ﵇ بدخول الأرض المقدَّسة خافوا من الجبارين الذين فيها، وهمُّوا أن يُقدّموا على أنفسهم رئيسًا ويرجعوا إلى مصر. ﴿قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ هم العمالقة. ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ هما: يُوشَع وكالِب. ﴿يَخَافُونَ﴾ أي: يخافون الله. وقيل: يخافون الجبارين، ولكن الله أنعم عليهم بالصبر والثبوت؛ لصدق إيمانهما. ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: باب المدينة. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ إفراطٌ في العصيان وسوءِ الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسولِ الله ﷺ : لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى، ولكن نقول لك: اذهب أنت

стр. 755

وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! (١). ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ قاله موسى ﵇؛ ليتبرَّأ إلى الله من قول بني إسرائيل، ويَبذُلَ جهده في طاعة الله، ويعتذرَ إلى الله. وإعراب ﴿أَخِي﴾: عطفٌ على ﴿نَفْسِي﴾؛ لأن أخاه هارون كان يُطيعه. وقيل: عطفٌ على الضمير في ﴿أَمْلِكُ﴾؛ أي: لا أملك أنا إلا نفسي، ولا يملك أخي إلا نفسه. وقيل: مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: أخي لا يملك إلا نفسه. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا﴾ أي: فَارِقْ بيننا وبينهم؛ فهو من الفُرْقة. وقيل: افصلْ بيننا وبينهم بحُكم. ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ الضمير في ﴿قَالَ﴾ لله تعالى. وحَرَّم الله على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة أربعين سنةً، وتركهم في هذه المدة يتيهون في الأرض؛ أي: في أرض التِّيهِ - وهو ما بين مصر والشام -، حتى مات كلُّ من قال: «إن لن ندخلها»، ولم يدخلها أحدٌ من ذلك الجيل إلَّا يُوشَع وكالِب، ومات هارون في التيه، ومات موسى بعده في التيه أيضًا. وقيل: إن موسى وهارون لم يكونا في التيه؛ لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.

стр. 756

وخرج يوشع ببني إسرائيل بعد الأربعين سنة، وقاتل الجبّارين، وفتح المدينة. والعامل في ﴿أَرْبَعِينَ﴾: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ على الأصحّ؛ فيجب وصله معه. وقيل: العامل فيه: ﴿يَتِيهُونَ﴾، فعلى هذا يجوز الوقف على قوله: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا ضعيف؛ لأنه لا حاملَ على تقديم المعمول هنا، مع أن القول الأوّل أكمل معنىً؛ لأنه بيانٌ لمدة التَّحريم والتِّيه. ﴿يَتِيهُونَ﴾ أي: يتحيَّرون، وروي أنهم كانوا يسيرون الليل كلَّه، فإذا أصبحوا وجدوا أنفسهم في الموضع الذي كانوا فيه. ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن، والخطاب: لموسى. وقيل: لمحمد ﷺ ، ويراد بـ ﴿الْفَاسِقِينَ﴾: مَنْ كان في عصره من اليهود.

стр. 757

[﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾]. ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هما قابيلُ وهابيلُ. ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ روي أن قابيل كان صاحب زرع فقرب أرذل زرعه، وكان هابيل صاحب غنم فقرّب أحسن كبشٍ عنده، وكانت العادة حينئذ أن يُقَرَّب الإنسان قُربانه إلى الله ويقوم يصلي، فإذا نزلت نارٌ من السماء وأكلت القربان فذلك دليلٌ على القبول وإلّا فلا قَبول، فنزلت النار فأخذت كبش هابيل ورفعته، وتركت زرع قابيل، فحسده قابيلُ فقتله.

стр. 758

﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ استدلَّ بها المعتزلة وغيرهم على أن العاصي لا يُتَقَبَّلُ عمله. وتأوَّلها الأشعرية: بأن التقوى هنا يراد بها: تقوى الشرك (١). ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ الآية؛ قيل: معناها: لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به. وقيل: لئن بدأتني بالقتل لم أدافعك، ثم اختلف على هذا القول: هل تَرْكه لدفاعه عن نفسه تورُّعٌ (٢) وفضيلة؟ وهو الأظهر والأشهر. أو كان واجبًا عندهم أن لا يدافع أحد عن نفسه؟ وهو قول مجاهد. وأما في شرعنا: فيجوز دفعُ الإنسان عن نفسه؛ بل يجب. ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ الإرادة هنا ليست بإرادة محبَّةٍ وشهوة، وإنما هو تَخَيُّرٌ في أهون الشَّرَّين؛ كأنه قال: إن قتلتني فذلك أحبُّ إليَّ مِنْ

стр. 759

أن أقتلك، كما ورد في الأثر: «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل» (١). وأما قوله: ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ فمعناه: بإثم قتلي لك لو قتلتك، وبإثم قتلك لي، وإنما تَحمَّل القاتل الإثمين؛ لأنه ظالم، فذلك مثل قوله ﷺ : «المستبَّان ما قالا فهو على البادئ» (٢). وقيل: ﴿بِإِثْمِي﴾ أي: تَحْمِلُ عني سائر ذنوبي؛ لأن الظالم تُجعَل عليه في القيامة ذنوب المظلوم، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ أي: في قتلك لي، وفي غير ذلك من ذُنوبك. ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ يحتمل أن يكون: من كلام هابيل. أو استئنافا من كلام الله تعالى. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ الآية؛ روي أن غرابين اقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جَعل القاتل يبحث عن التراب ويواري الميت. وقيل: بل كان غرابا واحدًا يبحث ويُلقي التراب على هابيل. ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ أي: عورته، وخُصَّت بالذِّكر؛ لأنها أحقُّ بالسَّتر من سائر الجسد. والضمير في ﴿أَخِيهِ﴾ عائدٌ على ابن آدم، ويظهر من هذه القصة أن هابيل

стр. 760

كان أول مَنْ دُفِن من بني آدم. ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا﴾ أصله: «يَا ويلتي»، ثم أبدل من الياء ألف، وفتحت التاء. وكذلك: ﴿يَاأَسَفَا﴾، و ﴿يَاحَسْرَتَا﴾. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ أي: على ما وقع فيه من قتل أخيه. واختلف في قابيل؛ هل كان كافرًا أو عاصيًا؟ والصحيح: أنه لم يكن كافرًا؛ لأنه قصد التقرب إلى الله بالقربان، ولأنه لم يكن في تلك المدة كافر. و ﴿أَصْبَحَ﴾ هنا وفي الموضع الأول: عبارةٌ عن جميع الأوقات، لا مختصة بالصباح. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ يتعلّق بـ ﴿كَتَبْنَا﴾. وقيل: بـ ﴿النَّادِمِينَ﴾؛ وهو ضعيف. ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: فرضنا عليهم، أو كتبناه في كتبهم. ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ معناه: من غير أن يقتل نفسًا يجب عليه به القصاص. ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: الفساد الذي يجب به القتل؛ كالحرابة. ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ تمثيلٌ قاتل الواحد بقاتل الجميع يُتصوَّر من ثلاث جهات: إحداها: القصاص؛ فإنَّ القصاص في قتل الواحد والجميع سواءٌ. والثاني: انتهاك الحرمة والإقدام على العصيان.

стр. 761

والثالث: الإثمُ والعذابُ الأخراوي، قال مجاهد: أوعد (١) الله قاتل النفس بجهنمَ، والخلودِ فيها، والغضبِ، واللعنةِ، والعذابِ العظيم، فلو قتل جميع الناس لم يزد على ذلك. وهذا الوجه هو الأظهر؛ لأن القصدَ بالآية تعظيمُ قتل النفس والتشديد فيه؛ ليزدجرَ الناس عنه، وكذلك الثواب في إحيائها كثواب إحياء الجميع؛ لتعظيم الأمر والترغيب فيه. وإحياؤها: هو بإنقاذها من الموت؛ كإنقاذ الغريق والحريق وشبه ذلك. وقيل: بترك قتلها. وقيل: بالعفو إذا وجب القصاص. ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾ الضمير لبني إسرائيل، والمعنى: تقبيح أفعالهم، وفي ذلك إشارةٌ إلى ما همُّوا به من قتل رسول الله ﷺ . ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية؛ سببها عند ابن عباس: قومٌ من اليهود كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل. وقال جماعة: نزلت في نفر من عُكْلٍ وعُرينة، أسلموا، ثم إنَّهم قتلوا راعي النبي ﷺ وأخذوا إبله. ثم حكمها بعدَ ذلك في كلِّ مُحاربٍ. والحرابة عند مالك: هي حمل السِّلاح على الناس في بلد أو في خارج بلد.

стр. 762

وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلَّا خارج البلدان. وقوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ تغليظٌ ومبالغة. قال بعضهم: تقديره: يحاربون رسول الله ﷺ . وذلك ضعيف؛ لأن الرسول ﵇ قد ذُكر بعد ذلك. وقيل: يحاربون عباد الله (١). وهو أحسن. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ بيانٌ للحرابة، وهي على درجات؛ فأدناها: إخافةُ الطريق، ثم أخذ الأموال، ثم قتل النفس. ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الصَّلْب مضاف إلى القتل: فقيل: يقتل ثم يصلب؛ ليراه أهل الفساد فيزدجروا. وهو قول أشهب. وقيل: يصلب حيًّا، ويقتل في الخشبة. وهو قول ابن القاسم. ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِنْ خِلَافٍ﴾ معناه: أن تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قُطعت يده اليسرى ورجله اليمنى. وقَطْعُ اليد (٢) عند مالك والجمهور: من الرُّسغ، وقطع الرجل: من المَفصل، وذلك في الحرابة وفي السرقة. ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ مشهور مذهب مالك: أن يُنفى من بلد إلى بلد آخر، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته.

стр. 763

ورَوَى عنه مطرِّفٌ (١): أنه يسجن في البلد بعينه، وبذلك قال أبو حنيفة. وقيل: ينفى إلى بلد آخر دون أن يسجن فيه. ومذهب مالك: أن الإمام مخيّرٌ في المحارب بين أن يقتله ويَصلِبه، أو يقتله ولا يَصلِبه، أو يقطع يده ورجله، أو يَنفيَه، إلَّا أنه قال: إن كان قتَلَ فلا بدَّ من قتله، وإن لم يقتل فالأحسن أن يُؤخَذ فيه بأيسر العقاب. وقال الشافعي وغيره: هذه العقوبات مرتَّبة؛ فمن قَتَل وأخذ المال قُتل وصُلِب، ومن قَتَل ولم يأخذ مالًا (٢) قُتل ولم يُصلَب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالًا نُفي. وحجة مالك: عطف هذه العقوبات بـ «أو» التي تقتضي التخيير. ﴿خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ هو العقوبة، وعذاب الآخرة: النار. وظاهر هذا: أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفَّارة للمحارب، بخلاف سائر الحدود. ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب (في الدنيا) (٣)، والعذاب في الآخرة لمن لم يعاقب.

стр. 764

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قيل: هي في المشركين. وهو ضعيف؛ لأن المشرك لا يختلف حكم توبته قبل القدرة عليه وبعدها. وقيل: هي في المحاربين من المسلمين. وهو الصَّحيح، وهم الذين جاءت فيهم العقوبات المذكورة، فمن تاب منهم قبل أن يُقدَر عليه فقد سقط عنه حكم الحرابة؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. واختلف هل يطالب بما عليه من حقوق الناس في الدماء والأموال أم لا؟ فوجه المطالبة بها: أنها زائدة على حدِّ الحرابة الذي سقط (١) عنه بالتوبة. ووجه سقوطها: إطلاق (٢) قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 765

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾]. ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: ما يُتوسَّل به ويُتقرَّب به إليه؛ من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك. ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ إن قيل: لم وحَّد الضمير وقد ذَكر شيئين وهما: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿وَمِثْلَهُ﴾؟

стр. 766

فالجواب: أنه وَضع المفرد موضع الاثنين. أو أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة؛ كأنه قال: ليفتدوا بذلك. أو تكون (١) الواو بمعنى «مع» (٢). ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم، وكذلك: ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١]. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ عموم الآية يقتضي قطع كل سارق؛ إلا أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطًا خصَّصوا بها العموم، فمن ذلك: أنَّ مَنْ اضطرَّه الجوع إلى السرقة لم يُقطع عند مالك؛ لتحليل الميتة له. وكذلك من سرق مال ولده أو سيده. أو من سرق من غير حرز. أو سرق أقل من النصاب؛ وهو عند مالك: ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يساوي أحدهما. وأدلة التَّخصيص بهذه الأشياء في غير هذه الآية. وقد قيل: إن الحرز مأخوذ من الآية؛ لأن ما أُهمل بغير حرز أو اؤتمن عليه فليس أخذه سرقةً، وإنما هو اختلاس أو خيانة.

стр. 767

وإعراب ﴿وَالسَّارِقُ﴾: عند سيبويه: مبتدأ، وخبره محذوف؛ كأنه قال: فيما يتلى عليكم السارقُ والسارقة. والخبر عند المبرد وغيره: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ودخلت الفاء؛ لتضمن معنى الشرط. ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الآية؛ توبة السارق: هي أن يندم على ما مضى، ويُقْلِع فيما يستقبل، ويَردَّ ما سرق إلى من يستحقه. واختلف إذا تاب قبل أن يصل إلى الحاكم: هل يسقط عنه القطع؟ وهو مذهب الشافعي؛ لظاهر الآية. أو لا يسقط عنه؟ وهو مذهب مالك؛ لأن الحدود عنده لا تسقط بالتوبة، إلَّا المحارب؛ للنصِّ عليه. ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قدَّم العذاب على المغفرة؛ لأنه قوبل بذلك تقدُّمُ (١) السرقة على التوبة. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ الآية؛ خطاب للنبي ﷺ على وجه التسلية له. ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ هم المنافقون. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يحتمل أن يكون: عطفًا على ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾، ثم يكون ﴿سَمَّاعُونَ﴾ استئنافَ إخبارٍ عن

стр. 768

الصِّنْفَيْن المنافقين واليهود. ويحتمل أن يكون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ استئنافًا منقطعًا مما قبله، و ﴿سَمَّاعُونَ﴾ راجعٌ إليهم خاصةً. ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: يسمعون (١) كلام قوم آخرين من اليهود الذين لا يأتون النبي ﷺ ؛ لإفراط البُغْضَة والمجاهرة بالعداوة؛ فقوله: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صفةٌ لـ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾. والمراد بالقوم الآخرين: يهود خيبر، والسَّمَّاعون للكذب: بنو قُرَيْظَة. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يبدِّلونه مِنْ بعد أن وُضع في مواضعه، وقُصدت به وجوهُه القويمة، وذلك من صفة اليهود. ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ نزلت بسبب أن يهوديًّا زنى بيهودية؛ فسأل رسولُ الله ﷺ اليهودَ عن حدِّ الزاني عندهم فقالوا: نجلدهما ونُحمِّم وجوههما، فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن في التوراة الرجم»، فأنكروا ذلك، فأمرهم أن يأتوا بالتوراة فقرؤوها، وجعل أحدهم يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك!، فرَفع، فإذا آية الرجم، فأمر رسول الله ﷺ باليهودي واليهودية فرُجما (٢). فمعنى قولهم: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: إن أوتيتم هذا الذي ذكرتم من الجَلْد والتحميم فخذوه واعملوا به، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ وأفتاكم محمد ﷺ بغيره ﴿فَاحْذَرُوا﴾.

стр. 769

﴿فِتْنَتَهُ﴾ أي: ضلالته (١) في الدنيا، أو عذابه في الآخرة. ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: الذلة، والمسكنة، والجزية (٢). ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ إن كان الأول في اليهود: فكُرِّر هنا تأكيدًا. وإن كان الأول في المنافقين واليهود: فهذا في اليهود خاصة. ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: للحرام؛ من الرشوة والربا وشبه ذلك. ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ هذا تخيير للنبي ﷺ في أن يحكم بين اليهود أو يتركهم، وهو أيضًا يتناول الحكام. وقيل: إنه منسوخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ الآية؛ استبعادٌ لتحكيمهم النبي ﷺ وهم لا يؤمنون به، مع أنهم يخالفون حكم التوراة التي يدَّعون الإيمان بها. فمعنى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: يتولَّون عن اتباع حكم الله في التوراة من بعد كون حكم الله فيها موجودًا عندهم، ومعلومًا في قضية (٣) الرجم وغيرها. ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أنهم لا يؤمنون بالتوراة وبموسى ﵇، وهذا إلزامٌ لهم؛ لأن من خالف كتاب الله وبدَّله فدعواه الإيمانُ به باطلةٌ.

стр. 770

[﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾]. ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد ﵇. ومعنى ﴿أَسْلَمُوا﴾ هنا: أخلصوا لله، وهي صفة مدح أُريد بها التَّعريض باليهود؛ لأنهم بخلاف هذه الصفة. وليس المراد هنا: الإسلام الذي هو ضدُّ الكفر؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم: أسلموا على هذا المعنى؛ لأنهم لم يكفروا قط، وإنما هو كقول

стр. 771

إبراهيم ﵇: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يَحْكُمُ﴾؛ أي: يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هادوا، ويحملونهم عليها. وقيل: يتعلَّق بقوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾. ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: كُلِّفُوا حفظه، والباء هنا: سببية. قاله الزمخشري (١). ويحتمل أن تكون بدلًا من المجرور في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾. ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ وما بعده: خطاب لليهود. ويحتمل أن تكون (٢) وصية للمسلمين يراد بها التعريض باليهود؛ لأن ذلك من أفعالهم. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: نزلت الثلاثة في اليهود؛ ﴿الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾. وقد روي في هذا أحاديث عن النبي ﷺ (٣). وقال جماعة: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلّا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان.

стр. 772

وقال الشعبيُّ: ﴿الْكَافِرُونَ﴾: في المسلمين، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾: في اليهود، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارى. ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ ﴿كَتَبْنَا﴾ بمعنى: الكتابة في الألواح. أو بمعنى الفرض والإلزام. والضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ لبني إسرائيل، وفي قوله: ﴿فِيهَا﴾ للتوراة. ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي: تُقتل النفس إذا قتلت نفسًا، وهذا إخبارٌ عما في التوراة، وهو حكمٌ في شريعتنا بإجماع، إلَّا أن هذا اللفظ عام، وقد خَصص العلماء منه أشياء، فقال مالك: لا يقتل مؤمن بكافر؛ للحديث الوارد في ذلك (١)، ولا يقتل حرّ بعبد؛ لقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في «البقرة» (٢). ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وما بعده: حُكم القِصاص في الأعضاء. والقراءة بنصب ﴿وَالْعَيْنَ﴾ وما بعده: عطفٌ على ﴿النَّفْسَ﴾. وقرئ بالرفع، ولها ثلاثة أوجه: أحدها: العطف على موضع ﴿النَّفْسَ﴾؛ لأن المعنى: قلنا لهم: النفسُ بالنفس. والثاني: العطف على الضمير الذي في الخبر؛ وهو ﴿بِالنَّفْسِ﴾.

стр. 773

والثالث: أن يكون مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء. ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ بالنصب: عطفٌ على المنصوبات قبله. وبالرفع: على الأوجه الثلاثة التي في رفع ﴿وَالْعَيْنَ﴾. وهذا اللفظ عامٌّ، يراد به الخصوص في الجراح التي لا يُخاف على النفس منها. ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: مَنْ تصدَّق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه فذلك كفارةٌ له؛ يكفّر الله ذنوبه؛ لعفوه وإسقاطه حقه. والثاني: مَنْ تصدق وعفا فهو كفارة للقاتل أو الجارح؛ يعفو الله عنه في ذلك؛ لأن صاحب الحق قد عفا عنه. فالضمير في ﴿لَهُ﴾: على التأويل الأول: يعود على «مَنْ» التي هي كناية عن المقتول أو المجروح، أو الولي. وعلى الثاني: يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ ولكن سياق الكلام يقتضيه. والأول أرجح؛ لعود الضمير على مذكور؛ وهو «مَنْ»، ومعناها واحد على التأويلين. والصدقة بمعنى العفو على التأويلين: إلَّا أن التأويل الأول: بيانٌ لأجر من عفا، وترغيبٌ في العفو.

стр. 774

والتأويل الثاني: بيانٌ لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عُفي عنه. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قد تقدَّم معنى ﴿مُصَدِّقًا﴾ في «البقرة» (١). و ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني: التوراة؛ لأنها قبله، والقرآنُ مصدِّقٌ للتوراة والإنجيل، لأنهما قبله. ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطفٌ على موضعِ قوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾؛ لأنه في موضع الحال. ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ ابنُ عباس: شاهدًا، وقيل: مؤتمنًا. ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ تضمَّن الكلام معنى: «لا تنصرف» أو «لا تنحرف» ولذلك تعدى بـ «عن». ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ابنُ عباس: سبيلًا وسُنَّةً. والخطاب: للأنبياء، أو للأمم. والمعنى: أن الله جعل لكلِّ أمةٍ شريعةً يَتَّبعونها. وقد استدلَّ بها من قال: إن شريعةَ مَنْ قبلنا ليس بشرعٍ لنا؛ وذلك في الأحكام والفروع. وأما الاعتقادات (٢)؛ فالدين فيها واحدٌ لجميع العالم؛ وهو الإيمان بالله، وتوحيدُه، وتصديق رسله، والإيمان بالدار الآخرة.

стр. 775

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ استدلَّ بها (١) قومٌ على أن تقديم الواجبات أفضلُ من تأخيرها، وهذا متفق عليه في العبادات كلِّها، إلا الصلاة؛ ففيها خلاف: فمذهب الشافعي: أن تقديمها في أوَّل وقتها أفضلُ. وعكس أبو حنيفة. وفي مذهب مالك خلاف وتفصيل. واتفقوا أن تقديم المغرب أفضل. ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم﴾ عطفٌ: على «الكتاب» في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. أو على «الحق» في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾. وقال قوم: إنَّ هذا وقوله قبله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم﴾ ناسخٌ لقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: ناسخٌ للتخيير الذي في الآية. وقيل: إنه ناسخ للحكم بالتوراة. ونزلت الآية بسبب قوم من اليهود؛ طلبوا من رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم فأبى من ذلك، ونزلت الآية تقتضي أن يحكم بينهم. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ توبيخٌ لليهود. وقرئ بالياء: إخبارًا عنهم، وبالتاء: خطابًا لهم.
следующие страницы →