← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

إبراهيم ﵇: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يَحْكُمُ﴾؛ أي: يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هادوا، ويحملونهم عليها. وقيل: يتعلَّق بقوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾. ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: كُلِّفُوا حفظه، والباء هنا: سببية. قاله الزمخشري (١). ويحتمل أن تكون بدلًا من المجرور في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾. ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ وما بعده: خطاب لليهود. ويحتمل أن تكون (٢) وصية للمسلمين يراد بها التعريض باليهود؛ لأن ذلك من أفعالهم. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: نزلت الثلاثة في اليهود؛ ﴿الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾. وقد روي في هذا أحاديث عن النبي ﷺ (٣). وقال جماعة: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلّا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان.

стр. 772

وقال الشعبيُّ: ﴿الْكَافِرُونَ﴾: في المسلمين، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾: في اليهود، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في النصارى. ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ ﴿كَتَبْنَا﴾ بمعنى: الكتابة في الألواح. أو بمعنى الفرض والإلزام. والضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ لبني إسرائيل، وفي قوله: ﴿فِيهَا﴾ للتوراة. ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي: تُقتل النفس إذا قتلت نفسًا، وهذا إخبارٌ عما في التوراة، وهو حكمٌ في شريعتنا بإجماع، إلَّا أن هذا اللفظ عام، وقد خَصص العلماء منه أشياء، فقال مالك: لا يقتل مؤمن بكافر؛ للحديث الوارد في ذلك (١)، ولا يقتل حرّ بعبد؛ لقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في «البقرة» (٢). ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وما بعده: حُكم القِصاص في الأعضاء. والقراءة بنصب ﴿وَالْعَيْنَ﴾ وما بعده: عطفٌ على ﴿النَّفْسَ﴾. وقرئ بالرفع، ولها ثلاثة أوجه: أحدها: العطف على موضع ﴿النَّفْسَ﴾؛ لأن المعنى: قلنا لهم: النفسُ بالنفس. والثاني: العطف على الضمير الذي في الخبر؛ وهو ﴿بِالنَّفْسِ﴾.

стр. 773

والثالث: أن يكون مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء. ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ بالنصب: عطفٌ على المنصوبات قبله. وبالرفع: على الأوجه الثلاثة التي في رفع ﴿وَالْعَيْنَ﴾. وهذا اللفظ عامٌّ، يراد به الخصوص في الجراح التي لا يُخاف على النفس منها. ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: مَنْ تصدَّق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه فذلك كفارةٌ له؛ يكفّر الله ذنوبه؛ لعفوه وإسقاطه حقه. والثاني: مَنْ تصدق وعفا فهو كفارة للقاتل أو الجارح؛ يعفو الله عنه في ذلك؛ لأن صاحب الحق قد عفا عنه. فالضمير في ﴿لَهُ﴾: على التأويل الأول: يعود على «مَنْ» التي هي كناية عن المقتول أو المجروح، أو الولي. وعلى الثاني: يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ ولكن سياق الكلام يقتضيه. والأول أرجح؛ لعود الضمير على مذكور؛ وهو «مَنْ»، ومعناها واحد على التأويلين. والصدقة بمعنى العفو على التأويلين: إلَّا أن التأويل الأول: بيانٌ لأجر من عفا، وترغيبٌ في العفو.

стр. 774

والتأويل الثاني: بيانٌ لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عُفي عنه. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قد تقدَّم معنى ﴿مُصَدِّقًا﴾ في «البقرة» (١). و ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني: التوراة؛ لأنها قبله، والقرآنُ مصدِّقٌ للتوراة والإنجيل، لأنهما قبله. ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطفٌ على موضعِ قوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾؛ لأنه في موضع الحال. ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ ابنُ عباس: شاهدًا، وقيل: مؤتمنًا. ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ تضمَّن الكلام معنى: «لا تنصرف» أو «لا تنحرف» ولذلك تعدى بـ «عن». ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ابنُ عباس: سبيلًا وسُنَّةً. والخطاب: للأنبياء، أو للأمم. والمعنى: أن الله جعل لكلِّ أمةٍ شريعةً يَتَّبعونها. وقد استدلَّ بها من قال: إن شريعةَ مَنْ قبلنا ليس بشرعٍ لنا؛ وذلك في الأحكام والفروع. وأما الاعتقادات (٢)؛ فالدين فيها واحدٌ لجميع العالم؛ وهو الإيمان بالله، وتوحيدُه، وتصديق رسله، والإيمان بالدار الآخرة.

стр. 775

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ استدلَّ بها (١) قومٌ على أن تقديم الواجبات أفضلُ من تأخيرها، وهذا متفق عليه في العبادات كلِّها، إلا الصلاة؛ ففيها خلاف: فمذهب الشافعي: أن تقديمها في أوَّل وقتها أفضلُ. وعكس أبو حنيفة. وفي مذهب مالك خلاف وتفصيل. واتفقوا أن تقديم المغرب أفضل. ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم﴾ عطفٌ: على «الكتاب» في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. أو على «الحق» في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾. وقال قوم: إنَّ هذا وقوله قبله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم﴾ ناسخٌ لقوله: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: ناسخٌ للتخيير الذي في الآية. وقيل: إنه ناسخ للحكم بالتوراة. ونزلت الآية بسبب قوم من اليهود؛ طلبوا من رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم فأبى من ذلك، ونزلت الآية تقتضي أن يحكم بينهم. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ توبيخٌ لليهود. وقرئ بالياء: إخبارًا عنهم، وبالتاء: خطابًا لهم.

стр. 776

﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ قال الزمخشري: اللام للبيان؛ أي: هذا الخطاب لقوم يوقنون؛ فإنهم الذين يتبين لهم أنه لا أحسن من الله حُكْمًا (١).

стр. 777

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾]. ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ سببها: موالاة عبد الله بن أبي بن سلول ليهود بني قينقاع، وخلع عبادة بن الصامت الحِلْفَ الذي كان بينه وبينهم. ولفظها عامٌّ، وحكمها باقٍ. ولا يدخل فيه معاملتهم في البيع وشبهه. ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ تغليظٌ في الوعيد، فمن كان يعتقد مُعتَقَدَهم فهو منهم من كل وجه، ومن خالفهم في اعتقادهم وأحبَّهم فهو منهم في المقت عند الله، واستحقاق العقوبة. ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المنافقون؛ والمراد هنا: عبد الله بن أبي بن سلول ومن كان معه. ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ كان عبد الله بن أبي يوالي اليهود ويستكثر بهم، ويقول: إني رجل أخشى الدوائر.

стр. 778

﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ﴾: الفتح: هو ظهور النبي ﷺ والمسلمين. والأمر من عند الله: هو هلاك الأعداء بأمر من عنده لا يكون فيه تسبُّبٌ لمخلوق. أو أمرٌ من الله لرسوله ﵇ بقتل اليهود. ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ الضمير في ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ للمنافقين، والذي أسروه: هو قصدهم الاستعانة باليهود على المسلمين، وإضمارُ العداوة للمسلمين. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرئ: ﴿يَقُولُ﴾ بغير واو؛ استئنافُ إخبار. وقرئ بالواو والرفع؛ وهو عطف جملة على جملة. وبالواو والنصب؛ عطفًا على ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾، أو على ﴿فَيُصْبِحُوا﴾. ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا﴾ الإشارةُ إلى المنافقين؛ لأنهم كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين. وانتصب ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ على المصدر المؤكَّد. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ يُحتمل أن يكون: من كلام المؤمنين، أو من كلام الله. ويُحتمل أن يكون: دعاءً، أو خبرًا. ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ خطابٌ على وجه التحذير والوعيد، وفيه

стр. 779

إعلامٌ بارتداد بعض المسلمين، فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه، ثم وقع؛ فارتدَّ في حياة رسول الله ﷺ بنو حنيفة قومُ مُسَيْلمَةَ الكذابِ، وبنو مُدْلِجٍ قوم الأسودِ العَنْسِيِّ الذي ادعى النبوة، وقُتِل في حياة رسول الله ﷺ ، وبنو أسدٍ قومُ طُلَيْحة بن خويلد الذي ادَّعى النبوة ثم أسلم وجاهد، ثم كثر المرتدون، وفشا أمرُهم بعد موت رسول الله ﷺ ، حتى كفى اللهُ أمرَهم على يد أبي بكر الصديق ﵁. وكانت القبائل التي ارتدَّت بعد وفاة رسول الله ﷺ سبعَ قبائل: بنو فَزَارة، وغَطَفانُ، وبنو سُلَيْم، وبنو يَرْبوع، وكِنْدَةُ، وبنو بكر بن وائل، وبعضُ بني تميم، ثم ارتدَّت غَسَّانُ في زمان عمر بن الخطاب، وهم قوم جَبَلَةَ بنِ الأَيْهَم الذي تنصَّر من أجل اللَّطْمة (١). ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ روي أن رسول الله ﷺ قرأها، وقال: «هم قوم هذا» (٢)، يعني: أبا موسى الأشعريَّ، والإشارة بذلك - والله أعلم - إلى أهل اليمن؛ لأن الأشعريين من أهل اليمن. وقيل: المراد أبو بكر الصديقُ وأصحابُه الذين قاتلوا أهل الردَّة، ويقوِّي ذلك: ما ظهر من أبي بكر الصديق ﵁ من الجِدِّ في قتالهم، والعزم عليه حين (٣) خالفه في ذلك بعض الناس، فاشتدَّ عزمه حتى وافقوه وأجمعوا معه، فنصرهم الله على أهل الردة، ويقوي ذلك أيضًا: أنَّ الصفاتِ التي وُصِفَ

стр. 780

بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي بكر، ألا ترى قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وكان أبو بكر ضعيفًا في نفسه، قويًّا في الله، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ إشارةٌ إلى مَنْ خالف أبا بكر ولامَه في قتال أهل الردّة فلم يَرجع عن عزمه. ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ كقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وإنما تعدَّى ﴿أَذِلَّةٍ﴾ بـ «على»؛ لأنه تضمن معنى العطف والحنوُّ. فإن قيل: أين الراجع من الجزاء إلى الشرط؟ فالجواب: أنه محذوف؛ تقديره: من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم، أو بقوم يقاتلونهم (١). ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ ذَكَر الوليَّ بلفظ المفرد؛ إفرادًا لله تعالى بها، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول ﵇ والمؤمنين على سبيل التَّبع، ولو قال: «إنما أولياؤكم» لم يكن في الكلام أصلٌ وتبع. ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قيل: نزلت في عليّ بن أبي طالب ﵁؛ فإنه سأله سائلٌ وهو راكع في الصلاة، فأعطاه خاتمه. وقيل: هي عامةٌ، وذَكَر الركوع بعد الصلاة؛ لأنه من أشرف أعمالها. فالواو: على القول الأوَّل: واو الحال.

стр. 781

وعلى الثاني: للعطف (١). ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ هذا من إقامة الظاهر مقامَ المضمر؛ معناه: فإنهم هم الغالبون.

стр. 782

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾]. ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بالنَّصْبِ: عطفٌ على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾. وقرئ بالخفض: عطفٌ على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ويعضده قراءة ابن مسعود: «ومن الكفار». ويراد بهم: المشركون من العرب. ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآيَةَ؛ روي أن رجلًا من النصارى كان بالمدينة إذا

стр. 783

سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمدا رسول الله» قال: حَرَّقَ الله الكاذب، فوقعت النار في بيته واحترق هو وأهله. واستدلَّ بعضهم بهذه الآية على ثبوت الأذان من القرآن. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ جعل قِلَّة عقولهم علةً لاستهزائهم بالدين. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ أي: هل تَعيبون علينا وتُنكرون منَّا إلَّا إيماننا بالله، وبجميع كتبه ورسله!، وذلك أمرٌ لا ينكر ولا يعاب، ونظيرُ هذا في الاستثناء العجيب قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم … بهنَّ فُلُولٌ من قراعِ الكتائبِ (١) ونزلت الآية بسبب أبي ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وجماعة من اليهود؛ سألوا رسول الله ﷺ عن الرسل الذين يؤمن بهم، فتلا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] إلى آخر الآية، فلما ذكر عيسى قالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به. ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ قيل: إنه معطوف على ﴿أَنْ آمَنَّا﴾. وقيل: على ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾. وقيل: هو تعليلٌ معطوف على تعليلٍ محذوف؛ تقديره: هل تنقمون منَّا إلَّا لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون!. ويحتمل أن يكون ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ مبتدأً، وخبره محذوف تقديره: فسْقُكم معلومٌ، أو ثابت.

стр. 784

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ لَمَّا ذَكَر أن أهل الكتاب يَعيبون المسلمين بالإيمان بالله، ورسله؛ ذَكر عيوب أهل الكتاب في مقابلة ذلك؛ ردًّا عليهم. فالخطاب في ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ لليهود، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تقدَّم من حال المؤمنين. ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ هي من الثواب، ووضع الثواب موضع العقاب؛ تهكُّمًا بهم؛ نحو قوله: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ يعني: اليهود، و «مَنْ»: في موضع رفع بخبر ابتداء مضمر؛ تقديره: هو مَنْ لعنه الله. أو في موضع خفض على البدل من ﴿شَرٍّ﴾. ولا بدَّ في الكلام من حذف مضاف؛ تقديره: «بشرٍّ من أهل ذلك»، أو تقديره: «دين مَنْ لعنه الله». ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ مُسِخَ قومٌ من اليهود قرودًا (١) حين اعتدوا في السبت، ومُسِخَ قومٌ منهم خنازير حين كذَّبوا عيسى بنَ مريم. ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ القراءة بفتح الباء: فعلٌ معطوف على ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. وقرئ بضم الباء وخفض ﴿الطَّاغُوتِ﴾؛ على أن يكون «عَبُدَ» اسمًا على وجه المبالغة كـ «يَقُظٍ»، أُضيف إلى «الطاغوت». وقرئ: «وعابِدَ» و «عُبَّادَ» =

стр. 785

وهي في هذه الوجوه عطفٌ على ﴿الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾. ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: منزلةً، ونَسب الشرَّ للمكان وهو في الحقيقة لأهله؛ وذلك مبالغةٌ في الذمِّ. ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ﴾ نزلت في منافقين من اليهود. ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ تقديره: مُلْتَبِسِينَ (١) بالكفر، والمعنى: دخلوا كفَّارًا وخرجوا كفَّارًا. ودخلت «قد» على ﴿دَخَلُوا﴾ و ﴿خَرَجُوا﴾؛ تقريبًا للماضي من الحال؛ أي: ذلك حالُهم في دخولهم وخروجهم على الدَّوام. ﴿فِي الْإِثْمِ﴾ الكذبِ، وسائرِ المعاصي. ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلمِ. ﴿السُّحْتَ﴾ الحرامَ. ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ﴾ عرضٌ وتحضيضٌ وتقريعٌ. ﴿لَبِئْسَ﴾ اللام في الموضعين للقسم. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ غَلُّ اليد: كنايةٌ عن البخل، وبَسْطُها: كنايةٌ عن الجود؛ ومنه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ أي: لا تَبْخَلْ كلَّ البخل، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: لا تَجُدْ كلَّ الجود. وروي أنَّ اليهود أصابتهم سَنَةُ جَهْدٍ فقالوا هذه المقالة الشَّنيعة، وكان

стр. 786

الذي قالها فِنْحَاصُ، ونُسِبت إلى جملة اليهود؛ لأنهم رضُوا بقوله. ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يحتمل أن يكون: دعاء أو خبرًا. ويحتمل أن يكون: في الدنيا أو في الآخرة. فإن كان في الدنيا: فيحتمل أن يراد به: البُخل، أو غُلُّ أيديهم في الأسر. وإن كان في الآخرة: فهو جعلُ الأغلال في جهنم. ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ عبارةٌ عن إنعامه وجوده. وإنما ثُنِّيت اليدان هنا وأفردت في قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ ليكون ردًّا عليهم، ومبالغةً في وصفه تعالى بالجود؛ كقول العرب: «فلان يعطي بكلتا يديه»؛ إذا كان عظيم السَّخاء (١). ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ إيقادُ النار: عبارةٌ عن محاولة الحرب،

стр. 787

وإطفاؤها: عبارة عن خذلانهم وعدم نصرهم. ويحتمل أن يراد بذلك: أسلافُهم. أو يراد مَنْ كان معاصرًا للنبي ﷺ منهم، ومَن يأت بعدهم، (فيكون على هذا إخبارًا بغيب، وبشارةً للمسلمين (١). ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ الآية؛ يحتمل أن يريد: أسلافُهم. أو المعاصرين للنبي ﷺ ) (٢)، فيكون على هذا ترغيبًا لهم في الإيمان والتقوى. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾ إقامتها: بالعلم والعمل. وذكرُ الإنجيل دليلٌ على دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ قيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ عبارةٌ عن المطر، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ عبارةٌ عن النبات والزرع. وقيل: ذلك استعارةٌ في توسعة الرزق من كل وجه. ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ أي: معتدلة، ويراد به: مَنْ أسلم منهم؛ كعبد الله بن سَلَام. وقيل: مَنْ لم يُعادِ الأنبياء المتقدمين.

стр. 788

[﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾]. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أمرٌ بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال؛ لأنه كان قد بَلَّغ، وإنما أُمِر هنا أن لا يتوقف عن شيءٍ مخافة أحد.

стр. 789

﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ هذا وعيدٌ على تقدير عدم التَّبليغ. وفي ارتباط هذا الشرط مع جوابه قولان: أحدهما: أن المعنى: إن تركت منه شيئًا فكأنك لم تبلِّغ شيئًا، وصار ما بلَّغتَ لا يُعتدُّ به، فمعنى ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾: إن لم تستوفِ التبليغَ على الكمال. والآخر: أن المعنى: إن لم تبلِّغ الرسالةَ وجب عليك عقابُ مَنْ كتمها، ووضع السبب موضعَ المسبَّب. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وعدٌ وضمانٌ للعصمة، وكان رسول الله ﷺ يخاف أعداءه ويحترس منهم في غزواته وغيرها، فلما نزلت هذه الآية قال: «يا أيها الناس!، انصرفوا فإن الله قد عصمني» (١) وترك الاحتراس. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية؛ أي: لستم على دينٍ يُعتدُّ به يسمى شيئًا حتى تقيموا التوراةَ والإنجيلَ، ومن إقامتها: الإيمانُ بمحمد ﷺ . وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يعني: القرآنَ. ونزلت الآية بسبب رافع بن حارثة وسلَّام بن مِشْكَم ورافع بن حُرَيملةَ (٢) وغيرهم من اليهود؛ جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنا نتبع التوراة ولا نتبع غيرها، ولا نؤمن بك ولا نتبعك.

стр. 790

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ تقدَّم الكلام على نظيرتها في «البقرة» (١). ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ قراءة السبعة بالواو؛ وهي مشكلةٌ، حتى قالت عائشة: «هي من لحن كُتَّاب المصحف» (٢). وإعرابُها: عند أهل البصرة: مبتدأ وخبره محذوف؛ تقديره: والصابئون كذلك، وهو مقدَّمٌ في نية التأخير. وأجاز بعض الكوفيين فيه: أن يكون معطوفًا على موضع اسم «إِنَّ». وقيل: «إِنَّ» هنا بمعنى «نَعَمْ»، وما بعدها مرفوع بالابتداء. وهو ضعيف. ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: بلاءٌ واختبار. وقرئ ﴿تَكُونَ﴾: بالرفع؛ على أن تكون «أنْ» مخففةً من الثقيلة. وبالنصب؛ على أنها مصدريةٌ. ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عبارةٌ عن تماديهم على المخالفة والعصيان. ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إن هذه التوبة ردُّ ملكهم ورجوعهم إلى بيت المقدس بعد خروجهم منه، ثم أُخِرجوا المرة الثانية فلم ينجبر حالهم أبدًا. وقيل: التوبة: بعث عيسى.

стр. 791

وقيل: بعث محمد ﵇. ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من الضمير. أو فاعلٌ؛ على لغة: «أكلوني البراغيثُ». والبدل أرجح وأفصح. ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ الآية؛ ردٌّ على النصارى، وتكذيبٌ لهم. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يَحتمل أن يكون: من كلام المسيح، أو من كلام الله. ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية؛ ردٌّ على من جعله إلهًا. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ بناءُ مبالغةٍ؛ من الصِّدق، أو من التَّصديق. ووصفُها بهذه الصفة دون النبوّة يَدفع قولَ من قال: إنها نبيَّةٌ. ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ استدلالٌ على أنهما ليسا بإلهين؛ لاحتياجهما إلى الغذاء الذي لا يحتاج إليه إلَّا مُحْدَثٌ مُفتقرٌ، ومن كان كذلك فليس بإله؛ لأن الإله منزَّهٌ عن صفات الحدوث (١)، وعن كلِّ ما يلحق بالبشر. وقيل: إن قوله: ﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ عبارةٌ عن الاحتياج إلى الغائط. ولا ضرورةَ تدعو إلى إخراج اللفظ عن ظاهره؛ لأن الحجة قائمةٌ بالوجهين.

стр. 792

﴿ثُمَّ انظُرْ﴾ دخلت «ثم»؛ لتفاوت الأمرين، ولقصد التَّعجيبِ مِنْ كُفرِهم بعد بيان الآيات. ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية؛ إقامةُ حجةٍ على مَنْ عبد عيسى وأمَّه وهما لا يملكان ضَرًّا ولا نفعًا. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ خطابٌ للنصارى، والغلوُّ: الإفراط، وبسبب ذلك كفر النصارى. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ قيل: هم أئمَّتُهم في دين النصرانية؛ كانوا على ضلالٍ في عيسى، وأضلُّوا كثيرًا من الناس، ثم ضلُّوا بكفرهم بمحمد ﷺ . وقيل: هم اليهود. والأول أرجح؛ لوجهين: أحدهما: أنَّ الضَّلال وصفٌ لازم للنصارى، ألا ترى قولَه تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾!. والآخر: أنه يُبعد نهيُ النصارى عن اتباع اليهود، مع ما بينهم من الخلاف والشِّقاق.

стр. 793

[﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾]. ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي: في الزَّبُور والإِنجيل. ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا عن منكرٍ. فإن قيل: لم وصف المنكر بقوله: ﴿فَعَلُوهُ﴾ والنهيُ لا يكون بعد الفعل؟ فالجواب: أن المعنى: لا يتناهون عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكرٍ (١) أرادوا فعله (٢). ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ إن أراد أسلافهم: فالرؤية بالقلب.

стр. 794

وإن أراد المعاصرين للنبي ﷺ وهو الأظهر-: فهي رؤية عين. ﴿وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ . ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ما اتخذوا الكفار أولياء. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ الآية؛ إخبارٌ عن شدة عداوة اليهود وعبَدة الأوثان للمسلمين. ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً﴾ الآية؛ إخبارٌ أن النصارى أقربُ إلى مودَّة المسلمين. وهذا الأمر باقٍ إلى آخر الدهر، فكل يهوديٍّ شديدُ العداوة للإسلام والكيد لأهله. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ تعليلٌ لقرب مودَّتهم، والقِسِّيس: العالم، والراهب: العابد. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآية؛ هي في النجاشيِّ، وفي الوفد الذين بعثهم إلى رسول الله ﷺ ، وهم سبعون رجلًا، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن، فبكوا كما بكى النجاشي حين قرأ عليه جعفر بن أبي طالب ﵁ سورة «مريم». وقال السهيلي: نزلت في وفد نجران، وكانوا نصارى عشرين رجلًا، فلما سمعوا القرآن بكوا (١). ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ «من» الأولى: سببيةٌ، والثانية: لبيان الجنس.

стр. 795

﴿آمَنَّا﴾ أي: بالقرآن من عند الله. ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع المسلمين، وكذلك: ﴿مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ توقيف لأنفسهم، أو محاجَّةٌ لغيرهم. ﴿وَنَطْمَعُ﴾ قال الزمخشري: الواو للحال (١). وقال ابن عطية: لعطف جملة على جملة، لا لعطف فعل على فعل (٢).

стр. 796

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾]. ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ سببها: أن قومًا من الصحابة غلب عليهم خوف الله إلى أن حرَّم بعضهم النساء، وبعضهم النوم بالليل، وبعضهم أكل اللحم، وهمَّ بعضهم أن يَخْتَصُوا ويَسِيحوا في الأرض، فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١). ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: لا تُفْرِطوا في التَّشديد على أنفسكم أكثر مما شرع لكم. ﴿وَكُلُوا﴾ أي: تمتَّعوا بالمآكل الحلال، وبالنساء وغير ذلك.

стр. 797

وإنما خصَّ الأكل بالذِّكر؛ لأنه أعظمُ حاجات الإنسان. ﴿بِاللَّغْوِ﴾ تقدَّم في «البقرة» (١). ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما قصدتم عقده بالنية. وقرئ ﴿عَقَدتُّمُ﴾ بالتخفيف، و ﴿عَاقَدتُّمُ﴾ بالألف. ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ اشتراط المسكنة دليلٌ على أنه لا يُجزئ في الكفارة إطعام غنيٍّ، فإن أطعمه جهلًا لم يُجزئه على المشهور من المذهب. واشترط مالك أيضًا: أن يكونوا أحرارًا مسلمين، وليس في الآية ما يدلُّ على ذلك. ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ اختلف في هذا التوسط؛ هل هو في القَدْر أو في الصِّنف؟ واللفظ يَحتمل الوجهين. فأما القَدْر: فقال مالك: يُطعَم بالمدينة: مدٌّ بمدِّ النبي ﷺ ، وبغيرها: وسطٌ من الشَّبَع. وقال الشافعي وابن القاسم: يُجزئُ المدُّ في كل مكان. وقال أبو حنيفة: إن غدَّاهم وعشَّاهم أجزأه. وأما الصِّنف: فاختُلف هل يُطعِم من عيش نفسه، أو من عيش أهل بلده؟ فمعنى الآية على التأويل الثاني: من أوسط ما تطعمون -أيها الناس-

стр. 798

أهليكم على الجملة. وعلى الأول: يختصُّ الخطاب بالمكفِّر. ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال كثيرٌ من العلماء: يُجزئ ثوبٌ واحد لمسكين؛ لأنه يقال فيه: كسوةٌ. وقال مالك: إنما يُجزئ (١) ما تصحُّ به الصلاة، فالرجلُ (٢) ثوبٌ واحد، والمرأةُ (٣) قميصٌ وخمار. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ اشترط مالك فيها: أن تكون مؤمنة؛ لتقييدها بذلك في كفارة القتل، فحمل هذا المطلق على ذلك المقيد. وأجاز أبو حنيفة هنا: عتق الكافر؛ لإطلاق اللفظ هنا. واشترط مالك أيضًا: أن تكون سليمةً من العيوب. وليس في اللفظ ما يدلُّ على ذلك. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: مَنْ لم يملك ما يُعتِق ولا ما يُطعِم ولا ما يكسو؛ فعليه صيام ثلاثة أيام، فالخصالُ الثَّلاثةُ (٤) على التَّخيير، والصيامُ مرتبٌ بعدها لمن عَدِمها. وهو عند مالك: مَنْ لم يَفْضُل عن قوته وقوت عياله في يومه زيادةٌ.

стр. 799

﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ معناه: إذ حلفتم وحنثتم، أو أردتم الحنث. واختلف: هل يجوز تقديم الكفَّارة على الحنث أم لا؟. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: احفظوها فبَرُّوا فيها، ولا تحنثوا. وقيل: احفظوها بأن تكفِّروها إن (١) حَنِثتم. وقيل: احفظوها؛ أي: لا تنسَوْها تهاونًا بها. ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ مذكوران في «البقرة» (٢). ﴿وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ مذكوران في أول هذه السورة (٣). ﴿رِجْسٌ﴾ هو في اللغة: كلُّ مكروهٍ مذموم، وقد يطلق بمعنى النَّجس، وبمعنى الحرام. وقال ابن عباس هنا (٤): ﴿رِجْسٌ﴾: سُخْطٌ. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ نصٌّ في التحريم، والضمير يعود على الرجس؛ الذي هو خبرٌ عن جميع الأشياء المذكورة. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ تقبيحٌ للخمر والميسر، وذكرٌ لبعض عيوبها، وتعليلٌ لتحريمها.

стр. 800

وقد وقعت في زمان الصحابة عداوةٌ بين أقوام بسبب شربهم لها قبل تحريمها، ويقال: إن ذلك كان سبب نزول الآية. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ توقيفٌ يتضمَّن الزَّجر والوعيد؛ ولذلك قال عمر لما نزلت: «انتهينا انتهينا» (١). ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ فيها تأويلان: أحدهما: أنه لما نزل تحريم الخمر قال قومٌ من الصحابة: كيف بمن مات منَّا وهو يشربها؟، فنزلت الآية مُعْلِمَةً أنه لا جُناح على من شربها قبل التَّحريم؛ لأنه لم يعص الله بشربها حينئذٍ. والآخر: أن المعنى: رفعُ الجُناح عن المؤمنين فيما طعموا من المطاعم إذا اجتنبوا الحرام منها، وعلى هذا أخَذها عمرُ ﵁ حين قال لقُدامة: «إنك إذا اتَّقيت الله اجتنبت ما حرم عليك»، وكان قدامةُ قد شربها واحتجَّ بهذه الآية على رفع الجناح عنه، فقال له عمر: «أخطأتَ التأويل» (٢). ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وآمَنُوا﴾ الآية؛ قيل: كَرَّر التقوى مبالغةً. وقيل: الرُّتبة الأولى: اتقاء الشرك، والثانية: اتقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأسُ. وقيل: الأولى: للزمان الماضي، والثانية: للحال، والثالثة: للمستقبل.

стр. 801

﴿وَأَحْسِنُوا﴾ يحتمل أن يريد: الإحسانَ إلى الناس. أو الإحسانَ في طاعة الله؛ وهو (١) المراقبة، وهذا أرجح؛ لأنه درجةٌ فوق التقوى، ولذلك ذَكَره في المرة الثالثة وهي الغاية، ولذلك قالت الصوفية: المقامات ثلاثةٌ: مقام الإسلام، ثم مقام الإيمان، ثم مقام الإحسان.

стр. 802

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾]. ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أي: يختبر طاعتكم من معصيتكم بما يظهر لكم من الصيد مع الإحرام، أو في الحرم. وكان الصيد من معايش العرب ومستعملًا عندهم، فاختُبِروا بتركه كما اختُبِر بنو إسرائيل بالحوت في السَّبت. وإنما قلَّله في قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إشعارًا بأنه ليس من الفتن العظام، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها. ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال مجاهد: الذي تناله الأيدي: الفراخ، والبيض، وما لا يستطيع أن يفرَّ، والذي تناله الرماح: كبارُ الصيد. والظاهر عدم هذا التَّخصيص.

стр. 803

﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ أي: يَعْلَمَه علمًا تقوم به الحجة؛ وذلك إذا ظهر في الوجود. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي: بقتل الصيد وهو مُحرِمٌ. والعذاب الأليم هنا: في الآخرة. ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ معنى ﴿حُرُمٌ﴾: داخلين في الإحرام، أو في الحرم. و ﴿الصَّيْدَ﴾ هنا: عامٌ، خَصَّص منه الحديثُ: الغرابَ، والحدأةَ، والفأرةَ، والعقربَ، والكلب العقور (١). وأدخل مالك في الكلب العقور: كلَّ ما يؤذي الناس من السباع وغيرها. وقاس الشافعي على هذه الخمسة: كلَّ ما لا يؤكل لحمه. ولفظ الصيد يدخل فيه: ما صيد، وما لم يُصَدْ مما شأنه أن يصاد. وورد النهي هنا عن القتل؛ قبل أن يصاد وبعد أن يصاد، وأما النهي عن الاصطياد فيؤخذ من قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ مفهوم الآية يقتضي: أن جزاء الصيد على المتعمِّد لا على الناسي، وبذلك قال أهل الظاهر. وقال جمهور الفقهاء: إن المتعمِّد والناسي سواءٌ في وجوب الجزاء، ثم اختلفوا في تأويل قوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المتعمِّد إنما ذُكر لِيُناط به الوعيدُ الذي في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ

стр. 804

فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؛ إذ لا وعيدَ على الناسي. والثاني: أن الجزاءَ على الناسي بالقياس على المتعمد. والثالث: أن الجزاءَ على المتعمدِ ثَبَتَ بالقرآن، وأنَّ الجزاءَ على الناسي ثبت بالسنة (١). ﴿فَجَزَاءُ مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ المعنى: فعليه جزاءُ. وقرئ بإضافة ﴿جَزَاءُ﴾ إلى ﴿مِثْلِ﴾؛ وهو من إضافة المصدر إلى المفعول به. وقيل: ﴿مِثْلِ﴾ زائدةٌ؛ كقولك: «أنا أكرمُ مِثلَك» أي: أكرمُك. وقرئ ﴿فَجَزَاءٌ﴾ -بالتنوين- ﴿مِثْلُ﴾ بالرفع؛ على البدل، أو الصفة. و ﴿النَّعَمِ﴾: الإبل والبقر والغنم خاصةً. ومعنى الآية: عند مالك والشافعي: أنَّ من قتل صيدًا وهو مُحرِمٌ أنَّ عليه في الفدية ما يشبه ذلك الصيدَ في الخِلْقة والمنظر، ففي النعامة بَدَنَةٌ، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزالة شاة، فالمِثْلِيَّة -على هذا-: هي في الصورة والمقدار، فإن لم يكن له مِثْلٌ: أَطْعَمَ أو صامَ.

стр. 805

ومذهب أبي حنيفة: أنَّ المثلَ القيمةُ؛ يقومُ الصيد المقتول، ويخيَّر القاتل بين أن يتصدَّق بالقيمة، أو يشتري بالقيمة من النَّعم ما يُهديه. ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ هذه الآية تقتضي: أن التَّحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحدُ الجزاء قبل الحكم عليه فعليه إعادته بالحكم، إلا حمام مكة؛ فإنه لا يحتاج إلى حَكَمين، قاله مالك. ويجب عند مالك التَّحكيمُ فيما حَكَمت فيه (١) الصحابةُ، وفيما لم يحكموا به؛ لعموم لفظ الآية. وقال الشافعي: يُكتفى في ذلك بما حكمت به الصحابة. ﴿هَدْيًا﴾ يقتضي ظاهره: أن ما يُخرَج من النَّعم جزاءً عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يُهدى؛ وهو الجذع من الضأن والثَّنيُّ مما سواه. وقال الشافعي: يُخرِج المثل في اللحم، ولا يُشترَط السن. ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ لم يُرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم. ويقتضي: أن يصنع بالجزاء ما يصنع بالهدي؛ من سَوْقِه من الحلِّ إلى الحرم (٢). وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن اشتراه في الحرم أجزأه. ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ عدَّ تعالى ما يجب في قتل المحرم للصَّيد، فذَكر أوَّلًا الجزاء من النَّعم، ثم الطعام، ثم الصيام.

стр. 806

ومذهب مالك والجمهور: أنها على التَّخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بـ «أو». ومذهب ابن عباس: أنها على التَّرتيب. ولم يبيِّن الله هنا مقدار الطعام، فرأى العلماء أن يُقدَّر بالجزاء من النَّعم، إلَّا أنهم اختلفوا في كيفية التَّقدير: فقال مالك: يقدَّر الصيد المقتول نفسُه بالطعام، أو بالدراهم ثم تقوَّم الدراهم بالطعام، فيُنظر كم يساوي من طعام أو من دراهم وهو حيٌّ. وقال بعض أصحاب مالك: تقدير الصيد بالطعام أن يقال: كم كان يُشبع الصيدُ من نفسٍ، ثم يُخرج قَدْر شِبَعهم طعامًا. وقال الشافعي: لا يقدَّر الصيد نفسُه، وإنما يقدَّر مثله، وهو الجزاء الواجب على القاتل له. ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ تحتمل الإشارةُ بذلك أن تكون: إلى الطعام، وهو أحسن؛ لأنه أقرب. أو إلى الصيد. واختُلف في صفة تعديل الصيام بالطعام: فقال مالك: يصوم مكان كل مدٍّ يومًا. وقال أبو حنيفة: مكان كل مدَّين يومًا. وقيل: مكان كلِّ صاعٍ يومًا.

стр. 807

ولا يجب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام إلَّا بقتل الصيد، لا بأخذه دون قتل؛ لقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾. وفي كلِّ وجهٍ يشترط حُكم الحَكمين، وإنما لم يذكره الله في الصيام والطعام؛ استغناءً بذكره في الجزاء. ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ الذَّوْقُ هنا: مستعارٌ؛ لأن حقيقته بحاسّة اللسان. والوبالُ: سوء العاقبة، وهو هنا: ما لَزِمه من التَّكفير. ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: عمَّا فعلتم في الجاهلية من قتل الصَّيد في الحرم. ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: مَنْ عاد إلى قتل الصيد وهو مُحرِمٌ بعد النهي عن ذلك فينتقمُ الله منه بوجوب الكفارة عليه، أو بعذابه في الآخرة. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أحلَّ الله بهذه الآية صيدَ البحر للحلال والمحرم. والصيد هنا: المصيد، والبحر: هو الماء الكثير؛ سواءٌ كان ملْحًا أو عَذْبًا، كالبِرَك ونحوها. ﴿وَطَعَامُهُ﴾ هو ما يطفو على الماء، وما قَذف به البحر؛ لأنَّ ذلك طعامٌ وليس بصيد. قاله أبو بكر الصدِّيق وعمر بن الخطاب. وقال ابن عباس: طعامه: ما مُلِح منه وبقي. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ الخطاب بـ ﴿لَكُمْ﴾ للحاضرين في البحر، والسيارة: المسافرون. أي: هو متاعٌ (١) تأتدمون به.

стр. 808

﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الصَّيد هنا يحتمل أن يراد به: المصدرُ، أو الشيءُ المصيد، أو كلاهما. فنشأ من هذا: أن ما صاده المحرم فلا يحلُّ له أكله بوجهٍ. ونشأ الاختلاف فيما صاد (١) غيرُه: فإذا اصطاد حلالٌ: فقيل: يجوز للمُحرمِ أكلهُ. وقيل: لا يجوز. وقيل: لا يجوز إن اصطاده لمحرمٍ. والأقوال الثلاثة مرويةٌ عن مالك. وإن اصطاد حرامٌ: لم يَجُزْ لغيره أكله عند مالك، خلافًا للشافعي. ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: أمرًا يقوم للناس بالأمن والمنافع. وقيل: موضعُ قيامٍ بالمناسك. ولفظ «الناس» هنا: عامٌّ. وقيل: أراد العربَ خاصةً؛ لأنهم الذين كانوا يعظّمون الكعبة. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يريد: جنسَ الأشهر الحرم الأربعة؛ لأنهم كانوا يكفُّون فيها عن القتال.

стр. 809

﴿وَالْهَدْيَ﴾ يريد: أنه أمانٌ لمن يسوقه؛ لأنه يُعلِم أنه في عبادةٍ لم يأت لحرب. ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلَّد شيئًا من السَّمُر، وإذا رجع تقلَّد شيئًا من شجر الحرم؛ ليُعلِم أنه كان في عبادة، فلا يتعرَّض له أحدٌ بشرٍ (١)؛ فالقلائد هنا: هو (٢) ما يُقَلِّدُه (٣) المحرمُ من الشجر. وقيل: أراد قلائد الهدي. قال سعيد بن جبير: جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية، وشدَّدها في الإسلام (٤). ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ الإشارةُ إلى جعل الله هذه الأمور قيامًا للناس. والمعنى: فعل (٥) الله ذلك لتعلموا أنه يعلم تفاصيل الأمور. ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ لفظٌ عام في جميع الأمور؛ من المكاسب والأعمال والناس وغير ذلك.

стр. 810

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾]. ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قيل: سببها: سؤال عبد الله بن حذافة: مَنْ أبي؟، فقال له النبي ﷺ : «أبوك حذافة»، وقال آخر: أين أنا (١)؟ قال: «في النار» (٢). وقيل: سببها: أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»
следующие страницы →