← Тафсир

Тафсир · id 30186

تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء

ابن جزي الكلبي

Полный текст (3 030 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ومذهب مالك والجمهور: أنها على التَّخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بـ «أو». ومذهب ابن عباس: أنها على التَّرتيب. ولم يبيِّن الله هنا مقدار الطعام، فرأى العلماء أن يُقدَّر بالجزاء من النَّعم، إلَّا أنهم اختلفوا في كيفية التَّقدير: فقال مالك: يقدَّر الصيد المقتول نفسُه بالطعام، أو بالدراهم ثم تقوَّم الدراهم بالطعام، فيُنظر كم يساوي من طعام أو من دراهم وهو حيٌّ. وقال بعض أصحاب مالك: تقدير الصيد بالطعام أن يقال: كم كان يُشبع الصيدُ من نفسٍ، ثم يُخرج قَدْر شِبَعهم طعامًا. وقال الشافعي: لا يقدَّر الصيد نفسُه، وإنما يقدَّر مثله، وهو الجزاء الواجب على القاتل له. ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ تحتمل الإشارةُ بذلك أن تكون: إلى الطعام، وهو أحسن؛ لأنه أقرب. أو إلى الصيد. واختُلف في صفة تعديل الصيام بالطعام: فقال مالك: يصوم مكان كل مدٍّ يومًا. وقال أبو حنيفة: مكان كل مدَّين يومًا. وقيل: مكان كلِّ صاعٍ يومًا.

стр. 807

ولا يجب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام إلَّا بقتل الصيد، لا بأخذه دون قتل؛ لقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾. وفي كلِّ وجهٍ يشترط حُكم الحَكمين، وإنما لم يذكره الله في الصيام والطعام؛ استغناءً بذكره في الجزاء. ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ الذَّوْقُ هنا: مستعارٌ؛ لأن حقيقته بحاسّة اللسان. والوبالُ: سوء العاقبة، وهو هنا: ما لَزِمه من التَّكفير. ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: عمَّا فعلتم في الجاهلية من قتل الصَّيد في الحرم. ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: مَنْ عاد إلى قتل الصيد وهو مُحرِمٌ بعد النهي عن ذلك فينتقمُ الله منه بوجوب الكفارة عليه، أو بعذابه في الآخرة. ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أحلَّ الله بهذه الآية صيدَ البحر للحلال والمحرم. والصيد هنا: المصيد، والبحر: هو الماء الكثير؛ سواءٌ كان ملْحًا أو عَذْبًا، كالبِرَك ونحوها. ﴿وَطَعَامُهُ﴾ هو ما يطفو على الماء، وما قَذف به البحر؛ لأنَّ ذلك طعامٌ وليس بصيد. قاله أبو بكر الصدِّيق وعمر بن الخطاب. وقال ابن عباس: طعامه: ما مُلِح منه وبقي. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ الخطاب بـ ﴿لَكُمْ﴾ للحاضرين في البحر، والسيارة: المسافرون. أي: هو متاعٌ (١) تأتدمون به.

стр. 808

﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الصَّيد هنا يحتمل أن يراد به: المصدرُ، أو الشيءُ المصيد، أو كلاهما. فنشأ من هذا: أن ما صاده المحرم فلا يحلُّ له أكله بوجهٍ. ونشأ الاختلاف فيما صاد (١) غيرُه: فإذا اصطاد حلالٌ: فقيل: يجوز للمُحرمِ أكلهُ. وقيل: لا يجوز. وقيل: لا يجوز إن اصطاده لمحرمٍ. والأقوال الثلاثة مرويةٌ عن مالك. وإن اصطاد حرامٌ: لم يَجُزْ لغيره أكله عند مالك، خلافًا للشافعي. ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: أمرًا يقوم للناس بالأمن والمنافع. وقيل: موضعُ قيامٍ بالمناسك. ولفظ «الناس» هنا: عامٌّ. وقيل: أراد العربَ خاصةً؛ لأنهم الذين كانوا يعظّمون الكعبة. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يريد: جنسَ الأشهر الحرم الأربعة؛ لأنهم كانوا يكفُّون فيها عن القتال.

стр. 809

﴿وَالْهَدْيَ﴾ يريد: أنه أمانٌ لمن يسوقه؛ لأنه يُعلِم أنه في عبادةٍ لم يأت لحرب. ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلَّد شيئًا من السَّمُر، وإذا رجع تقلَّد شيئًا من شجر الحرم؛ ليُعلِم أنه كان في عبادة، فلا يتعرَّض له أحدٌ بشرٍ (١)؛ فالقلائد هنا: هو (٢) ما يُقَلِّدُه (٣) المحرمُ من الشجر. وقيل: أراد قلائد الهدي. قال سعيد بن جبير: جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية، وشدَّدها في الإسلام (٤). ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ الإشارةُ إلى جعل الله هذه الأمور قيامًا للناس. والمعنى: فعل (٥) الله ذلك لتعلموا أنه يعلم تفاصيل الأمور. ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ لفظٌ عام في جميع الأمور؛ من المكاسب والأعمال والناس وغير ذلك.

стр. 810

[﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾]. ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قيل: سببها: سؤال عبد الله بن حذافة: مَنْ أبي؟، فقال له النبي ﷺ : «أبوك حذافة»، وقال آخر: أين أنا (١)؟ قال: «في النار» (٢). وقيل: سببها: أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»

стр. 811

فقالوا: يا رسول الله أفي كلّ عام؟ فسكت، فأعادوا، قال: «لا، ولو قلتُ: نعم لوجبت» (١). فعلى الأول: ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ بالإخبار بما لا يعجبكم. وعلى الثاني: ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ بتكليف ما يشقُّ عليكم، ويقوِّي هذا قولُه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: سكت عن ذكرها ولم يطالبكم بها؛ كقوله ﷺ : «عفا الله عن الزكاة في الخيل» (٢). وقيل: إن معنى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ عفا عنكم فيما تقدَّم من سؤالكم؛ فلا تعودوا إليه. ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه معنى الوعيد على السؤال؛ كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم أُبديَ لكم ما يسؤوكم. والمراد بـ ﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾: زمانُ الوحي. ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الضمير في ﴿سَأَلَهَا﴾ راجعٌ إلى المسألة التي دلَّ عليها ﴿لَا تَسْأَلُوا﴾، وهي مصدرٌ؛ ولذلك لم يتعدَّ بـ «عن» كما تعدَّى قولُه: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾. وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أُمِروا بها تركوها فهلكوا، فالكفر هنا: عبارةٌ عن ترك ما أُمِروا به.

стр. 812

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ لما سأل قومٌ عن هذه الأمورِ التي كانتْ في الجاهليةِ هل تعظّم كتعظيمِ الكعبةِ والهديِ؟؛ أخبرَهم اللهُ أنهُ لمْ يجعلْ شيئًا منْ ذلكَ لعبادِهِ؛ أيْ: لمْ يشرعهُ لهمْ، وإنما الكفَّارُ جعلوا ذلكَ. فأما البحيرة: فهي فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ مِنْ بَحَرَ إذا شقَّ؛ وذلك أن الناقة إذا نُتِجَتْ (١) عشرةَ أبطُنٍ شقُّوا أُذُنَها، وتركوها ترعى ولا ينتفع بها. وأما السَّائبة: فكان الرَّجُلُ يقولُ: إذا قدَمْتُ منْ سفري أو برِئْتُ من مرضي فناقَتي سائبة، وجعَلَها كالبحيرةِ في عدمِ الانتفاعِ بها. وأما الوصيلة: فكانوا إذا وَلَدت الناقة ذكرًا وأنثى في بطنٍ واحد قالوا: وصلتِ الناقةُ أخاها، فلم يذبحوهُ (٢). وأما الحامي: فكانوا إذا نُتِجَ من صلبِ الجملِ عشرةُ بطون قالوا: قد حمى ظَهْرَه، فلا يُركب ولا يُحمَل عليه شيءٌ. ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يكذبون عليه بتحريمهم ما لم يحرّمْ.

стр. 813

﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الذي يفترون: هم الذين اخترعوا تحريم تلك الأشياء. والذين لا يعقلون: هم أتباعهم المقلدون لهم. ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: يكفينا دينُ آبائنا. ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ قال الزمخشري: الواو: واو الحال، دخلت عليها همزة الإنكار؛ كأنه قيل: أَحَسْبُهم هذا وآباؤهم لا يعقلون! (١). وقال ابن عطية: «ألف التوقيف دخلت على واو العطف» (٢). وقول الزمخشري أحسنُ في المعنى. ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قيل: إنها منسوخةٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقيل: إنها خطابٌ للمسلمين من ذرية الذين حرَّموا البحيرةَ وأخواتها؛ كأنه يقول: لا يضرُّكم ضلال أسلافكم إذا اهتديتم. والقول الصحيح فيها: ما ورد عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: «مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيتم (٣) شُحًّا مطاعًا، وهوى متَّبعًا، ودنيا مؤثَّرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخويصة نفسك وذَرْ عوامَّهم» (٤)، ومثل ذلك قول عبد الله بن

стр. 814

مسعود ﵁: «ليس هذا بزمان هذه الآية؛ قولوا الحق ما قُبل منكم، فإذا رُدَّ عليكم (١) فعليكم أنفسكم» (٢). ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ قال مكيُّ: هذه الآية أشكلُ آيةٍ من القرآن؛ إعرابًا، ومعنىً، وحكمًا (٣). ونحن نبين معناها على الجملة، ثم نبين أحكامها، وإعرابها على التفصيل. وسببها: أنَّ رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهما رجلٌ آخر لتجارة (٤)، فمرض في الطريق، فكتب كتابًا قيَّد فيه كلَّ ما معه، وجعله في متاعه، وأوصى الرجلين أن يؤديا رَحْلَه إلى ورثته، فمات، فقَدِمَ الرجلان المدينة، ودفعا رَحله إلى ورثته، فوجدوا فيه كتابه، وفقدوا منه أشياء قد كتبها، فسألوهما عنها فقالا: لا ندري، هذا الذي قبضناه، فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فاستحلفهما رسول الله ﷺ ، فبقي الأمر مدَّةً، ثم عُثر على إناء عظيم من فضة، فقيل لمن وُجد عنده: من أين لك هذا؟، فقال: اشتريته من فلان وفلان، يعني الرجلين، فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله ﷺ فأمر رسول الله ﷺ رجلين من أولياء الميت أن يحلفا، فحلفا واستحقَّا. فمعنى الآية: إذا حضر الموتُ أحدًا في السفر فليشهد عَدْلين بما معه، فإن

стр. 815

وقعت ريبةٌ في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا ولا بدَّلا، فإن عُثِر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت، وغَرِم الشاهدان ما ظهر عليهما. ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: ﴿اثْنَانِ﴾، التقدير: شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين. أو: مقيمُ شهادةِ بينكم اثنان. ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ أي: إذا قارب (١) الحضورَ، والعامل في ﴿إِذَا﴾: المصدرُ الذي هو ﴿شَهَادَةُ﴾، وهذا على أن يكون ﴿إِذَا﴾ بمنزلة «حين»؛ لا تحتاج جوابًا. ويجوز أن تكون شرطيةً، وجوابها محذوف؛ يدلُّ عليه ما تقدَّم قبلها؛ فإنَّ المعنى: إذا حضر أحدكم الموتُ فينبغي أن يُشهدَ. ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ ظرفٌ؛ العامل فيه: ﴿حَضَرَ﴾. أو يكون بدلًا من ﴿إِذَا﴾. ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ صفةٌ للشاهدين. ﴿مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قيل: معنى ﴿مِنْكُمْ﴾: من عشيرتكم وأقاربكم، و ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: من غير العشيرة والقرابة. وقال الجمهور: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، و ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من الكفار إن لم يوجد مسلمٌ.

стр. 816

ثم اختُلف على هذا: هل هي منسوخةٌ بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فلا تجوز شهادة الكفار أصلًا - وهو قول مالك والشافعي والجمهور -؟. أو هي مُحْكَمةٌ وأن شهادة الكفار جائزةٌ على الوصية في السفر - وهو قول ابن عباس -؟. ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوفٌ؛ يدلُّ عليه ما تقدَّم قبلها، والمعنى: إن ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت فشهادة بينكم شهادة اثنين. ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ قال أبو علي الفارسيُّ: هو صفة لـ ﴿آخَرَانِ﴾، واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْمَوْتِ﴾؛ ليُفيدَ أن العُدول إلى آخَرَيْنِ من غير الملةِ إنما يجوز لضرورةِ الضَّرب في الأرض، وحلولِ الموتِ في السَّفَر. وقال الزمخشري: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ استئنافُ كلامٍ (١). ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال الجمهور: هي صلاة العصر؛ فاللام للعهد؛ لأنها وقت اجتماع الناس، وبعدها أمر النبي ﷺ باللَّعان، وقال: «مَنْ حلَف على سلعة بعد العصر .. » (٢)، وكان التحليفُ بعدها معروفًا عندهم. وقال ابن عباس: هي صلاة الكافرين في دينهما؛ لأنهما لا يُعظّمان صلاةَ العصر.

стр. 817

﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: يحلفان، ومذهب الجمهور: أن تحليف الشاهدين منسوخٌ. وقد أحلفهما عليُّ بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن شككتم في صدقهما، وأمانتهما. وهذه الكلمة اعتراضٌ بين القَسَم والمُقسَم عليه. وجواب ﴿إِنِ﴾ محذوفٌ؛ يدل عليه: ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾. ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ هذا هو المقسَم عليه، والضمير في ﴿بِهِ﴾ للقسم، وفي ﴿كَانَ﴾ للمُقسَم له؛ أي: لا نَستبدلُ بصحة القسم بالله عَرَضًا من الدنيا؛ أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال؛ ولو كان مَنْ نُقسِمُ له قريبًا لنا؛ وهذا لأن عادة الناس الميلُ إلى أقاربهم. ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أي: الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها، وأضافها (١) إلى الله؛ تعظيمًا لها. ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: إن اطُّلِع بعد ذلك على أنهما فعَلا ما أوجب إثمًا. فالإثم: الكذب، أو (٢) الخيانة. واستحقاقه: الأهليةُ للوصف به. ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي: اثنان من أولياء الميت يقومان مقام الشاهدين في اليمين.

стр. 818

﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ أي: من الذين استُحِقَّ عليهم الإثم، أو المال. ومعناه: من الذي جُنِي عليهم؛ وهم أولياء الميت. ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ تثنية «أَوْلَى»؛ بمعنى: أحقُّ؛ أي: الأحَقَّان بالشهادة؛ لمعرفتهما، أو الأحَقَّان بالمال؛ لقرابتهما. وهو مرفوعٌ؛ على أنه: خبر ابتداء؛ تقديره: «هما الأوليان». أو مبتدأ مؤخَّرٌ؛ تقديره: «الأوليان آخران يقومان». أو بدلٌ من الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾. ومنع الفارسيُّ أن يُسندَ ﴿اسْتَحَقَّ﴾ إلى ﴿الأَوْلَيَانِ﴾، وأجازه ابن عطية (١). وأما على قراءة ﴿اسْتَحَقَّ﴾ -بفتح التاء والحاء- على البناء للفاعل: فـ ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ فاعلٌ بـ ﴿اسْتَحَقَّ﴾. ومعنى ﴿اسْتَحَقَّ﴾ على هذا: أَخذ المال وجعل يده عليه. و ﴿الأَوْلَيَانِ﴾ -على هذا- هما: الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما؛ أي: الأوليان بالتحليف والتعنيف والفضيحة. وقرئ ﴿الأَوَّلِينَ﴾ جمع أوَّلٍ، وهو: مخفوضٌ؛ على الصفة لـ ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. أو منصوبٌ بإضمار فعلٍ.

стр. 819

ووصفهم بالأوّليّة؛ لتقدمهم على الأجانب في استحقاق المال، وفي صدق الشهادة. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: يحلفُ هذان الآخران أنَّ شهادتهما أحقُّ -أي: أصحُّ- من شهادة الشاهدين اللذينِ ظهرت خيانتهما. ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن اعتدينا فإنا من الظالمين؛ وذلك على وجه التبري، ومثله قول الأولين: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ الإشارةُ بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الحكم الذي وقع في هذه القضية (١). ومعنى ﴿أَدْنَى﴾: أقربُ، و ﴿عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: كما وقعت من غير تبديل ولا تغيير. ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فَيَفتضحوا.

стр. 820

[﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾]. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ هو يومُ القيامةِ، وانتصابُ الظرفِ بفعلٍ مضمرٍ. ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي: ماذا أجابتكم به الأممُ؛ من إيمان وكفر وطاعة ومعصية؟ والمقصود بهذا السؤال: توبيخُ مَنْ كفر من الأمم، وإقامةُ الحجةِ عليهم. وانتصب ﴿مَاذَا﴾ بـ ﴿أُجِبْتُمْ﴾ انتصاب مصدره. ولو أريد الجواب لقيل: «بماذا أجبتم؟». ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ إنما قالوا ذلك تأدُّبًا مع الله، فوكَّلوا العلم إليه.

стр. 821

قال ابن عباس: المعنى: لا علم لنا إلا ما عَلَّمتنا. وقيل: معناه: عِلْمُنا ساقطٌ في جَنْبِ علمك، ويُقوِّي ذلك قولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؛ لأنَّ مَنْ عَلِم الخفيَّات لم تَخْفَ (١) عليه الظواهر. وقيل: ذَهُلُوا عن الجواب؛ لهول ذلك اليوم. وهذا بعيد؛ لأنَّ الأنبياء في ذلك اليوم آمنون. وقيل: أرادوا بذلك توبيخ الكفار. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يحتمل: أن يكون ﴿إِذْ﴾ بدلًا من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾، ويكون هذا القولُ يوم القيامة. أو يكون العامل في ﴿إِذْ﴾ مضمرًا، ويحتمل على هذا أن يكون القولُ: في الدنيا. أو يوم القيامة، وإذا جعلناه يوم القيامة؛ فقوله: ﴿قَالَ﴾ بمعنى: يقول. وقد تقدَّم تفسير ألفاظ هذه الآية في «آل عمران» (٢). ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ الضمير المؤنَّث عائدٌ على الكاف؛ لأنها صفة الهيئة، وكذلك الضمير في ﴿فَتَكُونُ﴾. وكذلك الضمير المذكَّر في قوله في «آل عمران»: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] عائدٌ على الكاف أيضًا؛ لأنها بمعنى: «مِثْل». وإن شئت أن تقول: هو في الموضعين عائدٌ على الموصوف المحذوف

стр. 822

الذي وُصِف بقوله: ﴿كَهَيْئَةِ﴾ فَتُقَدِّرُه (١) في التَّأنيث: «صورةً»، وفي التَّذكير: «شخصًا» أو «خَلْقًا» وشبه ذلك. وقيل: المؤنَّثُ يعود: على الهيئة، والمذكَّرُ (٢): على الطَّير، أو الطِّين. وهو بعيدٌ في المعنى. ﴿بِإِذْنِي﴾ كرَّره مع كل معجزة؛ ردًّا على من نسب الربوبية لعيسى. ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ يعني: اليهود؛ حين همُّوا بقتله فرفعه الله إليه. ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ معطوفٌ على ما قبله؛ فهو من جملة نعم الله على عيسى. والوحيُ هنا يحتمل أن يكون: وحيَ إلهامٍ، أو وحيَ كلامٍ. ﴿وَاشْهَدْ﴾ يحتمل أن يكون خطابًا: لله تعالى، أو لعيسى ﵇. ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ نداؤهم له باسمه دليلٌ على أنهم لم يكونوا يعظِّمونه كتعظيم المسلمين لمحمد ﷺ ؛ فإنهم كانوا لا ينادونه باسمه، وإنما يقولون: يا رسول الله، يا نبي الله. وقولهم: ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ دليلٌ على أنهم كانوا يعتقدون فيه الاعتقاد الصحيح مِنْ نِسبتِه إلى أمٍّ دون والد، بخلاف ما اعتقده النصارى. ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ظاهرُ هذا اللفظ: أنهم شكُّوا في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة. وعلى هذا أخذه الزمخشري، وقال: ما وصفهم الله

стр. 823

بِالإيمان، وإنما حكى دعواهم في قولهم: «آمَنَّا» (١). وقال ابن عطية وغيره: ليس لأنهم شكُّوا في قدرة الله؛ لكنه بمعنى: هل يفعل ربك هذا؟، وهل يقع منه إجابةٌ إليه؟ (٢). وهذا أرجحُ؛ لأن الله أثنى على الحواريين في مواضع من كتابه، مع أنَّ في اللفظ بشاعةً تُنكر. وقرئ: ﴿تَسْتَطِيعُ﴾ - بتاء الخطاب - ﴿رَبَّكَ﴾ بالنصب؛ أي: هل تستطيع سؤالَ ربِّكَ. وهذه القراءة لا تقتضي أنهم شكُّوا، وبها قرأت عائشة ﵂، وقالت: «كان الحواريون أعرف بربهم من أن يقولوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾» (٣). ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ موضع ﴿أَنْ﴾: مفعولٌ بقوله: ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ على القراءة بالياء. ومفعولٌ بالمصدر - وهو السؤالُ المقدَّر - على القراءة بالتاء. والمائدة: التي عليها طعامٌ، فإن لم يكن عليها طعام فهي خِوانٌ. ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قوله لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يحتمل أن يكون: زجرًا عن طلب المائدة، واقتراح الآيات.

стр. 824

ويحتمل أن يكون زجرًا عن الشكِّ الذي يقتضيهِ قولهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ على مذهب الزمخشري. أو عن البشاعةِ التي في اللفظِ وإن لم يكن فيه شكٌّ. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: هو على ظاهره على مذهب الزمخشري. وأما على مذهب ابن عطية وغيره: فهو تقريرٌ لهم؛ كما تقول: «افعل كذا إن كنت رجلًا»، ومعلوم أنه رجل. وقيل: إنَّ هذه المقالة صدرت منهم في أوَّل الأمرِ، قبل أن يروا معجزاتِ عيسى. ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: أكلًا نتشرف به بين الناسِ، وليس مرادهم شهوةَ البطنِ. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ أي: نعاين الآية، فيصير إيماننا بالضرورةِ والمشاهدةِ فلا تَعْرِضُ لنا الشكوكُ التي تعرض في الاستدلالِ. ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ظاهره يقوي قولَ من قال: إنهم إنما قالوا ذلك قبل تمكنِ إيمانهم. ويحتمل أن يكون المعنى: نعلمَ علمًا ضروريًّا لا يحتمل الشكَّ. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: نشهدُ بها عند مَنْ لم يحضرها من الناسِ. ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ أجابهم عيسى إلى سؤالِ المائدةِ من اللهِ.

стр. 825

وروي أنه لبس جُبَّةَ شعر ورداء شعر، وقام يصلي ويدعو ويبكي. ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ قيل: نتَّخِذُ يومَ نزولها عيدًا يدور كلَّ عام، لأول الأمة، ثم لمن بعدهم. وقال ابن عباس: المعنى: تكون مجتمعًا لجميعنا أوَّلِنا وآخِرِنا في يوم نزولها خاصة، لا عيدًا (١) يدور. ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: علامةً على صدقي. ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أجابهم الله إلى ما طلبوا، ونزلت المائدة عليها خبز وسمك. وقيل: زيتون وتمر ورمان. وقال ابن عباس: كان طعام المائدة ينزل عليهم حيثما نزلوا. وفي قصة المائدة قَصَص كثيرٌ غيرُ صحيح. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ عادةُ الله عقابُ مَنْ كفر بعد اقتراح آيةٍ فأُعطيتْهُ، ولما كفر بعض هؤلاء مَسَخهم الله خنازير. قال عبد الله بن عمر: أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة مَنْ كفر من أصحاب المائدة، وآلُ فرعون، والمنافقون (٢).

стр. 826

[﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾]. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس والجمهور: هذا القول من الله يكون يوم القيامة على رؤوس الخلائق؛ ليرى الكفارُ تبرئةَ عيسى مما نسبوه إليه، ويعلمون أنهم كانوا على باطل. وقال السُّدِّيُّ: لما رَفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله الله حينئذ عن ذلك، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ الآية، فعلى هذا: يكون ﴿إِذْ قَالَ﴾ ماضيًا في معناه؛ كما هو في لفظه. وعلى قول ابن عباس: يكون بمعنى المستقبل. ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ نفيٌ يعضُده دليل العقل؛ لأن المحَدَث لا يكون إلها.

стр. 827

﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ اعتذارٌ وبراءةٌ من ذلك القول، ووكلَ العلمَ إلى الله؛ لتظهر براءتُه؛ لأن الله عَلِم أنه لم يقل ذلك. ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تعلم معلومي ولا أعلم معلومَك، ولكنه سلك باللفظ مَسْلَكَ المشاكلة؛ فقال: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾؛ مقابلةً لقوله: ﴿فِي نَفْسِي﴾ (١). وبقيةُ كلامه تعظيمٌ لله، وإخبارٌ بما قال للناس في الدنيا. ﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ ﴿أَنِ﴾ حرف عبارة وتفسير. أو مصدرية؛ بدلٌ من الضمير في ﴿بِهِ﴾. ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيها سؤالان: الأول: كيف قال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وهم كفَّارٌ؛ والكفَّار لا يُغفَر لهم؟

стр. 828

والجواب: أن المعنى: تسليمُ الأمر لله، وأنه إن عذَّب أو غفر فلا اعتراضَ عليه؛ لأن الخلق عبادُه، والمالك يفعل في مُلكه ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوعُ المغفرة للكفار، إنما يقتضي جوازَها في حِكْمة الله تعالى وعزَّته، وفرَّقَ بين الجواز والوقوع. وأما على قول من قال: إن هذا الخطاب لعيسى ﵇ حين رفعه الله إلى السماء، فلا إشكالَ؛ لأن المعنى: إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياءً، وكل حيٍّ معرضٌ للتوبة. السؤال الثاني: ما مناسبةُ قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ والأليق مع ذكر المغفرة أنْ لو قيل: «فإنك أنت الغفور الرحيم»؟. والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: يظهر لي: أنه لما قصد التسليم لله والتعظيم له، كان قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أليقَ؛ فإن الحكمة تقتضي التسليم له، والعزَّة تقتضي التعظيم له؛ فإن العزيز: هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيرُه، ولا يمتنع عليه شيءٌ أراده، فاقتضى الكلام تفويضَ الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم المغفرة؛ لأنه قادرٌ على كلا الأمرين؛ لعزَّته، وأيهما فعَل فهو جميل؛ لحكمته. الجواب الثاني: -قاله شيخُنا الأستاذ أبو جعفر ابنُ الزبير-: إنما لم يقل «الغفور الرحيم»؛ لئلا يكون في ذلك تعريضٌ بطلب المغفرة لهم، فاقتصر

стр. 829

على التسليم والتفويض دون الطلب؛ إذ لا تطلب المغفرة لكافرٍ (١). وهذا قريب من قولنا. الثالث: حكى شيخنا الخطيب أبو عبد الله بنُ رُشَيْدٍ (٢) عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم ابن حازم (٣) أنه كان يقف على قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ويجعل ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ استئنافًا، وجواب ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾؛ كأنه قال: إن تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال. ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ عمومٌ في جميع الصادقين، وخصوصٌ في عيسى بن مريم؛ فإن في ذلك إشارةً إلى صدْقه في الكلام الذي حكاه الله عنه. وقرأ غير نافع: ﴿هَذَا يَوْمُ﴾ بالرفع؛ على الابتداء والخبر. وقرأ نافع بالنصب؛ وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون ﴿يَوْمَ﴾ ظرفًا لـ ﴿قَالَ﴾؛ فعلى هذا: لا تكون الجملة معمولَ القول، وإنما معموله ﴿هَذَا﴾ خاصةً، والمعنى: قال الله هذا القصص أو (٤) الخبر في يوم. وهذا بعيدٌ مُزيلٌ لِرَوْنَقِ الكلام.

стр. 830

والآخر: أن يكون ﴿هَذَا﴾ مبتدأً، و ﴿يَوْمُ﴾ في موضع خبره، والعامل فيه محذوفٌ؛ تقديره: هذا واقعٌ يومَ ينفع الصادقين صدقهم. ولا يجوز أن يكون ﴿يَوْمَ﴾ مبنيًّا على قراءة نافع؛ لأنه أضيف إلى مُعْرَبٍ. قاله الفارسي والزمخشري (١).

стр. 831

(سورة الأنعام) قال كعبٌ (١): أوَّلُ الأنعام هو أوَّلُ التوراة (٢). [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾]. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ «جعل» هنا بمعنى: خلق، والظلمات: الليل، والنور: النهار، والضَّوء الذي في الشمس والقمر وغيرهما.

стр. 832

وإنما أفرد النور؛ لأنه أراد الجنس. وفي الآية ردٌّ على المجوس في عبادتهم النارَ وغيرَها من الأنوار، وقولهم: إن الخير من النور والشرَّ من الظلمة؛ فإن المخلوق لا يكون إلها ولا فاعلًا لشيء من الحوادث. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يُسوُّون ويُمثِّلون؛ من قولك: عدلتُ فلانًا بفلان: إذا جعلته نظيره وقرينه. ودخلت ﴿ثُمَّ﴾ لتدلَّ على استبعاد أن يَعْدِلوا بربِّهم بعد وضوح آياته في خلق السموات والأرض، والظلمات والنور. وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾؛ استبعادٌ لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه أحياهم وأماتهم. وفي ضمن ذلك تعجيبٌ من فعلهم، وتوبيخٌ لهم. و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هنا: عامٌّ في كل مشرك. وقد يختصُّ: بالمجوس؛ بدليل الظلمات والنور. أو بَعَبَدَةِ الأصنام؛ لأنهم المجاورون للنبي ﷺ ، وعليهم يقع الردُّ في أكثر القرآن. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ أي: خلق أباكم آدم من طين. ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِندَهُ﴾ الأجل الأول: الموتُ، والثاني: يومُ القيامة، وجَعَله عنده؛ لأنه استأثر بعلمه.

стр. 833

وقيل: الأوَّل: النوم، والثاني: الموت. ودخلت ﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الإخبار، لا لترتيب الوقوع؛ لأن القضاء متقدّمٌ على الخلق. ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلَّق ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بمعنى اسم الله؛ فالمعنى كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفةُ في المشرق والمغرب. ويحتمل أن يكون المجرور في موضع الخبر؛ فيتعلَّق باسم فاعلٍ محذوف، والمعنى على هذا قريبٌ من الأول. وقيل: المعنى أنه في السموات والأرض بعلمه؛ كقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. والأول أرجح وأفصح؛ لأن اسم الله جامعٌ للصفات كلّها من العلم والقدرة والحكمة وغير ذلك فقَصَد جمعَها مع الإيجاز. ويترجَّح الثاني: بأن سياق الكلام في اطّلاع الله تعالى وعلمه؛ لقوله بعدها: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾. وقيل: يتعلَّق بمحذوف؛ تقديره: المعبود في السموات والأرض، وهذا المحذوف صفة لـ ﴿اللَّه﴾. واسم ﴿اللَّه﴾ على هذا القول، وعلى الأول: هو خبر المبتدأ. وأما إذا كان المجرور الخبر: فاسم ﴿اللَّه﴾ بدلٌ من الضمير. ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ «من» الأولى: زائدة.

стр. 834

والثانية: للتبعيض، أو لبيان الجنس. ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: ما جاء به محمد ﷺ . ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ الآية؛ وعيد بالعذاب والعقاب على استهزائهم. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ حضٌّ للكفار على الاعتبار بغيرهم. والقَرْن: مئة سنة، وقيل: سبعون، وقيل: أربعون. ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ الضمير عائدٌ على القرن؛ لأنه في معنى الجماعة. ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ الخطاب لجميع أهل ذلك العصر من مؤمن وكافر. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِدْرَارًا﴾ السماء هنا: المطر، أو السحاب، أو السماء حقيقة. و ﴿مِدْرَارًا﴾: بناءُ مبالغةٍ وتكثيرٍ؛ من قولك: درَّ المطر: إذا غَزُرَ. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ التقدير: فكفروا وعصوا فأهلكناهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوَّتهم وتمكينهم. ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ الآية؛ إخبارٌ أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات. والمراد بقوله: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (١) لو بالغوا في مَيْزِهِ وتقليبه ليرتفع الشكُّ؛ لعاندوا بعد ذلك.

стр. 835

ويُشبِهِ أن يكون سببُ هذه الآية قولَ بعضهم للنبي ﷺ : لا أؤمن لك (١) حتى تأتيني بكتاب من السماء يأمرني بتصديقك، وما أُراني مع هذا (٢) أصدّقك. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ حكايةٌ عن طلب بعض العرب، روي أن العاصي بن وائل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، والأسود بن عبد يغوث قالوا للنبي ﷺ : يا محمد، لو كان معك مَلَك!. ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال ابن عباس: المعنى: لو أنزلنا ملكًا فكفروا بعد ذلك لعُجِّل لهم العذاب، ففي الكلام على هذا حذفٌ، وقضاء الأمر على هذا: تعجيلُ أَخْذِهم. وقيل: المعنى: لو أنزلنا ملكًا لماتوا من هَوْلِ رؤيته، فقضاء الأمر على هذا: موتهم. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي: لو جعلنا الرسول ملكًا لكان في صورة (٣) رجل؛ لأنهم لا طاقة لهم على رؤية المَلَك في صورته. ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم؛ فإنهم إذا رأوا المَلَك في صورة إنسان قالوا: هذا إنسان وليس بملك.

стр. 836

﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ الآية؛ إخبارٌ قُصِد به تسليةُ النبي ﷺ عما كان يلقى من قومه. ﴿فَحَاقَ﴾ أي: أحاط بهم، وفي هذا الإخبارِ تهديدٌ للكفار.

стр. 837

[﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾]. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية؛ حضّ على الاعتبار بغيرهم إذا رأوا منازل الكفار الذين هلكوا قبلهم. ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ قال الزمخشري: إن قلت: أيُّ فَرْقٍ بين قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾ وبين قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾؟ قلت: جعل النظر مسبَّبًا عن السَّيْر في قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾؛ فكأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما قوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فمعناه: إباحةُ السَّير للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجابُ النظر في الهالكين، ونبَّه على

стр. 838

ذلك بـ «ثم»؛ لتَباعُدِ ما بين الواجب والمباح (١). ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ القصد بالآية: إقامةُ برهانٍ على صحة التوحيد وإبطال الشرك، وجاء ذلك بصيغة الاستفهام؛ لإقامة الحجة على الكفار، فسأل أولًا: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾؛ لأن الكفار يوافقون على ذلك بالضرورة، فيثبت بذلك أن الإله الحقَّ هو الله الذي له ما في السموات والأرض. وإنما يحسن أن يكون السائل مجيبًا عن سؤاله، إذا علم أنَّ خصمه لا يخالفه في الجواب الذي به يقيم الحجة عليه. ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: قضاها؛ وتفسير ذلك: بقول النبي ﷺ : «إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض، وفيه: إن رحمتي سبقت غضبي» (٢)، وفي رواية: «تغلب غضبي» (٣). ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مقطوعٌ مما قبله، وهو جوابُ قسَمٍ محذوفٍ. وقيل: هو تفسيرٌ للرحمة المذكورة؛ تقديره: أنْ يَجمَعَكم. وهذا ضعيفٌ؛ لدخول النون الثقيلة في غير موضعها؛ فإنها لا تدخل إلَّا في القسم، أو في غير الواجب. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: «إلى» هنا بمعنى «في». وهو ضعيف. والصحيح: أنها للغاية على بابها.

стр. 839

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ودخلت الفاء؛ لما في الكلام من معنى الشرط. قاله الزجاج، وهو حسَنٌ. وقال الزمخشري: ﴿الَّذِينَ﴾ نَصْبٌ على الذمّ، أو رَفْعٌ بخبر ابتداء مضمر (١). وقيل: هو بدلٌ من الضمير في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ وهو ضعيف. وقيل: منادى، وهو باطل. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾. ومعنى ﴿سَكَنَ﴾: حلَّ؛ فهو من السُّكنى. وقيل: هو من السُّكون. وهو ضعيف؛ لأن الأشياء منها ساكنة ومتحركة؛ فلا يَعُمُّ، والمقصود عمومُ مُلْكه تعالى لكل شيء. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ إقامةُ حجةٍ على الكفار، وردٌّ عليهم بصفات الله الكريمة التي لا يشاركه غيره فيها. ﴿أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: من هذه الأمة؛ لأن النبي ﷺ سابقُ أمَّتِه إلى الإسلام. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ في الكلام حذفٌ؛ تقديره: وقيل لي: ولا تكونن من المشركين.

стр. 840

أو يكون معطوفًا على معنى ﴿أُمِرْتُ﴾ فلا حذف، وتقديره: أُمرت بالإسلام، وُنُهيت عن الإشراك. ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: من يُصرَف عنه العذابُ يومَ القيامة فقد ﵀. وقرئ: ﴿يَصْرِفُ﴾ بفتح الياء، وفاعله: الله. ﴿وَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى: صَرْف العذاب، أو إلى الرحمة. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ معنى ﴿يَمْسَسْكَ﴾: يُصبك، والضُّرُّ: المرض وغيره على العموم في جميع المُضِرَّات، والخير: العافية وغيرها على العموم أيضًا. والآية برهانٌ على الوَحدانية؛ لانفراد الله تعالى بالضر والخير، وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف؛ براهينُ وردٌّ على المشركين. ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ سؤالٌ يقتضي جوابًا ينبني عليه المقصود. وفيه دليلٌ على أن الله يقال فيه: شيء؛ ولكن ليس كمثله شيء. ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و ﴿شَهِيدٌ﴾ خبره. والآخر: أن يكون تمام الجواب عند قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ بمعنى: أن الله أكبر شهادة، ثم يبتدئ؛ على تقدير: هو شهيدٌ بيني وبينكم. والأول أرجح؛ لعدم الإضمار.

стр. 841

والثاني أرجح؛ لمطابقته للسؤال؛ لأن السؤال بمنزلة من يقول: من أكبر الناس؟ فيقال في الجواب: فلان، وتقديره: فلان أكبر الناس. والمقصود بالكلام: الاستشهاد بالله -الذي هو أكبر شهادة- على صدق رسوله ﷺ . وشهادة الله بهذا: هي عِلْمُه بصحة نبوة محمد ﷺ . أو إظهاره لمعجزاته الدَّالَّة على نبوته. ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ عطف على ضمير المفعول في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، والفاعل بـ ﴿بَلَغَ﴾: ضمير ﴿الْقُرْآنُ﴾، والمفعول: محذوف يعود على «مَنْ»؛ تقديره: وَمَنْ بلغه. والمعنى: أُوحِيَ إليَّ هذا القرآنُ لأنذر به المخاطبين - وهم أهل مكة -، وأنذر كلَّ مَنْ بلغه القرآنُ من العرب والعجم إلى يوم القيامة، قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدًا ﷺ (١). وقيل: المعنى: ومَن بلَغ الحُلُمَ. وهو بعيد. ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ الآية؛ تقرير للمشركين على شركهم، ثم تبرأ من ذلك بقوله: ﴿لَا أَشْهَدُ﴾، ثم شهد لله بالوحدانية.

стр. 842

وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار؛ أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد!، أما تعلم مع الله إلهًا آخر؟. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ تقدَّم في «البقرة» (١). ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ نعتٌ لـ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهو فاسدٌ؛ لأن الذين أوتوا الكتاب استُشْهد بهم هنا ليُقيم الحجةَ على الكفار.

стр. 843

[﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾]. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لفظه استفهام، ومعناه: لا أحد أظلم ممن افترى على الله، وذلك تنصُّلٌ من الكذب على الله، وإظهارٌ لبراءة رسول الله ﷺ مما نسبوه إليه من الكذب. ويحتمل أن يريد بالافتراء على الله: ما نَسَب إليه الكفارُ مِنْ الشُّركاء والأولاد. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: علاماته، وبراهين دينه. ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ. ﴿تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهةٌ؛ فحذفه لدلالة المعنى عليه. والعامل في ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ محذوفٌ (١).

стр. 844

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ الفتنة هنا يحتمل أن تكون: بمعنى الكفر؛ أي: لم تكن عاقبة كفرهم إلَّا جحوده والتبري منه. وقيل: ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾: معذرتهم. وقيل: كلامهم. وقرئ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾: بالنصب؛ على خبر «كان»، واسمُها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾. وقرئ بالرفع؛ على اسم "كان"، وخبرُها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾. ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ جحودٌ لشركهم. فإن قيل: كيف يجحدونه وقد قال الله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]؟ فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس واختلاف المواطن، فيكتمُ قومٌ ويُقِرُّ آخرون، ويكتمون في موطن ويُقِرُّون في موطنٍ آخَرَ؛ لأن يوم القيامة طويل. وقد قال ابن عباس - لما سئل عن هذا السؤال -: إنهم جحدوا طمعًا في النجاة، فختم الله على أفواههم، وتكلَّمت جوارحهم؛ فلا يكتمون الله حديثًا (١).

стр. 845

﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الضميرُ عائدٌ على الكفار، وأفرد ﴿يَسْتَمِعُ﴾ وهو فعل (١) جماعةٍ؛ حَمْلًا على لفظ «مَنْ». ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنان؛ وهو الغطاء، و ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في موضع مفعولٍ من أجله؛ تقديره: كراهةَ أن يفقهوه. ومعنى الآية: أن الله حال بينهم وبين فَهْم القرآن إذا استمعوه، وعبر بالأكِنَّة والوَقر؛ مبالغةً، وهي استعارة. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: قَصَصُهم وأخبارُهم، وهو جمع أسْطار وأسطورة. قال السُّهيلي: حيثما ورد (٢) في القرآن ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ فإن قائلها هو النَّضْر بن الحارث، وكان قد دخل بلاد فارس، وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول: حديثي أحسن من حديث محمد (٣). ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ﴿هُمْ﴾ عائدٌ على الكفار، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يعود على القرآن، والمعنى: وهم ينهون الناس عن الإيمان به، وينأون هم عنه - أي يَبْعُدون -، والنَّأْيُ: هو البُعْدُ (٤). وقيل: الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يعود على النبي ﷺ ، ومعنى ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: ينهون الناس عن إذّايته، وهم مع ذلك يَبْعُدون عنه، والمراد بالآية - على هذا -: أبو طالب ومن كان معه يحمي النبي ﷺ ولا يُسلمُ.
следующие страницы →