والثاني أرجح؛ لمطابقته للسؤال؛ لأن السؤال بمنزلة من يقول: من أكبر الناس؟ فيقال في الجواب: فلان، وتقديره: فلان أكبر الناس.
والمقصود بالكلام: الاستشهاد بالله -الذي هو أكبر شهادة- على صدق رسوله ﷺ .
وشهادة الله بهذا:
هي عِلْمُه بصحة نبوة محمد ﷺ .
أو إظهاره لمعجزاته الدَّالَّة على نبوته.
﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ عطف على ضمير المفعول في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، والفاعل بـ ﴿بَلَغَ﴾: ضمير ﴿الْقُرْآنُ﴾، والمفعول: محذوف يعود على «مَنْ»؛ تقديره: وَمَنْ بلغه.
والمعنى: أُوحِيَ إليَّ هذا القرآنُ لأنذر به المخاطبين - وهم أهل مكة -، وأنذر كلَّ مَنْ بلغه القرآنُ من العرب والعجم إلى يوم القيامة، قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدًا ﷺ (١).
وقيل: المعنى: ومَن بلَغ الحُلُمَ. وهو بعيد.
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ الآية؛ تقرير للمشركين على شركهم، ثم تبرأ من ذلك بقوله: ﴿لَا أَشْهَدُ﴾، ثم شهد لله بالوحدانية.
стр. 842
وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار؛ أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد!، أما تعلم مع الله إلهًا آخر؟.
﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ تقدَّم في «البقرة» (١).
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقيل: ﴿الَّذِينَ﴾ نعتٌ لـ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهو فاسدٌ؛ لأن الذين أوتوا الكتاب استُشْهد بهم هنا ليُقيم الحجةَ على الكفار.
стр. 843
[﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾].
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لفظه استفهام، ومعناه: لا أحد أظلم ممن افترى على الله، وذلك تنصُّلٌ من الكذب على الله، وإظهارٌ لبراءة رسول الله ﷺ مما نسبوه إليه من الكذب.
ويحتمل أن يريد بالافتراء على الله: ما نَسَب إليه الكفارُ مِنْ الشُّركاء والأولاد.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: علاماته، وبراهين دينه.
﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ.
﴿تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهةٌ؛ فحذفه لدلالة المعنى عليه.
والعامل في ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ محذوفٌ (١).
стр. 844
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ الفتنة هنا يحتمل أن تكون:
بمعنى الكفر؛ أي: لم تكن عاقبة كفرهم إلَّا جحوده والتبري منه.
وقيل: ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾: معذرتهم.
وقيل: كلامهم.
وقرئ ﴿فِتْنَتَهُمْ﴾:
بالنصب؛ على خبر «كان»، واسمُها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾.
وقرئ بالرفع؛ على اسم "كان"، وخبرُها: ﴿أَنْ قَالُوا﴾.
﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ جحودٌ لشركهم.
فإن قيل: كيف يجحدونه وقد قال الله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]؟ فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس واختلاف المواطن، فيكتمُ قومٌ ويُقِرُّ آخرون، ويكتمون في موطن ويُقِرُّون في موطنٍ آخَرَ؛ لأن يوم القيامة طويل.
وقد قال ابن عباس - لما سئل عن هذا السؤال -: إنهم جحدوا طمعًا في النجاة، فختم الله على أفواههم، وتكلَّمت جوارحهم؛ فلا يكتمون الله حديثًا (١).
стр. 845
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الضميرُ عائدٌ على الكفار، وأفرد ﴿يَسْتَمِعُ﴾ وهو فعل (١) جماعةٍ؛ حَمْلًا على لفظ «مَنْ».
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ﴿أَكِنَّةً﴾ جمع كِنان؛ وهو الغطاء، و ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في موضع مفعولٍ من أجله؛ تقديره: كراهةَ أن يفقهوه.
ومعنى الآية: أن الله حال بينهم وبين فَهْم القرآن إذا استمعوه، وعبر بالأكِنَّة والوَقر؛ مبالغةً، وهي استعارة.
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: قَصَصُهم وأخبارُهم، وهو جمع أسْطار وأسطورة.
قال السُّهيلي: حيثما ورد (٢) في القرآن ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ فإن قائلها هو النَّضْر بن الحارث، وكان قد دخل بلاد فارس، وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول: حديثي أحسن من حديث محمد (٣).
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ﴿هُمْ﴾ عائدٌ على الكفار، والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يعود على القرآن، والمعنى: وهم ينهون الناس عن الإيمان به، وينأون هم عنه - أي يَبْعُدون -، والنَّأْيُ: هو البُعْدُ (٤).
وقيل: الضمير في ﴿عَنْهُ﴾ يعود على النبي ﷺ ، ومعنى ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: ينهون الناس عن إذّايته، وهم مع ذلك يَبْعُدون عنه، والمراد بالآية - على هذا -: أبو طالب ومن كان معه يحمي النبي ﷺ ولا يُسلمُ.
стр. 846
وفي قوله: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ و ﴿يَنْأَوْنَ﴾ ضرب من ضروب التَّجنيس.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾: جواب «لو» محذوف هنا وفي قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾، وإنما حُذف ليكون أبلغ ما يُقدِّره السَّامع؛ أي: لو ترى لرأيت أمرًا شنيعًا هائلًا.
ومعنى ﴿وُقِفُوا﴾: حُبسوا. قاله ابن عطية (١).
ويَحتمل أن يريد بذلك:
إذا دخلوا النار.
أو إذا عاينوها وأشرفوا عليها.
ووضع «إذ» موضع «إذا»؛ لتحقيق وقوع الفعل حتى كأنه ماضٍ.
﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبُ﴾ قرئ برفع ﴿نُكَذِّبُ﴾ و ﴿نَكُونُ﴾؛ على الاستئناف والقطع عن التمني، ومثَّله سيبويه بقولك: دعني ولا أعودُ؛ أي: وأنا لا أعود.
ويَحتمل أن يكون:
حالًا؛ تقديره: نُرَدُّ غير مكذِّبين.
أو عطفًا على ﴿نُرَدُّ﴾.
وقرئ بالنصب؛ بإضمار «أَنْ» بعد الواو في جواب التمني.
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ المعنى: ظهر لهم يوم القيامة في
стр. 847
صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم.
وقيل: هي في أهل الكتاب؛ أي: بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد ﷺ .
وقيل: هي في المنافقين؛ أي: بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر.
وهذان القولان بعيدان؛ فإن الكلام من أوّله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب.
وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي ﷺ خافوا وأخفوا ذلك الخوف؛ لئلا يشعر به (١) أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة.
﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ إخبارٌ بأمر لا يكون، لو كان كيف كان يكون، وذلك مما انفرد الله بعلمه.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يعني في قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ولا يصحُّ أن يرجع إلى قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾؛ لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب.
﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ حكايةٌ عن (٢) قولهم في إنكار البعث الأخراوي.
﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ تقريرٌ لهم وتوبيخٌ.
﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾؛ لأن العادة حمل الأثقال على الظهور.
وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقةً، وروي في ذلك أن الكافر يركبه عملُه بعد أن يتمثّل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يَركبُ عملَه بعد أن يتصوَّر له في أحسن صورة.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ إخبارٌ عن سوء ما يفعلون من الأوزار.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ قرأ نافع «يحزن» حيث وقع بضم الياء؛ من «أحزن»، إلَّا قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
وقرأ الباقون بفتح الياء؛ من «حزن» الثلاثي، وهو أشهر في اللغة.
و ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾: قولهم: إنه ساحرٌ، شاعرٌ، كاهنٌ.
﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ من قرأ بالتشديد فالمعنى: لا يكذِّبونك معتقدين لكذبك، وإنما هم يجحدون الحقَّ مع علمهم به.
ومن قرأه بالتخفيف:
فقيل: معناه: لا يجدونك كاذبًا؛ يقال: أكذبتُ فلانًا؛ إذا وجدتَه كاذبًا، كما يقال: أحمدتُه: إذا وجدتَه محمودًا.
وقيل: هو بمعنى التَّشديد؛ يقال: كذَّب فلان فلانًا وأكذبه بمعنى واحدٍ، وهو الأظهر؛ لقوله بعد هذا: ﴿يَجْحَدُونَ﴾، ويؤيِّد هذا: ما روي أنها نزلت في أبي جهل؛ فإنه قال لرسول الله ﷺ : إنا لا نكذِّبك ولكن نكذِّب ما جئتَ به، وأنه قال للأخنس بن شَرِيقٍ: والله إن محمدًا لصادق، ولكني أحسده على الشَّرف.
стр. 850
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: ولكنهم، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم.
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية؛ تسليةٌ للنبي ﷺ ، وحضٌّ له على الصبر، ووعدٌ له بالنصر.
﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: لمواعيده لرسله؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٢]، وفي هذا تقويةٌ للوعد.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من أخبارهم، ويعني بذلك: صبرهم ثم نصرهم، وهذا أيضًا تقويةٌ للوعد والحضُّ على الصبر.
وفاعل ﴿جَاءَكَ﴾ محذوف؛ تقديره: نبأ أو جلاءٌ (١).
وقيل: هو المجرور.
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ الآية؛ مقصودها: حمل النبي ﷺ على الصبر، والتسليم لما أراد الله بعباده من إيمان أو كفر، فإنه ﷺ كان شديد الحرص على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت أن تدخل في الأرض أو تصعد إلى السماء لتأتيهم (٢) بآية يؤمنوا بسببها فافعل، وأنت لا تَقْدِرُ على ذلك، فاستسلم لأمر (٣) الله.
стр. 851
والنَّفَق في الأرض معناه: مَنْفَذٌ تَنْفُذُ فيه إلى ما تحت الأرض.
وحُذِف جواب «إن»؛ لفهم المعنى.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ حجةٌ لأهل السنة على القدرية.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من الذين يجهلون أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى.
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ المعنى: إنما يستجيب لك الذين يسمعون فيفهمون ويَعْقِلون.
﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن الموتى: عبارةٌ عن الكفار؛ (لموت قلوبهم، والبعث يراد به: الحشر يوم القيامة، فالمعنى: أن الكفار في الدنيا كالموتى في قلة سمعهم وعدم فهمهم) (١) فيبعثهم الله في الآخرة، وحينئذ يسمعون.
والآخر: أن الموتى: عبارةٌ عن الكفار، والبعث: عبارةٌ عن هدايتهم للفَهْم والسَّماع.
والثالث: أن الموتى على حقيقته، والبعث على حقيقته؛ فهو إخبارٌ عن بعث الموتى يوم القيامة.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ الضمير في ﴿وَقَالُوا﴾ للكفار، و ﴿لَوْلَا﴾ عَرْضٌ، والمعنى: أنهم طلبوا أن يأتي النبي ﷺ بآية على نبوَّته.
стр. 852
فإن قيل: فقد أتى بآياتٍ ومعجزات كثيرةٍ فلِمَ طلبوا آيةً؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنهم لم يعتدّوا بما أتى به؛ فكأنه لم يأتِ بشيءٍ عندهم؛ لعنادهم وجحدهم.
والآخر: أنهم إنما طلبوا آيةً تضطرُّ إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكُّر (١). ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ جوابٌ على قولهم، وقد حُكي هذا القول عنهم في مواضع من القرآن، وجُووِبوا عليه بأجوبة مختلفة:
منها: ما يقتضي الردَّ عليهم في طلبهم للآيات؛ فإنهم (٢) قد أتاهم بآيات، وتحصيل الحاصل لا يُبتغى؛ كقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ [البقرة: ١١٨]، وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
ومنها: ما يقتضي الإعراضَ عنهم؛ لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته، ويحتمل أن يكون من هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾.
ويحتمل أيضًا أن يكون معناه: قادرٌ على أن ينزل آية تضطرُّهم إلى الإيمان. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حُذف مفعول ﴿يَعْلَمُونَ﴾، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يعلمون أن الله قادر.
والآخر: لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطرُّ إلى الإيمان
стр. 853
لمصالح العباد؛ فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب.
﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ تأكيدٌ، وبيانٌ، وإزالةٌ للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة؛ فقد يقال: طائرٌ للسَّعْد والنَّحس.
﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: في الخلق والرزق والحياة والموت وغير ذلك.
ومناسبةُ ذِكْر هذا لما قبله من وجهين:
أحدهما: أنه تنبيهٌ على مخلوقات الله تعالى؛ فكأنه يقول: تفكَّروا في آياته في مخلوقاته، ولا تطلبوا غير ذلك من الآيات.
والآخر: أنه تنبيهٌ على البعث؛ كأنه يقول: جميع الدوابِّ والطير يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم، وهو أظهر؛ لقوله بعده: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما أغفلنا، والكتاب هنا: اللوح المحفوظ، والكلام على هذا عام.
وقيل: هو القرآن، والكلام على هذا خاص؛ أي: ما فرَّطنا فيه من شيءٍ فيه هدايتكم والبيانُ لكم.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي: تُبعثُ الدوابُّ والطُّيور (١) يوم القيامة للجزاء والفصل بينها.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ الآية؛ لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلِّهم أتْبعه بأن
стр. 854
وصف من كذَّب بذلك بالصَّمم والبَكَم.
وقوله: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يقوم مقام الوصف بالعمى.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ معناه: أخبروني، والضمير الثاني للخطاب، ولا محلّ له من الإعراب.
وجواب الشرط محذوف؛ تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة مَنْ تَدْعون؟، ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلَّا اللهَ، ولا يدعون آلهتهم.
والآيةُ احتجاجٌ عليهم، وإثباتٌ للتوحيد، وإبطالٌ للشرك.
﴿إِنْ شَاءَ﴾ استثناءٌ؛ أي: يكشف ما نزل بكم إن أراد، ويصيبكم به إن أراد.
﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ يحتمل أن يكون من: النسيان، أو الترك.
وقيل: إنه (١) على ما تقدَّم من ملاطفته في أخذه لهم بالشَّرِّ ليزدجروا، أو (٢) بالخير ليشكروا، حتى وجب عليهم العذاب (٣) بعد الإنذار والإعذار.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ الآية؛ احتجاجٌ على الكفار أيضًا.
﴿يَأْتِيكُم بِهِ﴾ الضمير عائدٌ على المأخوذ. ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أي: يُعرضون.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الآية؛ وعيدٌ وتهديد، والبغتةُ: ما لم يتقدَّم لهم شعورٌ به، والجهرةُ: ما بدتْ لهم مَخايِلُه.
وقيل: ﴿بَغْتَةً﴾ بالليل، و ﴿جَهْرَةً﴾ بالنهار.
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ الآية؛ أي: لا أدَّعي شيئًا ينكر ولا يُستبعد، إنما أنا نبيٌّ رسول كما كان غيري من الرسل.
﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثالٌ للضال والمهتدي.
стр. 857
[﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾].
﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على ﴿مَا يُوحَى﴾.
والإنذار عامٌّ لجميع الناس، وإنما خُصَّص هنا بالذين يخافون؛ لأنه قد تقدَّم في الكلام ما يقتضي اليأس (١) من إيمان غيرهم، فكأنه يقول: أَنذِر الخائفين؛ لأنهم ينفعهم الإنذار (٢)، وأعرض عمن تقدَّم ذكره من الذين لا يسمعون ولا يعقلون.
﴿لَيْسَ لَهُمْ مِن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿يُحْشَرُوا﴾.
أو استئنافُ إخبارٍ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يتعلَّق بـ ﴿أَنذِرْ﴾.
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية؛ نزلت في ضعفاء المؤمنين، كبلال، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وخَبَّاب، وصُهَيْب، وأمثالهم، وكان
стр. 858
بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي ﷺ : لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء؛ لشَرَفِنا فلو طردتَّهم لاتَّبَعناك، فنزلت الآية.
﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قيل: هي الصلاة بمكة قبل فرض الخمس، وكانت غُدْوَةً وعشيةً.
وقيل: هي عبارةٌ عن دوام الفعل.
و ﴿يَدْعُونَ﴾ هنا:
مِنْ الدعاء وذِكْر الله.
أو بمعنى العبادة.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إخبارٌ عن إخلاصهم لله، وفيه تزكيةٌ لهم.
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية؛ قيل: الضمير في ﴿حِسَابِهِمْ﴾ لـ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾.
وقيل: للمشركين؛ والمعنى على هذا: لا تُحاسَبُ عنهم، ولا يُحاسَبون عنك، فلا تهتمَّ بأمرهم حتى تطردَ هؤلاء من أجلهم.
والأول أرجح؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩]، وقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣]، والمعنى على هذا: أنَّ الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء تطردهم!.
﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ هذا جواب النفي في قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾.
﴿فَتَكُونَ﴾ هذا جواب النهي في قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾.
أو عطف على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾.
стр. 859
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ أي: ابتلينا الكفار بالمؤمنين، وذلك أن الكفار كانوا يقولون: هؤلاء العبيد والفقراء منَّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشرافٌ أغنياء!، وكان هذا الكلام منهم على جهة الاستبعاد لذلك.
﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ردٌّ على الكفار في قولهم المتقدّم.
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ هم الذين نُهي النبي ﷺ عن طردهم، أُمر بأن يُسلّم عليهم؛ إكرامًا لهم، وأن يُؤَنِّسهم بما بعد هذا.
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: حتمها، وفي الصحيح: «إن الله كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» (١).
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾ الآية؛ وعدٌ بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبلُ، وحكمُه عامٌّ فيهم وفي غيرهم.
والجهالة قد ذكرت في «النساء» (٢).
وقيل: نزلت بسبب أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله ﷺ أن يطرد الضعفاء عسى أن يُسلم الكفار، فلما نزلت ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾ ندم عمر على قوله، وتاب منه؛ فنزلت الآية.
وقرئ ﴿أَنَّهُ﴾: بالفتح؛ على البدل من ﴿الرَّحْمَةَ﴾.
стр. 860
وبالكسر؛ على الاستئناف.
وكذلك ﴿فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بالكسر: على الاستئناف.
وبالفتح:
خبرُ ابتداءٍ مضمر؛ تقديره: فأمره أنه غفور.
وقيل: تكرارٌ للأولى؛ لطول الكلام.
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ﴾ الإشارة إلى ما تقدَّم من النهي عن الطَّرد وغير ذلك.
وتفصيلُ الآيات: شَرْحُها وبيانُها.
﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بتاء الخطاب ونصب السبيل: على أنه مفعول به.
وقرئ بتاء التأنيث ورفع السبيل: على أنه فاعلٌ مؤنَّث.
وبالياء والرفع: على تذكير السبيل؛ لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.
وقرئ ﴿يَقْضِ﴾ بالضاد المعجمة؛ من القضاء، وهو أرجح؛ لقوله: ﴿خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: الحاكمين.
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لو كان عندي العذاب - على التأويل الأول-، أو الآيات المقترحة -على التأويل الآخر-؛ لوقع الانفصال وزال النزاع؛ لنزول العذاب، أو لظهور الآيات.
﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ استعارةٌ وعبارةٌ عن التوصل إلى الغيوب كما يُتوصل بالمفاتح إلى ما في الخزائن. وهو جمع مِفتَح -بكسر الميم-؛ بمعنى: مفتاح.
ويحتمل أن يكون جمع مَفتَح -بالفتح-؛ وهو المخزون.
﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ تنبيهٌ بها على غيرها؛ لأنها أشدُّ تغيبًا من كل شيء.
﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ اللوح المحفوظ، وقيل: علم الله.
﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أي: إذا نمتم، وفي ذلك اعتبارٌ واستدلال على البعث الأخراوي.
﴿مَا جَرَحْتُم﴾ أي: ما كسبتم من الأعمال.
﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يوقظكم من النَّوم، والضمير عائدٌ على النهار؛ لأن غالب اليقظة فيه، وغالب النوم بالليل.
﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أجل الموت.
﴿عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قيل: الذي من فوق: إمطار الحجارة ومن تحت: الخسف.
وقيل: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾: تسليط أكابركم، و ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: تسليط سَفَلَتِكم، وهذا بعيد.
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ أي: يخلطكم فِرَقًا مختلفين.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ بالقتال.
واختُلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو للمؤمنين؟.
وروي أنه لما نزلت ﴿أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾، قال رسول الله ﷺ : «أعوذ بوجهك»، فلما نزلت ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: «أعوذ بوجهك»، فلما نزلت ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾، قال النبي ﷺ : «هذه أهون» (١)، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ الضمير عائد:
على القرآن.
أو على الوعيد المتقدِّم.
و ﴿قَوْمُكَ﴾ هم قريش.
﴿لَسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ ومتسلِّط، وفي ذلك متاركةٌ نسختها القتال.
стр. 865
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: غايةٌ يُعرَفُ عندها صِدْقُه مِنْ كَذِبِه.
﴿يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ في الاستهزاء بها، والطَّعن فيها.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: قم ولا تجالسهم.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ «إِمَّا» مركَّبة مِنْ «إِنْ» الشرطية و «ما» الزائدة، والمعنى: إن أنساكَ الشيطان النهيَ عن مجالستهم فلا تَقعدْ بعد أن تذكرَ النهيَ.
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: هم المؤمنون، والضمير في ﴿حِسَابِهِمْ﴾ للكفار المستهزئين، والمعنى: ليس على المؤمنين شيءٌ من حساب الكفار على استهزائهم وضلالهم (١).
وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين؛ لأنهم شقَّ عليهم النهيُ عن ذلك؛ إذ كانوا لا بدَّ لهم من مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نُسِخَت بآية «النساء»؛ وهي: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] الآية.
وقيل: إنها لا تقتضي إباحة القعود.
﴿وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن المعنى: ليس على المؤمنين حسابُ الكفار، ولكن عليهم تذكيرٌ لهم، ووعظ (٢).
стр. 866
وإعراب ﴿ذِكْرَى﴾ على هذا:
نَصْبٌ على المصدر؛ وتقديره: يذكّرونهم ذكرى.
أو رَفْعٌ على المبتدأ؛ تقديره: عليهم ذكرى.
والضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ عائدٌ:
على الكفار؛ أي: يذكّرونهم رجاء أن يتقوا.
أو عائدٌ على المؤمنين؛ أي: يذكّرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى لله.
والوجه الثاني: أن المعنى: ليس نهيُ المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أنَّ عليهم من حسابهم شيء، وإنما هو ذكرى للمؤمنين.
وإعراب ﴿ذِكْرَى﴾ على هذا:
خبرُ ابتداء مضمر؛ تقديره: ولكن نَهيهم ذكرى.
أو مفعولٌ من أجله؛ تقديره: إنما نهوا ذكرى.
والضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ على هذا: للمؤمنين لا غيرُ.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ﴾ قيل: إنها متاركةٌ منسوخة بالسيف.
وقيل: بل هي تهديدٌ فلا (١) متاركةً؛ فلا نسخ فيها.
﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ أي: اتَّخذوا الدين الذي كان ينبغي لهم لعبًا ولهوًا؛ لأنهم سخروا منه.
стр. 867
أو اتَّخذوا الدين الذي يعتقدونه لعبًا ولهوًا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يلعبون ويلهون.
﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ الضمير عائد: على الدين، أو على القرآن.
﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ قيل: معناه: تُحْبَس، وقيل: تُفضح، وقيل: تَهْلِك. وهو في موضع مفعولٍ من أجله؛ أي: ذكِّرْ به؛ كراهة أن تبسل نفسٌ.
﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي: وإن تُعْطِ كلَّ فدية لا يؤخذ منها.
﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ الكاف:
في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿نُرَدُّ﴾؛ أي: كيف نرجع مُشْبهين مَنْ استهوته الشياطين.
أو نعتٌ لمصدر محذوف؛ تقديره: ردًّا كردِّ الذي.
ومعنى ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾: ذهبتْ به في مَهامه الأرض، وأخرجته عن الطريق؛ فهو استفعال من هوى في الأرض: إذا ذهب فيها.
وقال الفارسي: استهوى بمعنى: أهوى؛ مثل استزلَّ بمعنى أزلَّ.
و ﴿حَيْرَانَ﴾ أي: ضال (١) عن الطريق، وهو نَصْبٌ على الحال من المفعول في ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾.
﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أي: لهذا المستهوي أصحابٌ - وهم رُفْقةٌ - يدعونه إلى الهدى؛ أي: إلى أن يهدوه الطريق، يقولون له: ائتنا، وهو قد تاه وبَعُدَ عنهم فلا يُجيبهم، وهذا كلُّه تمثيلٌ لمن ضلَّ في الدين عن الهدى، وهو يُدعى إلى الإسلام فلا يجيب.
وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، ويُبطل هذا قولُ عائشة: ما نزل في آل أبي بكر شيءٌ من القرآن إلَّا براءتي (٢).
стр. 870
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا﴾ عطفٌ:
على ﴿لِنُسْلِمَ﴾.
أو على مفعول ﴿وَأُمِرْنَا﴾.
﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾، وهو مقدَّمٌ عليه، والعاملُ فيه: معنى الاستقرار؛ كقولك: يومَ الجمعة القتالُ، واليومُ: بمعنى الحين، وفاعلُ ﴿يَكُونُ﴾ مضمر، وهو فاعل ﴿كُنْ﴾؛ أي: حين يقول لشيء كن: فيكونُ ذلك الشيءُ.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ظرفٌ لقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾؛ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦].
وقيل في إعراب الآية غير هذا مما هو ضعيفٌ أو تخليطٌ.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ.
﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ هو اسمُ أبي إبراهيم، فإعرابُه: عطفُ بيان، أو بدلٌ، ومُنع من الصَّرف للعُجمة والعَلَمية، لا للوزن؛ فإن وزنه: فاعَلَ؛ نحو: عابر وشالخ.
وقرئ بالرفع؛ على النداء.
وقيل: إنهُ اسمُ صنم؛ لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارَحَ؛ فعلى هذا يَحتمل: أن يكون لقبٌ به؛ لملازمته له.
стр. 871
أو أريد: عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك بعيد.
ولا يَبْعُدُ أن يكون له اسمان.
﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قيل: إنه فَرَج له السموات والأرض حتى رأى ببصره المُلْك الأعلى والأسفل، وهذا يفتقرُ إلى صحة نقل.
وقيل: رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من الاعتبار والاستدلال ما لم يقع لأحد من أهل زمانه.
﴿وَلِيَكُونَ﴾ يتعلَّق بمحذوف؛ تقديره: وليكون من الموقنين فَعَلْنَا به ذلك.
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: ستره؛ يقال: جنَّ عليه الليل وأجنَّهُ.
﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ يَحتمل أن يكون هذا الذي جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس:
أن يكون قبل البلوغ والتكليف، وقد روي أن أمَّه وَلَدته في غار؛ خوفًا من نمروذ؛ إذ كان يقتل الأطفال؛ لأن المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبيّ.
ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الردّ عليهم والتوبيخ لهم، وهذا أرجح؛ لقوله بعد ذلك: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
стр. 872
ولا يُتصوَّرُ أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار؛ لأن ذلك يقتضي محاجَّةً وردًّا على قومه.
وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن يبين لهم الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون واحدٌ منها إلهًا؛ لقيام الدليل على حدوثها، وأن الذي أحدثها ودبّر طلوعَها وغروبها وأُفُولها هو الإله الحق وحده، فقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ قول مَنْ يُنصف خصمه مع علمه أنه مُبْطِلٌ؛ لأن ذلك أدْعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم، ثم أقام عليه الحجة بقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾؛ أي: لا أحب عبادة المتغيرين؛ لأن التغيُّر دليلٌ على الحدوث، والحدوث ليس من صفات الإله، ثم استمرَّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان، وأقام عليهم الحجة، جاهرهم بالبراءة من باطلهم، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، ثم أعلن بعبادته لله وتوحيده له فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ووصف الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالملك.
فإن قيل: لم احتجَّ بالأُفُول دون الطُّلوع، وكلاهما دليلٌ على الحدوث؛ لأنهما انتقالٌ من حال إلى حال؟
فالجواب: أنه أظهرُ في الدلالة؛ لأنه انتقالٌ مع اختفاء (١) واحتجاب (٢).
стр. 873
﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ أي: في الإيمان بالله وفي توحيده، والأصل: أتحاجونني - بنونين -.
وقرئ:
بالتشديد؛ على إدغام إحداهما في الأخرى.
وبالتخفيف؛ على حذف إحداهما، واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية؟.
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ ﴿مَا﴾ هنا بمعنى: «الذي»، ويريد بها: الأصنام، وكانوا قد خوفوه أن تصيبه أصنامهم بضرّ، فقال: لا أخاف منهم؛ لأنهم لا يقدرون على شيء.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع بمعنى: «لكن»؛ أي: إنما أخاف من ربي إن أراد بي شيئًا.
стр. 874
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف شركاءكم الذين لا يقدرون على شيء، وأنتم لا تخافون ما فيه كلُّ خوف؛ وهو إشراككم بالله؟، فأنتم تنكرون عليَّ الأمنَ في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف، ثم أوقفهم على ذلك بقوله: ﴿فأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ يعني: فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن السؤال بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.
وقيل: إن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية استئناف، وليس من كلام إبراهيم.
﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ لما نزلت هذه الآية أشفق منها أصحاب النبي ﷺ ، فقالوا: وأينا لم يَظْلِمْ نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنما ذلك كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (١).
стр. 875
[﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾].
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم من استدلاله واحتجاجه.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضمير: لنوح، أو إبراهيم ﵇، والأول هو الصحيح؛ لذكر لوط؛ وليس من ذرية إبراهيم.
﴿دَاوُودَ﴾ عطف على ﴿نُوحًا﴾؛ أي: وهدينا داود.
﴿وَعِيسَى﴾ فيه دليلٌ على أن أولاد البنات يقال لهم: ذرية؛ لأن عيسى ليس له أب؛ فهو ابن بنتِ نوح.
﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ﴾ في موضع نصب؛ عطفًا على ﴿كُلًّا﴾؛ أي: وهدينا بعضَ آبائهم.
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ أي: أهلُ مكة.
﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ هم: الأنبياء المذكورون، وقيل: الصحابة، وقيل: كلُّ مؤمن.
стр. 876
والأول أرجح؛ لدلالة ما بعده على ذلك.
ومعنى توكيلهم بها: توفيقُهم للإيمان بها والقيامِ بحقوقها.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى الأنبياء المذكورين.
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ استدلَّ به من قال: إن شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا.
فأما أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ فاتفقت فيه جميع الشرائع.
وأما الفروع ففيها وقع الاختلاف بين الشرائع، والخلاف: هل يقتدي النبي ﷺ فيها بمن قبله أم لا؟.
والهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للوقف؛ فينبغي أن تسقُط في الوصل، ولكنَّ من أثبتها فيه راعى ثبوتها في خطِّ المصحف.
стр. 877
[﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾].
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوه حقَّ معرفته في اللطف بعباده والرحمة لهم؛ إذ أنكروا بعثه للرسل وإنزاله للكتب.
والقائلون هم: اليهود؛ بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار نبوة محمد ﷺ ، وروي أن الذي قالها منهم مالك بن الصَّيْف، فردَّ الله عليهم بأن ألزمهم ما لا بدَّ لهم من الإقرار به؛ وهو إنزال التوراة على موسى.
وقيل: القائلون قريش، وأُلزِموا ذلك؛ لأنهم كانوا مقرّين بالتوراة.
﴿وَعُلِّمْتُم مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ الخطاب: لليهود، أو لقريش؛ على وجه إقامة الحجة والردِّ عليهم في قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
فإن كان لليهود: فالذي عُلّموه: التوراة.
وإن كان لقريش: فالذي عُلّموه: ما جاء به محمد ﷺ .
стр. 878
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب: ﴿مَنْ أَنْزَلَ﴾، واسم ﴿اللَّهُ﴾:
مرفوع بفعل مضمر؛ تقديره: أنزله الله. أو مرفوع بالابتداء.
﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطف على صفة الكتاب.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة، وسميت أم القرى:
لأنها مكان أوَّل بيت وضع للناس.
ولأنه جاء أن الأرض دُحِيت منها.
ولأنها يَحُجُّ إليها أهلُ القرى من كل فجٍّ عميق.
﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ هو مُسيلمة وغيره من الكذَّابين الذين ادَّعوا النبوَّة.
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو النَّضر بن الحارث؛ لأنه عارض القرآن، واللفظ عام فيه وفي غيره من المستهزئين.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ جوابه محذوف؛ تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا.
و ﴿الظَّالِمُونَ﴾: مَنْ تقدَّم ذكره من اليهود والكذَّابين والمستهزئين؛ فتكون اللام للعهد. أو أعمُّ من ذلك؛ فتكون للجنس.
﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: تبسط الملائكة أيديهم إلى الكفار، يقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾؛ وهذه عبارةٌ عن التعنيف في السِّياق، والشدَّة في قبض الأرواح.
стр. 879
﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ يحتمل أن يريد:
ذلك (١) الوقت بعينه.
أو الوقت الممتدَّ من حينئذٍ إلى الأبد.
﴿الْهُونِ﴾ الذِّلَّة.
﴿فُرَادَى﴾ منفردين:
عن أموالكم وأولادكم.
أو عن شركائكم. والأول يترجَّح بقوله (٢): ﴿وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾؛ أي: ما أعطيناكم من الأموال والأولاد.
ويترجح الثاني بقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾.
﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ تفرَّق شملكم.
ومن قرأه بالرفع:
أسند الفعل إلى الظَّرف واستعمله استعمال الأسماء.
أو يكون البَيْن بمعنى الفُرْقة، أو بمعنى الوَصْل.
ومن قرأه بالنصب: فالفاعل:
مصدرُ الفعل.
أو محذوف؛ تقديره: تقطع الاتِّصال بينكم.