والأول أرجح؛ لدلالة ما بعده على ذلك.
ومعنى توكيلهم بها: توفيقُهم للإيمان بها والقيامِ بحقوقها.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى الأنبياء المذكورين.
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ استدلَّ به من قال: إن شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا.
فأما أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ فاتفقت فيه جميع الشرائع.
وأما الفروع ففيها وقع الاختلاف بين الشرائع، والخلاف: هل يقتدي النبي ﷺ فيها بمن قبله أم لا؟.
والهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للوقف؛ فينبغي أن تسقُط في الوصل، ولكنَّ من أثبتها فيه راعى ثبوتها في خطِّ المصحف.
стр. 877
[﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾].
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوه حقَّ معرفته في اللطف بعباده والرحمة لهم؛ إذ أنكروا بعثه للرسل وإنزاله للكتب.
والقائلون هم: اليهود؛ بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار نبوة محمد ﷺ ، وروي أن الذي قالها منهم مالك بن الصَّيْف، فردَّ الله عليهم بأن ألزمهم ما لا بدَّ لهم من الإقرار به؛ وهو إنزال التوراة على موسى.
وقيل: القائلون قريش، وأُلزِموا ذلك؛ لأنهم كانوا مقرّين بالتوراة.
﴿وَعُلِّمْتُم مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ الخطاب: لليهود، أو لقريش؛ على وجه إقامة الحجة والردِّ عليهم في قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
فإن كان لليهود: فالذي عُلّموه: التوراة.
وإن كان لقريش: فالذي عُلّموه: ما جاء به محمد ﷺ .
стр. 878
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جواب: ﴿مَنْ أَنْزَلَ﴾، واسم ﴿اللَّهُ﴾:
مرفوع بفعل مضمر؛ تقديره: أنزله الله. أو مرفوع بالابتداء.
﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطف على صفة الكتاب.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة، وسميت أم القرى:
لأنها مكان أوَّل بيت وضع للناس.
ولأنه جاء أن الأرض دُحِيت منها.
ولأنها يَحُجُّ إليها أهلُ القرى من كل فجٍّ عميق.
﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ هو مُسيلمة وغيره من الكذَّابين الذين ادَّعوا النبوَّة.
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو النَّضر بن الحارث؛ لأنه عارض القرآن، واللفظ عام فيه وفي غيره من المستهزئين.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ جوابه محذوف؛ تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا.
و ﴿الظَّالِمُونَ﴾: مَنْ تقدَّم ذكره من اليهود والكذَّابين والمستهزئين؛ فتكون اللام للعهد. أو أعمُّ من ذلك؛ فتكون للجنس.
﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: تبسط الملائكة أيديهم إلى الكفار، يقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾؛ وهذه عبارةٌ عن التعنيف في السِّياق، والشدَّة في قبض الأرواح.
стр. 879
﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ يحتمل أن يريد:
ذلك (١) الوقت بعينه.
أو الوقت الممتدَّ من حينئذٍ إلى الأبد.
﴿الْهُونِ﴾ الذِّلَّة.
﴿فُرَادَى﴾ منفردين:
عن أموالكم وأولادكم.
أو عن شركائكم. والأول يترجَّح بقوله (٢): ﴿وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾؛ أي: ما أعطيناكم من الأموال والأولاد.
ويترجح الثاني بقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾.
﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ تفرَّق شملكم.
ومن قرأه بالرفع:
أسند الفعل إلى الظَّرف واستعمله استعمال الأسماء.
أو يكون البَيْن بمعنى الفُرْقة، أو بمعنى الوَصْل.
ومن قرأه بالنصب: فالفاعل:
مصدرُ الفعل.
أو محذوف؛ تقديره: تقطع الاتِّصال بينكم.
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: الصبح؛ فهو مصدر سُمِّي به الصبح، ومعنى فَلْقِهِ: إخراجه من الظلمة.
وقيل: إن الظلمة هي التي تنفلق عن الصبح، فالتقدير: فالقُ ظلمةِ الإصباح.
﴿سَكَنًا﴾ أي: يُسكَنُ فيه عن الحركات ويُستَراحُ.
﴿حُسْبَانًا﴾ أي: يُعلَم بهما حساب الأزمان والليل والنهار.
﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ما أحسنَ ذِكْرَ هذين الاسمين هنا!؛ لأن العزيز يغلب كل شيء ويقهره، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخَّرهما كيف شاء، والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة العظيمة وإتقان الصنعة.
﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: في ظلمات الليل في البر والبحر، وأضاف الظلمات إليهما لملابستها (١) لهما.
أو شبَّه الطرق المشتبهة بالظلمات.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ مَنْ كسر القاف مِنْ ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾: فهو اسم فاعل، و ﴿مُسْتَوْدَعٌ﴾ اسم مفعول، والتقدير: فمنكم مستقرٌّ ومستودَع.
ومَن فتحها: فهو اسم مكان أو مصدر، و ﴿مُسْتَوْدَعٌ﴾ مثله، والتقدير على هذا: لكم مستقرٌّ ومستودَع.
والاستقرار: في الرَّحِم، والاستيداع: في الصُّلْب.
стр. 882
وقيل: الاستقرار: فوق الأرض، والاستيداع: تحتها.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ الضمير يعود على الماء.
﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ الضمير عائدٌ على النبات.
﴿خَضِرًا﴾ أي: أخضر غضًّا، وهو يتولَّد من أصل النبات من الفراخ.
﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ الضمير عائد على الخضر.
﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ يعني: السنبل؛ لأن حبّه بعضه على بعض، وكذلك الرُّمان وشبهها.
﴿قِنْوَانٌ﴾ جمع قِنْوٍ، وهو العنقود من التمر.
وهو مرفوع بالابتداء، وخبره ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾، و ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ بدل.
والطَّلع: أول ما يخرج من التمر في أكمامه.
﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبةٌ سهلة للتناول.
وقيل: قريب بعضها من بعض.
﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بالنصب؛ عطفًا على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
وقرئ - في غير السبع - بالرفع؛ عطفًا على ﴿قِنْوَانٌ﴾.
﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ نَصْبٌ على الحال:
من ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾.
أو من كلِّ ما تقدّم من النبات.
والمشتبه والمتشابه بمعنىً واحدٍ؛ أي: من النبات ما يشبه بعضه بعضًا
стр. 883
في اللون والطعم والصورة، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضًا، وفي ذلك دليلٌ قاطع على الصانع المختار القدير (١) العليم المُريد.
﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي: انظروا إلى ثمره أوّل ما يخرج ضعيفًا لا منفعة فيه، ثم يُنقل من حال إلى حال حتى يَيْنَعَ؛ أي: يَنضَج ويطيب.
﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ نَصْبُ ﴿الْجِنَّ﴾ على أنه:
مفعولٌ أول لـ ﴿جَعَلُوا﴾، و ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، وقُدِّم لاستعظام الإشراك.
أو ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعول أول، و ﴿لِلَّهِ﴾ في موضع المفعول الثاني، و ﴿الْجِنَّ﴾ بدل من ﴿شُرَكَاءَ﴾.
والمراد بهم هنا:
الملائكةُ؛ وذلك ردٌّ على من عبدهم. وقيل: المراد الجن، والإشراك بهم: طاعتهم.
﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ الواو للحال، والمعنى: الردُّ عليهم؛ أي: جعلوا لله شركاء وهو خلقهم.
والضمير عائد: على الجنِّ، أو على الجاعلين؛ والحجة قائمةٌ على الوجهين.
стр. 884
﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ أي: اختلقوا وزوَّروا، والبنين قول النصارى في المسيح، واليهود في عزير، والبنات قول العرب في الملائكة.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: قالوا ذلك بغير دليل؛ بل مجرد افتراء.
﴿بَدِيعُ﴾ ذُكِر معناه في «البقرة» (١)، ورفعه على أنه:
خبر ابتداء مضمر.
أو مبتدأ وخبره: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾.
أو فاعل ﴿تَعَالَى﴾.
والقصد به الردُّ على مَنْ نَسَب لله البنين والبنات؛ وذلك من وجهين:
أحدهما: أن الولد لا يكون إلَّا من جنس والده، والله تعالى متعالٍ عن الأجناس؛ لأنه مُبْدِعُها، فلا يصحُّ أن يكون له ولد.
والآخر: أن الله خلق السموات والأرض، ومن كان هكذا فهو غنيٌّ عن الولد وعن كل شيء.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ مسبَّبٌ عن مضمون الجملة؛ أي: مَنْ كان هكذا فهو المستحقُّ للعبادة وحده.
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني: في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فالحقُّ أن المؤمنين يرون ربهم؛ بدليل قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٣]، وقد جاءت في ذلك أحاديث صحيحةٌ صريحة المعنى، لا تحتمل التأويل.
стр. 885
وقالت الأشعرية: إن رؤية الله تعالى في الدنيا جائزةٌ عقلًا؛ لأن موسى سألها من الله، ولا يسأل موسى ما هو محال.
وقد اختلف الناس هل رأى رسول الله ﷺ ربَّه ليلةَ الإسراء أم لا؟.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال بعضهم: الفرق بين الرؤية والإدراك: أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى غايته؛ فلذلك نفى أن تُدِركَ أبصارُ الخلق ربَّهم، ولا يقتضي ذلك نفي الرؤية؛ وحَسُن على هذا قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ لإحاطة علمه تعالى بالخفيّات.
﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أي: لَطَفَ عن أن تدركه الأبصار، وهو الخبير بكل شيء؛ فهو يدرك الأبصار.
وإن كان: عن قتالهم وعقابهم فهو منسوخ.
وكذلك: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ و ﴿بِوَكِيلٍ﴾.
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا تسبُّوا آلهتهم فيكون ذلك سببًا لأن يسبوا الله.
واستدلَّ المالكية بهذا على سدِّ الذرائع.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هي بيد الله لا بيدي.
﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ أي: ما يُدرِيكم؛ وهو من الشُّعور بالشيء.
و «ما»: نافيةٌ، أو استفهامية.
﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مَنْ قرأ بفتح ﴿أَنَّهَا﴾:
فهو معمولُ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾؛ أي: ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها؟!، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه.
وقيل: ﴿لَا﴾ زائدة؛ والمعنى: ما يُشعركم أنهم يؤمنون.
وقيل: «أنَّ» هنا بمعنى «لعلَّ».
ومَن قرأ بالكسر: فهي استئنافُ إخبارٍ، وتمَّ الكلام في قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾؛ أي: ما يشعركم ما يكون منهم.
فعلى القراءة بالكسر: يوقف على ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾.
وأما على القراءة بالفتح:
فإن كانت «أنَّ» مصدرية لم يوقف عليه؛ لأنه عاملٌ فيها.
стр. 888
وإن كانت بمعنى «لعلَّ»: فأجاز بعض الناس الوقف، ومنعه شيخُنا أبو جعفر بن الزبير؛ لما في «لعلَّ» من معنى التَّعليل.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ أي: نطبعُ عليها ونصدُّها عن الفهم فلا يفقهون.
﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ الكاف للتعليل؛ أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم؛ عقوبةً لهم على أنهم لم يؤمنوا به أول مرةٍ.
ويحتمل أن تكون للتشبيه؛ أي: نطبع عليها إذا رأوا الآيات مثلَ ما طبعنا عليها أول مرة.
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية؛ ردٌّ عليهم في قسَمِهم أنهم لو جاءتهم آية لآمنوا بها؛ أي: لو أعطيناهم هذه الآيات التي اقترحوها وكلَّ آية لم يؤمنوا إلَّا أن يشاء الله.
﴿قُبُلًا﴾ - بكسر القاف وفتح الباء -؛ أي: معاينةً، فنَصْبُه على الحال.
وقرئ بضمتين؛ ومعناه: مواجهةً؛ كقوله: ﴿قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦].
وقيل: هو جمع قَبيلٍ بمعنى كفيل؛ أي: كُفَلاءَ بتصديق رسول الله ﷺ .
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ الضمير عائدٌ:
على وحيهم.
أو على عداوة الكفار.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ وعيدٌ.
﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ «ما» في موضع نصب؛ على أنها:
مفعول معه.
أو عطف على الضمير.
﴿وَلِتَصْغَى﴾ أي: تميلَ، وهو متعلِّق بمحذوف، واللام لام الصيرورة.
﴿إِلَيْهِ﴾ الضمير لوحيهم.
﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يكتسبوا.
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ معمول لقول محذوف؛ أي: قل لهم.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾ أي: صحَّت، والكلمات: ما نزَّل على عباده من كتبه.
﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: صدقًا فيما أخبر، وعدلًا فيما حكم.
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ القصد بهذا الأمر: إباحةُ ما ذُكِر اسم الله عليه، والنهي عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة، وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر، ثم صرَّح به في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
стр. 891
وقد استدلَّ بذلك مَنْ أوجب التسمية على الذبيحة، وإنما جاء الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليلٌ على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل على ذلك.
وقال عطاء: هذه الآية أمرٌ بذكر الله على الذبح والأكل والشرب (١).
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ المعنى: أيُّ غَرَضٍ لكم في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه وقد بيَّن لكم الحلال من الحرام؟.
﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ استثناءٌ مما حرَّم.
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ لفظٌ يعمُّ أنواع المعاصي؛ لأن جميعها إما باطن وإما ظاهر.
وقيل: الظاهر: الأعمال، والباطن: الاعتقاد.
﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الضمير لمصدر ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ سببها: أن قومًا من الكفار قالوا: إنَّا نأكل ما قتلنا، ولا نأكل ما قتل الله -يعنون الميتة-!.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ﴾ مَثَل هنا: بمعنى صفة، وقيل: هو زائدٌ؛ والمعنى: كمن هو.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ﴾ أي: كما جعلنا في مكة أكابرَها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية، وإنما ذَكَر الأكابرَ؛ لأن غيرهم تبعٌ لهم، والمقصود: تسلية النبي ﷺ .
﴿مُجْرِمِيهَا﴾ إعرابه:
مضاف إليه عند الفارسي وغيره.
وقال ابن عطية وغيره: إنه مفعولٌ أول لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، و ﴿أَكَابِرَ﴾ مفعولٌ ثانٍ مقدم (١)، وهذا جيدٌ في المعنى ضعيفٌ في العربية؛ لأن ﴿أَكَابِرَ﴾ جمع أكبر وهو من أفعل؛ فلا يستعمل إلَّا بـ «مِنْ» أو بالإضافة.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ الآية؛ قال (٢) هذه المقالة أبو جهل.
وقيل: الوليد بن المغيرة؛ لأنه قال: أنا أولى بالنبوة من محمد.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ردٌّ عليهم فيما طلبوه، والمعنى: أن الله عَلِم أن محمدًا ﷺ أهلٌ للرسالة، فخصَّه بها، وعَلِم أنهم ليسوا بأهلٍ لها فحرمهم إيَّاها.
وفي الآية من أدوات البيان: الترديد؛ لكونه ختم كلامهم باسم الله، ثم ردَّه في أول كلامه. ﴿صَغَارٌ﴾ أي: ذلَّةٌ.
стр. 894
﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ شَرْحُ الصدر، وضيقُه، وحَرَجُه: ألفاظٌ مستعارة.
ومن قرأ ﴿حَرَجًا﴾ -بفتح الراء-: فهو مصدر وُصِف به.
﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: كأنما يحاول الصعود في السماء، وذلك غير ممكن؛ فكذلك يصعب عليه الإيمان.
وأصل ﴿يَصَّعَّدُ﴾ المشدد: يتصعّد، وقرئ بالتخفيف.
﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ الجنة، والسَّلام هنا يحتمل أن يكون: اسم الله، فأضافها إليه؛ لأنها مُلْكُه وخَلْقُه. أو بمعنى السلامة. أو التحية.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف؛ تقديره: اذكر. أو تقديره: قلنا، ويكون -على هذا- عاملًا في ﴿يَوْمَ﴾ وفي ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾.
﴿اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: أضللتم منهم كثيرًا، وجعلتموهم أتباعكم؛ كما تقول: استكثر الأمير من الجيش.
﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ استمتاعُ الجنِّ بالإنس: طاعتهم لهم، واستمتاع الإنس بالجن: كقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] فإن الرجل كان إذا نزل واديًا قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي -يعني: كبير الجن-.
стр. 895
﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا﴾ هو الموت، وقيل: الحشر.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ قيل: الاستثناء من الكاف والميم في ﴿مَثْوَاكُمْ﴾؛ فـ «ما» بمعنى «مَنْ»؛ لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس، والمستثنى على هذا: مَنْ آمن منهم.
وقيل: الاستثناء من مدَّة الخلود، وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار.
وقيل: الاستثناء من النار، وهو دخولهم الزَّمهَريرَ.
وقيل: ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله، وإسناد الأمور إليه.
﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أي: نجعل بعضهم وليًّا لبعض.
وقيل: نُتْبِعُ بعضهم بعضًا في دخولهم النارَ.
وقيل: نسلِّط بعضهم على بعض.
стр. 896
[﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾].
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ تقرير للجن والإنس؛ فقيل: إن الجن بُعث فيهم رسل منهم؛ لظاهر الآية.
وقيل: إنما الرسل من الإنس خاصة؛ وإنما قال: ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾؛ لأنه جَمَع الثقلين في الخطاب.
﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ لا تنافي بينه وبين قولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ لما تقدَّم هناك.
فإن قيل: لم كرَّر شهادتهم على أنفسهم؟
فالجواب: أن قولهم: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا﴾ قولٌ قالوه هم، وقوله: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ ذمٌّ لهم، وتقبيحٌ لحالهم.
﴿ذَلِكَ﴾ خبر ابتداء مضمر؛ تقديره: الأمر ذلك.
أو مفعولٌ بفعل مضمر؛ تقديره: فعلنا ذلك.
стр. 897
والإشارةُ إلى بعث الرسل.
﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ تعليلٌ لبعث الرسل.
وهو في موضع مفعول من أجله، أو بدلٌ من ﴿ذَلِكَ﴾.
﴿بِظُلْمٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن الله لم يكن ليُهلِكَ القرى دون بعث رسل إليهم، فيكون إهلاكهم ظلمًا؛ إذ لم يُنذِرْهم، فهو كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
والآخر: أن الله لا يهلك القرى بظلم إذا ظلموا دون أن يُنذَرهم؛ ففاعل الظلم -على هذا-: أهلُ القرى، وغفلتهم: عدم إنذارهم.
حكى الوجهين ابن عطية والزمخشري (١)، والوجه الأول صحيح (٢) على مذهب المعتزلة، ولا يصحُّ على مذهب أهل السنة؛ لأن الله لو أهلك عباده بغير ذنب لم يكن ظالمًا عندهم (٣).
стр. 898
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ أي: منازلُ في الجزاء على أعمالهم؛ من الثواب والعقاب.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ﴾ أي: من ذرية أهل سفينة نوح، أو مَنْ كان قبلهم إلى آدم.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ الأمر هنا للتهديد، والمكانة: التمكُّن.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ.
﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ﴾ يَحتمل أن تكون «مَنْ»: موصولةً في موضع نصْبٍ على المفعولية.
أو استفهاميةً في موضع رَفْعٍ بالابتداء.
﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: الآخرة، أو الدنيا، والأول أرجح؛ لقوله: ﴿عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٢ - ٢٣].
стр. 899
[﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾].
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ الضمير في ﴿جَعَلُوا﴾ لكفار العرب.
قال السهيلي: هم حَيٌّ من خَوْلانَ، يقال لهم: الأَديم، كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم ومن أنعامهم نصيبًا لله ونصيبًا لأصنامهم (١).
ومعنى ﴿ذَرَأَ﴾: خلق وأنشأ؛ ففي ذلك ردٌّ عليهم؛ لأن الله الذي خلقها وذرأها هو مالكها لا ربَّ غيره.
﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أي: بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع، وأكثر ما يقال الزعم: في الكذب.
стр. 900
وقرئ بفتح الزاي وضمها، وهما لغتان.
﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية؛ كانوا إذا هبَّت الريح فحملت شيئًا من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإذا حملت شيئًا من الذي للأصنام إلى الذي لله ردُّوه، وإذا أصابتهم سنة أكلوا نصيب الله، وتحاموا نصيب شركائهم.
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ كانوا يقتلون أولادهم بالوأد، ويذبحونهم تقربًا إلى الأصنام.
و ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ هنا: هم الشياطين، أو القائمون على الأصنام.
وقرأ الجمهور بفتح الزاي من ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للفاعل، ونَصْبِ ﴿قَتْلَ﴾ على أنه مفعول، وخفض ﴿أَوْلَادِهِمْ﴾ بالإضافة، ورَفْعِ ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ على أنه فاعل بـ ﴿زَيَّنَ﴾.
والشركاء على هذه القراءة: هم الذين زينوا القتل.
وقرأ ابن عامر (١): بضم الزاي على البناء للمفعول، ورفع ﴿قَتْلُ﴾ على أنه مفعول لم يسمَّ فاعله، ونصب ﴿أَوْلَادَهُمْ﴾ على أنه مفعول بـ ﴿قَتْلُ﴾، وخفض ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ على الإضافة إلى ﴿قَتْلُ﴾ إضافة المصدر إلى فاعله، وفُصِلَ بين المضاف والمضاف إليه بقوله: ﴿أَوْلَادَهُمْ﴾، وذلك ضعيفٌ في العربية، وقد سُمع في الشعر.
والشركاء على هذه القراءة: هم القاتلون للأولاد.
стр. 901
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي: ليُهلِكوهم، وهو مِنْ الرَّدى بمعنى الهلاك.
﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي: حرامٌ، وهو فِعْل بمعنى مفعولٍ، نحو ذِبْح، فيستوي في الوصف به المذكَّرُ والمؤنث والواحد والجمع.
﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ أي: لا يأكلها إلَّا من شاؤوا؛ وهم: القائمون على الأصنام، أو الرجال دون النساء.
﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ أي: لا تُرْكَبُ، وهي السائبة وأخواتها.
﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قيل: معناه: لا يُحَجُّ عليها؛ فلا يُذكر اسم الله بالتلبية.
وقيل: لا يذكر عليها إذا ذُبحت.
﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ كانوا قد قسَّموا أنعامهم هذه الأقسام، ونسبوا ذلك إلى الله افتراءً وكذبًا.
ونصْبُه: على الحال، أو مفعول من أجله، أو مصدر مؤكَّد.
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية؛ كانوا يقولون في أجِنَّة البحيرة والسائبة: ما وُلِد منها حيًّا فهو للرجال خاصة ولا يأكل منها النساء، وما وُلِد منها ميتًا اشترك فيه الرجال والنساء.
وأنَّث ﴿خَالِصَةٌ﴾ للحمل على المعنى؛ وهي الأجِنَّة، وذكَّر ﴿مُحَرَّمٌ﴾ حملًا على لفظ «ما».
ويجوز أن تكون التاء للمبالغة.
﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: البحيرة والسائبة وشبههما.
стр. 902
[﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾].
﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ مرفوعات على دعائم وشبهها، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ متروكات على وجه الأرض.
وقيل: المعروشات: ما غرسه الناس في العمران، وغير معروشات: ما أنبته الله في الجبال والبراري.
﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قيل: ﴿حَقَّهُ﴾ هنا: الزكاة، وهو ضعيف؛ لوجهين:
أحدهما: أن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة.
стр. 903
والآخر: أن الزكاة لا تعطى يوم الحصاد، وإنما تعطى يوم (١) ضمّ الحبوب والثمار.
وقيل: ﴿حَقَّهُ﴾ ما يتصدَّق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجبًا ثم نُسخ بالعُشر.
وقيل: هو ما يسقط من السنبل، والأمر على هذا للندب.
﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ عطفٌ على ﴿جَنَّاتٍ﴾.
والحمولة: الكبار، والفَرْش: الصغار؛ كالعجاجيل والفِصْلان.
وقيل: الحمولة: الإبل؛ لأنها يُحمل عليها، والفرش: الغنم؛ لأنها تُفْرَش للذبح، ويُفْرَش ما ينسج من صوفها.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ بدلٌ من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، وسمَّاها أزواجًا؛ لأن الذكر زوج للأنثى، والأنثى زوج للذكر.
﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يريد: الذكر والأنثى، وكذلك فيما بعده.
﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ يعني: الذكر من الضأن والذكر من المَعْز، ويعني بالأنثيين: الأنثى من الضأن، والأنثى من المعز، وكذلك فيما بعده من الإبل والبقر.
والهمزة للإنكار.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ تعجيزٌ وتوبيخ.
стр. 904
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يعني: في تحريم (١) ما لم يحرّمُ اللهُ، وذلك إشارةٌ إلى العربِ في تحريمهم أشياء كالبحيرة وغيرها.
стр. 905
[﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾].
﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ الآية تقتضي حصْرَ المحرَّمات فيما ذُكِر، وقد جاء في السنة تحريمُ أشياء لم تذكر هنا كلحوم الحُمُر؛ فذهب قوم إلى أن السنة نَسخت هذا الحصر.
وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب؛ فلا تقتضي الحصر.
وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذُكر إنما نُهي عنه على وجه الكراهة، لا على وجه التحريم.
﴿أَوْ فِسْقًا﴾ معطوفٌ على المنصوبات قبله، وهو ما أُهِلَّ به لغير الله،
стр. 906
سماه فسقًا؛ لتوغُّله في الفسق، وقد تقدَّم الكلام على هذه المحرمات في «البقرة» (١).
﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ هو ما له إصبعٌ من دابة أو طائر. قاله الزمخشري (٢). وقال ابن عطية: يراد به: الإبل والإوزُّ والنَّعام ونحوُه من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع، و (٣) له ظفر (٤). وقال الماوردي مثله (٥).
وحكى النقَّاش عن ثعلب: أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظُفر، وما يصيد فهو ذو مِخْلَب، وهذا غير مطَّرد؛ لأن الأسد ذو ظفر (٦).
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يعني: ما في الظهور والجنوب من شحم.
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ هي المباعِرُ (٧).
وقيل: المصارين والحشوة ونحوهما مما يتحوَّى في البطن.
وواحد حوايا حَوِيَّةٌ؛ على وزن فَعِيلة؛ فوزن حوايا على هذا فَعَائل؛ كصحيفة وصحائف.
стр. 907
وقيل: واحدها حاوية؛ على وزن فاعلة؛ فحوايا -على هذا- فواعل؛ كضاربة وضوارب.
وهو معطوف على ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، فهو من المستثنى من التحريم.
وقيل: عطف على الظهور؛ فالمعنى: إلَّا ما حملت الظهور، أو حملت الحوايا.
وقيل: عطف على الشُّحوم؛ فهو من المحرَّم.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ يريد: في جميع الجسد.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: فيما أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب مَنْ حرَّم ما لم يحرِّم الله.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ أي: إن كذبوك فيما أخبرت به من التحريم فقل لهم: ﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾؛ إذ لا يعاجلكم بالعقوبة على شدَّة جرمكم، وهذا كما تقول عند رؤية معصية: ما أحلم الله!؛ تريد: لإمهاله عن مثل ذلك.
ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: لا تغترُّوا بسعة رحمته؛ فإنه لا يردُّ بأسه عن مثلكم إما في الدنيا أو في الآخرة.
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الآية؛ معناها: أنهم يقولون: إنَّ شِرْكهم وتحريمَهم لما حرَّموا كان بمشيئة الله، ولو شاء الله أن
стр. 908
لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على صحة ذلك بإرادة الله له، وتلك نزغةٌ جبرية، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأنهم مكلَّفون مأمورون ألَّا يشركوا بالله، ولا يحرِّموا ما حلل الله، والإرادة خلاف التكليف.
ويحتمل عندي أن يكون قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قولًا يقولونه في الآخرة على وجه التمنِّي أن ذلك لم يكن؛ كقولك إذا ندمتَ على شيء: لو شاء الله ما كان هذا؛ أي: تتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيد هذا: أنه حكى قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين؛ فذلك دليلٌ على أنهم يقولونه في المستقبل وهي الآخرة.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ توقيفٌ لهم وتعجيز.
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ لما أبطل حجَّتهم أثبت حجة الله؛ ليظهرَ الحقُّ ويبطُلَ الباطلُ.
﴿هَلُمَّ﴾ قيل: هي بمعنى «هاتِ»؛ فهي متعدية.
وقيل: بمعنى «أقبِلْ»؛ فهي غير متعدية.
وهي عند بعض العرب: فعل يتصل به ضمير الاثنين والجماعة والمؤنث.
وعند بعضهم: اسم فعل؛ فيخاطب بها الواحد والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء.
ومقصود الآية: تعجيزهم عن إقامة الشُّهداء.
﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي: إن كذبوا في شهادتهم وزوَّروا فلا تشهد بمثل شهادتهم.
стр. 909
[﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾].
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرَّم عليهم.
وذكر في هذه الآيات المحرَّمات التي أجمعت عليها جميع الشرائع ولم تُنْسَخ قطُّ في ملة.
وقال ابن عباس: هي الكلمات العشر التي أنزل الله على موسى (١).
﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ قيل: «أن» هنا: حرف عبارة وتفسير؛ فلا موضع لها من الإعراب، و «لا» ناهية جزمت الفعل.
وقيل: «أن» مصدرية في موضع رفع؛ تقديره: الأمر أن لا تشركوا؛ فـ «لا» على هذا نافية.
стр. 910
وقيل: «أن» في موضع نصبٍ بدلًا من قوله: ﴿مَا حَرَّمَ﴾، ولا يصحُّ ذلك إلا إن كانت «لا» زائدةً، وإن لم تكن زائدةً فسَد المعنى؛ لأن الذي حرم على ذلك يكون تركُ الإشراك.
والأحسن عندي: أن تكون «أن» مصدرية في موضع نصب على البدل و «لا» نافية، ولا يلزم ما ذُكِر من فساد المعنى؛ لأن قوله: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ معناه: ما وصَّاكم به ربكم؛ بدليل قوله في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾ فضمَّن التحريم معنى الوصية، والوصية في المعنى أعمُّ من التحريم؛ لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل ووجوب وندب، ولا يُنكَر أن يريد بالتحريم الوصية؛ لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص.
فإذ تقرر هذا؛ فتقدير الكلام: قل تعالوا أتل ما وصَّاكم به ربكم، ثم أبدل منه على وجه التفسير له والبيان؛ فقال: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾؛ أي: وصَّاكم أن لا تشركوا به شيئًا، ووصاكم بالإحسان بالوالدين، ووصاكم أن لا تقتلوا أولادكم، فجمعت الوصيةُ تركَ الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين وما بعد ذلك.
ويؤيد هذا التأويل الذي تأوَّلنا: أن الآيات اشتملت على أوامر؛ كالإحسان بالوالدين، وقول العدل، والوفاء في الوزن، وعلى نواهي؛ كالإشراك، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، فلا بد أن يكون اللفظ المقدَّم في أولها لفظًا يجمع الأوامر والنواهي؛ لأنها أُجمِلت فيه، ثم فُسِّرت بعد ذلك، ويصلح لذلك لفظ الوصية؛ لأنه جامع للأمر والنهي، فلذلك
стр. 911
جعلنا التحريم بمعنى الوصية، ويدل على ذلك: ذكر لفظ الوصية بعد ذلك. وإن لم يتأول على ما ذكرناه: لزم في الآية إشكالٌ؛ وهو عطف الأوامر على النواهي، وعطف النواهي على الأوامر، فإن الأوامر طُلِبَ فعلها، والنواهي طُلِبَ تركها، وواو العطف تقتضي الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يصحُّ ذلك إلَّا على الوجه الذي تأولناه من عموم الوصية للفعل والترك.
وتحتمل الآية (١) عندي تأويلًا آخر؛ وهو: أن يكون لفظ التحريم على ظاهره، ويعمُّ فعل المحرمات، وترك الواجبات؛ لأن ترك الواجب حرامٌ.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الإملاق: الفاقة، و ﴿مِنْ﴾ هنا للتعليل؛ تقديرها: من أجل إملاق.
وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة؛ لأن العرب كانوا يفعلون ذلك، فخرج مخرج الغالب، فلا يُفهم منه إباحةُ قتلهم لغير ذلك الوجه.
﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الزنا، و ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: اتخاذ الأخدان.
والصحيح: أن ذلك عمومٌ في جميع الفواحش.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فسره قولُ رسول الله ﷺ :
«لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد
стр. 912
إيمان، أو قتل نفس بغير نفس» (١).
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النهي عن القُرب يعمُّ وجوه التصرُّف، وفيه سدُّ الذريعة؛ لأنه إذا نهى عن أن يقرب (٢) المال فالنهي عن أكله أولى وأحرى.
والتي هي أحسن: منفعة اليتيم وتثمير ماله.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ هو البلوغ مع الرُّشد، وليس المقصود هنا السنَّ وحده، وإنما المقصود: معرفته بمصالحه.
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج ولا يتحقَّق الوصول إليه؛ أمر بما في الوُسْع من ذلك، وعفا عما سواه.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل؛ فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص، بل يَعْدل.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾:
إلى ما تقدَّم من الوصايا.
أو إلى جميع الشريعة.
و «أنَّ» بفتح الهمزة والتشديد:
عطفٌ على ما تقدَّم.
стр. 913
أو مفعول من أجله؛ أي: فاتبعوه؛ لأن هذا صراطي مستقيما.
وقرئ بالكسر؛ على الاستئناف.
وبالفتح والتخفيف؛ على العطف، وهي على هذا مخفَّفة من الثقيلة.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الطرق المختلفة في الدين؛ من اليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة، ويدخل فيه أيضًا: البدع والأهواء المضلَّة.
وفي الحديث: أن النبي ﷺ خطَّ خطًّا، ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه كُلُّها سبلٌ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» (١).
﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: تُفرِّقكم عن سبيل الله، والفعل مستقبل؛ حذفت منه تاء المضارعة، ولذلك شدَّده البزِّي.
﴿ثُمَّ آتَيْنَا﴾ معطوفٌ على ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾.
فإن قيل: فإن إيتاء موسى الكتاب متقدِّمٌ على هذه الوصية، فكيف عطفه عليها بـ «ثم»؟
فالجواب: أن هذه الوصية قديمةٌ لكل أمة على لسان نبيها، فصحَّ الترتيب.
وقيل: إنها هنا لترتيب الإخبار والقول، لا لترتيب الزمان.
﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن المعنى: تمامًا للنعمة على الذي أحسن من قوم موسى،
стр. 914
ففاعل ﴿أَحْسَنَ﴾ ضمير يعود على ﴿الَّذِي﴾، و ﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يراد به: جنس المحسنين.
والآخر: أن المعنى: تمامًا؛ أي: تفضُّلًا، أو جزاءً على ما أحسن موسى ﵇ من طاعة ربه وتبليغ رسالته، فالفاعل على هذا ضمير موسى ﵇، و ﴿الَّذِي﴾ صفة لعمل موسى.
والثالث: تمامًا؛ أي: إكمالًا على ما أحسن الله به إلى عباده، فالفاعل (١) على هذا ضمير الله تعالى.