جعلنا التحريم بمعنى الوصية، ويدل على ذلك: ذكر لفظ الوصية بعد ذلك. وإن لم يتأول على ما ذكرناه: لزم في الآية إشكالٌ؛ وهو عطف الأوامر على النواهي، وعطف النواهي على الأوامر، فإن الأوامر طُلِبَ فعلها، والنواهي طُلِبَ تركها، وواو العطف تقتضي الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يصحُّ ذلك إلَّا على الوجه الذي تأولناه من عموم الوصية للفعل والترك.
وتحتمل الآية (١) عندي تأويلًا آخر؛ وهو: أن يكون لفظ التحريم على ظاهره، ويعمُّ فعل المحرمات، وترك الواجبات؛ لأن ترك الواجب حرامٌ.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الإملاق: الفاقة، و ﴿مِنْ﴾ هنا للتعليل؛ تقديرها: من أجل إملاق.
وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة؛ لأن العرب كانوا يفعلون ذلك، فخرج مخرج الغالب، فلا يُفهم منه إباحةُ قتلهم لغير ذلك الوجه.
﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الزنا، و ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: اتخاذ الأخدان.
والصحيح: أن ذلك عمومٌ في جميع الفواحش.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فسره قولُ رسول الله ﷺ :
«لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد
стр. 912
إيمان، أو قتل نفس بغير نفس» (١).
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النهي عن القُرب يعمُّ وجوه التصرُّف، وفيه سدُّ الذريعة؛ لأنه إذا نهى عن أن يقرب (٢) المال فالنهي عن أكله أولى وأحرى.
والتي هي أحسن: منفعة اليتيم وتثمير ماله.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ هو البلوغ مع الرُّشد، وليس المقصود هنا السنَّ وحده، وإنما المقصود: معرفته بمصالحه.
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج ولا يتحقَّق الوصول إليه؛ أمر بما في الوُسْع من ذلك، وعفا عما سواه.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل؛ فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص، بل يَعْدل.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾:
إلى ما تقدَّم من الوصايا.
أو إلى جميع الشريعة.
و «أنَّ» بفتح الهمزة والتشديد:
عطفٌ على ما تقدَّم.
стр. 913
أو مفعول من أجله؛ أي: فاتبعوه؛ لأن هذا صراطي مستقيما.
وقرئ بالكسر؛ على الاستئناف.
وبالفتح والتخفيف؛ على العطف، وهي على هذا مخفَّفة من الثقيلة.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الطرق المختلفة في الدين؛ من اليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة، ويدخل فيه أيضًا: البدع والأهواء المضلَّة.
وفي الحديث: أن النبي ﷺ خطَّ خطًّا، ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه كُلُّها سبلٌ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» (١).
﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: تُفرِّقكم عن سبيل الله، والفعل مستقبل؛ حذفت منه تاء المضارعة، ولذلك شدَّده البزِّي.
﴿ثُمَّ آتَيْنَا﴾ معطوفٌ على ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾.
فإن قيل: فإن إيتاء موسى الكتاب متقدِّمٌ على هذه الوصية، فكيف عطفه عليها بـ «ثم»؟
فالجواب: أن هذه الوصية قديمةٌ لكل أمة على لسان نبيها، فصحَّ الترتيب.
وقيل: إنها هنا لترتيب الإخبار والقول، لا لترتيب الزمان.
﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن المعنى: تمامًا للنعمة على الذي أحسن من قوم موسى،
стр. 914
ففاعل ﴿أَحْسَنَ﴾ ضمير يعود على ﴿الَّذِي﴾، و ﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يراد به: جنس المحسنين.
والآخر: أن المعنى: تمامًا؛ أي: تفضُّلًا، أو جزاءً على ما أحسن موسى ﵇ من طاعة ربه وتبليغ رسالته، فالفاعل على هذا ضمير موسى ﵇، و ﴿الَّذِي﴾ صفة لعمل موسى.
والثالث: تمامًا؛ أي: إكمالًا على ما أحسن الله به إلى عباده، فالفاعل (١) على هذا ضمير الله تعالى.
﴿وَصَدَفَ﴾ أعرضَ.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ الآية؛ تقدَّمت نظيرتها في «البقرة» (١).
﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ أشراط الساعة؛ كطلوع الشمس من مغربها، فحينئذ لا يقبل إيمان كافر، ولا توبة عاصٍ.
فقوله: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ يعني: أن إيمان الكافر لا ينفعه حينئذ.
وقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ يعني: أن من كان مؤمنًا ولم يكسب حسنات قبل ظهور تلك الآيات، ثم تاب إذا ظهرت لم ينفعه؛ لأن باب التوبة يغلق حينئذ.
﴿قُلِ انتَظِرُوا﴾ وعيدٌ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ هم اليهود والنصارى.
وقيل: أهل الأهواء والبدع.
وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، قيل: يا رسول الله ومن تلك الواحدة؟ قال: «من كان على ما أنا وأصحابي عليه» (٢).
وقرئ ﴿فَارَقُوا﴾؛ أي: تركوا.
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ جمع شِيعَةٍ؛ أي: متفرِّقين، كلُّ فرقة تتشيَّع لمذهبها.
стр. 917
﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: أنت بريءٌ منهم.
﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فضلٌ عظيم، على العموم في الحسنات، وفي العاملين، وهو أقلُّ التَّضعيف للحسنات؛ فقد ينتهي إلى سبع مئة وأزيد.
﴿دِينًا قِيَمًا﴾ بدلٌ من موضع: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ لأن أصله: هداني صراطًا؛ بدليل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾، والقَيِّم: فَيْعِل؛ من القيام، وهو أبلغ من قائمٍ.
وقرئ ﴿قِيَامًا﴾ بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها، وهو على هذا: مصدر وُصِف به.
﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدلٌ من ﴿دِينًا﴾، أو عطف بيان.
﴿وَنُسُكِي﴾ أي: عبادتي، وقيل: ذبحي للبهائم، وقيل: حَجّي. والأول أعمُّ وأرجح.
﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي: أعمالي في حين حياتي وعند موتي.
﴿لِلَّهِ﴾ أي: خالصًا (١) لوجهه وطلب رضاه، ثم أكّد ذلك بقوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾؛ أي: لا أريد بأعمالي غير الله؛ فيكون نفيًا للشرك الأصغر وهو الرياء.
ويحتمل أن يريد: لا أعبد غير الله؛ فيكون نفيًا للشرك الأكبر.
﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ الإشارةُ إلى الإخلاص الذي تقتضيه الآية قبل ذلك.
﴿أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ لأنه ﷺ سابقُ أمّتِه.
стр. 918
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ تقريرٌ وتوبيخٌ للكفار.
وسببها: أنهم دَعَوْهُ إلى عبادة آلهتهم.
﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ برهانٌ على التوحيد، ونفيُ الربوبية عن غير الله.
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ ردٌّ على الكفار؛ لأنهم قالوا له: اعبد آلهتنا ونحن نتكفَّل لك بكل تِبَاعةٍ تتوقَّعُها في دنياك وأُخراك (١)، فنزلت هذه الآية؛ أي: ليس كما قلتم، وإنما كَسْبُ كلِّ نفس عليها خاصةً.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحدٌ ذنوب أحد، وأصل الوزر: الثِّقَل، ثم استُعمل في الذنوب.
﴿خَلَائِفَ﴾ جمع خليفة؛ أي: يَخْلُف بعضكم بعضًا في السُّكنى في الأرض.
أو خلائف عن الله في أرضه، والخطاب على هذا: لجميع الناس.
وقيل: لأمة محمد ﷺ ؛ لأنهم خلَفُوا الأمم المتقدمة.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ عمومٌ في المال والجاه والقوة والعلوم وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ليختبرَ شُكْرَكم على ما أعطاكم، وأعمالَكم فيما مَكَّنكم فيه.
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جمعٌ بين التخويف والترجية.
стр. 919
وسُرعة عقابه تعالى:
إما في الدنيا لمن عجَّل أَخْذَهُ.
أو في الآخرة؛ لأن كلَّ آتٍ قريبٌ.
ونسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا بفضله ورحمته (١).
ذكرى؛ لأن الذكرى بمعنى التذكير.
أو مرفوعٌ؛ على أنه خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ.
أو مخفوضٌ؛ عطفًا على موضع ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ أي: للإنذار والذكرى.
﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ انتصب ﴿قَلِيلًا﴾ بـ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: تذكرون تذكرًا قليلًا.
و ﴿مَا﴾ زائدةٌ؛ للتأكيد.
﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ قيل: إنه من المقلوب؛ تقديره: جاءها بأسنا فأهلكناها.
وقيل: المعنى: أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا؛ لأن مجيء البأس قبل الإهلاك، فلا يصحُّ عطْفُه عليه بالفاء.
ويحتمل أن يكون ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ استئنافًا؛ على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلُّفٍ.
والمراد: أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف؛ بدليل: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.
﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ﴿بَيَاتًا﴾ مصدرٌ في موضع الحال؛ بمعنى: بائتين؛ أي: بالليل.
و ﴿قَائِلُونَ﴾: من القائلة؛ أي: بالنهار.
وقد أصاب العذابُ بعض الكفار المتقدِّمين بالليل، وبعضهم بالنهار.
стр. 922
و ﴿أَوْ﴾ هنا: للتنويع.
﴿دَعْوَاهُمْ﴾ أي: ما كان دعاؤهم واستغاثتهم إلَّا للاعتراف بأنهم ظالمون.
وقيل: المعنى: أن دعواهم هنا: ما كانوا يدَّعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين في ذلك.
﴿أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أسند الفعل إلى الجار والمجرور.
ومعنى الآية: أن الله يسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عما أُجيبوا به.
﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم﴾ على الرسل والأمم.
﴿وَالْوَزْنُ﴾ يعني: وزن الأعمال.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم يُسأل الرسل وأممهم؛ وهو يوم القيامة.
﴿بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ أي: يكذِّبون بها ظلمًا.
﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ «لا» زائدة؛ للتأكيد.
﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ استدلَّ بهِ بعضُ الأصوليينَ على أنَّ الأمرَ يقتضي الوجوبَ والفورَ؛ ولذلكَ وقعَ العقابُ على تركِ المبادرةِ للسجودِ.
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ تعليلٌ علَّلَ بهِ إبليسُ امتناعهُ من السجودِ، وهو يقتضي الاعتراضَ على اللهِ تعالى في أمرِهِ بسجودِ الفاضلِ للمفضولِ على زعمِهِ.
وبهذا الاعتراضِ كفرَ إبليسُ؛ إذ ليسَ كفرُهُ كفرَ جحودٍ.
﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: من السماءِ.
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباءُ للتعليلِ؛ وهي تتعلقُ (١) بفعلِ قسمٍ محذوفٍ تقديرهُ: أُقسِمُ باللهِ -بسببِ إغوائِكَ لي- لأغوينَّ بني آدمَ.
و «ما»: مصدريةٌ.
وقيلَ: استفهاميةٌ؛ ويُبطلهُ ثبوتُ الألفِ في «ما» معَ حرفِ الجرِّ.
﴿صِرَاطَكَ﴾ يريدُ: طريقَ الهدى والخيرِ، وهو منصوبٌ على الظرفيةِ.
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية؛ أي: من الجهاتِ الأربعِ، وذلكَ عبارةٌ عن تسليطهِ على بني آدمَ كيفما أمكنهُ.
وقال ابنُ عباسٍ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: الآخرةُ، ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: الحسناتُ، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: السيئاتُ.
﴿مَذْءُومًا﴾ مِنْ ذَأَمَهُ -بالهمزِ-: إذا ذمَّهُ.
стр. 925
﴿مَدْحُورًا﴾ أي: مطرودًا حيث وقع.
﴿فَوَسْوَسَ﴾ إذا تكلَّم كلامًا خفيًّا يكرِّره؛ فمعنى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا﴾: ألقى لهما هذا الكلام.
﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ أي: ليُظهر ما سُتر من عوراتهما.
واللام في قوله: ﴿لِيُبْدِيَ﴾:
للتعليل؛ إن كان في انكشافهما غَرَضٌ لإبليس.
أو للصيرورة؛ إن وقع ذلك بغير قصدٍ منه إليه.
﴿الشَّجَرَةَ﴾ ذكرت في «البقرة» (١).
﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أي: كراهة أن تكونا ملكين.
واستدلَّ به من قال: إن الملائكة أفضلُ من الأنبياء.
وقرئ: «مَلِكَيْنِ» بكسر اللام؛ ويقوِّي هذه القراءةَ قوله: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠].
﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلَف لهما إنه لمن الناصحين.
وذكر قَسَم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين الاثنين:
لأنه اجتهد فيه.
أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته.
﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة.
стр. 926
﴿بِغُرُورٍ﴾ أي: غَرَّهما بحَلِفِهِ لهما؛ لأنهما ظَنَّا أنه لا يحلف كاذبًا.
﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ أي: زال عنهما اللباس، وظهرت عوراتهما، وكانا لا يَريانها من أنفُسِهما، ولا أحدهما (١) من الآخر.
وقيل: كان لباسهما نورٌ يحول بينهما وبين النَّظَر.
﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي: يَصِلان بعضَه ببعض ليستترا بها.
﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ يَحتمل أن يكون هذا النداء: بواسطة مَلَك، أو بغير واسطة.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ اعترافٌ، وطلبٌ للمغفرة والرحمة.
وتلك (٢) الكلمات التي تاب الله عليه بها.
﴿اهْبِطُوا﴾ وما بعده: مذكور في «البقرة» (٣).
﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾ أي: في الأرض.
стр. 927
[﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾].
﴿لِبَاسًا﴾ أي: الثياب التي تستر؛ ومعنى ﴿أَنزَلْنَا﴾: خلقنا.
وقيل: المراد: أنزلنا ما يكون عنه اللباس؛ وهو (١) المطر.
واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة.
﴿وَرِيشًا﴾ أي: لباس الزينة؛ وهو مستعار من ريش الطائر.
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ استعارة للتقوى لباسًا؛ كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه.
وقيل: لباس التقوى: ما يُتَّقى به في الحرب من الدروع وشبهها.
وقرئ: بالرفع؛ على الابتداء، وخبره: الجملة؛ وهي: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.
﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الإشارةُ إلى ما أنزل من اللباس.
стр. 928
وهذه الآية واردةٌ على وجه الاستطراد عَقِيب (١) ما ذكر من ظهور السَّوءآت وخَصْفُ الورق عليهما؛ ليُبَيِّن إنعامه بما (٢) خَلَقَ من اللباسِ.
﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ أي: كان سببًا في نَزْعِ لباسهما عنهما.
﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ يعني: في غالب الأمر.
وقد استدلَّ به من قال: إن الجن لا يُرَوْن.
وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتُحْمَلُ الآية على الأكثر؛ جمعًا بينها وبين الأحاديث.
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ قيل: هي ما كانت العرب تفعلهُ من الطَّواف بالبيت عراةً؛ الرجالُ والنساء.
ويحتمل العموم في الفواحش.
﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ اعتذروا بعذرين باطلين:
أحدهما: تقليد آبائهم.
والآخر: افتراؤهم على الله.
﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ قيل: المراد إحضار النية، والإخلاص لله.
وقيل: فعل الصلاة والتوجُّه فيها.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي: في كل مكان سجودٍ.
стр. 929
أو: في وقت كلِّ سجود.
والأول أظهر.
والمعنى: إباحة الصلاة في كلِّ موضع؛ كقوله (١) ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا» (٢).
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ احتجاجٌ على البعث الأخراوي بالبدأة الأولى.
﴿فَرِيقًا﴾ الأول: منصوب بـ ﴿هَدَى﴾.
والثاني: منصوبٌ بفعل مضمر؛ يفسره ما بعده.
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ قيل: المراد به: الثياب الساترة، واحتجَّ به من أوجب ستر العورة في الصلاة.
وقيل: المراد به: الزينةُ زيادةً على السَّتر، كالتجمُّل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الأمر فيهما للإباحة؛ لأن بعض العرب كانوا يحرمون أشياء من المآكل.
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أي: لا تكثروا من الأكل فوق الحاجة.
وقال الأطباء: إن الطبَّ كلَّه مجموعٌ في هذه الآية (٣).
وقيل: لا تسرفوا بأكل الحرام.
وقرئ ﴿خَالِصَةٌ﴾:
بالنصب؛ على الحال.
والرفع؛ على أنه: خبر بعد خبر، أو خبر ابتداء مضمر.
﴿وَالْإِثْمَ﴾ عامٌّ في كل ذنب.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: تفتروا عليه في التَّحريم وغيره.
﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ هي «إنْ» الشرطية دخلت عليها «ما» الزائدة؛ للتأكيد، ولزمتها النون الشديدة المؤكَّدة.
وجواب الشرط: ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الآية.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ذُكر في «الأنعام» (١).
﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يصلُ إليهم ما كُتِب لهم من الأرزاق وغيرها.
﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: غابوا عنا.
﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: ادخلوا النارَ في جملةِ أممٍ؛ أي: مع أممٍ.
﴿ادَّارَكُوا﴾ أي: تلاحقوا واجتمعوا.
﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ المراد بـ ﴿أُولَاهُمْ﴾: الرؤساء والقادة، و ﴿أُخْرَاهُمْ﴾: الأتباع والسَّفِلَة.
стр. 932
والمعنى: أن أخراهم طلبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم؛ لأنهم أضَلُّوهم.
وليس المعنى: أنهم قالوا لهم ذلك خطابًا لهم، إنما هو كقولك: قال فلان لفلان كذا؛ أي: قاله عنه، وإن لم يخاطبه به.
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: لم يكن لكم علينا فضل في الإيمان والتقوى يوجب أن يكون عذابنا أشدُّ من عذابكم، بل نحن وأنتم متساوون.
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ من قول أولاهم لأخراهم، أو من قول الله تعالى لجميعهم.
والثاني: لا يدخلون الجنة؛ فإن الجنة في السماء.
والثالث: لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم - إذا ماتوا - كما تفتح لأرواح المؤمنين.
﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ أي: حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة. والمعنى: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدًا، فلا يدخلونها أبدًا.
﴿مِهَادٌ﴾ فراشٌ.
﴿غَوَاشٍ﴾ أغطيةٌ.
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ جملةُ اعتراضٍ بين المبتدإِ والخبر؛ ليبين أنه إنما طلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: من كان في صدره غِلٌّ لأخيه في الدنيا نُزع منه في الجنة، وصاروا إخوانًا أحبابًا.
وإنما قال: ﴿وَنَزَعْنَا﴾ بلفظ الماضي وهو مستقبل؛ لتحقق وقوعه في المستقبل، حتى عبَّر عنه بما يعبر عن الواقع.
وكذلك كلُّ ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، وهي تقع في الآخرة؛ كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ وغير ذلك.
﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ إشارةٌ إلى الجنة، أو إلى ما أوجبها من الإيمان والتقوى.
стр. 935
﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ و ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾، و ﴿أَنْ لَعْنَةُ﴾، و ﴿أَنْ سَلَامٌ﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَنْ﴾ في كل واحدة منها:
مخفَّفة من الثقيلة؛ فيكون فيها ضمير.
أو حرف عبارة وتفسير لمعنى القول.
﴿مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ حُذف مفعول ﴿وَعَدَ﴾:
استغناء عنه بمفعول ﴿وَعَدَنَا﴾.
أو لإطلاق الوعد؛ فيتناول الثواب والعقاب.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: أعْلَمَ مُعْلِمٌ؛ وهو مَلَكٌ.
﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ أي: بين الجنة والنار.
أو: بين أصحابهما، وهو الأرجح؛ لقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣].
﴿الْأَعْرَافِ﴾ قال ابن عباس: هو تلٌ (١) بين الجنة والنار.
ومجاهد: حجاب بين الجنة والنار.
وقيل: سور الجنة.
﴿رِجَالٌ﴾ هم أصحاب الأعراف.
وورد في الحديث: «أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم،
стр. 936
فلم يدخلوا الجنة ولا النار» (١).
وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستُشهدوا، فمُنعوا من الجنة؛ لعصيان آبائهم، ونجوا من النار؛ للشهادة.
﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: يعرفون أهل الجنة بعلامتهم؛ من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم؛ من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات.
﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: سلَّم أصحابُ الأعراف على أهل الجنة.
﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أي: أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة، وهم يطمعون في دخولها من بعدُ.
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف؛ أي: إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم منهم.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ يعني: من الكفار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ.
﴿جَمْعُكُمْ﴾ يحتمل أن يريد:
جمعكم للمال.
أو كثرتكم.
стр. 937
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: استكبارُكم على الناس، أو استكباركم عن الرجوع إلى الحق؛ فـ «ما» ها هنا مصدرية.
و «ما» في قوله: ﴿مَا أَغْنَى﴾: استفهاميةٌ، أو نافيةٌ.
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطابًا لأهل النار.
والإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى أهل الجنة؛ وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يُقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين ولا يَعبأُ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا.
وقيل: هي من كلام الملائكة؛ خطابًا لأهل النار.
والإشارة بـ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى أصحاب الأعراف.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ خطابٌ لأهل الجنة: إن كان من كلام أصحاب الأعراف؛ تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة.
وخطابٌ لأهل الأعراف: إن كان من كلام الملائكة.
﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ دليلٌ على أن الجنة فوق النار.
﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من سائر الأطعمة أو الأشربة.
﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ أي: نتركهم.
﴿كَمَا نَسُوا﴾ الكاف للتعليل.
﴿وَمَا كَانُوا﴾ عطفٌ على ﴿كَمَا نَسُوا﴾؛ أي: لنسيانهم وجحودهم.
﴿جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني: القرآن.
стр. 938
﴿فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: عَلِمنا كيف نُفَصِّله (١).
﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ أي: هَلْ ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه؛ مِنْ ظهور ما نطق به من الوعد والوعيد؟.
﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: قَدْ تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق.
стр. 939
[﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾].
﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ حيث وقع:
حمله قومٌ على ظاهره؛ منهم ابن أبي زيد (١) وغيره.
وتأوَّله قوم بمعنى: قصد؛ كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩].
ولو كان كذلك لقال: ثم استوى إلى العرش.
وتأوَّله الأشعرية أنّ معنى استوى: استولى بالملك والقدرة.
والحق: الإيمان به من غير تكييف؛ فإنَّ السلامة في التسليم، ولله درُّ مالك بن أنس الإمام في قوله للذي سأله عن ذلك: «الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عن هذا بدعة» (٢).
وقد روي مثل قول مالك عن أبي حنيفة، وجعفر الصادق، والحسن البصري.
стр. 940
ولم يتكلمِ الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه؛ ولذلك قال مالك: «السؤال عنه بدعة» (١).
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: يُلحِق الليلَ بالنهار، أو يلحقُ النهارَ بالليل؛ يحتملُ الوجهين، هكذا قال الزمخشري (٢).
وأصل اللفظة: من الغشاء؛ أي: يجعل أحدهما غشاءً للآخر يغطيه، فتغطي ظلمةُ الليل نورَ النهار.
стр. 941
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي: سريعًا، والجملة في موضع الحال من ﴿اللَّيْلَ﴾؛ أي: يطلب (١) النهارَ فيُدركه.
﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ قيل: الخلق: المخلوقات، والأمر: مصدر أمَرَ يأمُرُ.
وقيل: الخلق: مصدر خلَق، والأمر: واحد الأمور؛ كقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]. والكلُّ صحيحٌ.
﴿تَبَارَكَ﴾ من البركة؛ وهو فعل غير متصرِّف لم تَنطِق له العرب بمضارع.
﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مصدرٌ في موضع الحال، وكذلك: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
﴿وَخُفْيَةً﴾ من الإخفاء.
وقرئ: "خِيفَةً" من الخوف.
﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ المجاوزين للحدِّ.
وقيل هنا: هو رفع الصوت بالدعاء، والتشطُّط فيه.
﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ جمعَ اللهُ الخوف والطمع؛ ليكون العبد خائفًا راجيًا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
فإن مُوجِب الخوف: معرفةُ سَطَوات (٢) الله وشدَّة عقابه.
ومُوجِب الرجاء: معرفة رحمة الله وعظيم ثوابه؛ قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي
стр. 942
أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
ومَن عَرَف فضلَ الله رجاه، ومَن عرف عذابه خافه؛ ولذلك جاء في الحديث: «لو وُزِن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» (١).
إلَّا أنه يستحب أن يكون العبد طول عمره يَغْلِب عليه الخوف؛ ليقوده إلى فعل الطاعات وترك السيئات، وأن يَغْلِب عليه الرجاء عند حضور الموت؛ لقوله ﷺ : «لا يموتنَّ أحدُكم إلَّا وهو يُحسن الظن بالله تعالى» (٢).
* واعلم أن الخوف على ثلاث درجات:
الأولى: أن يكون ضعيفًا يخطر على القلب، ولا يؤثِّر في الباطن ولا في الظاهر، فوجود هذا كالعدم.
والثانية: أن يكون قويًّا فيوقظ العبد من الغفلة ويحمله على الاستقامة.
والثالثة: أن يشتدَّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس، وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها.
* والناس في الخوف على ثلاث مقامات:
فخوف العامة: من الذنوب.
وخوف الخاصة: من الخاتمة.
стр. 943
وخوف خاصة الخاصة: من السَّابقة؛ فإن الخاتمة مبنيَّة عليها.
* والرجاء على ثلاث درجات:
الأولى: رجاء رحمة الله مع التسبُّب فيها بفعل طاعته وترك معصيته؛ فهذا هو الرجاء المحمود.
والثانية: الرجاء مع التفريط والعصيان؛ فهذا غرورٌ.
والثالثة: أن يقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن؛ فهذا حرام.
* والناس في الرجاء على ثلاث مقامات:
فمقام العامة: رجاء ثواب الله.
ومقام الخاصة: رجاء رضوان الله.
ومقام خاصة الخاصة: رجاء لقاء الله حبًّا فيه وشوقًا إليه.
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ حذفت تاء التأنيث من ﴿قَرِيبٌ﴾ وهو خبر عن الرحمة:
على تأويل الرحمة بالرَّحِم، أو الترحُّم، أو العفو.
أو لأن تأنيث الرحمة غيرُ حقيقيٍّ.
أو لأنه صفة موصوف محذوف تقديره: شيءٌ قريب.
أو على تقدير النَّسب؛ أي: ذات قرب.
وقيل: ﴿قَرِيبٌ﴾ هنا ليس خبرًا عن الرحمة (١)، وإنما هو ظرفٌ لها.
стр. 944
﴿الرِّياحَ نُشُرًا﴾ قرئ ﴿الرِّيَاحَ﴾: بالجمع؛ لأنها رياح المطر.
وقد اطَّرد في القرآن جَمْعُها إذا كانت للرحمة، وإفرادها إذا كانت للعذاب ومنه ورد في الحديث: «اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها رِيحًا» (١).
وقرئ بالإفراد؛ والمراد: الجنس.
وقرئ: ﴿نَشْرًا﴾ -بفتح النون وإسكان الشين-؛ وهو على هذا مصدر في موضع الحال.
وقرئ بضمهما؛ وهو جمع ناشر، وقيل: جمع منشور.
وقرئ بضم النون وإسكان الشين؛ وهو تخفيف من الضم؛ كَرُسُلٍ ورُسْل.
وقرئ بالباء في موضع النون؛ من البشارة.
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: قَبْلَ المطر.
﴿أَقَلَّتْ﴾ حمَلَتْ.
﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾ لأنها تحمل الماء فتثقُل به.
﴿سُقْنَاهُ﴾ الضمير للسحاب.
﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ يعني: لا نبات فيه من شدة القحط، وكذلك معناه حيث وقع.
﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ الضمير: للسحاب.
стр. 945
أو البلد؛ على أن تكون الباء ظرفيةً.
﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ تمثيلٌ لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض.
وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع؛ منها: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]، ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١].
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ هو الكريم من الأرض، الجيّد التراب (١).
﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ بخلاف ذلك؛ كالسبخة ونحوها.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ عبارةٌ عن السهولة والطيب، والنَّكِد بخلاف ذلك.
ويحتمل أن يكون المراد:
ما يقتضيه ظاهر اللفظ؛ فتكون متمّمةً للمعنى الذي قَبلها في المطر.
وأن يكون (٢) تمثيلًا للقلوب:
فقيل -على هذا-: الطيب: قلب المؤمن، والخبيث: قلب الكافر.
وقيل: هما الفهمُ (٣) والبليد.
стр. 946
[﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾].
﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قرأ الكسائي: بالخفض - حيث وقع -؛ على اللفظ.
وقرأ غيره: بالرفع؛ على الموضع.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يوم القيامة، أو يوم هلاكهم.
﴿الْمَلأُ﴾ أشراف الناس.
﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ إنما قال ﴿ضَلَالَةٌ﴾ ولم يقل «ضلال» كقولهم؛ لأن الضلالة أخص من الضلال، كما إذا قيل لك: أعندك تمر؟ تقول: ما عندي تمرة؛ فتعم بالنفي.
﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد.
وهو في موضع صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، أو استئناف.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من صفاته ورحمته وعذابه.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف؛ كأنه قال: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر.
﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ أي: على لسان رجل.
стр. 947
﴿فِي الْفُلْكِ﴾ يَتعلَّق:
بِـ ﴿مَعَهُ﴾؛ والتقدير: استقرُّوا معه في الفلك.
ويحتمل أن يتعلَّق بـ ﴿أَنْجَيْنَاهُ﴾.
﴿عَمِينَ﴾ جمع عَمٍ؛ وهو مِنْ عَمَى القلب.
стр. 948
[﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾].
﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: واحدًا من قبيلتهم، وهو معطوفٌ على ﴿نُوحًا﴾.
و ﴿هُودًا﴾ بدلٌ منه، أو عطفُ بيانٍ.
وكذلك ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وما بعده، وما هو مثله حيث وقعَ.
﴿الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيَّدَ هنا بالكفرِ؛ لأن في الملإ من قومِ هودٍ مَنْ آمنَ؛ وهو مَرْثَدُ بنُ سعدٍ، بخلافِ قومِ نوحٍ؛ فإنهم لم يكن فيهم مؤمنٌ، فأطلقَ لفظَ الملإ.
﴿أَمِينٌ﴾ يحتملُ أن يريدَ:
أمانته على الوحيِ.
стр. 949
أو أنهم قد كانوا عرفوه بالأمانة والصِّدق.
﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: خلفتموهم في الأرض، أو جعلكم ملوكًا. ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ كانوا عِظَام الأجسام؛ كان أقصرُهم ستين ذراعًا، وأطولهم مئة ذراع.
﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ نِعَمَهُ حيث وقع.
﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته؛ ولذلك قال لهم هود: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: حَقَّ عليكم ووجب عذاب من ربكم وغضب.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ يعني: الأصنام؛ أي: تجادلونني في عبادة مسمَّياتِ أسماء؛ ففي الكلام حذفٌ.
وأراد بقوله: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾:
جعلتم لها أسماء؛ فدلَّ ذلك على أنها محدثةٌ، فلا يصحُّ أن تكون آلهة.
أو سمَّيتموها آلهةً من غير دليل على أنها آلهةٌ؛ فقولكم باطل.
فالجدال:
على القول الأول: في عبادتها.
وعلى القول الثاني: في تسميتها آلهةً.
والمراد بالأسماء:
على القول الأول: المسمَّى.
стр. 950
وعلى القول الثاني: التَّسمية.
﴿دَابِرَ﴾ ذكر في «الأنعام» (١).