[﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾].
﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قرأ الكسائي: بالخفض - حيث وقع -؛ على اللفظ.
وقرأ غيره: بالرفع؛ على الموضع.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يوم القيامة، أو يوم هلاكهم.
﴿الْمَلأُ﴾ أشراف الناس.
﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ إنما قال ﴿ضَلَالَةٌ﴾ ولم يقل «ضلال» كقولهم؛ لأن الضلالة أخص من الضلال، كما إذا قيل لك: أعندك تمر؟ تقول: ما عندي تمرة؛ فتعم بالنفي.
﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد.
وهو في موضع صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، أو استئناف.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من صفاته ورحمته وعذابه.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف؛ كأنه قال: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر.
﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ أي: على لسان رجل.
стр. 947
﴿فِي الْفُلْكِ﴾ يَتعلَّق:
بِـ ﴿مَعَهُ﴾؛ والتقدير: استقرُّوا معه في الفلك.
ويحتمل أن يتعلَّق بـ ﴿أَنْجَيْنَاهُ﴾.
﴿عَمِينَ﴾ جمع عَمٍ؛ وهو مِنْ عَمَى القلب.
стр. 948
[﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾].
﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: واحدًا من قبيلتهم، وهو معطوفٌ على ﴿نُوحًا﴾.
و ﴿هُودًا﴾ بدلٌ منه، أو عطفُ بيانٍ.
وكذلك ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ وما بعده، وما هو مثله حيث وقعَ.
﴿الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيَّدَ هنا بالكفرِ؛ لأن في الملإ من قومِ هودٍ مَنْ آمنَ؛ وهو مَرْثَدُ بنُ سعدٍ، بخلافِ قومِ نوحٍ؛ فإنهم لم يكن فيهم مؤمنٌ، فأطلقَ لفظَ الملإ.
﴿أَمِينٌ﴾ يحتملُ أن يريدَ:
أمانته على الوحيِ.
стр. 949
أو أنهم قد كانوا عرفوه بالأمانة والصِّدق.
﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: خلفتموهم في الأرض، أو جعلكم ملوكًا. ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ كانوا عِظَام الأجسام؛ كان أقصرُهم ستين ذراعًا، وأطولهم مئة ذراع.
﴿آلاءَ اللَّهِ﴾ نِعَمَهُ حيث وقع.
﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته؛ ولذلك قال لهم هود: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: حَقَّ عليكم ووجب عذاب من ربكم وغضب.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ يعني: الأصنام؛ أي: تجادلونني في عبادة مسمَّياتِ أسماء؛ ففي الكلام حذفٌ.
وأراد بقوله: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾:
جعلتم لها أسماء؛ فدلَّ ذلك على أنها محدثةٌ، فلا يصحُّ أن تكون آلهة.
أو سمَّيتموها آلهةً من غير دليل على أنها آلهةٌ؛ فقولكم باطل.
فالجدال:
على القول الأول: في عبادتها.
وعلى القول الثاني: في تسميتها آلهةً.
والمراد بالأسماء:
على القول الأول: المسمَّى.
стр. 950
وعلى القول الثاني: التَّسمية.
﴿دَابِرَ﴾ ذكر في «الأنعام» (١).
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ أي: معجزة تدلُّ (١) على صحة نبوة صالح.
والمجرور في موضع الحال من ﴿آيَةً﴾؛ لأنه لو تأخر لكان صفةً.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ أي: لا تَضُرُّوها (٢)، ولا تطردوها.
﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ كانت أرضهم بين الحجاز والشام، وقد دخلها رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال لهم ﷺ : «لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلَّا وأنتم باكون؛ مخافة أن يصيبكم مثلُ الذي أصابهم» (٣).
﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: تبنون قصورًا في الأرض البسيطة.
﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ أي: تَنْجُرُون (٤) بيوتًا في الجبال، (وكانوا يسكنون القصور في الصيف، والجبال في الشتاء.
وانتصب ﴿بُيُوتًا﴾ على الحال) (٥)؛ وهو كقولك: خِطتُ هذا الثوب قميصًا.
﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾.
﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ إنما لم يقولوا: ﴿بِمَا أُرْسِلَ بِهِ﴾ كما قال الآخرون؛ لئلَّا يكون اعترافًا برسالته.
стр. 953
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ نَسبَ العقرَ إلى جميعهم؛ لأنهم رضوا به، وإن لم يفعله إلَّا واحدٌ منهم؛ وهو الأُحَيْمِرُ.
﴿الرَّجْفَةُ﴾ الصيحةُ حيث وقعتْ؛ وذلك أن الله أمر جبريل فصاح صيحةً بين السماء والأرض فماتوا منها.
﴿جَاثِمِينَ﴾ حيث وقع: أي: قاعدين لا يتحرَّكون.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ الآية؛ يحتمل أن يكون تولِّيه عنهم وقولُه لهم:
حين عقروا الناقة، قبل نزول العذاب بهم؛ لأنه روي أنه خرج حينئذٍ من بين أظهرهم.
أو يكون ذلك بعد أن هَلكوا؛ وهو ظاهرُ الآية، وعلى هذا: خاطبهم بعد موتهم على وجه التفجُّع عليهم.
وقوله: ﴿لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ العامل في ﴿إِذْ﴾: «أرسلنا» المضمرُ، أو يكون بدلًا من ﴿لُوطًا﴾.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: لم يفعلْها أحدٌ من العالمين قبلكم.
و ﴿مِنْ﴾ الأولى: زائدةٌ.
والثانية: للتبعيض، أو للجنس.
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ الآية؛ أي: أنهم عَدَلوا عن جوابه على كلامه إلى الأمر بإخراجه وإخراج أهله.
стр. 954
﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: يتنزَّهون عن الفاحشة.
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: من الهالكين.
وقيل: من الذين غَبَروا في ديارهم فهلكوا، أو مِنْ الباقين من أترابها؛ يقال: غَبَر: بمعنى مضى، وبمعنى بقي.
وإنما قال: ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ بجمع المذكَّر؛ تغليبًا للرجال الغابرين.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَطَرًا﴾ يعني: الحجارة؛ أُصيب بها من كان منهم خارجًا عن بلادهم، وقُلبت البلاد بمن كان فيها.
ويجوز أن يكون ﴿الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ مصدرين.
﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ قيل: هو نهيٌ عن السَّلْبِ وقطع الطريق؛ وكان ذلك من فِعْلِهم.
وقيل: كانوا يقعدون على الطريق؛ يردُّون الناس عن اتباع شعيب ويُوعدونهم إن اتَّبعوه.
﴿وَتَصُدُّونَ﴾ أي: تمنعون الناس من (١) سبيل الله؛ وهو الإيمان.
والضمير في ﴿بِهِ﴾: للصِّراط، أو لله.
﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ ذُكِر في «آل عمران» (٢).
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أي: ليكونَنَّ أحدُ الأمرين: إما إخراجُكم، أو عَوْدُكم إلى ملة الكفر.
فإن قيل: إن العَوْد إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فُعِل قبل ذلك؛ فيقتضي قولهم: ﴿لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أن شعيبًا ومن كان معه كانوا أولًا على ملة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومُهم أن يعودوا إليها، وذلك محالٌ؛ فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها!.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: قاله ابن عطية؛ وهو أنَّ «عاد» قد تكون بمعنى: صار؛
стр. 957
فلا تقتضي تقدُّم ذلك الحال الذي صار إليه (١).
والثاني: قاله الزمخشري؛ وهو أن المراد بذلك: الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك؛ كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾؛ فغلَّبوا في الخطاب بالعَوْد الجماعةَ على الواحد (٢).
وبمثل ذلك يُجاب عن قوله: ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، و ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾.
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الهمزة: للاستفهام والإنكار، والواو: للحال، تقديره: أنعود في مِلَّتكم (٣) ونحن كارهون؟!.
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ أي: إن عدنا فيها فقد وقعنا في أمرٍ عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرُّؤٌ من العود فيها.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ هذا استسلامٌ لقضاء الله على وجه التأدُّب مع الله وإسنادِ الأمور إليه؛ وذلك أنه لما تبرَّأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عَوْدٍ وتَرْكِه؛ فإن القلوب بيده يقلِّبها كيف يشاء.
فإن قلت: إنَّ ذلك يصحُّ في حق قومه، وأما في حق نفسه فلا؛ فإنه معصوم من الكفر؟.
стр. 958
فالجواب: أنه قال ذلك تواضعًا وتأدُّبًا مع الله تعالى، واستسلامًا لأمره؛ كقول نبينا ﷺ : «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (١) مع أنه قد علم أنه يثبته.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ أي: احكم.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأن لم يقيموا في ديارهم.
﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ أي: كيف أحزن عليهم وقد استحقُّوا ما أصابهم من العذاب بكفرهم.
﴿حَتَّى عَفَوا﴾ أي: كَثُرُوا ونَمَوْا في أنفسهم وأموالهم.
﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: قد جرى ذلك لآبائنا ولم يَضُرَّهم؛ فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار.
﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بالمطر، والزرع.
﴿أَوَأَمِنَ﴾ مَنْ قرأ بإسكان الواو: فهي «أو» العاطفة.
ومن قرأ بفتحها: فهي واو العطف دخلت عليها همزة التوبيخ؛ كما دخلت على الفاء في قوله: ﴿أَفَأَمِنَ﴾.
﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي: استدراجه وأَخْذه للعبد من حيث لا يشعر.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ أو لم يتبيَّن.
﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ أي: يسكنونها.
﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ هو فاعلُ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾، ومقصود الآية الوعيد.
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ عطفٌ على ﴿أَصَبْنَاهُم﴾؛ لأنه في معنى المستقبل. أو منقطعٌ؛ على معنى الوعيد.
وأجاز الزمخشري أن يكون عطفًا على ﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾، أو على ما دلَّ عليه معنى ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ كأنه قال: يَغْفُلون عن الهداية ونطبعُ على قلوبهم (١).
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِنْ عَهْدٍ﴾ الضمير لـ ﴿أَهْلَ الْقُرَى﴾، والمعنى: وجدناهم ناقضين للعهود.
стр. 961
﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ من قرأ ﴿عَلَيَّ﴾ بالتشديد على أنها ياء المتكلم: فالمعنى ظاهر؛ وهو أن موسى قال: حقيق عليه أن لا يقول على الله إلا الحق.
وموضع ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ -على هذا- رفعٌ؛ على أنه:
خبر ﴿حَقِيقٌ﴾، و ﴿حَقِيقٌ﴾ مبتدأ.
أو بالعكس.
ومن قرأ ﴿عَلَى﴾ بالتخفيف: فموضع ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ خفضٌ بحرف الجر، و ﴿حَقِيقٌ﴾ صفة لرسول.
وفي المعنى -على هذا- وجهان:
أحدهما: أن «على» بمعنى الباء؛ فمعنى الكلام: رسولٌ حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق.
والثاني: أن معنى حقيق: حريصٌ؛ ولذلك تعدَّى بـ «على».
﴿قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بمعجزةٍ تدلُّ على صدقي؛ وهي العصا، أو جنسُ المعجزات.
﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: خَلِّهم يذهبوا معي إلى الأرض المقدَّسة موطن آبائهم.
وذلك أنه لما تُوفِّي يوسف ﵇ غَلَب فرعون على بني إسرائيل واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى: أربع مئة عام.
стр. 962
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ وكان موسى ﵇ شديد الأَدَمَةِ، فأظهر يدَه لفرعون ثم أدخلها في جيبه، ثم أخرجها وهي بيضاءُ شديدة البياض كاللبن أو أشدُّ بياضًا.
وقيل: إنها كانت منيرةً شفافة كالشمس، وكانت ترجع بعد ذلك إلى لون بدنه.
﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ مبالغةٌ في وصف يده بالبياض؛ كأنَّ الناسَ يجتمعون للنظر إليها، والتعجبُ منها.
بخروج الخُدَّام والعُمَّار منها.
﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من قول الملإ، أو من قول فرعون.
وهو من معنى:
المؤامرة؛ أي (١): المشاورة.
أو من الأمر وهو ضدُّ النهي.
﴿أَرْجِهْ﴾ من قرأه بالهمز: فهو من أرجأتُ الرجل: إذا أخَّرتَه؛ فمعناه: أخِّرهما حتى ننظرَ في أمرهما. وقيل: المراد بالإرجاء -هنا-: السَّجن.
ومن قرأ بغير همز: فتَحتمل:
أن تكون بمعنى المهموز؛ وسُهِّلت الهمزة.
أو يكون بمعنى الرجاء؛ أي: أطْمِعْهُ.
وأما ضمُّ الهاء وكسرُها: فلغتان.
وأما إسكانها: فلعله أُجرى فيها الوصل مجرى الوقف.
﴿حَاشِرِينَ﴾ يعني: الشُّرَط؛ أي: جامعين للسحرة.
﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ قبل هذا محذوفٌ يدلُّ عليه سياق الكلام؛ وهو أنه بعث إلى السَّحرة.
﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ من قرأه بهمزتين: فهو استفهام.
стр. 965
ومن قرأه بهمزة واحدة: فيحتمل أن يكون خبرًا، أو استفهامًا حذفت منه الهمزة.
والأجر هنا: الأُجرة؛ طلبوها من فرعون إن غلبوا موسى، فأَنْعَم لهم فرعون بها، وزادهم التَّقريب منه، والجاه عنده.
﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عطفٌ على معنى ﴿نَعَمْ﴾؛ كأنه قال: نعطيكم أجرًا ونقربكم.
واختلف في عدد السحرة اختلافًا متباينا من سبعين رجلًا إلى سبعين ألفًا؛ وكلُّ ذلك لا أصل له في صحة النقل.
﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ خيَّروا موسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يبدؤوا هم بإلقاء سِحْرهم، فأمرهم أن يلقوا.
وانظر كيف عبَّروا عن إلقاء موسى بالفعل، وعن إلقاء أنفسهم بالجملة الاسمية؛ إشارةً إلى أنهم أهلُ الإلقاء المتمكنون فيه.
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: خوَّفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر.
﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ لما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا على قَدْر الجبَل.
وقيل: إنه طال حتى جاوز النَّيل.
﴿تَلْقَفُ﴾ أي: تبتلعُ.
﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: ما صوَّروا من إفكهم وكذبهم.
وروي: أن الثعبان أكل ملءَ الوادي من حبالهم وعصيِّهم، ومدَّ موسى يده إليه فصار عصًا كما كان، فعَلِم السحرةُ أن ذلك ليس من السحر،
стр. 966
وليس في قدرة البشر، فآمنوا بالله وبموسى ﵇.
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية؛ وعيدٌ من فرعون للسحرة.
وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، ولكنه روي أنه أنفذه عن ابن عباس وغيره.
وقد ذُكر معنى ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ في «العقود» (١).
﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ أي: لا نبالي بالموت؛ لانقلابنا إلى ربِّنا.
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ أي: ما تَعيب منَّا إلَّا إيمانَنا.
стр. 967
[﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾].
﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يُخربوا ملك فرعون وقومه ويخالفوا دينه.
﴿وَيَذَرَكَ﴾ معطوفٌ على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾، أو منصوبٌ بإضمار «أنْ» بعد الواو.
﴿وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: إن فرعون كان قد جعل للناس أصنامًا يعبدونها، وجعل نفسه الإله الأكبر؛ فلذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]؛ فـ ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ - على هذا -: هي تلك الأصنام.
وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس: «وَإِلَهَتَكَ»؛ أي: عبادتكَ والتذللَ لك.
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ تعليلٌ للصبر الذي أمرهم به.
يعني: أرض الدنيا هنا وفي قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
وقيل: يعني: أرض فرعون.
فأشار لهم موسى أولًا بالنصر في قوله: ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ﴾، ثم صرّح به في قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ الآية.
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ حضٌّ على الاستقامة والطاعة.
بِمُوسَى﴾ أي: قالوا: هذا بشؤمه.
فإن قيل: لم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ بـ «إذا» وتعريف الحسنة، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بـ «إن» وتنكير السيئة؟.
فالجواب: أن الحسنة وقوعها كثير، والسيئة وقوعها نادر؛ فعرَّف الكثير الوقوع باللام التي للعهد، وذكره بـ «إذا»؛ لأنها تقتضي التحقيق، وذكر السيئة بـ «إن» لأنها تقتضي الشك، ونكرها للتقليل.
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: إنما حظُّهم ونصيبهم الذي قُدّر لهم من الخير والشر عند الله.
وهو مأخوذ من زَجْرِ الطير، ثم سُمّي به ما يصيب الإنسان.
ومقصود الآية: الرد عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم.
﴿مَهْمَا﴾ هي «ما» الشرطية ضُمَّت إليها «ما» الزائدة؛ نحو: «أينما»، ثم قلبت الألف هاءً.
وقيل: هي اسمٌ بسيط غير مركب.
والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود على ﴿مَهْمَا﴾.
وإنما قالوا: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾:
على تسميةِ موسى لها آيةً.
أو على وجه التهكُّم.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ روي: أنه كان مطرًا شديدًا دائمًا، مع فَيْضِ النيل
стр. 970
حتى هَدَم بيوتهم، وكادوا يَهْلِكون، وامتنعوا من الزراعة.
وقيل: هو الطَّاعون.
﴿وَالْجَرَادَ﴾ هو المعروف؛ أكل زرعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسُقُفَ بيوتهم.
﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل: هي صغار الجراد. وقيل: البراغيث. وقيل: السُّوس.
وقرئ «القَمَلَ» - بفتح القاف والتخفيف -؛ فهي - على هذا -: القمل المعروف، وكانت تتعلَّق بلحومهم وشعورهم (١).
﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ هي المعروفة؛ كثرت عندهم حتى امتلأت بها فُرُشهم وأوانيهم، وإذا تكلَّم أحدهم وثَب الضفدع إلى فمه (٢).
﴿وَالدَّمَ﴾ صارت مياهُهم دمًا؛ فكان يستقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد، فيخرج ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماءً.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي: العذاب؛ وهي الأشياء المتقدمة، وكانوا مهما نزل بهم أمرٌ منها عاهدوا موسى على أن يؤمنوا به إن كشفه عنهم، فإذا (٣) كشفه عنهم نقضوا العهد وتمادَوا على كفرهم.
﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: بذِمَامِك إليه ووسائلك.
стр. 971
والباء تحتمل:
أن تكون للقسم، وجوابه ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾.
أو تتعلَّق بـ ﴿ادْعُ لَنَا﴾؛ أي: توسَّلْ إليه بما عهد عندك.
﴿فِي الْيَمِّ﴾ البحر حيث وقع.
﴿الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم بنو إسرائيل.
﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الشام ومصر.
﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي: بالخصْب، وكثرة الأرزاق.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي نفذت لهم واستقرَّت.
والكلمة هنا:
ما قُضِي لهم في الأزل.
وقيل: هي قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥].
﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أي: يبنون.
وقيل: هي الكُرُوم وشبهُها.
فهو على الأوَّل: من العَرْش.
وعلى الثاني: من العَرِيش.
﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ أي: اجعل لنا صنمًا نعبده كما يعبد هؤلاء أصنامهم.
стр. 972
ولما تمَّ خبر موسى مع فرعون: ابتدأ خبرُه مع بني إسرائيل من هنا إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾.
﴿مُتَبَّرٌ﴾ من التَّبار؛ وهو الهلاك.
﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وما بعده: مذكور في «البقرة» (١).
стр. 973
[﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾].
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ روي: أن الثلاثين: هي شهر ذي القعدة، والعشر بعدها: هي العَشْرُ الأول من ذي الحجة؛ وذلك تفصيل للأربعين المذكورة في «البقرة».
﴿مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ أي: ما وَقَّت له من الوقت لمناجاته في الطُّور.
﴿اخْلُفْنِي﴾ أي: كن خليفتي على بني إسرائيل مدة مغيبي.
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي﴾ لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها،
стр. 974
كما قال الشاعر:
وأبرحُ ما يكون الشَّوقُ يومًا … إذا دنت الدِّيارُ من الديارِ (١)
واستدلَّ الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزةٌ عقلًا، وأنها لو كانت محالًا لم يسألها موسى ﵇؛ فإن الأنبياء ﵈ يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل عليه.
وتأوَّل الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين:
أحدهما: أنه إنما سأل ذلك تَبْكِيتًا لمن خرج معه من بني إسرائيل، فهم (٢) الذين طلبوا الرؤية، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ فقال موسى ذلك ليسمعوا الجواب في المنع فيتأدَّبوا.
والآخر: أن معنى ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾: عرِّفني نفسَك تعريفًا واضحًا جليًّا (٣).
وكلا الوجهين بعيد، والثاني أبعد وأضعف؛ فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له ﴿انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ الآية.
﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ قال مجاهد وغيره: إن الله قال لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأنك لا تطيق ذلك، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشدُّ،
стр. 975
فإن استقرَّ وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق الجبل فأحرى أن لا تطيق أنت. فعلى هذا؛ إنما جعل الله الجبل مثالًا لموسى.
وقال قوم: المعنى: سأتجلى لك على الجبل؛ وهذا ضعيف؛ يبطله قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾.
فإذا تقرَّر هذا؛ فقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ نفيٌ للرؤية، وليس فيه دليلٌ على أنها محال؛ فإنه إنما جعل علَّة النفي: عدم إطاقة موسى الرؤية لا استحالتها.
ولو كانت الرؤية مستحيلةً؛ لكان في الجواب زجرٌ وإغلاظ، كما قال الله لنوح: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].
فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا؛ لضعف البنية البشرية عن ذلك.
وأما في الآخرة: فقد صرَّح بوقوع الرؤية كتابُ الله وسنة رسوله ﷺ ، فلا ينكرها إلَّا مبتدع.
وبين المعتزلة وأهل السنة في مسألة الرؤية نزاعٌ طويل.
وفي هذه القصة قَصَصٌ كثيرٌ تركته؛ لعدم صحته، ولما فيه من الأقوال الفاسدة.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مدكوكًا؛ فهو مصدر بمعنى مفعول، كقولك: ضربُ الأمير.
والدَّكُّ والدَّقُّ: أخوان؛ وهو التفتُّت.
стр. 976
وقرئ: ﴿دَكَّاءَ﴾ - بالمد والهمز -؛ أي: أرضًا دكاءً:
قيل: ذهب أعلى الجبل وبقي أكثره.
وقيل: تفتت حتى صار غبارًا.
وقيل: ساخ في الأرض، وأفضى إلى البحر.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: مغشيًا عليه.
﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ معناه: تبت من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أولُ قومه، أو أهل (١) زمانه، أو على وجه المبالغة في السَّبْق إلى الإيمان.
﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ عمومٌ يراد به الخصوص؛ فإِنَّ جميع الرسل قد شاركوه في الرسالة.
واختلف: هل كلم الله غيره من الرسل أم لا؟.
والصحيح: أنه كلم نبينا محمدًا ﷺ ليلة الإسراء.
﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ تأديب؛ أي: اقنعْ بما أعطيتك من رسالتي وكلامي، ولا تطلب غير ذلك.
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ أي: في ألواح التوراة.
وكانت: سبعة، وقيل: عشرة، وقيل: اثنان.
وقيل: كانت من زُمُرُّد، وقيل: من ياقوت، وقيل: من خشب.
стр. 977
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عمومٌ يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم. وكذلك: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وموضع ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: نصبٌ؛ على أنه مفعول ﴿كَتَبْنَا﴾، و ﴿مَوْعِظَةً﴾: بدلٌ منه.
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بجِدٍّ وحزمٍ (١). والضمير للتوراة.
﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ أي: فيها ما هو حَسَنٌ وأحسنُ منه؛ كالقصاص مع العفو، وكذلك سائر المباحات من المندوبات.
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: دار فرعون وقومه؛ وهي مصر. والمعنى: أريكم كيف أَقْفَرَتْ منهم لما هلكوا.
وقيل: منازل عاد وثمود ومَن هلك مِنْ الأمم المتقدمة؛ ليعتبروا بها.
وقيل: جهنم.
وقرأ ابن عباس: «سأورثكم» - بالثاء المثلثة -؛ من الوراثة.
وهي - على هذا - مصرُ؛ لقوله ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآياتُ: يحتمل - هنا - أن يراد بها:
آيات القرآن وغيره من الكتب.
أو العلامات والبراهين.
стр. 978
والصَّرْف يراد به: صدُّهم عن فَهْمِها وعن الإيمان بها؛ عقوبةً لهم على تكبُّرهم.
وقيل: الصَّرْف: مَنْعُهم من إبطالها.
﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ يجوز أن يكون:
من إضافة المصدر إلى المفعول به؛ أي: ولقائهم الآخرةَ.
أو من إضافة المصدر إلى الظرف.
стр. 979
[﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾].
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى﴾ هم بنو إسرائيل.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد غيبته في الطور.
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ -بضم الحاء والتشديد-: جمع حَلْيٍ؛ نحو ثَدْيٍ وثُدُيٍّ.
وقرئ بكسر الحاء؛ للإتباع.
وقرئ بفتح الحاء وإسكان اللام.
والحَلْيُ: هو ما يُتزيَّن به من الذهب والفضة.
﴿جَسَدًا﴾ أي: جسمًا دون روح. وانتصابه على البدل.
﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ الخوار: هو صوت البقر.
وكان السامريُّ قد قبَض قبضة من تراب أثَر فرس جبريل يوم قطع البحرَ، فقذَفَه في العجل فصار له خوارٌ.
وقيل: كان إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه، فيُسمع له خوار.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ ردٌّ عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته.
стр. 980
﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أي: اتَّخَذُوه إلهًا؛ فحذف المفعول الثاني للعلم به.
وكذلك حذف من قوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى﴾.
﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا؛ يقال: سُقِط في يد فلان: إذا عجز عما يريد، أو وقع فيما يكره.
﴿أَسِفًا﴾ شديد الحزن على ما فعلوا.
وقيل: شديد الغضب؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥].
﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ أي: قُمتم مقامي.
وفاعل «بئس» مضمرٌ؛ يفسره «ما»، واسم المذموم محذوف.
والمخاطب بذلك:
إما القوم الذين عبدوا العجل مع السَّامري؛ حيث عبدوا غير الله في غَيْبة موسى عنهم.
أو رؤساء بني إسرائيل كهارون ﵇؛ حيث لم يكفُّوا الذين عبدوا العجل.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ معناه: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور؛ فإنهم لما رأوا أنَّ الأمر قد تمَّ ظنوا أن موسى ﵇-قد مات فعبدوا العجل.
﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ طرحها؛ لما لحقه من الدَّهَش والضَّجَر؛ غضبًا لله من عبادة العجل.
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بشَعَر رأسه يجرُّه؛ لأنه ظنَّ أنه فرَّط في كفِّ الذين عبدوا العجل.
стр. 981
﴿ابْنَ أُمَّ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأُمِّهِ؛ لأنه أدعى إلى العَطْفِ والحُنُوِّ.
وقرئ: ﴿ابْنَ أُمِّ﴾:
بالكسر؛ على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء.
وبالفتح؛ تشبيها بخمسة عشر؛ جعل الاسمان اسمًا واحدًا فبُني.
﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تظنَّ أني منهم.
أو: لا تجدُ عليَّ في نفسك ما تجدُ عليهم؛ يعني: أصحاب العجل.
ودخلت اللام؛ لتقدُّم المفعول؛ كقوله: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
وقال المبرِّد: تتعلَّق بمصدر تقديره: رهبتهم لربهم.
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه سبعين رجلًا، حملهم معه إلى الطور فسَمعوا (١) كلام الله لموسى، فقالوا: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الرجفة؛ عقابًا لهم على قولهم.
وقيل: إنما أخذتهم الرجفة لعبادتهم العجل، أو لسكوتهم عن (٢) عبادته. والأول أرجح؛ لقوله: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].
ويحتمل أن تكون رجفة:
موتٍ.
أو إغماءٍ.
والأول أظهر؛ لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦].
﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ يحتمل أن تكون ﴿لَوْ﴾ هنا للتمني؛ أي: تمنَّى أن يكون هو وهم قد ماتوا قبل ذلك؛ لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين.
ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه التضرُّع والاستسلام لأمر الله؛ كأنه
стр. 984
قال: لو شئت أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت؛ فإنَّا عبيدك وتحت قهرك، وأنت تفعل ما تشاء.
ويحتمل أن يكون قالها على وجه التضرُّع والرغبة؛ كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، لكنَّك عافيتنا وأبقيتنا فافعل معنا الآن كما عوَّدتنا (١)، وأحِي هؤلاء القوم الذين أخذتهم الرجفة.
﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ أي: أتهلكني وتهلك بني إسرائيل بما فعل السفهاء الذين طلبوا الرؤية، والذين عبدوا العجل.
فمعنى هذا: إدلاءٌ بحجته، وتبرُّؤٌ من فعل السفهاء، ورغبةٌ إلى الله أن لا يعمَّ الجميع بالعقوبة.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: الأمور كلها بيدك تضلُّ من تشاء وتهدي من تشاء.
ومعنى هذا: اعتذارٌ عن فعل السفهاء بأنه (٢) كان بقضاء الله ومشيئته.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تُبْنَا.
وهذا الكلام الذي قاله موسى ﵇ إنما هو كلُّه استعطافٌ ورغبة إلى الله وتضرُّع إليه، ولا يقتضي شيئًا مما توهم الجُهَّال فيه من الجفاء في قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾؛ لأنَّا قد بيَّنَّا أنه إنما قال ذلك استعطافًا لله، وبراءةً من فعل السفهاء.
стр. 985
﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ قيل: الإشارة بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة.
والصحيح: أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم.
وقرئ «من أساء» -بالسين وفتح الهمزة-؛ من الإساءة، وأنكرها بعض المقرئين وقال: إنها تصحيف.
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يحتمل أن يريد رحمته في الدنيا؛ فيكون خصوصًا في الرحمة، وعمومًا في كل شيء؛ لأنَّ المؤمن والكافر والمطيع والعاصي تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا.
ويحتمل أن يريد رحمة الآخرة؛ فيكون خصوصًا في كل شيء؛ لأنَّ الرحمة في الآخرة مختصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق؛ فيكون عمومًا في الرحمة، وفي كل شيء.
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إن كانت الرحمة المذكورة رحمة الآخرة: فهي -بلا شك- مختصة بهؤلاء الذين كتبها الله لهم، وهم أُمَّة محمد ﷺ .
وإن كانت رحمة الدنيا: فهي -أيضًا- مختصة بهم؛ لأن الله نصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع الأديان، ومكَّن لهم في الأرض ما لم يمكّن لغيرهم.
وإن كانت على الإطلاق: فقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ تخصيص للإطلاق.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء،