← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30188

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط عالم الكتب

ابن فضل الله العمري

Полный текст (715 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

البرود (١)، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف (٢). وكانت قريش قد قالت: لا نعظم شيئا من الحل كالحرم حتى لا تستخف العرب بحرمنا، فتركوا الوقوف بعرفات والإفاضة منها (٣)، مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب الوقوف عليها إلا هم، لأنهم قالوا: نحن أهل (٤) الحرم، فما ينبغي لنا أن نخرج منه، إلا رسول الله ﷺ ؛ قال جبير بن مطعم (٥): لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها، توفيقا من الله له. وكانت الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى تحدث بأمره قبل مبعثه، لما تجد من ذلك في كتبها وعهدت به أنبياؤها.

стр. 527

قال ابن إسحاق (١): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة (٢) عن رجال من قومه قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلامِ، مع رحمة الله وهداه، لما كنا نسمع من رجال يهودَ، وكنا أهل شركٍ، أصحابَ أوثانٍ، وكانوا أهلَ كتابٍ، عندهم علمٌ ليسَ لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنهُ قد تقاربَ زمانُ نبيٍّ يُبعثُ - الآنَ - نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم. فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناهُ حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، وآمنا به، وكفروا به، فأنزل الله - تعالى - هذه الآيةُ فينا وفيهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. قلت (٣): وقد جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾، والمراد: تجدونه بعينهِ، ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو مكارم الأخلاقِ وصلة الأرحامِ، ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وهو الشركُ، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾، وهو ما كانت العرب تستطيبُهُ، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وهو ما كانت العرب تأكلُهُ من الميتة والدم ولحم الخنزيرِ، ﴿وَيَضَعُ

стр. 528

عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾، هي (الأثقال التي كانت عليهم من (١)) تحريم السبت، والشحوم، ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) [الأعراف: ١٥٧]، وأن لا تقبل دية (في القتل (٣))، وأن يقرضوا ما (أصابهم من أموال (٤)). قاله (٥) الزجاج. ومن أعلامه في التوراة، في السفر الخامس: «إني أقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي على فمه» (٦). وهذا أوضح الأعلام، لأنه (ما (٧)) أنشأ أخوة بني إسرائيل إلا بني إسماعيل، كما تقول: فلان أخو بني بكر. فإن قالوا: هذا الموعود به من بني إسرائيل - أيضًا - لأنهم أخوة، أكذبهم النقل والعقل، فأما النقل فلأنه لم يقم فيهم مثل موسى، وأما البرهان فلأنه لو كان المراد من بني إسرائيل، لقال: أقيم لهم من أنفسهم، ولم يقل: من إخوتهم (٨).

стр. 529

وفي الإنجيل: «أنا أذهب، وسيأتيكم البرقليط، روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه. إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليّ وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعده لكم يخبركم به». وفي كتاب شعيا: «إنه ستملى البادية والمدن قصور آل قيدار». وبنو قيدار هم العرب. وفي ذكر شعيا يريد مكة:

стр. 530

«سيرى (واهتزي (١)) أيتها العاقر التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي». يعني بأهله (أهل (٢)) بيت المقدس، لأنه بيت الأنبياء. وفي ذكر شعيا: «قيل لي: قم نظارا فانظر ما ترى تخبر به، قلت: أرى راكبين مقبلين، أحدهما على حمار والآخر على جمل، يقول أحدهما (للآخر (٣)): سقطت بابل وأصنامها المنجرة». قال ابن الجوزي: فصاحب الحمار عندنا وعند النصارى «المسيح»، فلم لا يكون محمد ﷺ صاحب الجمل!؟ أوليس سقوط بابل والأصنام المنجرة به على يديه لا المسيح؟ ولم يزل في إقليم بابل ملوك يعبدون الأوثان من لدن إبراهيم ﵇، أوليس هو بركوب الجمل أشهر من المسيح بركوب الحمار؟ وكذلك كانت الكهان تخبر بما يأتيها به جنها، فلما تقارب بعثه حجبت الشياطين ومنعت من المقاعد لاستراق السمع، ورمتهم النجوم. وأول من فزع من العرب في النجوم «ثقيف» (٤)، وجاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية - أحد بني علاج - وكان أدهى العرب وأذكاها رأيا، فقالوا له: يا عمرو، أرأيت ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا، فإن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف

стр. 531

والشتاء، لما يصلح الناس لمعايشهم، هي التي يرمي بها، فهو والله طي الدنيا، وهلاك هذا الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوما غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا لأمر (١) أراد الله به هذا الخلق، فما (٢) هو (٣)؟ وقال عمر بن الخطاب (٤) ﵁: إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش، قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر (٥) قسمه ليقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا، - قط - أنفذ منه، وذلك قبل الإسلام بشهر، يقول: يا ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح، بلسان فصيح، يقول: لا إله إلا الله.

стр. 532

وسمع بمكة هاتفا يقول: عجبت للجن وإبلاسها … وشدها العيس بأحلاسها تهوى إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنو الجن كأنجاسها (السريع)

стр. 533

[الفصل الثاني البعثة وطلائع الدعوة إلى الله] (١) فلما بلغ ﷺ أربعين سنة بعثه الله رحمة للعالمين وكافة للناس، وكان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبي (٢) يبعثه قبله بالإيمان والتصديق له، والنصر له (على (٣)) من خالفه، وأن يؤدوا ذلك إلى من آمن بهم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]. وأول ما ابتدئ به ﷺ الرؤيا الصادقة، لا يرى في نومه رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح. وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده. وكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الحجارة والشجر.

стр. 534

ثم جاءه جبريل ﷺ وهو بحراء (١) في رمضان، قال رسول الله ﷺ : فجاءني وأنا نائم، بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: إقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني (٢) به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: إقرأ - ثلاث مرات كذلك ثم أرسلني - فقال: إقرأ، قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك (٣) إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]. قال: فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا (٤). قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف (٥) قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في أفق السماء فلا أنظر (في (٦)) ناحية (منها (٧)) إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفًا ما أتقدم أمامي وما أرجع

стр. 535

ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا (أعلى (١)) مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها، فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عم، وأثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به، أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، وقولي له: (فليثبت (٢)). فرجعت خديجة فأخبرته بقول ورقة. فلما قضى رسول الله ﷺ جواره بحراء بدأ بالكعبة فطاف بها على ما كانت عليه عادته، فلقيه ورقة، وقال: يا ابن أخي أخبرني بما (٣) رأيت وسمعت، فأخبره، فقال: والذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، لقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه (٤)، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله. وقالت له خديجة: يا ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل ﵇ فقال رسول الله ﷺ : يا خديجة، هذا جبريل جاءني، قالت: قم يا ابن

стр. 536

عم فاجلس على فخذي اليسرى، فجلس فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول، فاجلس على فخذي اليمنى، فتحول، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري فتحول، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله ﷺ في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا، قالت: يا ابن عم، أثبت وأبشر، فوالله إنه لملك، ما هذا بشيطان. وابتدئ بالتنزيل في رمضان، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ثم تتابع الوحي، وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه، قد قبله بقبوله، وتحمل منه ما تحمل علي رضا العباد وسخطهم، فمضى علي أمر الله - سبحانه - على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى. وآمنت به أم المؤمنين، خديجة بنت خويلد ﵂ ووازرته (١) وكانت (٢) أول من آمن به، وصدق (٣) بما جاء منه، فخفف الله بها عن رسوله، كان لا يجد ما يحزنه إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تسليه وتخفف عليه وتهون عليه أمر الناس، فشكر الله لها هذه السابقة، ورعى لها هذه اليد، ولهذا قد أطال الله نبعتها ومد من الدوحة (٤) النبوية فروعها، فجزاها الله عن نبينا محمد صلى الله عليه (وسلم (٥)) وعنا أهل الإسلام أفضل الجزاء. قال ﷺ (٦): «أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب».

стр. 537

والقصب - ههنا - اللؤلؤ المجوف. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به، أنَّ (١) جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: «أقرئ (٢) خديجة السلام من ربها»، فقال رسول الله ﷺ : «يا خديجة، هذا جبريل يقرئك السلام من ربك»، فقالت خديجة: إليه السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام (٣). فانظر إلى هذا الإيمان المستقر، والجأش الرابط، في مثل هذا المقام الذي يتلجلج فيه المقال. ثم فتر الوحي فترة شقت عليه ﷺ ، فجاءه جبريل ﵇ بسورة الضحى، يقسم ربه بأنه ما ودعه وما قلاه، وجعل رسول الله ﷺ يحدث بما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوة سرًا إلى من يطمئن به من أهله. وافترضت عليه الصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه (وسلم (٤)). وذكر الحربي (٥) أنَّ الصلاة قبل الإسراء كانت صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها. ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]. وقال يحيى بن سلامة (٦) مثله.

стр. 538

وكان مما أنعم الله به على عليّ بن أبي طالب (١) ﵇ أنه كان في حجر رسول الله ﷺ فآمن به وعمره عشر سنين - يومئذ - وكانت إذا حضرت الصلاة خرج رسول الله ﷺ إلى شعاب مكة مستخفيًا من أعمامه وقومه ومعه عليّ ﵇ فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما (٢) يومًا وهما يصليان، فقال: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عم، هذا دين الله، ودين الإسلام، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله (به (٣)) رسولًا إلى العباد، وأنت أحق من بذلت له النصحية، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه

стр. 539

أنت، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي. ثم قال لعلي: أي شيء هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال له: يا أبت آمنت برسول الله ﷺ وصدقت بما جاء به، وصليت معه الله، واتبعته. فقال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه. ثم أسلم زيد بن حارثة (١) مولى رسول الله ﷺ ، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة (٢)، ﵁.

стр. 540

فأول من أسلم مطلقًا من النساء خديجة، ومن الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان عليّ، ومن الموالي زيد. والإنصاف أن يقال: أول من أسلم من الناس مطلقا ومن النساء خاصة خديجة، ومن الرجال أبو بكر، ومن الموالي زيد. فأما عليّ ﵇ فقد كرم الله وجهه عن السجود لغير الله، لأنه كان في حجر رسول الله ﷺ من صغره، فهديه مذ كان من هدى رسول الله ﷺ ، وبعث ولم يبلغ عليّ ﵁ غير عشر سنين، فآمن به من قبل أن يجري عليه التكليف، فما كلف إلا وهو مؤمن منذ كان. ثم لما أسلم أبو بكر ﵁ أظهر إسلامه، ودعا إلى الله ورسول الله ﷺ ، وكان رجلا محببا، سهلا، أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بها، وبما كان فيها، وكان تاجرًا، ذا خلق ومعروف، وكان يألفه قومه لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه عثمان (١)، والزبير بن

стр. 541

العوام (١)، وعبد الرحمن بن

стр. 542

عوف (١)، وسعد بن أبي وقاص (٢)، وطلحة بن عبيد

стр. 543

الله (١) ﵃ فجاء بهم إلى النبي ﷺ فأسلموا وصلوا. وكان رسول الله ﷺ يقول: «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده فيه كبوة ونظر وتردد إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له، وما تردد فيه».

стр. 544

ثُمَّ أسلم أبو عبيدة (١)، وأبو سلمة (٢)، والأرقم بن أبي

стр. 545

الأرقم (١)، وعثمان بن مظعون (٢)، وأخواه قدامة (٣) وعبد الله (٤)، وعبيدة بن

стр. 546

الحارث (١)، وأسماء بنت أبي بكر (٢) وعائشة (٣) - وهي صغيرة - وخباب بن

стр. 547

الأرت (١)، وعمير بن أبي وقاص (٢)، وعبد الله بن مسعود (٣)، وصهيب

стр. 548

الرومي (١)، وسعيد بن زيد (٢)، وزوجه فاطمة بنت الخطاب (٣) - أخت عمر. ولما مضت ثلاث سنين للنبوة أمره الله أن يصدع بما جاءه، قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤].

стр. 549

وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. فلما صدعهم بما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها. ومضى رسول الله ﷺ فيما أمر به، لا يرده شيءٌ، فلما رأت قريش منه، وأن عمه أبا طالب لا يسلمه مشى رجال منهم إلى أبي طالب وقالوا: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا، ومضى رسول الله ﷺ . ثم شري الأمر (بينه و (١)) بينهم، حتى تضاعنوا، ثم أتى القوم أبا طالب فقالوا له مثل قولهم الأول، فأتاه أبو طالب فقال: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. وظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه (بداءً (٢)) فقال: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره أو أهلك فيه، ما تركته»، ثم بكى رسول الله ﷺ وقام. فلما ولى قال له أبو طالب: أقبل يا ابن أخي، فأقبل، ثم قال له: يا ابن أخي، اذهب فقل ما أحببت، والله لا أسلمك لشيءٍ أبدا. فلما يأست قريش من خذلان أبي طالب له (٣) مشوا إليه بعمارة بن الوليد، فقالوا: هذا أنهد فتى في قريش، خذه فاتخذه ولدا واسلم إلينا ابن أخيك، فإنما

стр. 550

هو رجل برجل. فقال (١): والله لبئس ما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدا (٢). فتنابذ القوم، ونادي بعضهم بعضا. وقال أبو طالب: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم … ألا ليت حظي من حياطتكم بكر أرى أخوينا من أبينا وأمنا … إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا … هما نبذانا مثل ما ينبذ (٣) الجمر هما أشركا في المجد (من (٤)) لا أبا له … من الناس إلا أن يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم … وكانوا لنا مولى إذا بغى النصر فوالله (٥) لا تنفك منا عداوة … ولا منهم ما كان من نسلنا شفر (الطويل) ثم وثبت (٦) كل قبيلة (على (٧)) من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع رسول الله ﷺ بعمه أبي طالب، واجتمع مع أبي طالب بنو هاشم وبنو المطلب، إلا ما كان من أبي لهب - عدو الله ورسوله - ولما رأى أبو طالب من عاضده من بني أبيه جعل يمدحهم، ويذكر رسول الله صلى الله عليه [وسلم (٨)] فيهم، فقال: إذا اجتمعت يومًا قريش لمفخر … فعبد مناف سرها وصميمها

стр. 551

فإن حصلت أشراف عبد منافها … ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فإن محمدا … هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وسمينها … علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديما لا نقر ظلامة … إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها ونحمى حماها كل كريهة … ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الذواء وإنما … بأكنافنا تندى وتنمى أرومها (الطويل) وقام (١) الوليد بن المغيرة في قريش، وكان ذا سن فيهم، وقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم في الموسم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فاجمعوا فيه رأيا واحدًا لا تختلفوا فيه فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضًا. قالوا: فقل أنت. قال: بل أنتم قولوا، أسمع. قالوا: نقول: كاهن. قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة (٢) الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأيت المجنون، فما هو بخنقه، ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر.

стр. 552

قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، وما هو بالشعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده (١). قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ فقال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف (٢) أنه باطل، وإن أقرب القول (٣) فيه أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق (به (٤)) بين المرء وأبيه، والمرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس في المواسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه. وفي مقال الوليد هذا أنزل الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ١٦ - ٢٤]. وأنزل الله في النفر الذين قالوا ما قالوا:

стр. 553

﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩١ - ٩٢]. وعضين: أي أصناف. فلما انتشر قولهم في النبي ﷺ خشي أبو طالب أن تركبه العرب مع قومه، فقال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة ومكانه منه، ويعدد فيها أشراف قومه، ويعرض لهم أنه غير تارك النبي ﷺ لشيء أبدا حتى يهلك دونه، فقال (١): (و (٢)) لما رأيت القوم لا ود فيهم … وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارخونا بالعداوة والأذى … وقد طاوعوا أمر العدو والمزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنة … يعضون غيظا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة … وأبيض عضب من تراث المقاول وأحصرت عند البيت رهطي وإخوتي … وأمسكت من أثوابه بالوصائل قياما معا مستقبلين رتاجه … لدى حيث يقضي حلفه كل نافل (٣) وحيث ينيخ الأشعرون (٤) ركابهم … بمفضى السيول من إساف ونائل موسمة الأعضاد أو قصراتها … مخيسة بين السديس (٥) وبازل ترى الودع فيها والرخام وزينة … بأعناقها معقودة كالعثاكل أعوذ برب الناس من كل طاعن … علينا بسوء أو ملح بباطل ومن كاشح يسمى لنا بمعيبة … ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه … وراق ليرقى في حراء ونازل

стр. 554

وبالبيت، حق البيت، من بطن مكة … وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود (١) إذ يمسحونه … إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا … وما فيهما من صورة وتماثل ومن حج بيت الله من كل راكب … ومن كل ذي نذر ومن كل راجل وبالمعشر الأقصى إذا عمدوا له … الال إلى مفضى الشراج القوابل وتوقافهم فوق الجبال عشية … يقيمون بالأيادي صدور الرواحل وليلة جمع والمنازل من منى … وهل فوقها من حرمة ومنازل وجمع إذ ما المقربات أجزنه … سراعا كما يخرجن من وقع وابل وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها … يؤمون قذفا رأسها بالجنادل وكندة إذا هم بالحصاب عشية … تجيز بهم حجاج بكر بن وائل حليفان شدا عقد ما احتلفا له … وردا عليه عاطفات الوسائل وحطمهم سمر الصفاح وسرحه … وشبرقة وخد النعام الجوافل فهل بعد هذا من معاذ لعائذ … وهل من معيذ يتقي الله عاذل يطاع بنا العدى وودوا لو أننا … تسد أبواب ترك وكابل كذبتم وبيت الله نترك مكة … ونظعن إلا أمركم في بلابل (٢) كذبتم وبيت الله نبزى محمدا … ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكم … نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل وحتى ترى ذا الضغن يركب ردعه … من الطعن فعل الأنكب المتحامل وإنا لعمر الله إن جد ما أرى … لتلتبسن أسيافنا بالأماثل (٣)

стр. 555

بكفي فتى مثل الشهاب سميدع … أخي ثقة حامي الحقيقة باسل شهورا وأياما وحولا مجرما … علينا وتأتي حجة بعد قابل وما ترك قوم، لا أبا لك، سيدا … يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقي الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاف (١) من آل هاشم … فهم (٢) عنده في رحمة (٣) وفواصل لعمري لقد أجرى أسيد وبكرة … إلى بغضنا وجزّآنا لآكل وعثمان لم يربع علينا وقنفذ … ولكن أطاعا أمر تلك القبائل أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم … ولم يرقبا فينا مقالة قائل كما قد لقينا من سبيع ونوفل … وكل تولى معرضا لم يجامل فإن يلقيا أو يمكن الله منهما … نكل لهما صاعا بصاع المكايل وذاك أبو عمرو أبي غير بغضنا … ليظعننا في أهل (٤) شاء وجامل يناجي بنا في كل ممسى ومصبح … فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل ويؤلى لنا بالله ما إن يغشنا … بلى قد نراه جهرة غير حائل أضاق عليه بغضنا كل تلعة … من الأرض بين أخشب فمجادل وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا … بسعيك فينا معرضا كالمخاتل وكنت امرأ ممن يعاش برأيه … ورحمته فينا ولست بجاهل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح … حسود كذوب مبغض ذي دغاول ومر أبو سفيان عني معرضا … كما مرّ (٥) قيل من عظام المقاول يفر إلى نجد وبرد مياهه … ويزعم أنّي لست عنكم (٦) بغافل

стр. 556

ويخبرنا فعل المناصح أنه … شفيق ويخفى عارمات الدواخل أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة … ولا معظم عند الأمور الجلائل ولا يوم خصم إذ أتوك أشدة … أولى جدل من الخصوم المساجل أمطعم أن القوم ساموك خطة … وإني متى أوكل فلست بوائل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … عقوبة شر عاجلا غير آجل بميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني خلف قيضا بنا والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم … وآل قصي في الخطوب الأوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا … علينا العدا من كل طمل وخامل فعبد مناف أنتم خير قومكم … فلا تشركوا في أمركم كل واغل لعمري لقد وهنتم وعجزتم … وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل وكنتم حديثا حطب قدر فأنتم … الآن حطاب أقدر ومراجل ليهنئ بني عبد مناف عقوقنا … وخذلاننا وتركنا في المعاقل فإن نك قوما ننتَّر ما صنعتم … وتختلبوها لقحة غير باهل فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا … وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة … إذا ما لجأنا دونهم في المداخل ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم … لكنا أسى عند النساء المطافل فكل (١) صديق وابن أخت نعده … لعمري وجدنا غبه غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة … براء (٢) إلينا من معقة خاذل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب … زهير حساما مفردا من حمائل أشم من الشم البهاليل ينتمي … إلى حسب في حومة المجد فاضل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد … وإخوته دأب المحب المواصل

стр. 557

فمن مثله في الناس أيّ (١) مؤمل … إذا قاسه الحكام عند التفاضل حليم رشيد عادل غير طائش … يوالي إلها ليس عنه بغافل فوالله لولا أن أجيء بسنة … تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة … من الدهر جدا غير قول التهازل لقد علموا أنَّ ابننا لا مكذب … لدينا ولا يعبا قول الأباطل فأصبح فينا أحمد في أرومة … تقصر عنه (٢) سورة المتطاول حدبت بنفسي دونه وحميته … ودافعت عنه بالذرا والكلاكل (الطويل) واشتهر أمر رسول الله ﷺ في العرب، وذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمره قبل أن يذكر من الأوس والخزرج (٣)، لما كانوا يسمعون من أحبار يهود، فلما سمعوا باختلاف قريش فيه قال أبو قبيس بن الأسلت (٤)، وكان صهرا لقريش: أيّا راكبا إما عرضت فبلغن … مغلغلة عني لؤي بن غالب رسول امرئ قد راعه ذات بينكم … على النأي مخزون بذلك ناصب نبيتكم شرجين كل قبيلة … لها أزمل من بين مذك وحاطب أعيذكم بالله من شر صنعكم … وشر تباغيكم ودس العقارب وقل لهم والله يحكم حكمه … ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب

стр. 558

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة … هي الغول للأقصين أو للأقارب ألم تعلموا ما كان في حرب داحس … فتعتبروا أو كان في حرب حاطب يخبركم عنها امرؤ حق عالم … بأيامها والعلمُ علمُ التجاربِ أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم … لنا غاية قد يهتدي بالذوائب وأنتم لهذا الناس نور وعصمة … تؤمّون، والأحلامُ غيرُ عوازبِ وأنتم، إذا ما حصلَ الناس، جوهر … لكم سرةُ البطحاء شم الأرانبِ ترى طالبُ الحاجاتِ نحو بيوتكم … عصائبُ هلكي تهتدي بعصائبِ لقد علم الأقوامُ أن سراتُكم … على كل حال خير أهل الجباجبِ فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا … بأركانِ هذا البيت بين الأخاشبِ فإن تهلكوا نهلكُ وتهلكُ مواسمُ … يعاش بها، قول امرئ غير كاذبِ (١) (الطويل) ثم إن قريشا اشتد أمرهم - لما سبق من شقاوتهم - في عداوة رسول الله ﷺ ومن أسلم معه، فأغزوا برسول الله ﷺ سفهاءهم (٢)، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مبادلهم بعيب دينهم، ويحض على اعتزال أوثانهم. ولقد مر بهم يوما بالحجر آخذين في شأنه، فأقبل حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت، فغمزوه مرات، فقال: «أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيدهِ لقد جئتكم بالذبح»، فأخذت (٣) القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة (٤) قبل ذلك ليرفؤه (٥) بأحسن ما يجد من

стр. 559

القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا، فانصرف حتى إذا كان الغد قال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغه منكم وما بلغكم عنه حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول: «نعم، أنا الذي أقول ذلك»، فأخذ رجل منهم بمجمع (١) ردائه، فقام (٢) أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، ورجع أبو بكر إلى بيته وقد صدعوا فَرَقَ (٣) رأسه مما جبذوه بلحيته. ومر يومًا بأبي جهل عند الصفا، فنال منه أبو جهل ورسول الله ﷺ لا يكلمه، ثم عمد أبو جهل إلى ناس من قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحًا (٤) قوسه، راجعًا من قنص له، وكان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة، فأخبرته مولاة لابن جدعان بما كان من أبي جهل، فأقبل واحتمله الغضب حتى أقبل إلى أن وقف على رأس أبي جهل وضربه بالقوس فشجه شجة منكرة ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه أقول كما يقول؟ فرد ذلك عليّ إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، وتم حمزة ﵁ وأرضاه - على إسلامه، فعرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (٥). ثم كان بين رسول الله ﷺ وبين قومه أمور، فقالوا أبو جهل في آخرها: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فاسلموني عند ذلك أو

стр. 560

فامنعوني، وليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله ما نسلمك لشيء أبدا، فامض لما تريد. فَلَمَّا أصبح أبو جَهْلٍ أخَذَ حَجَرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ، فلما سجد أقبل نحوه بالحجر حتى إذا دنا نحوه رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُه مَرْعُوبًا قد يَبِسَتْ يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال من قريش، وقالوا له: ما لَكَ (١) يا أبا الحَكَم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه (٢) عَرَضَ لي دونه فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رَأَيْتُ مثل هامَتِهِ ولا قصرته ولا أنيابه لفحل - قَطُّ - فَهَمَّ أن يأكلني. قال ابن إسحاق: وذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: «ذلك جبريل، لو دنا منه لأخُذَه». قال ابن هشام: فقام النضر بن الحارث بن علقمة (٣) - ويقال: كلدة بن عبد مناف (٤) - وقال: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بَعْدُ، قد كان محمد فيكم غلاما حَدَثًا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون .. يا معشر قريش، انظروا في أمركم، فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم. وكان النضر من شياطين قريش، ممن يؤذي رسول الله ﷺ ، وينصب (له (٥)) بعداوة، وكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا يذكر فيه الله ويحدث قومه بما أصاب من قبلهم من الأمم يقوم النضر فيقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه،

стр. 561

فهلم إليَّ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار (١). فلما سمعت قريش مقال النضر بعثته ومعه عقبة بن أبي معيط (٢) إلى أحبار يهود بالمدينة ليسألهم عنه، فقالوا لهما: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه (٣) (قد (٤)) كان لهم حديث عجيب، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هي؟ فإن أخبركم بهن فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل له متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبلا حتى قدما مكة، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبراهم (٥) بما قالته أحبار يهود، فجاءوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا، فذكروا الثلاثة، فقال: أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يستثن (٦)، فانصرفوا، فمكث ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك أمرا، فأحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي، وشق عليه ما تكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف (٧)، فيها (٨) معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سلوه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح. فلما جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحق وعرفوا صدقه فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم به رسول الله ﷺ من علم الغيوب حين سألوه حال الحسد

стр. 562

بينهم وبين اتباعه، فعتوا على الله، وقال قائلهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. ودخل أبو جهل على أبي سفيان (١) بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيت فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو (٢) عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا (٣) فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك (مثل (٤)) هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. وعذبت كل قبيلة من فيها من المسلمين، وفتنوا من استضعفوا دينه، وكان بلال (٥) - مولى أبي بكر الصديق ﵄ مولدا لبني

стр. 563

جُمح (١)، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية بن خلف (٢) يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: «أحد أحد». وكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب، وهو يقول: «أحد أحد»، فيقول: «أحد أحد»، ثم يقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا (٣)، فمر به أبو بكر الصديق ﵁ يوما وهم يصنعون ذلك به، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ فقال: أنت (الذي (٤)) أفسدته فانقذه مما ترى، فقال (٥) أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد وأقوى، على دينك، أعطيكه به، فقال: قد قبلت، قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا وعتقه، وأعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب (٦)، بلال سابعهم.

стр. 564

ولما اشتدت أذية الكفار على المسلمين هاجر إلى الحبشة من هاجر منهم. وروى راشد مولى حبيب (١) بن (٢) (أبي (٣)) أوس الثقفي (عن حبيب بن أبي أوس الثقفي (٤))، قال: حدثني عمرو بن العاص (٥) من فيه، (قال (٦)): لم انصرفنا من الأحزاب عن (٧) الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: لو تعلمون أني والله أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا كبيرا، وإني

стр. 565

قد رأيت أمرًا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي (١) فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا (٢) إن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن (٣) يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا (٤) ادما كثيرا، فجمعوه، فخرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري (٥)، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه (٦)، فدخل عليه ثم خرج من عنده. فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، لو (قد (٧)) دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد، قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئًا؟ قال: قلت: نعم، أيها الملك أهديت لك ادما كثيرًا، قال: ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فغضب، ثم مد يديه وضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه كسره، ولو انشقت الأرض لدخلت فيها فَرَقًا منه، فقلت: أيها الملك، والله لو ظننت أنك
следующие страницы →