← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30188

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط عالم الكتب

ابن فضل الله العمري

Полный текст (715 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فهلم إليَّ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار (١). فلما سمعت قريش مقال النضر بعثته ومعه عقبة بن أبي معيط (٢) إلى أحبار يهود بالمدينة ليسألهم عنه، فقالوا لهما: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه (٣) (قد (٤)) كان لهم حديث عجيب، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هي؟ فإن أخبركم بهن فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل له متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبلا حتى قدما مكة، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبراهم (٥) بما قالته أحبار يهود، فجاءوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا، فذكروا الثلاثة، فقال: أخبركم بما سألتم عنه غدا، ولم يستثن (٦)، فانصرفوا، فمكث ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك أمرا، فأحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي، وشق عليه ما تكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف (٧)، فيها (٨) معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سلوه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح. فلما جاءهم رسول الله ﷺ بما عرفوا من الحق وعرفوا صدقه فيما حدث وموقع نبوته فيما جاءهم به رسول الله ﷺ من علم الغيوب حين سألوه حال الحسد

стр. 562

بينهم وبين اتباعه، فعتوا على الله، وقال قائلهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. ودخل أبو جهل على أبي سفيان (١) بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيت فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو (٢) عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا (٣) فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك (مثل (٤)) هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. وعذبت كل قبيلة من فيها من المسلمين، وفتنوا من استضعفوا دينه، وكان بلال (٥) - مولى أبي بكر الصديق ﵄ مولدا لبني

стр. 563

جُمح (١)، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية بن خلف (٢) يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: «أحد أحد». وكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب، وهو يقول: «أحد أحد»، فيقول: «أحد أحد»، ثم يقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا (٣)، فمر به أبو بكر الصديق ﵁ يوما وهم يصنعون ذلك به، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ فقال: أنت (الذي (٤)) أفسدته فانقذه مما ترى، فقال (٥) أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد وأقوى، على دينك، أعطيكه به، فقال: قد قبلت، قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا وعتقه، وأعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب (٦)، بلال سابعهم.

стр. 564

ولما اشتدت أذية الكفار على المسلمين هاجر إلى الحبشة من هاجر منهم. وروى راشد مولى حبيب (١) بن (٢) (أبي (٣)) أوس الثقفي (عن حبيب بن أبي أوس الثقفي (٤))، قال: حدثني عمرو بن العاص (٥) من فيه، (قال (٦)): لم انصرفنا من الأحزاب عن (٧) الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: لو تعلمون أني والله أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا كبيرا، وإني

стр. 565

قد رأيت أمرًا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي (١) فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا (٢) إن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن (٣) يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا (٤) ادما كثيرا، فجمعوه، فخرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري (٥)، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه (٦)، فدخل عليه ثم خرج من عنده. فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، لو (قد (٧)) دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد، قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئًا؟ قال: قلت: نعم، أيها الملك أهديت لك ادما كثيرًا، قال: ثم قربته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فغضب، ثم مد يديه وضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه كسره، ولو انشقت الأرض لدخلت فيها فَرَقًا منه، فقلت: أيها الملك، والله لو ظننت أنك

стр. 566

تكره هذا ما سألتكه (١)، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله! فقلت: أيها الملك، أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: فقلت: أفتبايعني على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده، فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كنت عليه، وكتمت أصحابي إسلامي. وخرجت عامدا (٢) إلى رسول الله ﷺ ، فلقيت خالد بن الوليد (٣) - وذاك قبل الفتح - وهو مقبل من مكة، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟ فقال: والله لقد استقام المنسم (٤)، وإن الرجل لنبي، أذهب والله فأسلم، فحتى متى، قال: قلت: والله ما جئت إلا لأسلم (٥). قال: فقدمنا على رسول الله ﷺ المدينة، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، أبايعك

стр. 567

(على (١)) أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر، قال: فقال رسول الله ﷺ : «يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب - وفي رواية ابن إسحاق (٢): يهدم - ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها»، قال: فبايعته ثم انصرفت. وحمد من هاجر إلى النجاشي جواره، وعبدوا الله لا يخافون أحدا، وفي ذلك يقول عبد الله بن الحارث السهمي (٣): يا راكبا بلغن عني مغلغلة … من كان يرجو بلاغ الله والدين كل أمري من عباد الله مضطهد … ببطن مكة مقهور ومفتون أنا وجدنا بلاد الله واسعة … تنجي من الذل والمخزاة والهون فلا تقيموا على ذلك الحياة وخزى … (في (٤)) الممات وعيب غير مأمون (البسيط) وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف - وهو ابن عمه - وكان يؤذيه في إسلامه: أخرجتني من بطن مكة آمنا … وأسكنتني في صرح بيضاء تقذع تريش نبالا لا يواتيك ريشها … وتبري نبالا ريشها لك أجمع وحاربت أقوامًا كراما أعزة … وأهلكت أقواما بهم كنت تفزع

стр. 568

ستعلم إن نابتك (١) يومًا ملمة … وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع (الطويل) وكتب أبو طالب إلى النجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم: ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر … وعمرو وأعداء العدو الأقارب وهل نالت أفعال (٢) النجاشي جعفرا … وأصحابه أو عاق ذلك شاغب تعلم، أبيت اللعن، أنك ماجد … كريم فلا يشقى لديك المجانب تعلم، بأن الله زادك بسطة … وأسباب خير كلها بك لازب وأنك فيض ذو سجال غزيرة … ينال الأعادي نفعها والأقارب (الطويل) ولما علمت قريش بطمأنينة الصحابة ﵃ عند النجاشي بعثوا عبد الله بن أبي ربيعة (٣)، وعمرو بن العاص لإحضارهم بهدايا (٤) للنجاشي (٥) وبطارقته، فحبب البطارقة للنجاشي ردهم فما فعل، ورد رسل قريش بما يكرهون. وأسلم عمر بن الخطاب ﵁ وكان رجلا ذا شكيمة، لا يرام ما وراء ظهره، وامتنع أصحاب رسول الله ﷺ به وبحمزة، ﵄. قال ابن مسعود: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه.

стр. 569

فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن عمر قد أسلم، وكان هو وحمزة مع رسول الله ﷺ وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، ائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم، وبني المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا الصحيفة وعلقوها في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم، فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، ودخلوا معه في شعبه، وخرج منهم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم. ولما استمر أمر الصحيفة قال أبو طالب: ألا أبلغا عني على ذات بيننا … لؤيا وخصا من لؤي بني كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا … نبيا كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة … ولا خير ممن خصه الله بالحب (وأن الذي ألصقتم من كتابكم … لكم كائن نحسا كراغية السقب (١)) أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى … ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب ولا تتبعوا (٢) أمر الوشاة وتقطعوا … أواصرنا بعد المودة والقرب وتستجلبوا حربا عوانا وربما … أمر على من ذاقه جلب الحرب فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا … لغراء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف … وأيد أتراب بالقساسية الشهب بمعترك ضيق ترى كسر القنا (٣) … به والنسور الطخم يعكفن (٤) كالشرب كأن مجال الخيل في حجراته … ومعمعة (٥) الأبطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره … وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب

стр. 570

ولسنا نمل الحرب حتى تملنا … ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهي … إذا طار أرواح الكماة من الرعب (الطويل) فأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين حتى جهدوا، لا (١) يصل إليهم شيء إلا سرا مستخفيا (٢) به. وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب: «يا عم، إن الله سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع منها إسما لله إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان»، فقال: ربك أخبرك هذا؟ قال: «نعم»، قال: فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج فقال: يا معشر قريش، إن ابني أخبرني بكذا وكذا، فهلم إلى صحيفتكم، فإن كان كما قال فانتهوا عن قطيعتنا، وتولوا عما فيها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخي. فقالوا: قد رضينا، فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله ﷺ ، فزادهم ذلك شرًا. ثم قام في نقض الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد بلاء أحسن من بلاء هشام بن عمرو (٣)، وكان لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه، وكان يأتي بالبعير أوقره (٤) طعاما حتى إذا قارب الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه، فيدخل (٥) الشعب عليهم، ثم يأتي به و (قد أوقره برًا (٦)) فيفعل به مثل ذلك. ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية المخزومي (٧)، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، قد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح

стр. 571

النساء، وأخوالك حيث (قد (١)) علمت؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا (٢) أخوال أبي الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما (٣) أجابك إليه أبدا، قال: ويحك يا هشام، فما أصنع، إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها، قال: قد وجدت رجلا، قال: من هو؟ قال: أنا، قال له زهير: (ابغنا رجلًا ثالثًا (٤)). فذهب إلى المطعم بن عدي (٥)، فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان (٦) من بني عبد مناف وأنت شاهد عليه، موافق لقريش فيه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم (٧) إليها منكم سراعا، قال: فماذا أصنع، إنما أنا رجل واحد، قال: وجدت ثانيا، قال: من؟ قال هشام: أنا، قال: ابغنا ثالثًا، قال: قد فعلت، قال: (من هو؟ قال: (٨)) زهير بن أبي أمية، قال: أبغنا رابعًا. فذهب إلى أبي البختري (٩)، فقال نحوا (١٠) مما قال لمطعم بن عدي، فقال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم، قال من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأنا معك، قال: أبغنا خامسًا. فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب (١١) فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال: وهل على هذا الأمر من أحد؟ قال: نعم، ثم سمي له القوم.

стр. 572

فاتعدوا خطم الحجون ليلًا بأعلا مكة، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، فقال زهير: أنا أبدؤكم وأكون أول من يتكلم، فلما أصبحوا عدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أمية عليه حلة، وطاف بالبيت سبعًا، ثم أقبل على الناس، وقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباع (١) ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فقال أبو جهل وكان في ناحية المسجد: كذبت، والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب منه، ما رضينا كتابتها حيث كتبت. قال أبو البختري: (لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقر به. قال المطعم بن عدي (٢)): صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد. وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا «باسمك اللهم». وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، من بني عبد الدار (٣)، فشلت يده. وفي نقضها يقول أبو طالب:

стр. 573

ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا … على نأيهم والله بالناس أرود فيخبرهم أن الصحيفة مزقت … وأن كل ما لم يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع … ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد تداعى لها من ليس فيها بقرقر … فطائرها في رأسها يتردد فمن ينش من حضار مكة عزه … فعزتنا في بطن مكة أتلد ونطعم حتى يترك الناس فضلهم … إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد جزى الله رهطا بالحجون تبايعوا … على ملأ يهدى لحزم (١) ويرشد قعودا لدى خطم الحجون كأنهم … مقاولة بل هم أعز وأمجد أعان عليها كل صقر كأنه … إذا ما مشى في رفرف الدرع (٢) أحرد جريء على جل الخطوب كأنه … شهاب بكفي قابس يتوقد من الأكرمين من لؤي بن غالب … إذا سيم خسفا وجهه يتربد قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا … على مهل وسائر الناس رقد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا … وسر أبو بكر بها ومحمد متى شرك الأقوام في جل أمرنا … وكنا قديما قبلها نتوود وكنا قديما لا نقر ظلامة … وندرك ما شئنا ولا نتشدد فيا لقصى هل لكم في نفوسكم … وهل لكم فيما يجيء به غد (الطويل) وكان الطفيل بن عمرو الدوسي (٣) يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها،

стр. 574

فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا - فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه (١) ولا تسمعن منه شيئًا. (قال (٢)): فوالله مازالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا (٣) فرقا من (٤) أن يبلغني شيء (٥) من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، قال: فقمت منه قريبًا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قال: سمعت كلامًا حسنًا. قال: فقلت في نفسي: وأثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر وما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته وإن كان قبيحًا تركته. قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي (٦) قالوا، فوالله ما برحوا يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعت قولا حسنًا، فأعرض عليّ أمرك. قال: فعرض رسول الله ﷺ عليّ الإسلام، وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولًا - قط - أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه. قال: فأسلمت، وشهدت شهادة

стр. 575

الحق، وقلت: يا نبي الله، إني مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، قال: فقال: «اللهم اجعل له (١) آية». قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، قال: قلت: اللهم في غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم، قال: فتحول فوقع في رأس سوطي، قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وأنا أنهبط عليهم من الثنية، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم. قال: فلما نزلت أتاني أبي - وكان شيخًا كبيرًا - فقلت: إليك عني يا أبت، فلست منك ولست مني، قال: لم يا بني؟ قال: قلت: أسلمت وبايعت دين محمد، قال: أي بني، فدينك ديني، فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم. ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني، قالت: لم بأبي أنت وأمي؟ قال: قلت: فرق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمد، قالت: فديني دينك، قال: قلت: فاذهبي إلى حناذي الشرى (٢) (فتطهري منه (٣)). قالت: بأبي وأمي، أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئًا؟ قال: قلت: أنا ضامن لذلك، قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت. ثم دعوت دوسًا (٤) إلى الإسلام فأبطأوا عليّ، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة،

стр. 576

فقلت: يا نبي الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم. فقال: «اللهم اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعوهم وارفق بهم»، قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى (١) بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا برسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين. ثم لم أزل مع رسول الله ﷺ حتى فتح (الله (٢)) عليه مكة. قال: قلت: يا رسول الله، ابعثني إلى ذي الكفين (٣) - صنم عمرو بن حممة (٤) - حتى أحرقه. قال ابن إسحاق: فخرج إليه فجعل الطفيل - وهو يوقد عليه النار - يقول: يا ذا الكفين لست من عبادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا إني (٥) حشوت النار في فؤادكا قال: ثم رجع إلى رسول الله ﷺ ، فكان معه بالمدينة حتى قبض الله رسوله ﷺ . فلما ارتدت العرب، خرج مع المسلمين، فسار معهم حتى فرغوا من طليحة (٦)

стр. 577

ومن أرض نجد (١) كلها، ثم خرج مع المسلمين إلى اليمامة (٢)، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فرأى رؤيا وهو موجه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي، رأيت أن رأسي حلق، وأنه خرج (من فمي (٣)) طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا، ثم رأيته حبس عني. قالوا: خيرًا. قال: أما أنا والله فقد أولتها، قالوا: ماذا؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها، وأما طلب ابني إياي ثم حسبه عني فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني (٤). فقتل ﵀ شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبل منها، ثم قتل عام اليرموك (٥). قال ابن إسحاق: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان الثقفي (٦) - وكان واعية - قال: قدم رجل من أراش (٧) - قال ابن هشام: ويقال: أراشة - بإبل له

стр. 578

مكة، فابتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشي حتى وقف على ناد من قريش، ورسول الله ﷺ في ناحية من المسجد جالس، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤديني على أبي الحكم ابن هشام، فإني رجل غريب، ابن سبيل، وقد غلبني على حق لي قبله؟ (قال: فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل الجالس - لرسول الله ﷺ وهم يهزءون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة - اذهب إليه فإنه يؤديك عليه. فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله ﷺ ، فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم ابن هشام قد غلبني على حق لي قبله (١))، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي فأشاروا إليك، فخذ (لي (٢)) حقي منه، يرحمك الله. قال: انطلق إليه، وقام معه رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه، فانظر (٣) ما يصنع. قال: وخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد، فاخرج إليّ، فخرج إليه وما في وجهه من رائحة، قد انتقع لونه، فقال: اعط الرجل حقه، قال: نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذي له. قال: فدخل، فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه. قال: ثم انصرف رسول الله ﷺ ، وقال للأراشي: «الحق بشأنك»، فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله عني خيرا، فقد والله أخذ لي حقي. قال: وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا: ويحك، ماذا رأيت؟ (قال (٤)): عجبا من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه روحه،

стр. 579

فقال: اعط هذا حقه، فقال: نعم لا يبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه، فأعطاه إياه. ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا: ويلك، مالك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت - قط - قال: ويحكم، ما هو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته، فملئت رعبا، فخرجت إليه، وإن (١) فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني. وقدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلًا أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ عما أرادوا دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به، وصدقوا به، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل ابن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم، أو كما قالوا لهم. فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا. ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، والله أعلم. ويقال - والله أعلم - إن فيهم نزلت هذه الآيات: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥].

стр. 580

وقال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فقال: «إن فعلت تؤمنون؟» قالوا: نعم، فسأل رسول الله ﷺ ربه فشق القمر فرقتين، ورسول الله ﷺ (ينادي (١)): «يا فلان .. يا فلان، اشهدوا»، وذلك بمكة من وراء الجبل. قال ابن زيد (٢): فكان يرى نصفه على قعيقعان (٣) والنصف الآخر على أبي قبيس. وعن ابن عباس (٤) ﵄ قال: خرج أعرابي من بني

стр. 581

سليم (١) ببيداء، فإذا هو بضب، فاصطاده، ثم جعله في كمه، وجاء إلى النبي ﷺ وناداه: يا محمد، أنت الساحر، لولا أني أخاف أن قومي يسموني العجول لضربتك بسيفي هذا، فوثب إليه عمر ﵁ ليبطش به، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس يا أبا حفص، فقد كاد الحليم يكون نبيا». ثم قال للأعرابي: «أسلم تسلم من النار»، قال: واللات والعزى لا أومن بك حتى يؤمن هذا الضب، ثم رمي الضب عن كمه، فولى الضب هاربا، فنادى رسول الله ﷺ الضب: «أقبل»، فأقبل، فقال له: «من أنا؟» فقال: أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ثم أنشأ يقول: ألا يا رسول الله إنك صادق … فبوركت مهديا وبوركت هاديا شرعت لنا دين الحنيفة بعدما … عبدنا كأمثال الحمير الطواغيا فيا خير مدعو ويا خير مرسل … إلى الجن ثم الإنس لبيك داعيا (أتيت ببرهان من الله واضح … فأصبحت فينا صادق القول واعيا (٢)) فبوركت في الأحوال حيا وميتا … وبوركت مولودا وبوركت ناشيا (الطويل) ثم سكت الضب، فقال الأعرابي: واعجبا ضب اصطدته من البرية، ثم أتيت به في كمي، فكلم محمدا بهذا الكلام وشهد له بهذه الشهادة، أنا لا أطلب أثرًا بعد عين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ فأسلم وحسن إسلامه. ثم أسرى برسول الله ﷺ ﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ - وهو بيت المقدس - وقد فشى الإسلام بمكة وفي قريش.

стр. 582

وعن الحسن (١) قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أنا نائم في الحجر، جاءني جبريل ﵇ فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئًا، فعدت لمضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئًا، فعدت لمضجعي، فجاءني الثالثة، فهمزني بقدمه (٢)، فجلست، فأخذ بعضدي، فقمت معه، فخرج إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع حافره في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته» (٣). قال الحسن وقتادة: سار رسول الله ﷺ ومعه جبريل حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فأتاهم رسول الله ﷺ فصلى بهم، ثم أتى بإناءين، في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن، فأخذ رسول الله ﷺ إناء اللبن، فشرب منه، وترك (إناء (٤)) الخمر، فقال له جبريل: هديت للفطرة (٥) وهديت أمتك، وحرمت عليكم الخمر. وعن أبي سعيد الخدري (٦) قال: قال رسول الله ﷺ : «لما فرغت مما كان في

стр. 583

بيت (١) المقدس، أتى بالمعراج، ولم أر شيئًا - قط - أحسن منه، وهو الذي (٢) يمد إليه الرجل منكم عينيه، إذا حضر، فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى (بي (٣)) إلى باب من أبواب السماء، يقال له: باب الحفظة، عليه ملك من الملائكة، يقال له: إسماعيل، تحت يديه اثنا عشر ألف ملك، تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك، ثم قال رسول الله ﷺ حين حدث بهذا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (٣١: المدثر)، فلما دخل بي قال: يا جبريل، من هذا؟ قال: محمد، قال: أوقد بعث؟ قال: نعم، فدعا لي بخير. ولما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلًا جالسًا تعرض عليه أرواح بني آدم، فيقول لبعضها إذا عرضت عليه (خيرًا (٤)) ويسر به، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه: أف، ويعبس بوجهه (ويقول (٥)): روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم، تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا مرت عليه روح المؤمن (منهم (٦)) سر بها، وقال: روح طيبة خرجت من جسد طيب، وإذا مرت به روح الكافر منهم أفف منها

стр. 584

وكرهها، وساءه ذلك، وقال: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قال: ثم أصعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة: عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا، قال: ثم أصعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها رجل صورته صورة القمر ليلة البدر، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب، قال: ثم أصعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل فسألته (١) من هو؟ قال: هذا ادريس، ثم قال رسول الله ﷺ : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (٥٧: مريم)، قال: ثم أصعد بي إلى السماء الخامسة، فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية، عظيم العثنون (٢)، لم أر كهلا أجمل منه، قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا المحبب في قومه هارون بن عمران، (قال (٣)): ثم أصعدني إلى السماء السادسة فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى، كأنه من رجال شنوءة (٤)، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران، قال: ثم أصعدني إلى السماء السابعة، فإذا فيها كهل جالس على كرسي إلى باب البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة. لم أر رجلًا أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه، قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. قال: ثم أشرف على الجنة والنار، وما فيهما، ورأى ملكوت السماوات وصعد إلى مرتقى يسمع فيه صريف الأقلام، ثم انتهى إلى ربه ففرض عليه خمسين صلاة كل يوم. قال رسول الله ﷺ : «فأقبلت راجعًا، فلما مررت بموسى بن عمران - ونعم الصاحب كان لكم - سألني كم فرض عليك (٥) من الصلاة؟

стр. 585

فقلت (١): خمسين صلاة كل يوم، فقال: إن الصلاة ثقيلة، وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربك فسله أن يخفف عنك وعن أمتك، فرجعت فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي، فوضع عني عشرًا، ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لي مثل ذلك، فرجعت فسألت ربي فوضع عني عشرًا، لم يزل بي يقول لي مثل ذلك كلما رجعت، فأرجع فأسأل (٢) حتى انتهيت إلى أن وضع ذلك عني إلا خمس صلوات في كل يوم وليلة، ثم رجعت إلى موسى، فقال لي مثل ذلك، فقلت: قد راجعت ربي وسألته حتى استحييت منه، فما أنا بفاعل. «فمن أداهن منكم إيمانا بهن، واحتسابا لهن، كان له أجر خمسين صلاة». ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البين، إن العير لتطرد، شهرًا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرًا مقبلة، فيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة، فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر، وقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال أبو بكر الصديق: إنكم تكذبون عليه، فقالوا: بلى (٣) (ها (٤)) هو ذاك في المسجد يحدث به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، وهذا أبعد مما تعجبون منه؛ ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وقال: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: «نعم»، قال: يا نبي الله، فصفه لي، فإني قد جئته، قال رسول الله ﷺ : «فرفع لي حتى نظرت إليه»، فجعل يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر: أشهد أنك

стр. 586

رسول الله، كلما وصف (١) له منه شيئًا قال: صدقت أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «وأنت يا أبا بكر الصديق»، فسماه - يومئذ - الصديق. ونعى إلى الناس فأخبرهم، فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط، قال: آية ذلك أني مررت ببعير بني فلان بوادي كذا فأنفرهم حس الدابة، فند لهم بعير، فدللتهم عليه، وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان (٢) مررت ببعير بني فلان فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه، وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تصعد من البيضاء (٣) ثنية التنعيم (٤)، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما سوداء والأخرى برقاء، فابتدروا (٥) الثنية فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبرهم أنهم وضعوه مملوءًا ماء ثم غطوه، ثم إنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه، ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا في الوادي الذي ذكر، وند لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه. ومما قلت في المديح الشريف، أذكر الإسراء كفا ملامي وإلا فأكثرا عذلي … فلست عن حب من أهوى بمنتقل

стр. 587

يا قاتل الله ما تلقاهم بعدهم … قلبي المعنى ووجدي وهو أقتل لي وإن تصبرت عن شيء فجعت به … فلست أصبر من حب على ملل قالوا ففي غيرهم شغل فقلت لهم … هذا شغلكم (أنتم و (١)) لا شغلي إن كنت لم أبك جيرانا بكاظمة … بكيت فيها على أيامنا الأول وكنت أبكي ولي رسم ولي طلل … فاليوم أقفرت من رسم ومن طلل وخفت إلا انسكاب الدمع بعدهم … أنا الغريق فما خوفي من البلل وما أبالي بأيام بليت بها … إذا خصصت بمدحي خاتم الرسل محمد سيد الكونين ملته … كأنها غرة في أوجه الملل آتاه جبريل تحت الليل (٢) يوقظه … فيها لرؤية ما أعيا على المقل فقام ثم امتطى ظهر البراق إلى … أعلى الطباق ولم يطلب ولم يسل سرى إلى الأفق الأعلى وعاد إلى … مثواه ليلا بلا ريب ولا عجل في ليلة بفضل الأيام من رجب … حاز الغنيمة والإسراع في القفل أتى إلى ﴿المسجد الأقصى﴾ وأم به … كل (٣) النبيين بالتكليف والعمل ثم ارتقى في معارج السماء به … واستفتح الباب لا ذا الباب والقفل ثم ارتقى فوق ما قد حازه صعدا … حتى علا للعلى في أشرف القلل وحل مرقى به ما حله بشر … ولا تخطاه من رجل ولا رجل علا على الأنبياء الكل مرتبة … فاقت مدى الكل فوق الحجب والكلل رقى إلى أن دنا من ربه صلة … كـ ﴿قاب قوسين أو أدنى﴾ لمتصل وقد رأى ربه حقا معاينة … ما نالها قبله موسى على الجبل وباكر القوم عند الحجر يخبرهم … بما رآه بلا خوف ولا وجل ففاز بالصدق والتصديق طائفة … وباء بالإثم أهل الرأي والجدل وحدث القوم من أخبار غيرهم … ما جاء في الصبح مثل الصبح في المثل

стр. 588

واستخبروه عن القدس الشريف ولم يحقق (الظن (١)) للظماء والشكل فصار يلقاه حتى (ما (٢)) تمثله … وأخبر القوم أخبارا بلا زلل هذي عطايا محب للحبيب أتت … بما يزيد على التأميل والأمل مواهب من كريم ليس يعجزه … شيء يكون ولا ما كان في الأول عليه من صلوات الله أدومها … ما مالت الشمس في الأبكار والأصل (البسيط) ثم إن أم المؤمنين خديجة ﵂ وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله ﷺ المصائب بهلك خديجة، وكانت له قرين صدق على الإسلام، وبهلك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا (في أمره، ومنعة (٣)) وناصرا على قومه، وكان هلكهما قبل مهاجره بثلاث سنين، ونالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه (٤) منهم فنثر على رأسه ترابا. فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف (٥) النصرة (وعمد إلى نفر منهم هم - يومئذ - سادة ثقيف (٦)) وأشرافهم، (وهم (٧)) إخوة ثلاثة، عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن

стр. 589

ثقيف، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وكلمهم بما (١) جاءهم له من نصرته والقيام معه فقال له (٢) أحدهم: (هو (٣)) يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا أرسله غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك (٤) أبدًا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من (أن (٥)) أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم (و (٦)) قد يئس من خبر ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي -: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتمو عني، وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ (قومه عنه (٧)) فيذئرهم (٨) ذلك عليه، فلم يفعلوا، أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه (٩) إلى حائط (١٠) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة (١١)، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه. وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي ﵇ من سفهاء أهل الطائف، ولقد لقى رسول الله ﷺ فيما ذكر - المرأة من بني جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟ فلما اطمأن قال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني

стр. 590

على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا حول ولا قوة إلا بك». قال: فلما رآه ابنا ربيعة - عتبة وشيبة - وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا لهما غلاما نصرانيا، يقال له: عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ فمد يده (و (١)) قال: «بسم الله»، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا كلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ : «ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس وما هو دينك؟» قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال له رسول الله ﷺ : «أمن قرية الرجل الصالح يونس ابن متى؟» فقال عداس: وما يدريك ما (٢) يونس ابن متى؟ قال رسول الله ﷺ : «ذاك أخي، كان نبيا، وأنا نبي»، فأكب عداس على رسول الله ﷺ فقبل رأسه ويديه وقدميه، فقال أحد ابني ربيعة لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس، مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، قالا: ويحك يا عداس، لا يصرفك عن دينك، فإن دينك خير من دينه. ثم إن رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة، حين يئس من خبر ثقيف، حتى إذا كان بنخلة (٣) قام من جوف

стр. 591

الليل (١) يصلي، فمر به النفر من الجن الذين (٢) ذكر الله ﵎ وهم - فيما قيل - سبعة نفر من أهل نصيبين (٣)، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٩ - ٣١: الأحقاف). ثم قال: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (١ - ٢: الجن). إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة. ثم وقف رسول الله ﷺ في الموسم يعرض نفسه على القبائل، ولم يكن أحد من العرب أقبح ردًا (عليه (٤)) من بني حنيفة (٥). وأتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له: بيحرة بن فراس (٦): لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون (٧) لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر الله يضعه حيث يشاء، قال: فقال

стр. 592

له: أفتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه. فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، وقد كانت (١) أدركته السن، حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بني عبد المطلب (يزعم أنّه نبيّ (٢))، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلاف، هل لذناباها من مطلب، والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي - قط - وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم.

стр. 593

[الفصل الثالث الهجرة] (١) ثم لقى رهطا من الخزرج، قال أنتم موالي يهود؟ قالوا: نعم، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فصدقوه وقبلوا (٢) منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له (٣): إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، (فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين (٤))، فإن يجمعهم الله (عليه (٥)) بك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، حتى إذا كان العام المقبل فوافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة (٦)

стр. 594

- وهِيَ العقبةُ الأولَى - قال عبادة بن الصامت (١): كنت فيمن حضر العقبة الأولى، فبايعنا على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فقال لهم رسول الله ﷺ : «وإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله، وإن شاء عذب وإن شاء غفر». ثم بعث معهم مصعب بن عمير (٢) بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار

стр. 595

يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، وكان يصلي بهم، لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وأول من جمع الجمعة بالمدينة أسعد بن زرارة (١). ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج أناس ممن أسلم من الأنصار إلى الموسم حتى قدموا مكة، فواعدوا (٢) رسول الله ﷺ العقبة، من أوسط أيام التشريق. قال كعب بن مالك (٣): فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا

стр. 596

رسول الله ﷺ لها، ومعنا أبو جابر، عبد الله بن عمرو بن حرام (١) - سيد من ساداتنا - فأسلم وشهد معنا العقبة، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ (نتسلل تَسَلل (٢)) القطا مستخفين، حتى إذا اجتمعنا في الشِّعب (٣) ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا، فجاءنا ومعه العباس بن عبد المطلبِ (٤)، وهو

стр. 597

يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب تطلق اسم الخزرج على الأوس والخزرج (١) - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في (٢) بلده، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.

стр. 598

فأخذ البراء بن معرور (١) بيده، ثم قال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (٢)، فبايعنا رسول الله ﷺ ونحن والله أبناء أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها (٣) كابرا عن كابر. قال: واعترض القول، والبراء يتكلم، أبو الهيثم بن (٤) التيهان (٥)، فقال:

стр. 599

يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع (١) إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم - أي ذمتي ذمتكم، وحرمتي حرمتكم - أنا منكم وأنتم (مني (٢))، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. ثم جعل عليهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم. فلما أتوا المدينة أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك. ثم هاجر من هاجر إلى المدينة، ولم يتخلف مع رسول الله ﷺ من أصحابه بمكة إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄ وكان أبو بكر مرارا يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له: لا تعجل لعل الله يجعل (لك صاحبا (٣))، فيطمع أبو بكر أن يكونه. ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت (٤) له شعبة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، حذروا خروجه

стр. 600

إليهم، فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه. واعترضهم (١) إبليس في هيئة شيخ جليل، فقالوا: من الشيخ؟ فقال: شيخ من أهل نجد، عسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا: أجل. وتفرقوا على رأي أبي جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى جليدا (٢) نسيبا ليضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي، لا أرى غيره. فآتاه جبريل وقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما (٣) كانت عتمة من الليل (٤) اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتسج ببردي (٥) هذا الحضرمي، فنم فيه، فإنه لَنْ (٦) يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وأخذ رسول الله ﷺ حفنة (٧) من تراب في يده، فأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم ويتلو هذه الآيات من ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا
следующие страницы →