← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30188

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط عالم الكتب

ابن فضل الله العمري

Полный текст (715 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

رسول الله ﷺ لها، ومعنا أبو جابر، عبد الله بن عمرو بن حرام (١) - سيد من ساداتنا - فأسلم وشهد معنا العقبة، قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ (نتسلل تَسَلل (٢)) القطا مستخفين، حتى إذا اجتمعنا في الشِّعب (٣) ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا، فجاءنا ومعه العباس بن عبد المطلبِ (٤)، وهو

стр. 597

يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب تطلق اسم الخزرج على الأوس والخزرج (١) - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في (٢) بلده، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.

стр. 598

فأخذ البراء بن معرور (١) بيده، ثم قال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (٢)، فبايعنا رسول الله ﷺ ونحن والله أبناء أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها (٣) كابرا عن كابر. قال: واعترض القول، والبراء يتكلم، أبو الهيثم بن (٤) التيهان (٥)، فقال:

стр. 599

يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع (١) إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم - أي ذمتي ذمتكم، وحرمتي حرمتكم - أنا منكم وأنتم (مني (٢))، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. ثم جعل عليهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وقال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم. فلما أتوا المدينة أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك. ثم هاجر من هاجر إلى المدينة، ولم يتخلف مع رسول الله ﷺ من أصحابه بمكة إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄ وكان أبو بكر مرارا يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة، فيقول له: لا تعجل لعل الله يجعل (لك صاحبا (٣))، فيطمع أبو بكر أن يكونه. ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت (٤) له شعبة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، حذروا خروجه

стр. 600

إليهم، فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه. واعترضهم (١) إبليس في هيئة شيخ جليل، فقالوا: من الشيخ؟ فقال: شيخ من أهل نجد، عسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا: أجل. وتفرقوا على رأي أبي جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى جليدا (٢) نسيبا ليضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل ولا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي، لا أرى غيره. فآتاه جبريل وقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما (٣) كانت عتمة من الليل (٤) اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتسج ببردي (٥) هذا الحضرمي، فنم فيه، فإنه لَنْ (٦) يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وأخذ رسول الله ﷺ حفنة (٧) من تراب في يده، فأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم ويتلو هذه الآيات من ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا

стр. 601

مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١ - ٩: يس)، فلم يبق رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدا، قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك (١) منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما (٢) ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا في الفراش، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما، عليه برده. حتى أصبحوا فقام عليّ عن الفراش، وقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا. وكان أبو بكر ﵁ قد أترع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما أعدادا لذلك، ثم أتى أبا بكر في الهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها. وقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة. ثم قال: يا نبي الله، هاتان راحلتان كنت أعددتهما لهذا فاستأجرا عبد الله بن أريقط (٣) - من (٤) بني الدئل بن بكر (٥) - وكان مشركا، يدلهما على

стр. 602

الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، وكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. وأمر رسول الله ﷺ عليا ﵇ أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس. وخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته إلى غار بجبل ثور (١)، فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله (٢) أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى به، وأمر مولاه عامر بن فهيرة (٣) أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.

стр. 603

وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة، لمن رده عليهم. حتى مضت الثلاث ليال وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرين لهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتها (١)، ونسيت أن تجعل لها عصاما (٢)، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فحلت نطاقها فجعلته عصاما، ثم علقتها به، فقيل لأسماء: ذات النطاق، وقيل: ذات النطاقين. وقدم أبو بكر أجود المراكب لرسول الله ﷺ ثم قال: اركب، فداك أبي وأمي، فقال: إني لا أركب بعيرًا ليس لي، قال: فهي لك يا رسول الله، (بأبي أنت وأمي، قال: لا، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها به (٣))، وركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق. وأخذ أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف درهم، قالت أسماء: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس يتبعونه، يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول: جزى الله رب العالمين الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروحا … فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد (الطويل)

стр. 604

وتبعه سراقة بن مالك (١) ليرده ويأخذ المائة ناقة، قال: فبينا يشتد بي فرسي (عثر بي (٢))، فسقطت عنه، قال: قلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره «لا يضره»، وكذلك ثانية وثالثة، فلما بدا لي القوم ورأيتهم، عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، قال: ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان (٣) كالإعصار قال: فعرفت حين رأيت أنه قد منع مني، وأنه ظاهر. قال: فناديت: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم (٤)، ولا يأتيكم مني شيء (٥) تكرهونه. قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي

стр. 605

بكر: قل له: وما تبتغي منا؟ فقال لي ذلك أبو بكر، قال: قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر. قال: فكتب لي، ثم ألقاه إليّ، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت، ولم أذكر شيئًا مما كان إلى أن أتيت رسول الله ﷺ به بعد الفتح، فقال ﷺ : «يوم وفاء وبر، أدنه» فأسلمت. قال ابن هشام: ثم قدما - يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر - بطن (رئم (١)، ثم قدم بهما (٢)) قباء (٣)، يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، حين اشتد الضحى، وكادت الشمس تعتدل. وكانت الأنصار تخرج كل يوم إلى الحرة (٤) تنتظره، فإذا علت الشمس دخلوا، وكانت أيامًا حارة، وأول من رآه رجل من يهود، فصاح بأعلى صوته: يا بني قيلة (٥)، هذا جدكم (قد (٦)) جاء، وكانوا قد انصرفوا من منتظره حين علت الشمس. ونزل على كلثوم بن هدم (٧)، وقيل: بل على سعد بن

стр. 606

خيثمة (١)، وأقام أمير المؤمنين عليّ ﵇ بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى إذا فرغ مما أمره به رسول الله ﷺ لحق به، ونزل معه. وأقام رسول الله ﷺ بقباء يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسس مسجده، ثم خرج يوم الجمعة، فأدرك الجمعة في بني سالم بن عوف (٢)، فصلاها في المسجد الذي في بطن وادي رانوناء (٣)، وأتاه رجال من الأنصار

стр. 607

يعرضون عليه النزول عليهم، فقال: خلو سبيلها، فإنها مأمورة، (لناقته (١))، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا أتت دار مالك بن النجار، (بركت على (٢)) باب مسجد رسول الله ﷺ (الآن (٣))، وكان مربدًا ليتيمين: سهل وسهيل ابني عمرو (٤)، من بني النجار، (وهما (٥)) في حجر معاذ بن عفراء (٦)، بركت ورسول الله ﷺ لم

стр. 608

ينزل، ثم وثبت وسارت غير بعيد، ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها (١) لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها، ورجعت إلى مبركها أول مرة، ثم تحلحلت ورزمت (٢) ووضعت جرانها (٣)، ونزل عنها، واحتمل أبو أيوب، خالد بن زيد (٤) رحله فوضعه في بيته، ونزل رسول الله ﷺ (وسأل (٥)) عن موضع المسجد، فقال له معاذ: هو ليتيمين في حجري، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا، وأمر به أن يبني، وعمل فيه، ودأب فيه المهاجرون والأنصار - رضوان الله عليهم - وقال قائلهم: لئن قعدنا والنبي يعمل … لذاك منا العمل المضلل (الرجز) وكان عليّ يبني وهو يقول: لا يستوي من يعمر المساجدا … يدأب فيه قائما وقاعدًا ومن يرى عن الغبار حائدا (الرجز)

стр. 609

ودخل عمار بن ياسر (١) وقد أثقلوه باللبن، فقال: يا رسول الله، قتلوني، يحملون عليّ ما لا يحملون، قالت أم سلمة (٢) - أم المؤمنين - رضي الله

стр. 610

عنها: فرأيت رسول الله ﷺ ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، وهو يقول: «ويح ابن سمية، ليسوا الذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية». وعرض آخر لعمار وهو يرتجز بما ارتجز به عليّ ﵇ ظن أنه إنما يعرض به، فقال: قد سمعت ما تقول مذ اليوم يا ابن سمية (١)، والله إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك. قال: فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: «ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إن عمار جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من الرجل ولم يستبق فاجتنبوه». وأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه، وتلاحق المهاجرون برسول الله ﷺ ولم يبق بمكة منهم أحد، إلا مفتون أو محبوس، قال ابن هشام: ولم يوعب (٢) أهل هجرة من مكة بأموالهم وأهليهم إلى الله ورسوله إلا أهل دور مسمون، واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، إلا ما كان من خطمة (٣)، وواقف (٤)،

стр. 611

ووائل (١)، وأمية (٢)، كلهم من أوس الله، حي (٣) من الأوس، فإنهم أقاموا على شركهم. وكتب رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار (كتابا (٤)) وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم. وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار. ومما قلت في ذكر المهاجر الشريف وحسن صنيع الأنصار: وكفاه يوم الغار حال سراقة … وجواده في الأرض ليس يقوم والعنكبوت قد تضاعف نسجها … طلا عليه وللحمام نئيم حتى أتى دار المهاجر طيبة … في عيل غلب والمقام كريم من آل قيلة ليس يعرف قائل … منهم غداة الروع كيف يريم شم غطارفة جحاجحة سمت … أفعالهم بهم وتم قديم صبر على كر الحياة عليهم … ما شأنهم سلم ولا تسليم قوم إذا هتف الدعاة نمتهم … في فرع يعرب جلة وقروم ولهم إذا صرخ الصريخ زعازع … كالطود زحزحه أجش هوم أنصار دين الله أما جودهم … فند وأما بأسهم فسموم أبدا يزود عن التنزيل رماحهم … أمما وتحمى في النزال حريم

стр. 612

فتألفت أشتاتهم بقدومه … ورست لهم مثل الجبال حلوم (الكامل) ثم نعود إلى ما كنا فيه. قال ابن هشام: وقال - فيما (١) بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل -: «تآخوا في الله أخوين أخوين (٢)»، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، وقال: «هذا أخي». وقال أبو قيس، صرمة بن أبي أنس (٣)، أخو بني عدي بن النجار، وكان ممن ترك الأوثان وهم بالنصرانية، ولم يفعل حتى أكرمه الله بالإسلام: ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يذكروا لو يلقى صديقا مواتيا ويعرض في المواسم نفسه … فلم ير من يؤوى ولم ير داعيا فلما أتانا أظهر الله دينه … فأصبح مسرورا بطيبة راضيا وألفى صديقا واطمأنت به النوى … وكان له عونا من الله باديا يقص لنا ما قال نوح لقومه … وما قال موسى إذ أجاب المناديا نعادي الذي عادى من الناس كلهم … جميعا وإن كان الحبيب المصافيا أقول إذا جاوزت أرضا مخوفة … حنانيك لا تظهر علي الأعاديا فطأ معرضا إن الحتوف (٤) كثيرة … وإنك لا تبقى لنفسك باقيا فوالله ما يدري الفتى كيف يتقي … إذا هو لم يجعل له الله واقيا (الطويل)

стр. 613

وفيهم يقول شاعر المهاجرين: هم أنزلونا في صدور بيوتهم … صدور بيوت إذ فات وأكنت أبو أن يملونا ولو أن أمنا … تلاقي الذي لاقوه منا لملت (الطويل) ونصبت اليهود المعاداة لرسول الله ﷺ ومالأهم عليها (١) جماعة من المنافقين، وكانت (٢) أحبار يهود تأتي رسول الله ﷺ بالمسائل ليلبسوا الحق بالباطل، وكان القرآن ينزل فيهم فيما يسلون عنه، وأسلم عبد الله بن سلام (٣)، وكان حبرا عالما، وقال: يا رسول الله، إن يهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك وتغيبني عنهم، ثم تسلهم عني يخبروك كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن يعلموا به (٤) بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله ﷺ في بعض بيوته، ودخلوا عليه، فكلموه وساءلوه، ثم قال لهم: أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا. فخرج عليهم. قال ابن سلام: فقلت لهم: يا معشر

стр. 614

يهود، اتقوا (الله (١)) واقبلوا ما جاءكم به محمد، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل باسمه وصفته، وإني أشهد أنه رسول الله، وأؤمن به وأصدقه وأعرفه. فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بي. وكذلك أسلم مخيريق (٢)، كان عالما من أحبارهم، وقتل مع رسول الله ﷺ نوبة أحد، وكان أوصى بماله لرسول الله ﷺ فعامة صدقاته منه. ثم صرفت القبلة عن بيت المقدس الى الكعبة في رجب، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه أعيان يهود وقالوا له: يا محمد، ما ولاك عن قبلتنا التي كنت عليها، وكنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ (ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها (٣)) نتبعك ونصدقك، وإنما يريدون فتنته عن دينه، فأنزل الله - تعالى - فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ

стр. 615

الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١٤٢ - ١٤٧: البقرة).

стр. 616

[الفصل الرابع (١) الغزوات] وأقام رسول الله ﷺ تكملة السنة الأولى من الهجرة، وبعث عبيدة بن الحارث (٢) بن المطلب بن عبد مناف بن قصى في ثمانين من المهاجرين حتى بلغ ماء بأسفل ثنية المرة (٣)، ولقى جمعا عظيما من قريش، ولم يكن بينهم قتال.

стр. 617

ثم استعمل سعد بن عبادة (١) على المدينة، وخرج في صفر من السنة الثانية غازيا حتى بلغ ودان (٢)، وهي غزوة الأبواء، يريد قريشا وبني ضمرة (٣) بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعه فيها بنو ضمرة، ثم رجع. وبعث حمزة ﵁ إلى سيف البحر، ناحية العيص (٤)، في

стр. 618

ثلاثين راكبا من المهاجرين، فلقي أبا جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني (١)، وكان موادعا (٢) للفريقين جميعًا. وبعث سعد بن أبي وقاص في ثمانية من المهاجرين، حتى بلغ الخرار (٣)، ثم رجع. ثم استعمل رسول الله ﷺ (على المدينة (٤)) السائب بن عثمان بن مظعون (٥)، في شهر ربيع الأول، وخرج حتى بلغ بواط (٦)، من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا. ثم استعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وخرج في جمادي

стр. 619

الأولى، حتى أتى (١) بطن ينبع (٢)، فأقام بها إلى ليال من جمادى الآخرة، ووادع (٣) فيها بني مدلج (٤) وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع، وهي غزوة ذي العشيرة (٥)، وفيها قال رسول الله ﷺ لعليّ ﵇ ما قال. كان هو وعمار بن ياسر مضطجعين في صور من النخل، وفي دقعاء (٦) من التراب، قال عمار: فنمنا، والله ما أهبنا إلا رسول الله ﷺ يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها - يومئذ - قال لعلي: ما لك يا أبا تراب؟ لما يرى عليه من التراب، ثم قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أحيمر ثمود (٧) الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا عليّ على هذه، ووضع يده على قرنه، حتى يبلّ منها هذه، وأخذ (٨) بلحيته. ولم يلبث رسول الله ﷺ بالمدينة إلا أيامًا قلائل حتى أغار كرز بن جابر الفهري (٩) على سرح المدينة، فاستخلف رسول الله ﷺ زيد بن حارثة،

стр. 620

وخرج في طلبه، حتى بلغ سفوان (١) - من ناحية بدر - وفاته كرز، وهي بدر الأولى. ثم بعث عبد الله بن جحش الأسدي (٢) في رجب، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه ويمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، فسار يومين ثم فتحه، فإذا فيه: أن ينزل نخلة - بين مكة والطائف - يرصد بها قريشًا ويعلم أخبارهم، ثم مضى هو وأصحابه، لم يرجع أحد منهم، وأصابوا بنخلة لقريش عيرًا تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة، ورمى أحد المسلمين عمرو ابن الحضرمي (٣) بسهم فقتله، وأسر المسلمون (٤) اثنين، وساقوا العير حتى قدموا المدينة، وهي أول غنيمة للإسلام. أ: غزوة بدر ثم سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلًا من الشام في عير عظيمة لقريش، فيها ثلاثون أو (٥) أربعون رجلًا، منهم مخرمة بن

стр. 621

نوفل (١)، وعمرو بن العاص. فندب المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها (٢) لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس، فخف بعض وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا. وكان أبو سفيان بن حرب حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسل من لقي من الركبان تخوفا على (٣) أمر الناس. حتى أصاب خبرا من بعض الناس الركبان: أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري (٤)، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم سريعًا إلى مكة. وقبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رأت عاتكة بنت عبد المطلب (٥) رؤيا

стр. 622

أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة، رؤيا لقد أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك شر أو مصيبة، فاكتم عني ما أحدثك، قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا أنفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينا هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار منها إلا دخلها منها فلقة (١). قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة (٢)، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، فقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث فستنتربص (٣) بكم هذه الثلاث، فإن يكن

стр. 623

حقًا ما تقول فسيكون، وإن تمض (١) الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان مني (إليه (٢)) كبيرا، (إلا (٣)) أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا، ثم تفرقنا. فلما أمسينا لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما قد سمعت، قال: قلت: قد والله فعلت، وما كان مني إليه كبير، وأيم الله لأتعرضن له، وإن عاد لأكفينكنه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه (أتعرضه، ليعود (٤)) لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر. إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: قلت في نفسي: ماله، لعنه الله، أكل هذا فرقا مني أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا (٥) على بعيره، قد جدع بعيره وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم (٦) مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشلغه عني ما جاء من الأمر. فتجهز الناس سراعًا، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن

стр. 624

الحضرمي، كلا والله ليعلمن غير ذلك. وكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وأوعبت قريش، فلم يتخلف من أشرافها أحد. إلا أن أبا لهب قد تخلف، وبعث مكانه العاص بن هشام (١)، وقد كان لاط به بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها، على أن يجزئ عنه، (بعثه (٢)) فخرج عنه. وإن أمية بن خلف (٣) أجمع القعود، وكان شيخا جليلًا جسيمًا ثقيلًا، فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار، ووضعها بين يديه وقال: يا أبا علي، استجمر، فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت به، قال: ثم تجهز وخرج مع (٤) الناس. ولما فرغوا من جهازهم، وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناه بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتوننا من خلفنا، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم (٥)، وقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا. قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ في ليال مضت من شهر رمضان، في أصحابه، واستعمل عمرو ابن أم مكتوم (٦) على الصلاة بالناس، ثم

стр. 625

رد أبا لبابة (١) من الروحاء (٢)، واستعمله على المدينة. ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وكان أبيض. وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان، إحداهما مع علي بن أبي طالب ﵁ والأخرى (مع (٣)) بعض الأنصار. وكانت إبل أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ سبعين بعيرا، فاعتقبوها، فكان رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد (٤) يعتقبون بعيرا،

стр. 626

وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة (١) وأنسة (٢) - مَوْليا رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرا، وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا. وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة (٣)، وكانت راية الأنصار

стр. 627

مع سعد بن (١) معاذ (٢) فيما قال ابن هشام. فسلك طريقة من المدينة إلى مكة، على نقب المدينة، ثم على العقيق (٣)، ثم على ذي الحليفة (٤)، ثم على ذات الجيش (٥)، ثم على تربان (٦)، ثم على

стр. 628

ملل (١)، ثم على غميس (٢) الحمام (٣)، ثم على صخيرات اليمام (٤)، ثم على السيالة (٥)، ثم على فج الروحاء، ثم على شنوكة (٦)، وهي الطريق المعتدلة، حتى إذا كان بعرق الظبية (٧) لقوا رجلًا من الأعراب فسلوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله ﷺ فقال: أوفيكم (٨) رسول الله ﷺ قالوا: نعم، فسلم عليه، ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه. فقال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسل رسول الله ﷺ (وأقبل علي (٩)) فأنا أخبرك عن ذلك. نزوت (١٠) عليها، ففي بطنها منك سخلة (١١)، فقال ﵇: «مه، أفحشت (١٢)

стр. 629

على الرجل»، ثم أعرض عن سلمة. ثم ارتحل رسول الله ﷺ وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام (١) أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم المقداد بن عمرو (٢) وقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ (٣) أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢٤: المائدة). (ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون (٤))، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (٥) لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه. فقال له ﵇ خيرا، ودعا له.

стр. 630

ثم قال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني - الآن - أنظر إلى مصارع القوم. ثم ارتحل، ونزل قريبا من بدر (١)، ثم ركب هو وأبو بكر حتى وقفا على شيخ من العرب، فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال ﵇: إذا أخبرتنا أخبرناك. قال له: أوذاك بذاك؟ قال: نعم، قال الشيخ: بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا (وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم (٢))، بمكان كذا، للمكان الذي نزل ﵇، وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا، فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي قريش فيه. ثم رجع ﵇ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون الخبر له، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم وعريض (٣)، فأتوا بهما فسلوهما، وهو ﵇ قائم يصلي، (فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان (٤))، فضربوهما فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه، ثم سلم، (وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش؟ قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي بالعدوة القصوى (٥))،

стр. 631

فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، وقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها». وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا، (حتى (١)) ورد الماء وسأل (٢) مجدي بن عمرو: هل أحسست أحدًا، قال: ما رأيت أحدًا أنكره (٣) إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب (٤). فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا يسارا، وأسرع. وأقبلت قريش، ونزلوا الجحفة، فلما أحرز أبو سفيان عيره أرسل إلى قريش: أن يرجعوا لأن عيرهم وأموالهم قد سلموا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، ومضوا بعد أن رجع منهم بنو زهرة بأسرهم، حتى نزلوا على مقربة من بدر، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه حتى أتى أدنى ماء من القوم ونزل عليه، ثم أمر بالقلب (٥) فغورت، وبنى حوضا على القلب الذي نزل عليه، فملئ ماء. وبنى له ﵇ عليه عريشا، بإشارة سعد بن معاذ، ﵁. ثم إن قريشا ارتحلت حين أصبحت، فلما أقبلت رآها ﵇

стр. 632

تصوب، فقال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك (١)، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة». فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ فيهم حكيم بن حزام، فقال ﵇: دعوهم، فما شرب منه رجل - يومئذ - إلا قتل، إلا ما كان حكيم بن حزام (٢)، وأسلم بعد ذلك، وكان يقول إذا حلف، والذي نجاني (من (٣)) يوم بدر. قال: وقد خرج الأسود بن عبد الأسد (٤)، وقال: أعاهد الله أني لا أرجع حتى أشرب من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه، فلما خرج، (خرج (٥)) إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن (٦) قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب (٧) رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن يبر يمينه، فأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.

стр. 633

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتيان من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، إخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال ﵇: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ»، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ. قالوا: نعم، أكفاء كرام، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت (١) صاحبه، ثم كر عليّ وحمزة بأسيافهما على عتبة فذفَّفا (٢) عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه. ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وأمر ﵇ أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم (٣) عنكم بالنبل»، ومعه أبو بكر في العريش. ثم مضى ﵇ وعدل الصفوف، ورجع إلى العريش وهو يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد»، وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وخفق (٤) ﵇ خفقة في العريش، ثم انتبه، وقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع (٥)». وحرض النبي ﷺ أصحابه على القتال، وبشرهم بالنصر.

стр. 634

ولما التقى الناس أخذ ﵇ حفنة من الحصباء، واستقبل بها قريشا، ثم قال: «شاهت الوجوه»، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه وقال: «شدوا»، فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم. وقال ﵇ يومئذ: «إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، (لا حاجة لهم بقتالنا (١)) فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي (أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي (٢)) العباس بن عبد المطلب، عم نبيكم (فلا يقتله (٣)) فإنه إنما أخرج مستكرها». فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف، (فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟! فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف (٤))، فوالله لقد نافق؛ قال عمر: وهو أول يوم كناني فيه ﵇ بأبي حفص، وكان أبو حذيفة (يقول (٥)): ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت - يومئذ - ولا أزال منها خائفا، إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا. ومر عبد الرحمن بن عوف بأمية بن خلف وابنه عليّ، فاستجار به فأجاره، قال ابن عوف، ﵁: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال: وإني لأقودهما إذ رآهما بلال، وكان أمية هو الذي يعذب بلالًا على ما تقدم ذكره،

стр. 635

فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجوت. قال: قلت: أي بلال، أباسيري! قال: لا نجوت إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: فأحاطوا بنا، وأنا أذب عنهما، فأخلف رجل السيف فضرب ابنه فوقع، فصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، قال: فقلت: انج بنفسك، فوالله ما أغني عنك شيئًا، قال: فهبروهما بأسيافهم (١) حتى فرغوا منهما. وعن ابن عباس قال: لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا فيما سواه مددا وعددا. وقاتل - يومئذ - عكاشة بن محصن (٢) بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى النبي ﷺ فأعطاه جذلا من حطب، فقال: «قاتل بهذا يا عكاشة»، فلما أخذه من يده ﵇ هزه فعاد سيفا في يده، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، ويسمى هذا السيف بالعون، ولم يزل عنده يشهد به المشاهد مع النبي ﷺ .
следующие страницы →