← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30188

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط عالم الكتب

ابن فضل الله العمري

Полный текст (715 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، وقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها». وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا، (حتى (١)) ورد الماء وسأل (٢) مجدي بن عمرو: هل أحسست أحدًا، قال: ما رأيت أحدًا أنكره (٣) إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب (٤). فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا يسارا، وأسرع. وأقبلت قريش، ونزلوا الجحفة، فلما أحرز أبو سفيان عيره أرسل إلى قريش: أن يرجعوا لأن عيرهم وأموالهم قد سلموا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، ومضوا بعد أن رجع منهم بنو زهرة بأسرهم، حتى نزلوا على مقربة من بدر، فنهض رسول الله ﷺ ومن معه حتى أتى أدنى ماء من القوم ونزل عليه، ثم أمر بالقلب (٥) فغورت، وبنى حوضا على القلب الذي نزل عليه، فملئ ماء. وبنى له ﵇ عليه عريشا، بإشارة سعد بن معاذ، ﵁. ثم إن قريشا ارتحلت حين أصبحت، فلما أقبلت رآها ﵇

стр. 632

تصوب، فقال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك (١)، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة». فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله ﷺ فيهم حكيم بن حزام، فقال ﵇: دعوهم، فما شرب منه رجل - يومئذ - إلا قتل، إلا ما كان حكيم بن حزام (٢)، وأسلم بعد ذلك، وكان يقول إذا حلف، والذي نجاني (من (٣)) يوم بدر. قال: وقد خرج الأسود بن عبد الأسد (٤)، وقال: أعاهد الله أني لا أرجع حتى أشرب من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه، فلما خرج، (خرج (٥)) إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن (٦) قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب (٧) رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن يبر يمينه، فأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض.

стр. 633

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتيان من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، إخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال ﵇: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ»، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ. قالوا: نعم، أكفاء كرام، فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما عليّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت (١) صاحبه، ثم كر عليّ وحمزة بأسيافهما على عتبة فذفَّفا (٢) عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه. ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وأمر ﵇ أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم (٣) عنكم بالنبل»، ومعه أبو بكر في العريش. ثم مضى ﵇ وعدل الصفوف، ورجع إلى العريش وهو يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد»، وأبو بكر يقول: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. وخفق (٤) ﵇ خفقة في العريش، ثم انتبه، وقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله. هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده، على ثناياه النقع (٥)». وحرض النبي ﷺ أصحابه على القتال، وبشرهم بالنصر.

стр. 634

ولما التقى الناس أخذ ﵇ حفنة من الحصباء، واستقبل بها قريشا، ثم قال: «شاهت الوجوه»، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه وقال: «شدوا»، فكانت الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم. وقال ﵇ يومئذ: «إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، (لا حاجة لهم بقتالنا (١)) فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي (أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي (٢)) العباس بن عبد المطلب، عم نبيكم (فلا يقتله (٣)) فإنه إنما أخرج مستكرها». فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف، (فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟! فقال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف (٤))، فوالله لقد نافق؛ قال عمر: وهو أول يوم كناني فيه ﵇ بأبي حفص، وكان أبو حذيفة (يقول (٥)): ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت - يومئذ - ولا أزال منها خائفا، إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا. ومر عبد الرحمن بن عوف بأمية بن خلف وابنه عليّ، فاستجار به فأجاره، قال ابن عوف، ﵁: قال لي أمية بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال: وإني لأقودهما إذ رآهما بلال، وكان أمية هو الذي يعذب بلالًا على ما تقدم ذكره،

стр. 635

فقال بلال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجوت. قال: قلت: أي بلال، أباسيري! قال: لا نجوت إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا. قال: فأحاطوا بنا، وأنا أذب عنهما، فأخلف رجل السيف فضرب ابنه فوقع، فصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، قال: فقلت: انج بنفسك، فوالله ما أغني عنك شيئًا، قال: فهبروهما بأسيافهم (١) حتى فرغوا منهما. وعن ابن عباس قال: لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا فيما سواه مددا وعددا. وقاتل - يومئذ - عكاشة بن محصن (٢) بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى النبي ﷺ فأعطاه جذلا من حطب، فقال: «قاتل بهذا يا عكاشة»، فلما أخذه من يده ﵇ هزه فعاد سيفا في يده، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، ويسمى هذا السيف بالعون، ولم يزل عنده يشهد به المشاهد مع النبي ﷺ .

стр. 636

وأمر النبي ﵇ أن يطرح القتلى في القليب، فطرحوا، فوقف عليهم رسول الله ﷺ فقال: «يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم (١) ربكم حقًا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا»، فقال له المسلمون: أتنادي قومًا قد جيفوا؟ قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني». وقد ذكرت في كلمة لي القليبين: قليب بدر وقليب الحديبية، فقلت: أما فيهم قلب تبصر من عمى … فيبصر منه القلب ما يبصر القلب قليبان جاشا دافقين لأجله … فهذا من القتلى وذا ماؤه سكب (الطويل) ثم أمر رسول الله ﷺ بما جمعه أهل العسكر، فجمع، فاختلف فيه المسلمون، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين قاتلوا العدو: بل هو لنا، وقال الذين جلسوا مع النبي ﵇: هو لنا. وسئل عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى (٢) رسوله، فقسمه رسول الله ﷺ على بواء؛ يقول: على سواء. ثم ارتحل رسول الله ﷺ حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين. وأسهم النبي ﷺ لعثمان بن عفان، ولم يشهد بدرًا معهم، لأنه كان مشتغلًا بابنة رسول الله ﷺ رقية، ﵍. وكان فراغ رسول الله ﷺ من بدر عقب شهر رمضان أو في شوال. مما ذكرت في (٣) يوم بدر قولي:

стр. 637

لقد قاد الجيوش إلى الأعادي … فهيج من بلائهم بلايا فأسد الله ثائرةٌ (١) غضابا … لدين الله لا يرضى الدنايا أفاض النهي فيهم سابغات … ترد البأس لا تخشى النهابا وتغمد في الرؤوس لهم سيوف … تذود الحرب مصلية عرايا وتلعب بالنفوس لهم نبال … تحن من الضلوع إلى خبايا وسل بدرا فليس له شبيه … يجيء بمثله مدد العشايا (الوافر) ولما رجع فل قريش من بدر، نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء (٢) من جنابة حتى يغزوا محمدًا، فخرج في مائتي راكب حتى أتى (سلام (٣)) بن مشكم، سيد بني النضير، فقراه وسقاه، وبطن له خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته (٤) حتى أتى أصحابه، وبعث رجالًا، فأتوا العريض (٥)، فحرقوا نخلا بها، ووجدوا رجلًا من الأنصار وحليفًا له في حرث لهما، فقتلوهما، ثم انصرفوا راجعين. وخرج رسول الله ﷺ حتى بلغ قرقرة الكدر (٦)، ثم انصرف راجعًا، وقد فاته أبو سفيان، وغنموا سويقًا (٧) كثيرًا رماه أصحاب أبي سفيان ليتخففوا (٨)، فسميت غزوة السويق.

стр. 638

ثم نقضت بنو (١) قينقاع عهدهم، فحاصرهم، حتى نزلوا على حكمه، ثم (تشبث (٢)) عبد الله بن أبي بن سلول بهم لأنهم كانوا حلفاؤه (٣). ثم غزا رسول الله ﷺ نجدا يريد غطفان، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، ثم رجع ولم يجد كيدا (٤)، وهي غزوة ذي أمر (٥). ثم استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وغزا يريد قريشا، فبلغ بحران (٦)، معدنا بالحجاز من ناحية الفرع (٧)، ثم رجع. (ثم (٨)) إن قريشا خافوا طريقهم إلى الشام، فسلكوا طريق العراق، فخرج أبو سفيان في تجارة، ومعه فضة كثيرة فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقال حسان بن ثابت: دعوا فلجات الشام قد حال دونها … جلاد كأفواه المخاض الأوارك (بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم … وأنصاره حقا وأيدى الملائك (٩))

стр. 639

إذا سلكت للغور من بطن عالج … فقولا لها ليس الطريق هنالك (الطويل) ثم بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة (١) أخا بني عبد الأشهل إلى (٢) كعب بن الأشرف (٣) اليهودي فقتله، لأنه كان يبكي قتلى بدر ويناقض شعر المسلمين، ويشبب بنسائهم، وقال رسول الله ﷺ : «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فوثب محيصة بن مسعود (٤) على ابن سنينة - من تجار يهود - وكان يعاملهم

стр. 640

فقتله، فقال له أخوه حويصة: أي عدو الله، أقتلته! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، وقال: يلوم ابن أمي (١) لو أمرت بقتله … لطبقت ذفراه بأبيض قاضب حسام كلون الملح أخلص صقله … متى ما أصوبه فليس بكاذب وما سرني أني قتلتك طائعا … وأن لنا ما بين بصري ومأرب (الطويل) فأخذ رسول الله ﷺ بني قريظة. ب: غزوة أحد ثم غزته قريش غزوة أحد، وقد جمعت له واستنصرت عليه، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج إليهم، وقال له كثير من المسلمين: أخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عن أعدائنا، فخرج في ألف من أصحابه. ثم انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس. والتقى الجمعان، واشتد القتال، وكانت النوبة على المسلمين، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قتل، فانكفأت الصحابة وانكفأت قريش عليهم، وكان يوم بلاء وتمحيص، فترس دونه أبو دجانة (٢) بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن

стр. 641

عليه حتى كثر فيه النبل، ورمى عنه سعد بن أبي وقاص، وهو يقول: فداك أبي وأمي، فدث (١) بالحجارة حتى وقع لشقه، فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع في حفرة فأخذه عليّ - كرم الله وجهه - بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا، ونزع أبو عبيدة الحلقتين فسقطت لأبي عبيدة ثنيتان، ومص أبو سعيد الخدري الدم من وجهه، ثم ازدراه، فقال ﷺ : «من مس دمه دمي لم تصبه النار». وأول من عرف رسول الله ﷺ بعد أن قيل: قتل، بسبب الناس، كعب بن مالك، قال: فناديت: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ﷺ فنهضوا له ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة (٢) ورهط من المسلمين. فلما أسند في الشعب وأتاه أبي بن خلف (٣) وهو يقول: لا نجوت إن نجا

стр. 642

فقال له القوم: يا رسول الله، أينعطف عليه رجل منا؟ فقال: «دعوه»، فلما دنا منا تناول رسول الله ﷺ الحربة (١) من الحارث بن الصمة، ثم استقبله وطعنه في عنقه (طعنة (٢)) تدأدأ منها عن فرسه مرارا، ورجع إلى قومه فمات بسرف (٣). وفيه يقول حسان، ﵁: ألا من مبلغ عني أبيا … فقد ألقيت في سحق السعير تمنيك الأماني من بعيد … وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ … كريم البيت ليس بذي فجور له فضل على الأحياء طرا … إذا نابت ملمات الأمور (الوافر) ثم إن عليا ﵇ خرج من الشعب إلى المهراس (٤) فملأ درقته ماء فغسل (٥) وجهه، وصب على رأسه وهو يقول: «اشتد غضب الله على من دمي وجه نبيه». وبينا رسول الله ﷺ فيمن معه في الشعب علت عالية من خيل قريش الجبل، وكان عليها خالد بن الوليد، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أنزلوهم. ونزل رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها، وكان بدن، وظاهر بين درعين،

стр. 643

فلم يستطع، فجلس تحته طلحة حتى استوى عليها، فقال ﵇: «أوجب طلحة (١)». وأكرم الله - يومئذ - حمزة بن عبد المطلب بالشهادة، رماه وحشي (٢) بحربة فقتله، وبقرت هند بنت عتبة (٣) عن كبده فلاكتها، ثم لفظتها (٤)، وظلت ترتجز بأراجيز منها: شفيت من حمزة نفسي بأحد … حتّى (٥) بقرت بطنه عن الكبد والحرب تعلوكم بشؤبوب برد … تقدم إقدام عليكم كالأسد (الرجز) ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل - أي ظهر دينك - فقال رسول الله ﷺ : «قم يا عمر فأجبه»، وقل: «الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار»؛ فقال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر، فقال

стр. 644

رسول الله ﷺ : «ائته فانظر ما شأنه»، فجاءه، فقال له: أنشدك الله أقتلنا محمدًا (١)؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه يسمع كلامك الآن، قال: أنت عندي أصدق من ابن قمئة (٢) وأبر؛ لأنه كان قال لهم إنه قتل. ولما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل: هو بيننا وبينك موعدًا». ثم قال لعلي ﵇: «أخرج في آثارهم فانظر ما يصنعون، فإن جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم»، فامتطوا الإبل، وجنبوا الخيل، وتوجهوا إلى مكة. قلت: وهذه نوبة الخندق: وكان قد أشار سلمان الفارسي (٣) بحفره على المدينة، وكانت أول مشهد

стр. 645

شهده مع رسول الله ﷺ . وفيها عرضت (١) الكدية التي استعصت حتى ضربها رسول الله ﷺ بالمعول، فبرقت برقة رؤيت لها مشارق الأرض ومغاربها، مما وعد أنه سيبلغه ملك أمته، على ما جاء الحديث به. وقد ذكرت ذلك حيث قلت: وسل عن الخندق إذ عارضت في حفره كدية صوان أزاحها من يده ضربة تهوى لها أركان ثهلان وأومضت في جنحها رقة أبدت شاسع بلدان وكل قصر بديني قيصر أو ساسه ملك لساسان من كل ما تفتحه بعده أمته من دار سلطان وصدق الصادق في قوله فتوح فاروق وعثمان بكل فتح تحت أذياله اشتان نيران وصلبان (السريع) ثم أذن في ثاني يوم مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج، وخرج معه أصحابه، وكثير ممن كان تأخر، ليرهب الكفار بأنه يتبعهم، حتى بلغ حمراء الأسد (٢)، وكان أبو سفيان والكفار قد بلغوا الروحاء وأجمعوا الرجعة ليستأصلوا البقية، فأقبل

стр. 646

معبد بن أبي معبد الخزاعي (١) نحو قريش، فقال له أبو سفيان: ما وراءك يا معبد؟ ولم يكن أسلم يومئذ، لكن كانت خزاعة - مسلمها وكافرها - عيبة نصح لرسول الله ﷺ فقال: محمد قد خرج في أصحابه في طلبكم في جمع لم أر مثله، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا. قال: ويحك (٢)، ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترحل حتى ترى نواصي الخيل، فقال: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني على ما رأيت أن (٣) قلت أبياتًا من الشعر، قال: وما قلت؟ قال: كادت تهد من الأصوات (٤) راحلتي … إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردى بأسد كرام لا تنابلة … عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة … لما سموا برئيس غير مخذول إني نذير لأهل البسل ضاحية … لكل ذي إربة منهم ومعقول (البسيط) فثنى ذلك أبو سفيان ومن معه. وفي نوبة أحد يقول هبيرة بن أبي وهب بن مخزوم (٥): بانت تعاتبني هند وتعذلني … والحرب قد شغلت عني مواليها وقد حملت سلاحي فوق مشترف … ساط سبوح إذا تجري يباريها

стр. 647

أعددته ورقاق الحد منتحلا … ومارنا لخطوب قد ألاقيها هذا وبيضاء مثل النهي محكمة … نيطت (١) عليّ فما تبدو مساويها قالت كنانة: أنى تذهبون (بنا (٢))؟ … قلنا: النخيل، فأموها ومن فيها سقنا كنانة من أطراف ذي يمن … عرض البلاد على ما كان يزجيها نحن الفوارس يوم الجر من أحد … هابت معد فقلنا نحن نأتيها ثمت رحنا كأنا عارض برد … وقام هام بني النجار يبكيها كأن هامهم عند الوغى فلق … من قيض ربد نفته عن أداحيها قد نبذل المال سحا لا سحاب له … ونطعن الخيل شزرا في مآقيها وليلة يصطلي بالفرث جازرها … يختص بالنقرى (٣) المثرين داعيها لا ينبح الكلب فيها غير واحدة … من القريس (٤) ولا تسري أفاعيها أوقدت فيها لذي الضراء جاحمة … كالبرق ذاكية الأركان أحميها (البسيط) فأجابه حسان بن ثابت (٥)، ﵁:

стр. 648

سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم … إلى الرسول فجند الله مخزيها أوردتموها حياض الموت ضاحية … فالنار موعدها والقتل لاقيها جمعتموها أحابيشا بلا حسب … أئمة الكفر غرتكم طواغيها ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت … أهل القليب ومن ألقينه فيها كم أسير فككناه بلا ثمن … وجز ناصية كنا مواليها (البسيط) وقال كعب بن مالك قصيدة ينقض فيها على هبيرة بن أبي وهب: ألا هل أتى غسان عنا ودونهم … من الأرض خرق سيره متنعنع صحار وأعلام كأن قتامها … من البعد نقع هامد متقطع به جيف الحسرى يلوح صليبها … كما لاح كتان النجار الموضع فجالدنا عن ديننا كل فخمة … مذربة فيها القوانس (١) تلمع وكل صموت في الصوان كأنها … إذا لبست تهي من الماء مترع ولكن ببدر سائلوا من لقيتهم … من الناس والأنباء بالغيب تنفع وأنا بأرض الخوف لو كان أهلها … سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا (٢) نجالد لا تبقى (٣) علينا قبيلة … من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا (٤) وفينا رسول الله نتبع أمره … إذا قال فينا القول لا نتطلع وقال رسول الله لما بدوا لنا … ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا (٥) فسرنا إليهم جهرة في رحالهم … ضحيا علينا البيض لا نتخشع

стр. 649

فجئنا إلى موج من البحر وسطه … أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية … ثلاث مئين إن كثرنا (١) وأربع تهادي قسي النبع فينا وفيهم … وما هو إلا اليثربي المقطع ومنجوفة حرمية صاعدية … يذر عليها السم ساعة تصنع فلما (٢) تلاقينا ودارت بنا الرحى … وليس لأمر حمه الله مدفع ضربناهم حتى تركنا سراتهم … كأنهم بالقاع خشب مصرع لدن غدوة حتى استقفنا عشية … كأن ذكانا حر ناة تلفع وراحوا سراعا موجفين كأنهم … جهام هراقت ماءه الريح مقلع ورحنا وأخرانا بطاء كأننا … أسود على لحم ببيشة ظلع (٣) فنلنا ونال القول منا وربما … فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع ودارت رحانا واستدارت رحاهم … وقد جعلوا كل من الشر يشبع ونحن أناس لا نرى القتل سبة … على كل من يحمي الذمار ويمنع جلاد على ريب الحوادث لا نرى … على هالك عينا لنا الدهر تدمع بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش … ولا نحن من أظفارها نتوجع فخانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا … أبى الله إلا أمره (٤) وهو أصنع (الطويل) وقال عبد الله بن الزبعرى: يا غراب البين أسمعت فقل … إنما تنطق شيئا قد فعل إن للخير وللشر مدى … وكلا ذلك وجه وقبل

стр. 650

والعطيات خساس بينهم (١) … وسواء قبر مثر ومقل كل عيش ونعيم زائل … وبنات الدهر يلعبن بكل أبلغن (٢) حسان عني آية … فقريض (٣) الشعر يشفى ذا الغلل كم ترى بالجر من جمجمة … وأكف قد أترت ورجل وسرابيل حسان سريت … عن كماة أهلكوا في المنتزل كم قتلنا من كريم سيد … ماجد الجدين مقدام بطل صادق النجدة قرم (٤) بارع … غير ملتاث لدى وقع الأسل فسل المهراس من (٥) ساكنه؟ … بين أقحاف وهام كالحجل ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت (٦) بقباء بركها … واستحر القتل في عبد الأشل ثم خفوا عند ذاكم رقصا … رقص الحفان يعلو في الجبل فقتلنا الضعف من أشرافهم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل لا ألوم النفس إلا أننا … لو كررنا لفعلنا المفتعل بسيوف الهند تعلو هامهم … عللا تعلوهم بعد نهل (الرمل) فأجابه حسان بن ثابت، ﵁: ذهبت يا بن الزبعري وقعة … كان منا الفضل فيها لو عدل

стр. 651

ولقد نلتم ونلنا منكم … وكذاك الحرب أحيانا دول نضع الأسياف في أكتافكم … حيث نهوى عللا بعد نهل نخرج الإضيلح (١) من أستاهكم … كسلاح النيب يأكلن العصل إذ تولون على أعقابكم … هربا في الشعب أشباه الرسل إذ شددنا شدة صادقة … فأجأناكم إلى سفح الجبل ضاق عنا الشعب إذ نجزعه … وملانا الفرط منه والرجل برجال لستم أمثالهم … أيدوا جبريل نصرا فنزل وعلونا يوم بدر بالتقى … طاعة الله وتصديق الرسل وقتلنا كل رأس منكم … وقتلنا كل جحجاح رفل وتركنا في قريش عورة … يوم بدر وأحاديث المثل ورسول الله حقا شاهد … يوم بدر والتنابيل الهبل في قريش من جموع جمعوا … مثل ما يجمع في الخصب الهمل (الرمل) وقال عمرو بن العاص، وهو - يومئذ - مشرك: خرجنا من الفيفا عليهم كأننا … مع الصبح من رضوى الحبيك المنطق تمنت بنو النجار جهلا لقاءنا … لدى جنب سلع والأماني تصدق فما راعهم بالشر إلا فجاءة … كراديس خيل في الأزمة تمرق أرادوا لكيما يستبيحوا قبابنا … ودون القباب اليوم ضرب محرق كأن رءوس الخزرجيين غدوة … لدى جنب سلع حنظل متفلق (٢) (الطويل) فأجابه كعب بن مالك فقال:

стр. 652

ألا أبلغا فهرًا على نأي دارها … وعندهم من علمنا اليوم مصدق بأنا غداة السفح من بطن يثرب … صبرنا ورايات المنية تخفق على عادة تلكم جرينا بصبرنا … وقدما لدى الغايات نجري فنسبق لنا حومة لا تستطاع يقودها … نبي أتى بالحق عف مصدق ألا هل أتى أفناء فهر بن مالك … مقطع أطراف وهام مفلق (الطويل) وقال حسان بن ثابت يرثي حمزة بن عبد المطلب، ﵁: دع عنك دارا قد عفا رسمها … وابك على حمزة ذي النائل أبيض في الذروة من هاشم … لم يمر دون الحق بالباطل مال شهيدا بين أسيافكم … شلت يدا وحشى من قاتل أظلمت الأرض لفقدانه … واسود نور القمر الناصل (١) كنا نرجى حمزة حرزا لنا … في كل أمر نابنا نازل لا تفرحي يا هند واستحلبي … دمعا وأذرى (٢) عبرة الثاكل وابكي (٣) على عتبة إذ قطه … بالسيف تحت الرهج الجائل إذ خرفى مشيخة منكم … من كل عات قلته جاهل أرداهم حمزة في أسره … يمشون تحت الحلق الفاضل غداة جبريل وزير له … نعم وزير الفارس الحامل (٤) (السريع) وقال كعب بن مالك يرثيه، ﵁:

стр. 653

ولقد هددت لفقد حمزة هَدَّة … ظلت بنات الجوف منها ترعد قرم (١) تمكن في ذؤابة هاشم … حيث النبوة والندى والسؤدد والعاقر الكوم الجلاّد إذا غدت … ريح يكاد الماء منها يجمد والتارك القرن الكميّ مجدلا … يوم الكريهة والقنا يتقصّد (٢) عم النبيّ محمّد صفيّه … ورد الحمام فطاب ذاك المورد ولقد أخال بذاك هندا (٣) بشّرت … لتميت داخل غصّة لا تبرد مما صبحنا بالعقنقل قومها … يوما تغيب فيه عنها الأسعد وببشر بدر إذ يرد وجوههم … جبريل تحت لوائنا ومحمد حتى رأيت لدى النبيّ سراتهم … قسمين: يقتل من نشاء ويطرد فأقام بالعطن (٤) المعطّن منهم … سبعون: عتبة منهم والأسود فأتاك فل المشركين كأنهم … والخيل تثفنهم (٥) نعام شرد شتّان من هو في جهنّم ثاويا … أبدًا ومن هو في الجانّ مخلّد (الطويل) وقال (عبد الله بن رواحة) (٦) ﵁: بكت عيني وحق لها بكاها … وما يغني البكاء ولا العويل على أسد الإله غداة قالوا … أحمزة ذاكم الرجل القتيل أصيب المسلمون به جميعًا … هناك وقد أصيب به الرسول أبا يعلى لك الأركان هدَّت … وأنت الماجد البرّ الوصول

стр. 654

عليك سلام ربك في جنان … مخالطها نعيم لا يزول ألا يا هاشم الأخيار صبرا … فكل فعالكم حسن جميل (الوافر) ثم غدرت (بنو (١)) النضير، وأرادت القاء حجر على رسول الله ﷺ وقد خرج يستغيثهم في ديتين، فاستعمل على (٢) المدينة ابن أم مكتوم، ثم سار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال، ونزل تحريم الخمر، ثم سألوا أن يكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، فخرجوا ونزلوا خيبر (٣)، ودان لهم أهلها. وكانت أموالهم ضاحية لرسول الله ﷺ يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف (٤)،

стр. 655

وأبا دجانة ذكرا له فقرا (١) فأعطاهما. ثم غزا بني المصطلق (٢). ثم غزا نجدًا يريد بني محارب (٣) وبني ثعلبة (٤) من غطفان. ثم نزل نخلا (٥)، ولقي جمعًا من غطفان، وتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا (٦)، حتى صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف الناس. وهي غزوة ذات الرقاع (٧)، قيل: سميت بذلك لأنهم رقعوا راياتهم، وقيل: لأنهم بلغوا شجرة هذا اسمها. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، لميعاد أبي سفيان المتقدم يوم أحد، فأقام ببدر ثماني (٨) ليال، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة (٩)، وقيل:

стр. 656

عسفان (١)، ثم بدا له في الرجوع. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة. جـ: غزوة الخندق (٢) ثم كانت غزوة الخندق في شعبان سنة خمس من الهجرة، وكان من خبرها أن نفرًا من يهود أتوا قريشًا ودعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، ثم أتو غطفان فدعوهم إلى ذلك، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، وخرج الحارث بن عوف في بني مرة، ومسعر (٣) بن رخيلة فيمن تابعه من أشجع (٤)، فضرب رسول الله ﷺ الخندق على المدينة، وعمل فيه بيده ترغيبًا للمسلمين، واعترضت كدية فأخذ المعول من سلمان الفارسي ﵁ فضربها ثلاث ضربات، تلمع كل واحدة، (و (٥)) زوى له فيها مشارق الأرض ومغاربها مما يبلغ ملك أمته. وأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال (٦) في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن

стр. 657

تبعهم من أهل نجد (حتى نزلوا (١)) بذنب نقمي (٢)، إلى جانب أحد. واستعمل رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم، وخرج في ثلاثة آلاف من المسلمين حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع (٣). ولم يزل حيي (بن (٤)) أخطب (٥) بكعب بن أسد القرظي يفتله في الذروة والغارب حتى نقض عهده، فعظم عند ذلك الخوف بالمسلمين، واشتد البلاء، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم. وأقام رسول الله ﷺ وأقام عليه المشركون قريب شهر، لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصار. وهم رسول الله ﷺ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة، فاستشار سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقالا: يا رسول الله أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: «بل شيءٌ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم إلى أمر ما»، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، وحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا، فقال له: «أنت وذاك». ثم إن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد (٦) ود تيمموا (٧) مكانًا ضيقًا

стр. 658

من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، وخرج أمير المؤمنين عليّ ﵇ في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة، ودعا عمرو بن ود للبراز (١) فبرز له علي ﵇ فقال عمرو بن ود: يا ابن أخي، والله ما أحب أن أقتلك، فقال له عليّ: والله ولكني أحب أن أقتلك، فحمي عمرو بن ود واقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ، وخرجت خيلهم منهزمة، وقال عليّ، ﵇: نصر الحجارة من سفاهة رأيه … ونصرت رب محمد بصوابي (٢) فصددت حين تركته متجدلا … كالجذع (٣) بين دكادك وروابي (٤) وعففت عن أثوابه ولو أنني … كنت المقطر بزني أثوابي (٥) (الكامل) وارتجز - يومئذ - سعد بن معاذ وهو يقول: لبث قليلا يشهد الهيجا جمل … لا بأس بالموت إذا حان الأجل (الرجز) وبينا الأمر مشتد بالنبي ﷺ وأصحابه أتاه نعيم بن مسعود الأشجعي (٦)،

стр. 659

وقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، ولم يعلم قومي بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال له رسول الله ﷺ : «خَذِّلْ عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة»، فخرج حتى أتى قريظة، ثم أتى قريشا، ثم أتى غطفان، فقال لكل قولا فرق ذات بينهم، وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم، فقال أبو سفيان: إنها ليست بدار مقام، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه، فوثب على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، فارتحلت قريش معه. فلما رأت غطفان رحيل قريش رحلوا هم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ووضعوا السلاح. فلما كانت الظهيرة، أتى جبريل رسول الله ﷺ معتجرا بعمامة من استبرق، على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: بل ما وضعت الملائكة السلاح، وما رجعت - الآن - إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد (١) إليهم فمزلزل بهم. فأذن مؤذن رسول الله ﷺ : من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلي العصر إلا ببني قريظة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وقدم عليا ﵇ برايته، ونزل رسول الله ﷺ بئر آني (٢)، وتلاحق به الناس، وحاصرهم خمسا

стр. 660

وعشرين ليلة، فقذف الله في قلوبهم الرعب، ثم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فقالت الأوس: يا رسول الله، موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت - وكان قد من (١) على بني قينقاع لسؤال عبد الله بن أبي - فيهم (٢) - فقال رسول الله ﷺ : «ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم (٣) رجل منكم؟» قالوا: بلى، قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ»، فأتاه قومه فحملوه على حمار وقد كان بجراحته، ثم أقبلوا يقولون له: أحسن إلى مواليك، فلما أكثروا قال: لقد آنَ (٤) لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فلما أنهى إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال: «قوموا إلى سيدكم»، فقاموا إليه، فقالوا: يا (أبا (٥)) عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم بما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من ها هنا في الناحية التي فيها رسول الله، ﷺ وهو معرض عنها إجلالًا له، فقال رسول الله ﷺ نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، فقال رسول الله ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة (٦)». فبعث رسول الله ﷺ فضرب أعناقهم، وهم نحو سبعمائة رجل، وقيل: أقل وأكثر، فيهم عدو الله حيي بن أخطب، وكعب بن أسد (٧) رأس القوم، ثم

стр. 661

انفجر بسعد (١) بن معاذ جرحه فمات منه شهيدًا؛ فقال رسول الله ﷺ : «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ»، وقالت أمه تبكيه: ويل أم سعد سعدا … صرامة وحدا وسؤددا ومجدا … وفارسا معدا سد به مسدا … (يقدا هاما قدا (٢)) (الرجز) فقال رسول الله ﷺ : «كل نائحة تكذب، إلا نائحة سعد بن معاذ». ثم استأذنت الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلام بن أبي الحقيق (٣)، وهو بخيبر، وكان مثل كعب بن الأشرف في عداوة الله ورسوله، فأذن لهم، فتحيلوا له فقتلوه، كقتل الأوس لابن الأشرف. وفي قتلهما يقول حسان: لله در عصابة لاقيتهم … يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم … مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم … فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم … مستصغرين لكل أمر مجحف (الكامل) ثم خرج رسول الله ﷺ على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان (٤)، لقتلهم أصحاب خبيب بن عدي (٥)، وأصحابه

стр. 662

يسمون (١) أصحاب الرجيع (٢)، وكانوا قد غدروا بهم، فتحصنوا بالجبال. ثم أغار عيينة بن حصن (٣) على لقاح رسول الله ﷺ وفيها رجل من غفار (٤) وامرأة (له (٥))، فقتلوا الرجل، واحتملوا المرأة واللقاح (٦). وأول من نذر بهم سلمة بن الأكوع (٧)، فلما نظر خيولهم أشرف في ناحية

стр. 663

سلع، ثم صرخ: واصباحاه، ثم خرج يشتد في آثارهم، وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى خذها (و (١)) أنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع. وبلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع، فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع، فترامت الخيول، وأولهم لحق برسول الله ﷺ المقداد بن الأسود ومعه الناس، واستنقذوا بعض اللقاح. وسار رسول الله ﷺ حتى نزل ذا قرد (٢)، ثم رجع بهم. وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة من السرح. ثم استعمل رسول الله ﷺ أبا ذر الغفاري (٣) (على المدينة (٤)) وغزا بني

стр. 664

المصطلق على ماء لهم، يقال له: المريسع (١)، فقتل من قتل منهم، ونفل أبناءهم ونساءهم. وفيها كان حديث الإفك، فطهر الله أهل بيت نبيه ﷺ وبرأ (عائشة (٢)) مما قالوا.

стр. 665

[الفصل الخامس صلح الحديبية وفتح مكة (١)] ثم استعمل رسول الله ﷺ على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي (٢)، وخرج معتمرًا لا يريد حربًا، وساق معه الهدى، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه، وليعلموا أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت، حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله، هذه قريش، قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل (٣)، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى (٤)، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم (٥)، فقال رسول الله ﷺ : «يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك

стр. 666

الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن (١) لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة». وعدل إلى الحديبية (٢) ولا ماء بها، فأخرج سهما من كنانته، فغرزه في قليب بها، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن (٣)، ونزل ناجية (٤) بها يميح الماء، فأقبلت جارية من الأنصار بدلوها، وارتجزت تقول: يأيها المائح دلوي دونكما … إني رأيت الناس يحمدونكا (يثنون خيرًا ويمجدونكا (٥)) (الرجز) فجعل ناجية يميح الماء ويرتجز، وهو يقول: قد علمت جارية يمانيه … أني أنا المائح واسمى ناجيه وطعنة ذات رشاش واهيه … طعنتها عند صدور العاديه (الرجز)

стр. 667

ثم أتى بديل بن ورقاء (١) في رجال من خزاعة فسألوا رسول الله ﷺ عما قدم له، فقال لهم نحو ما قال لبشر: فأتى قريشا فاتهموهم وجبهوهم. وأرسل رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁ إلى قريش، وأبطأ، فأرجف فيه، فبايع رسول الله ﷺ وقال (حين بلغه أن عثمان قد قتل (٢)): «لا نبرح حتى نناجزهم»، وهي بيعة الرضوان، قيل: بايعهم على الموت، وعلى أن لا يفروا. ثم لما كان بينهم الصلح قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه ثم عاد قافلا، فأنزل الله سورة الفتح مبشرة بفتح مكة. وقد ذكرت ذلك، ثم ما أعقبه من الفتح، فقلت: وبمكة في الموطنين كلاهما … سبقت مكارمه ذنوب جناتها في النوبة الأولى وقد أعطاهم … عهدًا بكف الريح عن هفواتها ووفى لهم في عهد مكة مثل ما … غدروا فأصلاهم على جمراتها والنوبة الأخرى أتاهم معلما … بكتائب طمت على شرفاتها جند مزلزل كل طود خيله … وتموج كالبحر في حركاتها غرست بأعلى مكة راياتها … ولوامع القران من آياتها وأتى ابن حرب نحوه مستأمنا … بأحسن طاعته على علاتها (الكامل) ثم خرج رسول الله ﷺ إلى خيبر، واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي، ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب ﵇ وكانت بيضاء، ولما أشرف عليها قال: «اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألكَ (٣) خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا

стр. 668

بسم الله»، قال أبو معتب: كان يقولها لكل قرية دخلها. وأتوهم صباحا، فقالوا (١): محمد والخميس (٢) (معه (٣)) وأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وتدنى رسول الله ﷺ الأموال، فأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنًا حصنًا. وخرج مَرْحَب اليهودي (٤) وهو من حمير، قد جمع سلاحه، وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرجب … شاكي (٥) السلاح بطل مجرب أطعن أحيانًا وحينًا أضرب … إذا الليوث أقبلت تحرب إن حماي للحمى لا يقرب (الرجز) وجال يقول: هل من مبارز؟ فأجابه كعب بن مالك: قد علمت خيبر أني كعب … مفرج الغَمى جَرئ صلب إذ شبت الحرب تلها (٦) الحرب … معي حسام كالعقيق عضب نطؤكم (٧) حتى يذل الصعب … نعطى (٨) الجزاء أو يفيء النهب بكف ماض ليس فيه عتب (الرجز)

стр. 669

فقال رسول الله ﷺ : «من لهذا؟» فقال محمد بن مسلمة: أنا له، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس - وكان قد قتل بها - فقال: «قم إليه، اللهم أعنه عليه»، فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر (١)، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه منها بسيفه ما دونه، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن، ثم حمل مرحب على ابن مسلمة فضربه، فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها، فعضت به فأمسكته (٢)، وضربه ابن مسلمة حتى قتله. ثم خرج أخو (٣) مرحب، فقتله الزبير بن العوام، ﵁. قال ابن الأثير الجزري (٤): وقيل: إن الذي قتل مرحبًا وأخذ الحصن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهو الأشهر والأصح. قال: كان رسول الله ﷺ ربما أخذته الشقيقة (٥) فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر ﵁ الراية، ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا، ثم رجع فأخذها عمر ﵁ فقاتل (٦) بها قتالًا أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: «أما (٧) (و (٨)) الله لأعطينها غدًا (رجلًا (٩)) يحب الله ورسوله ويحبه الله

стр. 670

ورسوله، يأخذها عنوة». وليس ثم (١) عليّ ﵇ كان قد تخلف بالمدينة لرمد فجاء حتى أناخ قريبا من خباء رسول الله ﷺ وهو أرمد، قد عصب عينيه، فقال له: «أدن مني»، فدنا منه، فتفل في عينيه فما وجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها وعليه حلة حمراء، فأتى خيبر، فأشرف عليه رجل من يهود فقال: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: غلبتم يا معشر يهود. وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني وحجر قد نقبه مثل البيضة، وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي (٢) السلاح بطل مجرب (الرجز) فقال علي، كرم الله وجهه: أنا الذي سمتني أمي حيدرة … أكيلكم بالسيف كيل السندره ليث بغابات شديد قسوره (الرجز) فاختلفا ضربتين، فبدره (٣) عليّ فضربه فقد الحجر ورأسه والمغفر حتى وقع في الأرض، وأخذ المدينة. عدنا إلى ما قاله ابن إسحاق، قال: وبعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، (فرجع ولم (٤)) يك فتح، ثم بعث من الغد عمر بن الخطاب (فرجع ولم (٥)) يك فتح، فقال رسول الله ﷺ : «لأعطين الراية غدا رجلًا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، ليس بفرار»، ودعا عليا - كرم الله وجهه
следующие страницы →