← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30188

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط عالم الكتب

ابن فضل الله العمري

Полный текст (715 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن (١) لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة». وعدل إلى الحديبية (٢) ولا ماء بها، فأخرج سهما من كنانته، فغرزه في قليب بها، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن (٣)، ونزل ناجية (٤) بها يميح الماء، فأقبلت جارية من الأنصار بدلوها، وارتجزت تقول: يأيها المائح دلوي دونكما … إني رأيت الناس يحمدونكا (يثنون خيرًا ويمجدونكا (٥)) (الرجز) فجعل ناجية يميح الماء ويرتجز، وهو يقول: قد علمت جارية يمانيه … أني أنا المائح واسمى ناجيه وطعنة ذات رشاش واهيه … طعنتها عند صدور العاديه (الرجز)

стр. 667

ثم أتى بديل بن ورقاء (١) في رجال من خزاعة فسألوا رسول الله ﷺ عما قدم له، فقال لهم نحو ما قال لبشر: فأتى قريشا فاتهموهم وجبهوهم. وأرسل رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁ إلى قريش، وأبطأ، فأرجف فيه، فبايع رسول الله ﷺ وقال (حين بلغه أن عثمان قد قتل (٢)): «لا نبرح حتى نناجزهم»، وهي بيعة الرضوان، قيل: بايعهم على الموت، وعلى أن لا يفروا. ثم لما كان بينهم الصلح قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه ثم عاد قافلا، فأنزل الله سورة الفتح مبشرة بفتح مكة. وقد ذكرت ذلك، ثم ما أعقبه من الفتح، فقلت: وبمكة في الموطنين كلاهما … سبقت مكارمه ذنوب جناتها في النوبة الأولى وقد أعطاهم … عهدًا بكف الريح عن هفواتها ووفى لهم في عهد مكة مثل ما … غدروا فأصلاهم على جمراتها والنوبة الأخرى أتاهم معلما … بكتائب طمت على شرفاتها جند مزلزل كل طود خيله … وتموج كالبحر في حركاتها غرست بأعلى مكة راياتها … ولوامع القران من آياتها وأتى ابن حرب نحوه مستأمنا … بأحسن طاعته على علاتها (الكامل) ثم خرج رسول الله ﷺ إلى خيبر، واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي، ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب ﵇ وكانت بيضاء، ولما أشرف عليها قال: «اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألكَ (٣) خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا

стр. 668

بسم الله»، قال أبو معتب: كان يقولها لكل قرية دخلها. وأتوهم صباحا، فقالوا (١): محمد والخميس (٢) (معه (٣)) وأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وتدنى رسول الله ﷺ الأموال، فأخذها مالا مالا، ويفتحها حصنًا حصنًا. وخرج مَرْحَب اليهودي (٤) وهو من حمير، قد جمع سلاحه، وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرجب … شاكي (٥) السلاح بطل مجرب أطعن أحيانًا وحينًا أضرب … إذا الليوث أقبلت تحرب إن حماي للحمى لا يقرب (الرجز) وجال يقول: هل من مبارز؟ فأجابه كعب بن مالك: قد علمت خيبر أني كعب … مفرج الغَمى جَرئ صلب إذ شبت الحرب تلها (٦) الحرب … معي حسام كالعقيق عضب نطؤكم (٧) حتى يذل الصعب … نعطى (٨) الجزاء أو يفيء النهب بكف ماض ليس فيه عتب (الرجز)

стр. 669

فقال رسول الله ﷺ : «من لهذا؟» فقال محمد بن مسلمة: أنا له، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس - وكان قد قتل بها - فقال: «قم إليه، اللهم أعنه عليه»، فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر (١)، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه منها بسيفه ما دونه، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم، ما فيها فنن، ثم حمل مرحب على ابن مسلمة فضربه، فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها، فعضت به فأمسكته (٢)، وضربه ابن مسلمة حتى قتله. ثم خرج أخو (٣) مرحب، فقتله الزبير بن العوام، ﵁. قال ابن الأثير الجزري (٤): وقيل: إن الذي قتل مرحبًا وأخذ الحصن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهو الأشهر والأصح. قال: كان رسول الله ﷺ ربما أخذته الشقيقة (٥) فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل خيبر أخذته فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر ﵁ الراية، ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا، ثم رجع فأخذها عمر ﵁ فقاتل (٦) بها قتالًا أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: «أما (٧) (و (٨)) الله لأعطينها غدًا (رجلًا (٩)) يحب الله ورسوله ويحبه الله

стр. 670

ورسوله، يأخذها عنوة». وليس ثم (١) عليّ ﵇ كان قد تخلف بالمدينة لرمد فجاء حتى أناخ قريبا من خباء رسول الله ﷺ وهو أرمد، قد عصب عينيه، فقال له: «أدن مني»، فدنا منه، فتفل في عينيه فما وجعها حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية فنهض بها وعليه حلة حمراء، فأتى خيبر، فأشرف عليه رجل من يهود فقال: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: غلبتم يا معشر يهود. وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني وحجر قد نقبه مثل البيضة، وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب … شاكي (٢) السلاح بطل مجرب (الرجز) فقال علي، كرم الله وجهه: أنا الذي سمتني أمي حيدرة … أكيلكم بالسيف كيل السندره ليث بغابات شديد قسوره (الرجز) فاختلفا ضربتين، فبدره (٣) عليّ فضربه فقد الحجر ورأسه والمغفر حتى وقع في الأرض، وأخذ المدينة. عدنا إلى ما قاله ابن إسحاق، قال: وبعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، (فرجع ولم (٤)) يك فتح، ثم بعث من الغد عمر بن الخطاب (فرجع ولم (٥)) يك فتح، فقال رسول الله ﷺ : «لأعطين الراية غدا رجلًا يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، ليس بفرار»، ودعا عليا - كرم الله وجهه

стр. 671

- وهو أرمد، فتفل في عينيه، ثم قال: «خذ هذه الراية، وامض بها (حتى (١)) يفتح الله عليك»، فخرج بها يأنح (٢)، يهرول هرولة، حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن، وقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم، وما أنزل على موسى أو كما قال، وخرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه، فتناول بابا فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله على يديه، ثم ألقاه من يده. قال سلمة بن الأكوع: فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك (٣) الباب فما نقلبه. وفي ذلك قلت: وخيبر لما أبى صعبها … على بها ليل وفرسان دعا عليا نحوها مسرعا … فروع الكفر بإيمان ناوله في غديه راية … مدت لها آمال أقران كان علي دونهم كفؤها … والكل كفؤها دم بان فاقتلع الباب ووافي بحمـ … ـل شجعا في أشلاء شجعان رمى بباب العلم بابا لها … فلم تعد دارا لسكان فارس صفين فكم موقف … منه زلزل صفان أخو نبي الله طوبى له … ما مثلها نسبة أخوان هو ابن عم المصطفى أحمد … وصهره منه له ابنان فالمصطفى في فضله أول … ثم أخوه بعده الثاني (السريع)

стр. 672

وقلت: لم تكن خيبر لغير رسول اللـ … ـه تختا (ر (١)) ريعها المأنوس مذ أتاها وزال من كان فيها … جاء سعد لها وولت نحوس وأتاها مع النبي علي … مقبلا كالخميس حيث يقيس جاءها واحد يعد بألف … فتداعوا: محمد والخميس (الخفيف) ومن سبى بني الحقيق بها أصيبت صفية بنت حيي، فاصطفاها رسول الله ﷺ فكانت إحدى (٢) أزواجه الطاهرات، ﵅. وفيها نهى رسول الله ﷺ عن أربع: عن إتيان النساء الحبالى (من السبايا (٣))، وعن أكل الحمار الأهلي، وعن (أكل (٤)) كل ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تقسم. وسأل أهل خيبر رسول الله ﷺ أن يعاملهم في الأموال، فصالحهم على النصف، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، وصالحه أهل فدك (٥) على ذلك، فكانت خيبر فيئا بين المسلمين، وفدك خالصة لرسول الله ﷺ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. وقسم رسول الله ﷺ سهمه وسهامهم، فقدم عليه يوم فتحها جعفر بن

стр. 673

أبي طالب، فقبل بين عينيه، وقال: «والله ما أدري بأيهما أنا أسرُ، بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟». ولما اطمأن رسول الله ﷺ أهدت إليه زينب بنت الحارث اليهودية (١)، شاة مصلية، سألت: أي عضو من الشاة أحب إليه؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها فوضعتها بين يدي رسول الله ﷺ (و (٢)) تناول الذراع فلاك منها مضغه فلم يسغها، ومعه بشر (٣) بن البراء قد أخذ منها فأساع، فقال رسول الله ﷺ : «إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم»، ثم دعا بها، فاعترفت، فتجاوز عنها، ومات بشر من أكلته التي أكل. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى وادي القرى (٤)، محاصرًا أهله (٥)، فحاصره ليالٍ، ثم انصرف راجعا إلى المدينة. ثم خرج رسول الله ﷺ في ذي القعدة، في مثل الشهر الذي صده

стр. 674

المشركون عن العمرة معتمرًا، واستعمل على المدينة عويف (١) بن الأضبط الديلي (٢). ودخل مكة في تلك العمرة، وتحدثت (٣) سادة قريش أنهم نهكتهم حمى يثرب فقال ﷺ : «رحم الله من أراهم من نفسه قوة»، وهرول بهم في الطواف. وأنزل الله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (١٩٤: البقرة). وأقام بمكة ثلاث ليال، وبعثوا إليه: أن أخرج عنا، فقد انقضى أجلك، فعاد. ثم بعث بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤته (٤)، وأمر عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة (٥) على الناس».

стр. 675

وودع ابن رواحة رسول الله ﷺ ثم قال: أنت الرسول فمن يحرم نوافله … والوجه منه فقد أزرى به القدر فثبت الله ما آتاك من حسن … في المرسلين ونصرا (١) كالذي نصروا إني تفرست فيك الخير نافلة … فراسة خالفت فيك الذي نظروا (البسيط) وانطلقوا وابن رواحة يرتجز لزيد بن حارثة: يا زيد (زيد (٢)) اليعملات الذبل … تطاول الليل (٣) هديت فانزل (الرجز) حتى إذا كان بتخوم البلقاء (٤) وافتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية «مشارف» (٥)، وانحاز المسلمون إلى قرية مؤتة، ثم قتل زيد، ثم جعفر، ثم ابن

стр. 676

رواحة، ثم اصطلح الناس على خالد، وفتح الله عليه. وأخبر رسول الله ﷺ بموت الثلاثة وهو بالمدينة في يومه ذلك. وقال قيس بن المسحر اليعمري (١) يصف الوقعة: ووالله لا تنفك نفسي تلومني … على موقفي والخيل قابعة قبل وقفت بها لا مستجيرًا فنافذًا … ولا مانعا من كان حم (٢) له القتل على أنني (٣) آسيت نفسي بخالد … ألا خالد في القوم ليس له مثل وجاشت إلى النفس من نحو جعفر … بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل وضم إلينا حجزتيهم كليهما … مهاجرة لا مشركون ولا عزل (الطويل) وقال حسان بن ثابت يبكي جعفرًا ومن معه: تأوبني ليل بيثرب أعسر … وهم إذا ما نوم الناس مسهرا لذكرى حبيب هيجت لي عبرة … سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى، إن فقدان الحبيب بلية … وكم من كريم يبتلي ثم يصبر فلا يبعدن الله قتلي (٤) تتابعوا … بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر أغر كضوء البدر من آل هاشم … أبي إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير موسد … بمعترك فيه قنا متكسر وكنا نرى في جعفر من محمد … وفاء وأمرًا حازمًا حين يأمر ومازال في الإسلام من آل هاشم … دعائم عز ولايزلن ومفخر بهاليل منهم جعفر وابن أمه … علي ومنهم (أحمد المتخير

стр. 677

وحمزة والعباس منهم ومنهم (١) … عَقيل وماءُ العود من حيث يعصر هم أولياءُ الله أنزل حُكمَه … عليهم، وفيهم ذا الكتاب المطهر (الطويل) ثم تظاهر بنو بكر (٢) وقريش على بني خزاعة (٣)، وكانوا في عهد رسول الله ﷺ فخرج عمرو بن سالم (٤) - أحد بني كعب - حتى وقف برسول الله ﷺ وهو جالس بالمسجد، فقال: يا ربِّ إني ناشد محمدًا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنت ولدا وكنا والدًا (٥) … ثمت (٦) أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا أعتدا … وادع عباد الله يأتوا مددًا فيهم رسول الله قد تجردا … إن سيم خسفا وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا … إن قريشا أخلفوك الموعدا

стр. 678

ونقضوا ميثاقك المؤكدا … (وجعلوا في كداء رصدا (١)) وزعموا أن لست أدعو أحدا … وهم أذل (٢) وأقل عددا هم بيتونا بالوتير (٣) هجدا … وقتلونا ركعا وسجدا (الرجز) فقال له رسول الله ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم»، ثم عرض عنان من السماء، فقال رسول الله ﷺ : «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب (٤)». ثم أتى بديل بن ورقاء (٥) في نفر من خزاعة فأخبروه بما أصيب منهم، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، فقال ﷺ : «كأنكم بأبي سفيان قد جاء يشد العقد»، وأتى أبو سفيان المدينة، فدخل المدينة على ابنته أم حبيبة (٦)، فلما

стр. 679

ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر. ثم خرج فأتى رسول الله ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئًا، فأتى أبا بكر ليكلم رسول الله ﷺ فقال: ما أنا بفاعل، فأتى عمر بن الخطاب، فقال: أنا أشفع؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به، فأتى عليا وعنده فاطمة والحسن يدب بين يديهما، فقال: يا عليّ إنك أمس القوم بي (١) رحمًا، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبًا، فاشفع إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه،

стр. 680

فالتفت إلى فاطمة ﵍ وقال لها: يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذاك، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت عليّ، فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أفتري ذلك مغنيا عني؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم على قريش قالوا له: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله ما رد عليّ شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليًا فوجدته ألين القوم، وقد أشار عليّ بشيء صنعته، وذكر ما كان؛ قالوا: فهل أجاز ذلك لك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك، والله إن زاد الرجل أن لعب بك. وأعلم رسول الله ﷺ أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجهاز، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها». وقال حسان، ﵁: عناني ولم أشهد ببطحاء مكة … رجال بني كعب تحز رقابها بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم … وقتلى كثير لم تجن ثيابها (الطويل) ثم استخلف على المدينة كلثوم بن حصين الغفاري (١)، وخرج لعشر مضين من

стр. 681

رمضان فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان بين عسفان وأمج (١) أفطر. ثم مضى في عشرة آلاف من المسلمين، وقد عميت الأخبار عن قريش، وخرج تلك الليالي أبو سفيان بن (٢) حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الأخبار، وكان العباس بن المطلب ببعض الطريق قد لقيه بالجحفة مهاجرًا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ راض عنه. قال العباس: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بمر الظهران قلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ فخرجت عليها حتى جئت الأراك (٣)، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه، قال: فوالله إني لأسير عليها إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما (٤) يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا (٥)، قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها

стр. 682

وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم، قال: مالك؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله واستأمنه لك، قال: فركب خلفي، ورجع صاحباه، قال: فجئت به كلما مر على نار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت (١) بنار عمر بن الخطاب، وقال: من هذا؟ وقام إليَّ، فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال (٢): أبو سفيان عدو الله، الحمد (٣) الله الذي أمكن (منك (٤)) بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ وركضت البغلة فتبعته، قال: فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عليه عمر، وقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه، وقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه، قال: قلت: مهلا يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هكذا، ولكن قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : «اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به». قال: فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟» قال: بأبي

стр. 683

أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، (والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد، قال: «ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك (١))، أما هذه فتالله فإن في النفس (منها (٢)) حتى الآن شيئا، فقال العباس: ويحك، أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق وأسلم. قال العباس: قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئًا، قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن»، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : «يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها». قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي، حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه. قال: ومرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: يا عباس، من هذه؟ فأقول: سليم، فيقول: مالي ولسليم، ثم تمر به القبيلة فيقول: يا عباس، من هؤلاء؟ فأقول: مزينة (٣)، فيقول: مالي ولمزينة، حتى نفدت القبائل، ما تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته بها قال: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون الأولون، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله، يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال: قلت: يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذًا. قال: قلت: النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر

стр. 684

قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل (لكم به (١))، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا الحميت (٢) الدسم (٣) الأحمس (٤)، قبح من طليعة قوم. قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك (الله (٥)) وما تغني دارك؟ قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم (٦) وإلى المسجد. قلت: وفي الفتح وإسلام أبي سفيان قلت: قدام مكة في جنود ولم تزل … ظلل الغمام عليه من أفيائها عقدت على أجياد أجناد بها … خيلا مسومة تسوم غلائها خيلا كعقبان الطيور وإنما … قد سميت بالخيل من خيلائها حطت شعوب جنوده بشعابها … دهمت كتائبه على بطحائها وأرى جحاجحه بها أبطاله … فارتاع رايتها بحسن روائها فأتى ابن حرب مسلما مستسلما … وأثابه فخرا على اتيانها (الكامل) ثم لما انتهى رسول الله ﷺ إلى ذي طوى (٧)، ووقف على راحلته معتجرًا (٨) بشقة برد حبرة حمراء، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما

стр. 685

أكرمه الله به من الفتح، (حتى (١)) إن عثنونه ليكاد يمس وسط الرحل. وفرق جيشه، أمر الزبير بن العوام - وكان في المجنبة اليسرى - أن يدخل من كداء (٢)، وأمر خالد بن الوليد فدخل من الليط (٣)، أسفل مكة - وكان على المجنبة اليمنى - وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كداء، فقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، فبلغ رسول الله ﷺ قوله، فقال لعليّ ﵇: ادركه وخذ الراية، وكن أنت تدخل بها، وأمر أبا عبيدة بن الجراح ينصب لمكة بين يديه، وأتى رسول الله ﷺ حتى نزل بأعلى مكة، وضرب هنالك قبة. وأمر رسول الله ﷺ أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا نفرًا سماهم، أمر بأن يقتلوا وإن وجدوا تحت أستار الكعبة. وكان صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو قد جمعوا ناسًا ليقاتلوا، وكان حماس بن قيس (٤)، أخو بني بكر، يعد سلاحا، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لهم بشيء، قال: والله إني لأرجو أن نخدمك بعضهم، ثم قال: إن يقبلوا اليوم فما لي علة … هذا سلاح كامل وآلة وذو غرارين سريع السلة (الرجز) ثم شهد الخندمة (٥) مع صفوان ومن معه، فناوشوا أصحاب خالد القتال (٦)،

стр. 686

فقتل كرز بن جابر المحاربي (١) ومعه أناس، ثم انهزم المشركون، وبلغ حماس امرأته ثم قال: أغلقي عليّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ أين الخادم؟ تستهزئ به، فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمه … إذ فر صفوان وفر عكرمه (و (٢)) أبو يزيد قائم كالموتمه (٣) … واستقبلتهم بالسيوف المسلمه يقطعن كل ساعد وجمجمه … ضربا فلا يسمع ألا غمغمه لهم نهيت (٤) خلفنا وهمهمه … لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه (الرجز) ثم لما نزل رسول الله ﷺ بمكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد، فقام رسول الله ﷺ على باب الكعبة، فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتل الخطأ شبه العمد بالسوط (٥) والعصا ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في

стр. 687

بطونها أولادها. يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب»، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ (١٣: الحجرات)، ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟» قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجامة مع السقاية، صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : «أين عثمان بن طلحة؟» فدعى له، فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء». وقال لعليّ كرم الله وجهه: «إنما أعطيكم ما تُرزءون لا ما ترزءون». ودخل ﵇ البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم مصورًا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام، ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦٧: آل عمران)، ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. ولما دخل الكعبة أمر بلالا أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام (١) جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدًا ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم (٢) أنه محق لأتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى (٣)، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: لقد علمت الذي قلتم، ثم ذكر

стр. 688

لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك لرسول الله، والله ما أطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. ثم خطب رسول الله ﷺ الناس - فقال: «يا أيها الناس، إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرًا، لا تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل إلا هذه الساعة غضبًا على أهلها. ألا، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فمن قال لكم: إن رسول الله ﷺ قاتل فيها فقولوا له: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم». وقام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي ﷺ : «معاذ الله، المحيا محياكم و (الممات (١)) مماتكم». وقال حسان بن ثابت في الفتح: عفت ذات (٢) الأصابع (٣) فالجواء … إلى عذراء (٤) منزلها خلاء ديار من بني الحسحاس (٥) قفر … تعفيها الروامس والسماء (٦) وكانت لا يزال بها أنيس … خلال مروجها نعم وشاء (٧)

стр. 689

فدع هذا، ولكن من لطيف (١) … يؤرقني إذا ذهب العشاء (٢) لشعثاء (٣) التي قد تيمته … فليس لقلبه منها شفاء كأن (٤) خبيئة من بيت رأس … يكون مزاجها عسل وماء ونشربها فنتركنا ملوكا … وأسدا ما ينهنهنا اللقاء عدمنا خيلنا إن لم تروها … تثير النقع موعدها كداء ينازعن الأعنة (٥) مصغيات … على أكتافها الأسل الظماء تظل جيادنا متمطرات … يلطمهن بالخمر النساء فإما تعرضوا عنا اعتمرنا … وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لجلاد يوم … يعين الله فيه من يشاء وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء لنا في كل يوم من معد … سباب أو قتال أو هجاء فنحكم (٦) بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدماء ألا أبلغ أبا سفيان عني … مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا … وعبد الدار سادتها (٧) الإماء هجوت محمدًا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء أمن يهجو رسول الله منكم … ويمدحه وينصره سواء؟ فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء

стр. 690

لساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدره الدلاء (الوافر) ثم بعث رسول الله ﷺ حول مكة السرايا تدعوا إلى الله تعالى، ولم يأمرهم بقتال، وممن بعث خالد بن الوليد بأسفل تهامة داعيا لا مقاتلا، فوطئ بني جذيمة (١)، فأصاب منهم. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، ثم بعث عليًا ﵇ بمال يودي الدماء وما أصيب من الأموال، حتى إنه ليودي لهم ميلغة الكلب، ثم أعطاهم ما فضل معه من المال احتياطا لرسول الله ﷺ ثم رجع فأخبر رسول الله ﷺ الخبر، فقال: «أصبت وأحسنت». ثم بعث رسول الله ﷺ خالدا إلى العزى (٢)، وكانت بيتا بنخلة تعظمه قريش وكنانة (ومضر (٣)) كلها، فهدمها.

стр. 691

[الفصل السادس غزوة حنين] (١) ثم كانت غزوة حنينٍ (٢)، ومن خبرها أنه لما سمعت هوازن (٣) بما فتح الله على رسول الله ﷺ جمعها مالك بن عوف، واجتمعت إليه ثقيف ونصر وجشم، وفيهم دريد بن الصمة، شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وفي بني مالك (٤) ذو الخمار، سبيع بن الحارث، وأخوه أحمر بن الحارث، وسعد بن بكر، وقيل: من بني هلال، وجماع أمر الناس إلى مالك (٥) بن عوف، فلما أجمع السير إلى رسول الله ﷺ حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به، فلما نزل قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس (٦)، قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، مالي أسمع زغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك، ودعى

стр. 692

له، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس (١) أموالهم. ونساءهم وأبناءهم. قال: (ولم ذاك؟ قال (٢):) أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فانقض به، ثم قال: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك، ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب (ولا كلاب (٣))، ولوددت أنكم فعلتم (ما فعلت (٤)) كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك (٥) الجذعان من عامر، لا ينفعان ولا يضران، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، أرفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم، فم ألق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعني يا معشر هوازن أو لا تكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، قالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني: يا ليتني فيها جذع … أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع … كأنها شاة صدع (الرجز)

стр. 693

ثم قال مالك (١): إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد، وإن مالك (٢) بن عوف بعث عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بلق، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى (على (٣)) ما يريد. وبعث رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد الأموي على مكة، وخرج في إثني عشر ألفًا ممن كان معه ممن أسلم من أهل مكة. قال الحارث بن مالك (٤): خرجنا ونحن حديثو عهد بالجاهلية، إلى حنين، وكانت للكفار شجرة عظيمة خضراء، يقال لها: ذات أنواط يأتونها في كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يومًا، فرأينا سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١٣٨: الأعراف). ثم مضوا حتى أتوا في عماية الصبح وادي حنين، وكان القوم قد سبقوهم إلى الوادي، وكمنوا في شعابه، وتهيئوا. قال جابر بن عبد الله (٥): فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا

стр. 694

علينا شدة رجل واحد، وانشمر (١) الناس راجعين لا يلوى أحد على أحد. وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم قال: «أيها الناس، هلموا إليَّ، أنا رسول الله (٢)، أنا محمد بن عبد الله». قال: فلا شيء، حملت (٣) الإِبل بعضها على بعض، فانطلق الناس، إلا أنه بقي مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس. ولما انهزم الناس، ورأى ذلك من كان من جفاة مكة معه ﵇ تكلم رجال بما في نفوسهم، قال أبو سفيان (بن (٤)) حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته، وقال شيبة بن عثمان (٥): اليوم أدرك ثأري، وكان أبوه قتل بأحد، اليوم أقتل محمدًا، قال: فأردت به لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، وعلمت أنه ممنوع مني، وارتجز مالك (٦) بن عوف يقول: (أقدم محاج أنه يوم نكر (٧)) … مثلي على مثلك يحمي ويكر (إذا أضيع الصف يومًا والدبر … ثم احزألت زمر بعد زمر كتائب يكل فيهن البصرَ (٨)) … قد أطعن الطعنةَ تقذى بالسير

стр. 695

(حين يذم المستكين المنجحر (١)) … وأطعن النجلاء تعوي وتهر لها (٢) من الخوف رشاش منهمر … تفهق تارات وحينا تنفجر (قد نفد الضرس وقد طال العمر (٣)) … قد علم البيض الطويلات الخمر أني في أمثالها غير غمر … إذ تخرج الحاصن من تحت الستر (الرجز) قال العباس بن عبد المطلب: إني لمع رسول الله ﷺ آخذ بحكمة (٤) بغلته البيضاء، قد شجرتها بها، وكنت امرأ جسيمًا شديد الصوت، فقال: يا عباس، أصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر (أصحاب (٥)) السمرة (٦). قال: فأجابوا: لبيك لبيك، قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، ويؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ حتى إذا اجتمع منهم مائة، استقبلهم الناس، فاقتتلوا، فكانت الدعوى: يا للأنصار، ثم كانت: يا للخزرج، وكانوا صبرًا عند الحرب. وقال رسول الله ﷺ : «الآن حمى الوطيس»، وهو أول من قالها. فلما رأى شدة القتال قال: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب (الرجز) ثم قال لبغلته دلدل: البدي دلدل (٧)، فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ

стр. 696

حفنة من التراب فرمى بها في وجوههم، فكانت الهزيمة، فما رجع المسلمون إلا والأسرى في الحبال عنده. وقيل: بل أقبل شيء أسود من السماء مثل البجاد (١)، حتى سقط بين القوم، فإذا نمل أسود مبثوث، فكانت الهزيمة. ذكر هذا ابن الأثير (٢). وقال ابن إسحاق: إنه عند تراجع المسلمين حمل عَليّ ﵇ على صاحب راية القوم وهو ذو الخمار، فضرب عرقوبي جمله، فوقع على عجزه، ووثب معه رجل أنصاري فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فوقع عن (٣) رحله، فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله ﷺ . والتفت رسول الله ﷺ إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن صبر - يومئذ - معه، وهو آخذ بثفر بغلته، فقال: «من هذا؟» قال: ابن أمك يا رسول الله. والتفت فرأى أم سليم بنت ملحان (٤)، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي

стр. 697

حازمة وسطها ببرد، وهي حامل، ومعها جمل أبي طلحة، قد خشيت أن يعرها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها (١) في خزامته (٢) مع الخطام، فقال رسول الله ﷺ : «أم سليم؟» قالت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله ﷺ : «أو يكفي الله يا أم سليم». قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر (الذي) معك يا أم سليم؟ قالت: أخذته، إذا دنا مني أحد من المشركين بعجته (به (٣))، قال أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم الرميصاء (٤). وعن جبير بن مطعم (٥) قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل

стр. 698

البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشكَّ أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم. وقال العباس بن مرداس (١): شهدن (٢) مع النبي مسومات … حنينا وهي دامية الكلام (٣) ووقعة خالد شهدت وجرت (٤) … سنابكهن بالبلد الحرام نعرض للسيوف إذا التقينا … صدورًا ما تعرض للطعام (٥) (الوافر) وهذا يوم ذكرته في كلمة لي، منها: نبي ملحمة في كل يوم وغي … نبي مرحمة في كل ملتمس لما أتته جموع الحمس جائشة … رماهم رجال مثلهم حمس في كل موقف حرب لا بسيط له … غير الدماء ولا طود سوى فرس غطى العجاج به وجه السماء ضحى … فما استبان وخلى كل ملبس خافوا السقوط فألقوا من رءوسهم … ما شد رحو تراب تحتهم دنس فاستنقذ الدين من أنياب عادية … يسطو بمنتهش بابا ومنتهس

стр. 699

وقائعا في العدى كان الفرار بها … في رأي وقحهم أوقى من الترس وفي حنين له نصر تداركه … أدنى إلى النفس في أدنى من النفس أصاب لما رأى بالتراب جمعهم … رقاب مدرع منهم ومترس وأشغل السيف في هاماتهم فحثت … بالقتل أنفاسهم والسيف كالقبس وصب في الأرض من منصب جدوله … ما طهر الأرض من شرك ومن نجس بيض ينقى بها ما كان من دنس … إن البياض قليل الحمل للدنس قتل وأسر وتشريد ورعب حسا … وموت غبن به عادوا على السدس ولم يعد بالهدى إفكا لمختلق … ولم يدع بالردى كفا لمختلس فاق النبيين في علياء قدرهم … بخمسه بعضها التحليل للخمس يوم من الفتح لولاه لما اتصلت … أيام أصحابه في الروم والفرس (البسيط) ولما انهزمت تبعت خيل رسول الله ﷺ من توجه نحو نخلة، فأدرك ربيعة (١) بن رفيع - وكان يقال له: ابن الدغنة - فيها دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه في شجار له، فإذا برجل، فأناخ به، فإذا شيخ كبير، وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال دريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئًا، قال: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخر الجمل، ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب والله

стр. 700

يوم (١) قد منعت به نساءك. فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع فكشف، فإذا عجانه (٢) وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل إعراء، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًا. فقالت عمرة بنت دريد تبكيه: قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا … فظل دمعي على السربال ينحدر لولا الذي قهر الأقوام كلهم … رأت سليم وكعب كيف تأتمر إذن لصبحهم غبا وظاهره … حيث استقرت نواهم جحفل ذفر (البسيط) وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري (٣)، فأدرك من انهزم، فناوشوه القتال، فرمى أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري (٤) - وهو ابن عمه - وقاتلهم، ففتح الله عليه.

стр. 701

وخرج مالك (١) بن عوف عند الهزيمة فوقف في (٢) فوارس عند ثنية من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم ويلحق إخوانكم، فوقف هناك حتى مضى من كان لحق بهم. وأتت الشيماءُ (٣) أخت رسول الله ﷺ من الرضاعةِ، فبسط لها رداءَهُ، وأجلسَها عليه، وخيرها، وقال لها: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت، قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها وردها، ورد على هوازن (سباياهم (٤)) على ما نذكره. وفي ذلك قلت من كلمة مطولة، منها: أفاض من أجفانه المدامعا … تذكاره بالسفح (٥) طيبا رائعا وبالحمى من لا أبوح باسمه … ضنانة أن يلج المسامعا وفيت إذ عاهدته على الهدى … وما وفي وعهد عهدينا معا

стр. 702

حفظت من عهودي نظير ما … أصبح من عهدي لديه ضائعا يا للرجال في مصاب عاشق … أصاب في الحب حبيبا نازعا آلمه أن الذي واصله … أضحى لأسباب الوصل قاطعا متيم ليس يخف ما به … حتى يرى بالسفح برقا لامعا ويجتلي من طيبه نور هدى … أضحى بآفاق النبي ساطعا أكرم من أسدى الجميل لامرء … لا دونه وقلد الصنائعا لما أتاه الوفد من هوازن … يسأله للأهل ردا جامعا جاد بشيء لم يجد بمثله … مالا وسبيا عظيما منافعا عفا ورد سبيهم جميعه … منا وجودا في الندى تتابعا سل أخته من الرضاع إذ أتت … تسأله ماذا رأته صانعا (الرجز) وكان من خبر رده على هوازن، أنه لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة جاءه وفد هوازن، فسألوا (١) رسول الله ﷺ أن يمن عليهم فيما أخذ منهم، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا، من الله عليك، وقام رجل من هوازن، أحد بني سعد بن بكر، يقال له: زهير، يكنى بأبي صرد، فقال: يا رسول الله، إنما (٢) في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي (٣) كن يكفلنك (٤)، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر (٥)، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين. فقال رسول الله ﷺ : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم

стр. 703

(أم (١)) أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا، فقال: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله ﷺ في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم»، فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ : «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم»، وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله، فقال الأقرع (٢) بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن (٣): أما أنا وبنو فزارة فلا، فقال عباس بن مرداس (٤): أما أنا وبنو سليم فلا،

стр. 704

قالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، فقال عباس لهم: وهنتموني، فقال رسول الله ﷺ : «أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبى أصيبه، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم». وما سقنا هذا هنا إلا ليرتبط حديث هوازن بعضه ببعض. ثم إن رسول الله ﷺ خرج من حنين يريد الطائف ولم يهن أمره. ثم كان ما وعد الله به نبيه ﷺ من إظهار أمره، وإعلاء جده، ونصر جنده، وتأييد ما جاء به، فكاتبته (١) الملوك، وتوالت إليه الوفود، وبعث السرايا. ثم غزا غزوة تبوك، وأعلم الناس بها لكي يتأهبوا لها، لبعد شقتها، وشدة الحر، وجدب البلاء، وكان قبل ذلك يكنى ويخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له. وضرب عسكره على ثنية الوداع، واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري (٢)، ومضى رسول الله ﷺ قاصدًا إلى تبوك.

стр. 705

ولما انتهى إليها أتاه يحنة بن رؤبة (١) - صاحب أيلة (٢) - فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية. وأقام رسول الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة لم يتجاوزها، ثم انصرف قافلًا إلى المدينة، بعد أن بنى بتبوك مسجدًا، وقدم المدينة في رمضان. ووفدت عليه ثقيف، وبنو عامر، وغيرهم، من العرب، وانتشر الإسلام، وظهر، وكثر الإيمان، واشتهر، وذل كل معاند بعد أن تولى بجانبه وكفر بالبراهين (٣) القاطعة والآيات الساطعة، والحجة البالغة، والأدلة الدامغة، وجاهد ﷺ في الله حق جهاده، وهدى إلى دينه الحنيفي من اهتدى من عباده.
следующие страницы →