← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بِقِيعَةٍ﴾ (١) لم يجده شيئًا وأن الذي انتقل إليه وجد الله عنده وأنهضه من موالاتنا بما حتم به النهوض على من كان مسلمًا، وأخرجه بنور الهدى من عداد أعدائه الذين تركهم خوفنا ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ (٢) وأراه الرشد ما علم به أن الله تعالى أورثنا ملك الإسلام، فبطاعتنا يتم الإنتماء إليه، وأعطانا مقاليد البسيطة، فمن اغتصب منها شيئًا انتزعه الله بجنوده المسومة من يديه فلجأ من أبوابنا العالية إلى الظل الذي يلجأ إليه كل ذي منبر وسرير ورجا من كرمنا الاعتصام بجيوشنا التي ما رمينا بها عدوًا إلا ظن أن الرمال تسيل والجبال تسير، وتحيّز منا إلى فئة الإسلام، وانتصر بسيوفنا التي هي يعلم كيف نسلها على الأحلام، ومن إلينا بذمة الإسلام وهي أبر الذمم وطلب تقليده الحكم منا من معادنه إذ أرته النظرات الصادقة؛ أنه كان (يحسب الشحم فيمن شحمه ورم)، وعقد بنا رجاءه، وهل لمسلم عن ملك الإسلام من معدل؟ وأنزل بنا كتائب آماله وهل بعد رامة لمرام من منزل فتلقت نعمنا كرائم قصده بالترحيب، وأحلت وفادة انتمائه بحرمنا الذي شأوه بعيد ونصره قريب، وتسارعت إلى نصرته جنودنا التي هي مشهورة في عدوها وآثارها مشكورة في رواحها وغدوها، وأعلامها منصورة في انتزاحها ودونوها، وتوالت يتابع بعضها بعضًا تتابع الغمام المتراكم والموج المتلاطم تقدم عليه بالنصر القريب من الأمد البعيد، وتعلم بوادرها أن طلائعها عندها وباقيها بالصعيد، ولما كان فلان هو الذي أراد الله به من الخير ما أراد ووطد له بعنايته أركان الرشاد، وشاد وجعل له بعد الجهل به علمًا وتداركه برحمته فما أمسى للإسلام عدوًا حتى أصبح هو ومن معه سلمًا ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (٣)، وبكرمه العميم فليستفتحوا صدورهم ويشرحوا، وبإرشاده الجلي وهدي نبيه، فليدعوا قومهم إلى ذلك، وينصحوا، وحين وضحت له هذه الطرق أرشدته من خدمتنا الشريفة إلى الطاعة، ودلته على موالاة ملك الإسلام التي من لم يتمسك بها فقد فارق الجماعة، فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله ﷺ بطاعة أولي الأمر، وحث على ملازمة الجماعة في وقت يكون التمسك فيه بدينه

стр. 1017

«كالقابض على الجمر» (١) وهذا فعل من أراد الله به خيرًا، وسعي من يحسن في دين الله سيرة وسيرا، ولذلك اقتضت آراؤنا الشريفة إمضاء عزمه على الجهاد بالإنجاد وإنفاذ سهمه في أهل العناد بالإسعاف والإسعاد، وأرسلنا الجيوش كما تقدم شرحه يطأون الصحاح ويستقربون المدى النازح، ويأخذون كل كمي فلو استطاع السماك لم يتسم بالرامح، ويحتسبون النفقة في طلب علو الإسلام علمًا أنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٢)، فرسم بالأمر الشريف لا زال يهب الدول، ويقلّد أجياد العظماء ما تود لو تحلت ببعض فرائده تيجان الملوك الأول أن يفوض إليه نيابة المملكة الرومية تفويضًا يصون قلاعها ويصول به على من حاول انتزاعها من يده واقتلاعها ويجريها على ما ألفت ممالكنا من أمن لا يروّع سربه ولا يكدر شربه، ولا يوجد فيه باغ يخاف السبيل بسببه ولا من يجرد سيف بغي، وإن جرده قتل به، وليحفظ من الأطراف ما استودعه وهذا التقليد حفظه، وليعمل في قتال مجاوريه من العدا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (٣) وليعلم أن جيوشنا في المسير إليه متى قصد عدوًا سابقت خيولها خيالها، وجارت جيادها ظلالها وانفت سنابكها أن تجعل غير جماجم الأعداء نعالها، وها هي قد تقدمت وأقدمت ونهضت لإنجاده فلو سامها أن تخوض البحار في سبيل الله لخاضت أو تصدم الجبال لصدمت والشرع الشريف نهيه المقدم وأمره السابق على كل ما تقدم فليعل مناره ويستشف في أموره أنواره ويعتد أحكامه ويعضد حكامه، ومن عدل عن حكمه معاندًا أو ترك شيئًا من حكمه جاحدًا فقد برئت الذمة من دمه حتى يفيء إلى أمر الله، ويرجع عن عناده، وينيب إلى الله فإن الله ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (٤) ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٥). وكان من حديث هذا سلامش المذكور: أن السلطان محمود غازان قصد إعدامه فأراد الانحياز إلى الشام، وكاتب الملك

стр. 1018

المنصور لاجين (١) وأرسل شخصًا من جهته يعرف بالمخلص الرومي، فأقبل السلطان وأرباب الدولة عليه وقيل: إنا لا نكره من هاجر إلينا، واتصل بالسلطان محمود غازان مراسلة المصريين فبعث إليه عسكرًا لمحاربته، فالتقوا معه ببلاد الروم، فلما التحم القتال خامر عليه بعض من كان معه فبقي في قل من أصحابه وحقت عليه الهزيمة فالتحق بالشامفي قل من جيشه، فلما أتى حلب جهز معه من يحضره إلى الأبواب السلطانية بمصر، فلما وصل عومل بالإكرام وعوجل بالإنعام وخير في المقام بمصر إن شاء أو الشام، فذكر أنه ترك وراءه ماله وأهله وأولاده وسأل تجريد عسكر الإحضارهم ليقيم بالبلاد الشامية مقطوع الالتفات عما سواها فجهز معه من العسكر الجلو (٢) طائفة مع بكتمر الجلمي دخل بهم بلاد الروم على بلاد الأرمن، وبلغ متملك سيس الخبر، وكان عنده طائفة من التتار فأمسكوا عليهم الدروب وعاجلوهم باللقاء فما كان بأسرع من أن قتل الجلمي، وفرّ سلامش ولجأ إلى قلعة من قلاع الروم، فأرسل السلطان محمود غازان في طلبه فأحضر إليه فقتله شر قتله وذبحه على غير قبله. وكان سلامش قد خلف بالأبواب السلطانية بمصر أخًا له اسمه قطقطو والمخلص الرومي، فاستقرا بها وأقطعا إقطاعًا بها وأجرى عليهما راتباه فيها. وإنما ذكرنا حديث سلامش في هذا المكان لتعلقه بالروم؛ ولأن أمراء بني قرمان هم كانوا المؤلفين بينه وبين المنصور لاجين والداخلين معه أولًا وآخرًا فيه وهؤلاء أولاد قرمان هم الذين لا يرتاب في رأيهم، ولا يظن في دينهم فمهما ورد من جهتهم تلقي بالقبول، وحمل على أحسن المحامل. وكذلك طلب ارتنا (٣) تقليدًا ناصريًا بنيابة الروم وتردّد في هذا سراج الدين قاضي قيسارية، فكتب له فأخلص الموالاة وأقام دعوة الخطبة الناصرية على منابر البلاد الرومية وضرب السكة بالاسم الشريف، وجهز من الدراهم المضروبة وذلك كله أظهر طاعة لا إذعان لحكم. ولقد حدثني من تردد إليهم، وعرف ما هم عليه أنهم رجال

стр. 1019

صدق وقوم صير لا تستخف لهم حفيظة، ولا يرد بحنقها لهم صدور مغيظة. ولهذا أمراء الروم لا يطأون لهم موطئًا يغيظ، ولا يواطئون لهم عدة شهور في مشتى ولا مقيظ، وما أحد ممن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار ويعدد عليهم عظائم الذنوب الكبار ووقاية الله تكفيهم وحياطته عن عيون القوم تخفيهم، ولقد كان السلطان محمود غازان يقول: أنا أطلب الياغي (١) شرقًا وغربًا والياغي في ثوبي عن أولاد قرمان، ومع هذا لم يسلط عليهم، وحكى لي الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخو النجيب أنه قال يومًا: لولا الأكراد وأولاد قرمان و تركمان الروم دست بخيلي مغرب الشمس. قال: وكان لا يريد بعد الشام إلا لهم ومع هذا ما قدر عليهم، ولو خلا وجهه لما انصرف إلا إليهم. ولما استفحل أمر جويان بك (٢) بمملكة إيران وكان هو حقيقة السلطان، واستولى ابنه تمرتاش (٣) على الروم وانتزع به عدة ممالك، وجد في طلب الباقي، رأت أولاد قرمان مصافاة أبيه جويان واستدفعت به شر ابنه طول ذلك الزمان مع ما كان لهم من العناية الإلهية والإعانة من سلطاننا عز نصره. ولولا هذا لأتى عليهم، وسلبوا النفس والنفائس لما كان عند جارهم الجائر من الاستعداد ولموالاة التكفور متملك الأرمن لرفع الشكوى عليهم في كل وقت، وتضوّره مما ينوب أهل بلاده منهم، وتضرره مما ينوء به من ثقل وطأتهم، وكانوا في تلك السنين خائفين يترقبون المصابحة والمماساة، وينتظرون البيات والمقيل. قلت: ولأهل هذا البيت روعة في قلوب التكفور والأرمن. وفي كل وقت يبعث التكفور يسأل بروز المراسم المطاعة إلى أميرهم بالكف عن بلاده وهو لا يغمد سيف جهاده. لا يرعى للأرمن حق جوار ولا يدخل في سمعه لضجيجهم جوار. يشن عليهم في كل وقت غاراته ويجوس خلال ديارهم جيوشه و سراياه وكرسيه مدينة أرمناك

стр. 1020

على ذروة جبل أرزاقه متسعة وخيراته كثيرة وبينها وبين العلاية ثلاثة أيام، ولقد يحكى عن أميرها القائم الآن بدر الدين أنه افتض ألف بكر، ويوصف من كرمه أنه يطلق كل ما يملك من صامت وناطق حتى لا يدع له شيئًا البتة، ثم يتمول فإذا أثرى أطلق كل ما يملكه حتى لا يدع له شيئًا هكذا دأبه، وبهذا يعرض على الله حسابه. قلت: ولقد وصل من سنين أخوه الأمير بهاء الدين موسى بن قرمان إلى الحضرة السلطانية، وأقام مديدة بالباب الشريف، ثم توجه لأداء فريضة الحج، وعاد إلى الحضرة وحرّك العزائم الشريفة على قصد الأرمن وارتجاع ما يلي الممالك الإسلامية من نهر جهان، ثم عاد إلى بلاده وعومل بالجميل في إصداره وإيراده، وأجلس مع أكابر الأمراء أمراء المشورة، وأجرى في تكبير القدر مجراهم وطلب منشورًا سلطانيًا ببلاد من مملكة التكفور يولي سيفه انتزاعها واستعادة ضالتها من أيديهم وارتجاعها، فكتب له على ما طلب وما أخذها إلى الآن ولكنه في الطلب. هذه جملة بمعنى ما ذكره العريان وما انساق في انبائها من أمور هذه البلاد. وأما ما ذكره بلبان الجنوي عتيق الأمير الكبير بهادر المعزّي، وهو ممن له الخبرة التامة بما يحكيه، وهو الذي أفاد كيفية تصوير هذه البلاد. واسم هذا بلبان في بلاده دومانوكين دوريا بن بادا دوريا، وهو من بيت حكم في جنوة (١) اتفق أنه جمعت بيني وبينه المقادير في الاعتقال وعنه أخذت ما قال: حدثني: أن هؤلاء أمراء الأتراك الذين بالروم الآن أبناء أمرائها الأول وممن تأخر عن سالف تلك الدول وهم فيها إلى يومنا هذا من بقايا تلك البقية، وممن نضت عنهم برود الأيام السلجوقية استقرّ بأيديهم الجبل وبأيدي بيت هولاكو السهل وجميع هؤلاء الأمراء الأتراك تقرّ لصاحب كرمان وتذعن له بعض الإذعان وتجريه في كثير من أحوالها مجرى السلطان وتعترف له بالتقديم وله على بعضهم مقرر لا ينقص، وعلى بعضهم هدايا بحسب الأوقات، وهو في ظاهر الحال فيهم الملك المطاع والبقية له أتباع أو كالأتباع تكاتبه في معضلات الأمور، وتتيمن برأيه، ويقوى بعضهم على بعض بمعاضدته، وتسر بخلعه وإنعاماته وتقاليده وتكريماته، وهو وإن لم يقدر على إمضاء الولاية والعزل فيهم؛ فإن له عندهم مكانة لا يجهل مقدارها وغاية

стр. 1021

لا ينازع فيها. ومع هذا ففي أمره معهم شبه بأواخر الخلفاء مع ملوك البلاد يلزم معه قاعدة الأدب في مخاطبتها لتعظيم، وهو مع من غلب أو كحال آل سامان في آخر الزمان وهو أوسع الكل بلادًا وأكثر رعايا وأجنادًا. وأما ما هو لبيت جنكزخان فإنه لم يزل بأيدي نوابهم مع بقايا السلاجقة من غير زيادة عليه ولا نقص منه وبينهم وبين هؤلاء الأتراك مداهنة لا مهادنة حتى حكم تمرتاش بن جوبان فاستضاف من ممالك الأتراك إليه ما بلغت قدرة سيوفه وهو جانب كبير وممالك لها قدر جليل. فمن ذلك مملكة ابن شرف (١) وموقعها في شمال الروم غربي مملكة أولاد دندار (٢) وجنوبي بلاد ابن قرمان وشرقي بلاد بيت جنكزخان بشمال. وكانت مستقلة بذاتها وكرسيها بكشرى وعساكرها تناهز سبعين ألف فارس هم إلى الآن، وتجمع هذه المملكة خمسة وستين مدينة ومائة وخمسة وخمسين .. أمسك تمرتاش (٣) صاحبها وقتله، ومثل به وقطع أنثييه وعلقهما في عنقه. وكذلك مملكة ابن طرغت وهي غربي ابن أشرف وكرسيها قراصار (٤)، وله مدينة سكنجر وعسكره خمسمائة فارس. وكذلك بلاد شجاع الدين أغرلو ومدنها لوليا وكمش سار وعسكره يزيد على عشرين ألف فارس وموقع بلاده هذه غربي ابن طرغت وبلاد غرلوا هذا لم ينتزعها منه بل أبقاها بيده كأنه من قبله. وهذه كمش سهر هي ذات معدن تخرج منه الفضة، هذا ما ذكره هذا بلبان وأما ما ذكره العريان فإنه قال: تخرج من لولياه وقد تقدم ذكره. وكذلك أخذ بلاد طوغان جق وهي غربي طرابزون وجنوبي بلاد سليمان باشا وهي مملكة جليلة ذات عمال وعساكر. وكذلك أخذ بلاد سلطان نوبي وما لها مدينة ممدنة وإنما هي قرى ممتدة ومروج

стр. 1022

فج مستطيلة. وموقعها بين بلاد سليمان باشا وبين كرميان في مشاريق كرميان ومغاريب سليمان باشا. وكذلك أخذ بلاد يعقوب وهي قيرا ساري، وجار على كل مجاور، وكان تارةً يصالب بالسيف، وتارة يداور بالخديعة حتى دوّخ الممالك، وفتح المعاقل وامتدت أعماله، واتسعت شعوبه، وكثرت جباياته وعظم خراجه، وقويت شوكته في ذلك الإقليم، وطلب في وقت الاستقلال بالملك، وخطب لنفسه، وضرب السكة باسمه، وحوى مثل ملك آل سلجوق أو أجل، وقام بهذا العبء واستقل وقرر به تسع تمانات من المغل، ومن التركمان مثلهم أو أكثر، وصار لا يقاوم ولا يقاول، ولا يحارب ولا يحاول، وما هذا موضع ذكره وإنما ذكرناه لذكر ما بأيدي بيت جنكزخان من الروم، وقد ذكرناه في موضعه. وأما نقود هذه البلاد ومعاملاتها فتختلف في بلادها باختلاف حكامها واعتيادها. والذي نذكره الآن ما هو بيد الأتراك الآن خاصة وهو ست عشرة مملكة على ما ذكره بلبان الجنوي، وأجلها مملكة كرمينان وهي أقربها إلى ما بيد بيت جنكزخان وموقع كرمينان منها شمالًا يمتد شرقًا بغرب وما بأيدي بيت جنكزخان جنوبها وقد دارت عليها ممالك الأتراك من شرقها فطافت نطاقًا وراء نطاق؛ فالنطاق الأول وهو الأقرب إليها المماس لحدودها من شرقيها ثلاث ممالك أخذت من الجنوب إلى الشمال كأنها قوس يفصل بينها وبين بلاد كرميان جبل ممتد على هذه الهيأة. وأول هذه الممالك الثلاثة مما يلي الجنوب جبل القسيس وهو جبل عظيم منيع، مشجر بأنواع الفواكه، وكل أشجاره مثمرة، وقنَّة هذا الجبل وسفوحه مسكونة، ويمشى في طوله عدة أيام بغير زاد ولا ماء فيه من كل الثمراترزقًا من عند الله لا بغرس غارس، ولا باحتجاز مالك، بل هو مباح لمن أكل وحمل من سبق إليه اجتنى، ومن وضع يده على شيء من شجرة اقتنى هو من عجائب الوجود وغرائب ما من به الإله المعبود. وفي أخريات هذا الجبل مملكة طغرلو في شماليه. ثم تليها في شماليها مملكة توازا. ثم تليها في شماليها مملكة عميدلي.

стр. 1023

ثم تنتهي مملكة الأتراك هاك إلى ما كان بيد ابن أشرف، وأخذه بيت جنكزخان. ثم يلي هذه الممالك على شرقيها النطاق الثاني وهو اثنتا عشرة مملكة آخذة عليها من الجنوب إلى الشمال كأنها قوس يفصل بينها وبين تلك جبل ممتد على هذه الهيأة، فهذه خارج تلك الممالك الثلاثة، وتلك الممالك الثلاثة خارج كرمينان، وكرمينان خارج بيت جنكزخان. وهذه الممالك الاثنتا عشرة التي أشرنا إليها أولها مما مال إلى الجنوب مملكة كصطمونية. ثم تليها مملكة قاويا. ثم تليها مملكة برشا. ثم تليها مملكة أكيرا. ثم تليها مملكة نيف. ثم تليها مملكة مغنيسيا. ثم تليها مملكة مرمرا. ثم تليها مملكة بركي. ثم تليها مملكة فوكه. ثم تليها مملكة أنطاليا. ثم تليها مملكة قراصار. ثم تليها مملكة أرمناك، وها نحن نذكرها مفصلة: * * * الفصل الأول: في مملكة كرمينان وهي مثل قرن الجاموس أحاط بها جبل في مشاريقها كالقوس أخذ عليها جنوبًا بشمال وأحاط بها في مغاريبها جبل آخذ غربًا بشمال، ثم عطف مشرقًا ثم أخذ شمالًا بغرب حتى لاقى الجبل الأول، فاجتمعا فكان كأنه قرن الجاموس فسبحان الخلاق العظيم. وهذه المملكة قد تقدم من ذكرها ما فيه مقنع وينزل من جبلها الغربي نهر مندروس الأعظم، وهو إذا نقص كان كالنيل فأما إذا زاد فبحر زاخر لا له أول ولا آخر، وهو يشق هذه البلاد، ويبحر في وسطها بحيرة جليلة نافعة، يصطاد بها الحيتان وتتنزه فيها أهل تلك الديار، ثم يمضي مندروس على مقطع في الجبل الشرقي

стр. 1024

إلى بلاد طغرلو ثم يمر عليها، ثم يخرج إلى بلاد بركي، ثم يصب في البحر المالح الماد من الخليج القسطنطيني إلى مانيطش، وهذا نهر مندروس مجرى السفن والمراكب تصعد وتنحدر فيه وتخرج منه إلى الملح ومن الملح إليه، ولأهل تلك البلاد به مرافق في الأسفار ومنه تتجهز الغزاة والتجار وهو قاطع البرد لا يكاد يتغير ولا يؤثر الهواء إذا سخن فيه لكثرة مائه واتساع جوانبه. وصاحب كرمينان هو أكبر ملوك الأتراك وله تسلط على الجميع، وتبسط في ملكهم الوسيع وكرسي ملكه مدينة كوتاي (١) وهي مدينة كبيرة ذات قلعة جليلة، وأعمال وسيعة ورساتيق من كل مكان، وبلاد ذوات دواب سائمة، وعمار وسكان، ويقال: إن له نحو سبع مائة مدينة وقلعة، وله عساكر كثيرة. قال العريان له أربعون ألف فارس مديونة، وقال بلبان أضعافها وأكثر، فقال: إنه إذا جمع وحشد جمع مائتي ألف مقاتل ما بين فارس وراجل ورامح ونابل، قال: وهم أهل حرب وقتال ومصالتة واحتيال، ولهم عدد حصينة وسلاح للحرب وللزينة من الفولاذ والمجوهر والأطلس الأحمر وما يذهب هذا المذهب، ولهم مال جم من صامت وناطق ونعم لا يحصيها إلا الخالق، وخيلهم نهاية في الروميات لا يسبقها سابق ولا يتعلق بغبارها الغبراء ولا يلحقها لاحق مسومة عندهم بما غلا من الأثمان معروفة بينهم، هذا أمه فلانة وهذا أبوه فلان وله على صاحب القسطنطينية أتاوة مقررة نحو مائة ألف دينار قسطنطينية في كل سنة ويتحفه معها بتحف فاخرة وهدايا مستحسنة وهو في كل وقت يعرض جيوشه بالخيل والعدد والسلاح ويستعد ويعد أماكن الحرب والكفاح، وله أمراء ووزراء وقضاة وكتاب وحاشية وغلمان وخزائن واصطبلات ومطابخ وبيوت (٢) ورخت ملوكي وهيأة سلطانية وأبهة ملكية، وله مدينة كمش ساراي (٣) مدينة الفضة وهذه غير ما بأيدي بيت جنكزخان وهو معدن كثير المتحصل، جليل الفائدة جزيل العائدة، أعظم من الذي بأيدي بيت جنكزخان، وأجود فضة

стр. 1025

وأسهل مكانًا وأهون تخليصًا واستخراجًا، وكذلك بها معدن شب يباع منه بحمل أموال، وله مدينة سركوى وهي مدينة لا تزرع إلا الأرز. وأهل هذه المملكة كرام، ولكنهم لا يفكرون في حلال ولا حرام أهون ما عليهم سفك الدماء وإراقتها، تنهل كمزاود الماء لا يبالون بما فعلوا، ولا يعبأون بمن قتلوا لهم في كل أوان موارد دماء مسوغة ومعاهد أعداء بأنياب الأسنة ممضغة. لا تروى في الحروب سيوفهم العطاش، ولا يروى لوبل نبلهم رشاش ولا تزال ظباء الروم تتكاثر من سيوفهم على خداش. ضجر الحديد، ولم يضجروا، ومضت أعمار الأيام وما قالوا ولا هجروا. ما لهم بسوى ما هم فيه التذاذ ولا بغير أن تخرج وجوههم وهي سواهم معاذ ولأهل هذه الدولة تصرف في أنواع المعايش والأسباب وأصناف الاكتساب. قال: وأما لبسهم ولبس جميع الروم فهو زي واحد لا يكاد يختلف. ودرهم هذه المملكة نصف وربع درهم فضة خالصة، والرطل بها زنته تحريرًا ثلاثة آلاف ومائة وعشرون درهمًا. وكيلها تسمى المد (١) وهو نحو اردب وربع مصري تقريبًا. هذا ما قاله فيه بلبان، وقد تقدم ما قاله العريان. قال: وأما السعر المتوسط فمد القمح خمسة عشر درهمًا وكذلك الشعير أو دونه بقليل واللحم كل رطل بدرهم واحد، وأما الفواكه والألبان والأعسال فرخيصة جدًا. وأوقات الرعايا والفلاحين والزراع طيبة، كأنهم فيها في بكر مفضضة وآصال مذهبة. ومن جملة بلاده بلاد ابن السايب وهذا ابن السايب صاحبها هو صهر صاحب كرمينان ولولا مصاهرته له ما كانت بقيت له إلى الآن؛ لأن بلاده هذه هي خارجة عن كرمينان مجاورة لها من غربها وهي من بلاد بيت جنكزخان في شرقها. ولما امتد تمرتاش إلى من جاوره من الأتراك وأخذ بلادهم ارتمى هذا إلى صاحب كرمينان، وانتمى إليه وصاهره وقوي على تمرتاش بيده القاهرة واعتصم به ونامت عينه الساهرة واستمر على مصافاته الظاهرة، وامتنع على من جاهده وجاهره وكرسيه قراساري وهي مدينة مشهورة يحيط بها وببلادها جبل استدار عليها استدارة الحلقة وأحاط بها إحاطة العين بالحدقة وحكمها اليوم حكم بلاد كرمينان وابن السايب وإن كان صاحبها فهو الآن كأنه من قبله فيها، وليس له مدينة سوى قراساري، ولها ألف قرية وعسكره يقارب أربعة آلاف فارس وبلاده

стр. 1026

حصينة بما أحاط بها من الجبال وشمخ من ذوائبها التي سما بها فرع إلى النجم لا ينال. * * * الفصل الثاني: في مملكة طغرلو وهي أول النطاق الأول وهذه المملكة صاحبها اسمه يلنج (١)، ويشقها نهر مندروس وهي إلى جانب جبل القسيس في غربه بشمال وموقعها جنوبي ما بين مرمر إلى بركى ومدينة طغرلو كرسيه، وكأنها دمشق في تصوير خطه وبساتين حولها مختطة لكنها أكثر من دمشق ماء وفاكهة، وأوسع غوطة لكن ليس لصاحبها مدينة سواها ولا عمل إلا إياها إلا أن لها عدة قرى وضياع ليست بكثيرة ولا كثيرة ازدراع. وأكثر ما فيها من الفاكهة الرمان وهو على عدة ألوان ويباع ألف بدرهم وكله بلا عجم له مكسر كأنه شرار نار أو بهرمان أدرج في ثوب نضار، أو مدامع عشاق في نهود أبكار، وهو في غاية الكثرة والرخص ولذاذة المأكل، ويعتصر ماؤه ويعمل منه دبس إذا ترك هو والعسل أبهم الفرق ما بينهما، وأشكل، ويعمل منه شراب أشد إسكارًا من الخمر وأقرب إليه مشابهة مما يعمل من التمر وهم أكثر معاطاةً له من الخمر على كثرته عندهم وما ذاك إلا لأمر. سألت بلبان عن السبب في هذا مع إجماع العقلاء على تفضيل الخمر على كل مسكر، فقال: إنه لا يعلم السبب، ولا يوجب الحب لها إلا مضاحكة الحبب. قال: وأهل هذه البلاد كأنما خلقوا لارتضاع كؤوس، ولإماطة نقب عن شموس فما لهم غير اغتباق كأس من معين، واعتناق مائس من قدود الخرد العين، فهم أبدًا في بلهنية من الوطر، وأمنية مع الظفر ولأميرهم عليهم عدل لا يشكون معه إلا جور الساقي ولا يخافون معه إلا عقرب صدغ أعجزت الراقي، أو دم عاشق يطل، وعلى خدود الغانيات الباقي، قال: وأكثر ما تكون القرى والضياع بطغرلو أربعمائة قرية كلها في حواضرها القريبة، ولصاحبها نحو عشرة آلاف فارس وراجل ودرهمهم نصف درهم فضة خالصة ورطلهم نحو سبعة أرطال بالمصري، ومدهم نحو نصف وربع اردب وأسعارها مشابهة لكرمينان ومقاربة لها في اختلاف كل أوان.

стр. 1027

الفصل الثالث: في مملكة توازا وهي ثانية النطاق الأول، وهذه المملكة صاحبها علي أزبية، وهي تقع شرقي كرمينان محضا وموقعها ما بين جنوبي يركى إلى فوكه وكرسيه توازا، ولصاحبها أربع قلاع ونحو ستمائة قرية، وعساكره نحو أربعة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل ودرهمهم ورطلهم ومدهم مثل كرمينان وهو كثير الترامي إلى صاحب كرمينان ولأهل هذه البلاد حسن بديع ببياض وحمرة كأنه ضريبا لبن وخمرة مع لين بشرة وصهوبة شعر كأن عليهم ثوب صباح مسبول، أو على ضفائرهم برادة ذهب مسحول مع حلاوة تأكل النظر ويأكلها، وبهجة توقد جمرات الحسن وتشعلها. الفصل الرابع: في مملكة عميدلي وهي ثالثة النطاق الأول، وهذه المملكة صاحبها دندار (١) أخو يونس صاحب أنطاليا، وكرسيه مدينة برلو (٢) وهي أم إقليم عميدلي وموقعها من فوكه (٣) إلى قراصار (٤) ولصاحبها أيضًا إقليم يلواج وإقليم قراغاج وإقليم أكرى دور، وهذه بلاد مدنها قليلة وقراها كثيرة ومداها ممتد. يقال: إن له تسع مدن وخمس عشرة قلعة وعسكره خمسة عشر ألف فارس ومثلهم رجاله، وهو في كل وقت يتفقد فرسانه ورجاله ويتأهب للحرب ويوسع مجاله ويقاتل العدو ويهب للسيوف آجاله، وهذه هي آخر الممالك الثلاثة التي تلي كرميان، وهي نهاية ما أخذ إلى الشمال وبها تم النطاق الأول ونحن نعقبها بذكر الممالك التي تليها، وهي النطاق الثاني عليها

стр. 1028

في شرقيها وعدتها اثنتا عشرة مملكة وأولها هو ما نذكره الآن. * * * الفصل الخامس: في مملكة كصطمونية وهذه هي مملكة سليمان باشا وهي الآن لولده إبراهيم باشا وكان في حياة أبيه صاحب سنوب (١) ثم جرت له مع أبيه أمور لا حاجة بنا إلى ذكرها إلى أن ملك واستمرت سنوب له مع ملك أبيه، وولى سنوب من قبله وهذه هي شمالي بلاد طوغان جق وما جاورها وجنوبي بلاد سلطان بوي المصاقبين لممالك بيت جنكزخان وهي أولى الممالك الإثنتي عشرة المشار إليها من المشرق، وهذه المملكة على ضفة بحر نيطش وقبالتها جزيرة زك، ومن ركب البحر من سنوب خرج إلى سوداق (٢)، لأنها أقرب مدن ذلك البر إليها، ويقع طرف بلاد طرابزون الشرقي على أول حد هذه البلاد ولأجل هذا تقصد هذه الأرض لجواز البحر إلى بر القفجاق (٣) وبلاد الخزر والروس والبلغار وكرسي هذه المملكة مدينة كصطمونية (٤) ولصاحبها نحو أربعين مدينة وقلاع مثلها أو أزيد وعسكره نحو خمسة وعشرين ألف فارس وخيلهم هي النهاية في جنسها والغاية في نفسها، وقد تقدم القول في ذلك وبها البغال والبزاة (٥) والشواهين (٦) في غاية من الجودة، وهي منفردة بمحاسن هذه الأنواع، ومنها تشترى وتبتاع وحسنها لا مخالفة فيه ولا نزاع. وأما الجمال فلا توجد عندهم البتة قد عدم العربي منها حظه والبختي (٧) بخته؛ لأنها بلاد جبال وعرة يود كل متعلق بها لو تعلق بشعرة، وملوك هذه المملكة لهم مع ملوكنا ملوك مصر انتظام وتشرف بمواهبهم الجمة وأياديهم العظام وتتابعت رسلهم إلى سلطاننا مدد الفجاج، ونظرت لديه إلى سماء العليا من وراء زجاج، واستنصرت بها على الأعداء وهي قاطعة البحر الأجاج

стр. 1029

وعادت عليهم الأجوبة الشريفة بقطع الحجاج أو الحجاج وهم حتى الآن في الدولة القاهرة الناصرية، وفي حزبها وفي حسب ذبها، وأما رعايا هذه البلاد فهم أهل طاعة لأمرائهم، وإقبال على مصالح دولتهم ودرهمهم نصف درهم فضة خالصة، ورطلهم نحو ستة عشر رطلًا بالمصري، ومدهم نحو إردب مصري، وأسعارهم نحو كرميان. * * * الفصل السادس: في مملكة قاويا وهي الثانية من النطاق الثاني وصاحبها مراد الدين حمزة ومملكته تجاور سمسون من غربها، وبلاد سليمان باشا المقدم ذكره جنوبها، وجبل القسيس غربيها، وبلاد طريق السفار إلى سمسون. وسمسون هي شرقي هذه البلاد خارج الجبل المار على مشاريق بلاد الأتراك بالروم على ضفة بحر نيطش. ومن ركب البحر منها إلى بر القفجاق كان خروجه على الكفا (١) أقرب عليه، وتبقى زك جنوبيه، وعلى بلاد هذا مراد الدين حمزة أكثر طرق المترددين من التجار والسفار المتوجهين من مصر والشام إلى تلك البلاد وكرسي هذه المملكة مدينة قاويا، ولصاحبها عشر مدن ومثلها قلاع وعسكره نحو سبعة آلاف فارس، فأما الرجالة فكثير عددهم متى اراد استجاش بهم، وجمع أممًا وشرع أسنةً وهمما. وليست للأعداء معه طالعة ولا لهم في رداء ملكه منازعة. لا تتفرزن البياذق مع رخاخة، ولا تتجاسر العصافير أن تسقط على فخاخه، وأهل هذه البلاد قوم أمنة لا يستحيل بودهم يوم ولا سنة. ودرهمهم ورطلهم ومدهم وأسعارهم مثل كصطمونية بل هي لكثرة الأجلاب لا تكاد تكون مغلية. * * * الفصل السابع: في مملكة برشا وهي الثالثة من النطاق الثاني وصاحبها أرخان بن طمان، وكرسيه مدينة برسا (٢)

стр. 1030

وموقعها شرقي بلاد مراد الدين حمزة، وغربي بعض سمسون، وبعض سنوب وجبل القسيس غربيها، ولصاحبها خمسون مدينة وعدد قلاعه أكثر من ذلك، وعساكره نحو أربعين ألف فارس، وأما الرجالة فلا تكاد تعدّ خصوصًا إذا استجاش وحشد وحاش لكن يقال: إنه قليل غناهم تهول صورتهم لا معناهم. وهو كثير المسالمة لمن جاوره والمناصرة لمن ناصره، ومع هذا له حروب سجال ودؤوب في أرغام أنوف رجال وخيول تقتنص عليها الأرواح فرسان عجال. وإنما قلة غناء عسكره لعدم استقامة الرعية ومشاقة بعض المجاورين له. يقال: إن رعاياه أخباث تنطوي بواطنهم على الغل، وعمائمهم على المكر ثلاث. وهذه البلاد درهمها وزن الدرهم الكاملي وهو فضة خالصة، ورطلها ومدها مثل كرمينان وسعرها أرخص في غالب الأوان. وفي هذه البلاد ثلاث مائة حمّة يطلع منها الماء السخين الناضج، ويقصدها المرضي بالبلغم البارد والفالج ليغتسل فيها ويستشفى بها وغالبهم يبرأ بإذن الله ويجد الشفاء والصحة عليها. قلت: وهذه الحمات كثيرة في البلاد وأقطار الأرض، ولكني لا أعرف اجتماع هذا العدد الكثير في مكان واحد سوى هذا وأظنه لأن تكون هذه الأرض كلها كبريتية سواخة. فلهذا كثرت فيها هذه الحمات هذا ما اتصل بنا علمه (وفوق كل ذي علم عليم) والله أعلم بغيبه. * * * الفصل الثامن: في مملكة أكيرا وهي رابعة النطاق الثاني وصاحبها دمرخان بن قراشي وبلاده تجاور بلاد أرخان آخذة إلى الشمال وجبل القسيس جنوبها على تغريب وسنوب شمالها وهي طريق من طرق سنوب، وهذه المملكة مدنها وقلاعها وعساكرها أكثر من بلاد أرخان وأهلها أطول باعًا في المكنة والمكان والإمكان، وصاحبها ذو حرب ويد وأيد وقوة لا تدفع بكيد، وله في البحر مع الروم حروب تطير بها السفائن، وتهتز لها المدائن كم طاروا من الغراب على جناح، وسخر لهم في سبيل الله ما سخر لسليمان من الرياح، وهذه البلاد يخرج منها ما لا يحصى من الحرير واللاذن ويحمل إلى بلاد النصارى منه وحريرها يوافق الديباج الرومي والقماش القسطنطيني، ومنه يعمل غالبه، ودرهمها مثل الذي قبله، ورطلها ثمانية أرطال بالمصري ومدّها نحو إردب ونصف، وأسعارها

стр. 1031

رخيصة جدًا على حال واحد لا تكاد تتجاوزه ولا تتعدى. * * * الفصل التاسع: في مملكة مرمرا وهي خامسة النطاق الثاني وصاحبها يحشى بن قراشي أخو دمر خان (١) المقدم ذكره. وبلاده جوار بلاد أخيه غربًا بشمال وطرف بلاده جنوبًا على شمالي طغرلو ولصاحبها نحو خمسة عشر مدينة ومثلها قلاع وكلها على جبال شاهقة على البحر المالح وعسكره نحو عشرين ألف فارس ولا رجالة له وهو مثاغر للروم وله معهم ثارات يقعد فيها ويقوم، وعسكره نفاع له قوة ودفاع وقد ذللت لهم المراكب فامتطوا في البحر متونها وأطاروا غربانها وأجروا نونها. ولهم أسطول مجهز للركوب على ظهور السفائن والتصريف بها كالصوافن طالما صبّح بلاد الروم منها غراب ناعق وسبح راكبها وتعجب لقدرة الخالق، وزحفت لها مدن، ورجفت لها أعداء إلا أنه من الجبن وأهل هذه المملكة غزاة لا تستكين سراة حصانهم ولا تلين سراه. لا ينزل لهم لبد عن جواد ولا قلع عن سفين. لا يحجبهم عن بلد سوره ولا عن ساكن بر خباؤه ولا يغلبهم سرب يقتنص بهم من الروم جاذره ومن الخزر ظباؤه. وهذه البلاد درهمها نصف درهم فضة خالصة، ورطلها أربعة أرطال بالمصري، ومدها اردب واحد، وسعرها رخيص والرقيق بها لكثرة السبي كثير، ولا تخلو لأجل هذا من تجار وجلابة، ومن دخل في هذه البابة. * * * الفصل العاشر: في مملكة نيف وهي سابعة النطاق الثاني وصاحبها علي باشا أخو صاروخان وهو جاره في المكان وكرسيه مدينة نيف وبلاده شمالي طغرلو وجنوبي بيدرول. وهذه بيدرول شماليها من خارج الجبل الشرقي المحيط ببلاد الأتراك خارجة في البحر ولصاحبها ثماني مدن ونحو ثلاثين قلعة، وعسكره ثمانية آلاف فارس وخلق كثير من الرجالة أكثرهم رماة نبالة، ومملكته كلها على قنن الجبال لا يلحقها الغمام بريشه ولا يلحقها نسر السماء لتعشيشه تهوى وفود الرياح دون أوديتها وتستقى السحب فائض أبنيتها،

стр. 1032

ولا يمر بها البرق إلا وهو مجتاز، ولا البدر إلا وهو على أوفاز تميل قبل رؤيتها العمائم وتتوسوس وعليها من النجوم تمائم، ودرهمها ورطلها ومدها وسعرها من نسبة مغنيسيا. * * * الفصل الحادي عشر: في مملكة مغنيسيا وصاحبها صاروخان (١) وكرسيه مغنيسيا (٢)، وهذه البلاد تجاور مملكة يحسى غربًا بشمال وجنوبيها طغرلو، وقبالتها في البحر جزيرة كنول. ولصاحب هذه المملكة نحو خمسة عشر مدينة وعشرين قلعة، وعسكره يزيد على عشرة آلاف فارس وهم أهل حرب وطعن يضيق به فم الدرب، ومنهم غزاة في البحر كأنهم الملوك على الأسرة لا تهتبل لهم غرة. وحالهم في هذا مثل حال جارهم الأول، ولكل منهما جهاد عليه يعوّل، ودرهمها ورطلها ومدها وسعرها كذلك ومن نسبة ما قبلهم أو ما يقارب ذلك. * * * الفصل الثاني عشر: في مملكة بركي وهي ثامنة النطاق الثاني وصاحبها ابن آيدين (٣) وكرسيه مدينة بركي (٤)، وموقعها شمال طغرلو وتوازا وجنوبي ندرقل. ولصاحبها نحو ستين مدينة (٥) وثلاثمائة قلعة أو أزيد، وعسكره سبعون ألف فارس أشلاء حرب وكفاح وعرضة سيوف ورماح، ولهم مع الروم والفرنج وطوائف بني الأصفر حروب عظيمة وأيام لها غرر وحجول معلومة، ضج البر والبحر من وقائعها ومج السجايا ما تصعد إليه من نقائعها. لا تهدأ لهم مضاجع ولا تراهم إلا بين متأهب لغزوة وآخر راجع. سدوا فروج البر خيلًا، وأوقروا صدور البحر سفنًا، وجروا الكتائب ترسي على هذا جبالًا وتسري على ذاك مدنًا، وكل ملوك الأتراك في غزوات الكفار عليهم عيال، وبسيوفهم المهندة الذكور

стр. 1033

تلقح الحرب الحيال لا ترضى إلا بصيد المهج، ولا يقضى يوم إلا بقتيل لها لا إثم فيه ولا حرج، كأنما كونوا من جناح غراب أو صهوة، أو خلقوا لمطلية بقار أو أدهم. لا تفرغ لهم شمال ولا يمين. هذه بعنان جواد، وهذه بقلع سفين. ولمهابتهم في قلوب ملوك بني الأصفر ما يختلج به ضمائرهم ويختلف إلا في الإجماع عليه سرائرهم. وإذا قيل: إنه قد تحرك منهم متحرك ظنّت أنه يريد نفوسها وشكت في حياتها حتى تلمس رؤوسها بيديها وملك هذه البلاد أثابه الله تعالى، وجنوده أجمعون على هذه العزيمة لا يفلّ حدها ولا حديدها، ولا يكف والدها ولا وليدها، وهم سبب كثرة السبي، ومن يجلب إلى الآفاق من أولاد الروم ونسائهم، فأمدهم الله بالظفر، وأعلى كلمتهم على من كفر. وهذه البلاد درهمها ومدها نحو مملكة صاروخان، فأما رطلها فستة عشر رطلًا بالمصري وأسعارها رخية وثمارها مما يحمل البحر وتنبت الأرض سخية. الفصل الثالث عشر: في مملكة فوكه وهي تاسعة النطاق الثاني وصاحبها أورخان بن منتشا (١)، وكرسيه مدينة (٢) فوكه وموقعها شمالي توازا، وفي شمالي مشاريقها جزيرة دفنوسة وقبالة هذه البلاد جزيرة المصطكي تقع وراء بلاده سواء بسواء، ولهذا صاحب فوكه نحو خمسين مدينة (٣) ومائتي قلعة وحصن، وعساكره مائة ألف أو يزيدون وله سيف لا يألف غمده ولا يكف حده، يقاتل من عاداه برًا وبحرًا، ويخاتل من ناواه مسلمًا كان أو كافرًا، يركب السفن والخيل، ويخوض النهار والليل لا يطمئن به وساد ولا يستكن له مفرش جهاد، ولا يزال له ولأعدائه وقائع تشيب مفرق الوليد، وتذيب قلب الحديد، ويبيت الدهر منها على وعد أو وعيد يبث سراياه في كل صوب، ويحث مطاياه في البر والبحر في كل توجه وأوب. فما رأت الكفار خيله إلا طفقت تتنهد ولا أقبلت طلائعه على سفائنها إلا ورفعت سبابات صواديها تتشهد. وهذه العساكر ميمونة النقيبة سعيدة الحركات قل أن توجهت إلى جهة إلا وظفرت بمرادها وبلغت قصدها من أعدائها. وهذا هو المعروف منهم والمستفاض حديثه عنهم لا

стр. 1034

يخالف في هذا ممن يعرفهم مخالف، ولا يخالط في هذا شك عندهم في حديث ولا سالف، ولا ثَمَّ من يداريه صاحب كرمينان من أمراء الأتراك سواه ويداهنه ويقنع بأيسر موالاة منه، ولا يقدم عليه إلا صاحب كرمينان، فأما كل من سواه فدونه قدرًا ومكانة وله عليهم المزية والمزيد. ودرهم هذه المملكة ورطلها ومدها وأسعارها مثل كرمينان. * * * الفصل الرابع عشر: في مملكة أنطاليا وهي عاشرة النطاق الثاني وصاحبها خضر بن يونس (١) وكرسيه أنطاليا (٢) وهي شمالي مملكة عميدلي بلاد ابن دندار، وهي على ضفة البحر والسفر إليها ومنها والأخبار عليها وعنها، ولصاحبها اثنتا عشرة مدينة وخمس وعشرون قلعة، وعسكره ثمانية آلاف فارس، وليس بأهل حرب طائل ولا منهم هائب ولا هائل، ودرهمها نصف درهم فضة خالصة، ورطلها أربعة أرطال بالمصري، ومدها اردب واحد. الفصل الخامس عشر: في مملكة قراصار (٣) وهي حادية عشر النطاق الثاني، وصاحبها زكرياء وهي مملكة ضيقة إلى غاية، وهي شمالي عميدلي بغرب، وكرسي صاحبها قراصار، وله ثلاث مدن واثنتا عشرة قلعة على ضيق الرقعة وقرب مدى البقعة، وعسكره ألف وخمسمائة فارس وكان أصل هذا زكرياء مملوك يونس صاحب أنطاليا، ثم لما مات تقوى على ولده وغالبه فغلبه وأخذ الملك بيده ودرهمهم ورطلهم ومدهم مثل أنطاليا، وهذه البلاد من ملك مقتطعة، ومما كان في يد مالكها مرتجعة. * * *

стр. 1035

الفصل السادس عشر: في مملكة أرمناك وهي ثانية عشر النطاق الثاني، وصاحبها ابن قرمان، وكرسي مملكته أرمناك، وله نحو اربع عشرة مدينة ومائة وخمسين قلعة، وعسكره يناهز خمسة وعشرين ألف فارس ومثليهم رجالة، ومن مشاهير مدنه مدينة ارنده (١) وهي مدينة جليلة، ومدينة العلائية وهي المسماة بالعلايا (٢) عند العوام. وموقع هذه البلاد شرقي بلاد الأرمن بشمال وبلاد ابن شرف جنوبها، وأقرب مدن الأرمن إليها طرسوس وأذنة. وهذه البلاد على ضفة البحر الملح وقد تقدم ذكر أهل هذه المملكة وما هم عليه موالاتهم لسلطاننا صاحب مصر خلد الله ملكه وميلهم إليه وما هم عليه من الجهاد في الأرمن، ومن ساكنهم من الكفار، وتجريد سيوف غزوهم آناء الليل والنهار، وبهذا تم ذكر ممالك الأتراك وما هي عليه على ما بلغنا، وتبين لنا، وقد أوضحنا طرق الروايتين على ما فيهما من الخلاف وعلى أنني اجتهدت والعهدة على الناقل. ونحن تذكر تتمة ما كنا أشرنا إليه من أحوال الروم عند غلبة التتار ودخول طوائفها هاتيك الديار، فنقول: إنه لما استقلت قدم التتار فيها واستنهلت غمائم كتائبهم على جهاتها، بقي ملوك آل سلجوق معهم بالاسم لا غير لا لهم حكم ولا تصرف، بل لهم ما يقيم بهم وبيوتهم وشعار ملكهم الظاهر ونفقاتهم اللازمة والأمر كله النواب التتار وعنهم الإيراد والإصدار، وباسم الملوك الجنكزخانية يخطب، وتضرب سكة الدرهم والدينار، فلما ضعفت الدولة السلجوقية وآذنت أيامها بذهاب تلك البقية وكانت المغل لا تقدر على صعود تلك الجبال ولا تعرف الحصار ومطاولة المعاقل والقلاع، فغلبت طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك ولولا قوة شوكة التتار وسطواتها التي عمت الأقطار لاستولت على السهول مع الجبال، وأخذت بجنباتها من كل مكان مع أنها ملكت معظم البلاد إلا بقية حفظت المغل مطالع أفقها، وأمسكت آخر رمقها، ودارت إذ ذاك طوائف الأتراك ملوك المغل على ما غلبت عليه، وبقي كل منهم يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليه ولا يخرج شيء من يديه

стр. 1036

واستمرت أحوالهم معهم على الطاعة والعصيان والتذكار والنسيان حتى تمادت المدد، وخر رواق الدولة المغولية أو وهى منه بعض العمد فحينئذ ثبتت أقدامهم ونبتت في مغارس الاستمرار أيامهم. ومنذ غلبوا على ما بأيديهم من الروم لصاحب كرمينان عليهم مزيد الفضل كما ذكرنا وكل واحد من هؤلاء الأتراك مستقل بمكانه مشتغل بشأنه. وتبسطوا في جهاد من جاورهم من الكفار وصار هذا ديدنهم وبقي بينهم من التنافس ما يكون بين النظراء ولهذا كاتبوا عظماء الملوك ليتقووا بمظاهرتهم ويطيروا بريح سعادتهم وأكثرهم كاتبوا سلاطيننا ملوك مصر رحم الله من مضى منهم وحفظ من بقي وأدام حياة سلطاننا مالك ملوك الأرض صاحب الدولة الملكية الناصرية، وخلد سلطانه خلود الليالي والأيام، ولاذوا بهذه الأبواب العزيزة وتطبعوا بالميل إلى هذه الدولة القاهرة حتى صارت الموالاة في طباعهم كالغريزة، فاتخذوا ملوك مصر نصرهم الله لهم ظهرًا وعدوهم للحوادث ذخرًا حتى إن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه، فكتب إليه وجهز إليه بالصناجق والألوية والأعلام والتشاريف التمام والسيف المحلى والحصان المركوب بالسرج الذهب والعدة الكاملة والجنائب الطائلة وما منهم إلا من تدخل وترامى واقترح مرامًا، والإنعامات تغمرهم والصدقات الشاملة تعمهم وهم إلى يومنا هذا أهل ودّ وصفاء وحسن عهد ووفاء. ولكثرة ما خلطهم به الامتزاج وصل منهم من اتخذ مصر والشام دارًا وأخذ بهما الأمرة والإقطاع وجرى فيهما تحت الأمر المطاع ورسلهم حتى الآن لا تنقطع بصدق نيّة وإخلاص طوية، والمكاتبات واردة وصادرة والهدايا مقيمة وسائرة، ومع هذا كله كل واحد منهم غني بما آتاه الله من فضله وأمراء الأتراك على ما هم عليه من الامتناع والتحصن بشوامخ الجبال والقلاع، وبعدهم عن المغل، وقوتهم بكثرة العديد والعدد والسلاح، ووفور ذات اليد تدارى ملوك بيت جنكزخان، وتخدم ملوكهم ومن يصل منهم ويتردد من جهتهم وتهاديهم وتعتضد بالمقربين إليهم لكل واحد منهم في الأردو من هو من ورائه ومتكفل بالمدافعة عنه، ويخطب في بلادهم للقائم من بيت هولاكو، وتضرب السكة بأسمائهم ولنائب الروم عليهم الطاف وتحف يتاقونه بها ويتوقون من خلفه من قانات المغل بالأخذ بخاطر نائبهم هذا؛ لأنه جارهم المجاور لهم وهم رهن ما يكتب به إلى الأردو في حقهم. ولما كان تمرتاش بن جوبان قد استقل بهذه النيابة، ورست فيها أعلامه، وفتح الفتوحات وأباد

стр. 1037

المخالفين له بها خافت أمراء الأتراك بأسه، وكاتبت أباه جوبان وتسترت بظله، وتترست من مواقع سيوف تمرتاش بجاهه وقضت تلك المدة معه بهذا وأشباهه وهو مع هذا كله يرميهم بالبوائق ويترصد لهم غفلات الوقت وقال في سلطنة بيت جنكزخان ما قاله بهرام جوبين (١) في الأكاسرة. قال: وما الله جعل حتمًا على العباد أن تبقى دولة آل ساسان (٢) إلى آخر الزمان، وأظهر ما كان يسره من هذا الأمر وباح به وهم وما فعل فبلغ ذلك أبا سعيد بهادر خان سلطان ذلك الوقت فعتب على أبيه جوبان، فتبرأ جوبان من فعل ولده تمرتاش، ونهض إليه في وقت شتاء لا طاقة لأحد بسلوكه وقطع إلى الروم كل جبل ثلج يزل عنه النظر، وأراد تمرتاش أن يضرب معه مصافًا فراسله أبوه ولاطفه حتى كف وأذعن، وأخذه أبوه وأحضره إلى الأردو في هيأة المأسور المقهور وجوبان يظهر هذا ويسر خلافه، ويبطن مخادعة السلطان أبي سعيد في أمره، فلما مثل تمرتاش بين يديه فك أساره وخلع عليه وتركه بالأردو مدة، ثم أعاده إلى الروم على ما كان عليه وزاد في تخويله والتنويه بقدره، ثم لما آن لدولة جوبان وبنيه الزوال وكان منهم ما كان قويت أمراء الأتراك بالروم وانتعشت قواهم، ثم هم إلى الآن على هذا الحال على كثرة اضطراب أمر المغل وتفرق أهوائهم في هذه المدد كلها ومع هذا ما استطاع أحد من أمراء الأتراك أن يلتفت إلى شيء مما بأيديهم من الروم لا ولا ارتجاع شيء مما كان تمرتاش بن جوبان قد أبان ملوكه وافتتحه واستضافه إلى ما بيده. وهذه جملة ما حمله مقدار هذا التأليف من أخبار الروم، وما تضمنه مما دخل فيه بدلالة اللزوم. وبالله نسترشد ونستهدي، وعليه نتوكل وإليه ننيب. وأما ما هو بأيدي النصارى: فقد قال بلبان الجنوي: إن ممالك الروم كلها تترامى إلى رومية موضع الباب، ثم مملكة القسطنطينية، ثم طرابزون (٣). فأما مملكة طرابزون فهي من ممالك عباد الصليب مملكة جليلة القدر على

стр. 1038

ساحل البحر على خرجة مانيطش وهي مملكة أخذت غربًا بشرق على طرف مملكة الأتراك في البر المتصل بنا وهي في جنوبي الروم دق طرفاها واتسع وسطها كأنما دار على جانبيها البيكار (١) من خارج المركز، فجاءت على شكل الإهليلجة، وعلى هذا التصوير صورها بلبان الجنوبي، وقال: وصاحبها ملك رومي عريق في الملك من أولاد قسطنطين باني مدينة القسطنطينية وهو صاحب تخت وتاج ووظائف ملكية وحاشية سلطانية وقدر رفيع عند الباب وهو وجميع أهله الغابر منهم، والباقي أهل جمال فائق وحسن فاتق إلا أن هذا الملك القائم بها الآن وأباه لكل منهما على عجم الصلب سلعة رقيقة ممتدة بارزة تكون طول الإبهام وعرضه كأنها ذنب خارج. قال: وفي هذه المملكة قوم فيهم مثل هذا ولما قال لي هذا. توقفت في نقله عنه وشككت فيه حتى حدثني بمثل هذا بهادر الإيواني، وحكى مثل هذا آخر من أهل السير وآخر، ثم آخر فحينئذ نقلته في كتابي هذا والعهدة عليهم والقدرة صالحة والله فاعل مختار ويخلق ما لا تعلمون فسبحان من ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢) قال وأهل طرابزون أهل نجدة وبأس وعليهم طريق مسلوك لمن أم بلاد القرم وصحراء القفجاق وطوائف سكان الشمال. قال: ومملكة طرابزون أوسع من مملكة الكرج وأجل مقدارًا عند ملوك النصرانية وإنما أولئك أيد وقوة. قال: وملك طرابزون يسمى التكفور كما يسمى ملك الأرمن وهو أعلى نسبًا من ملك الروم القائم الآن في المملكة بها وله عليه فخر لا يعلى على منصبه ولا يعلى رداؤه عن منكبه، قالوا: وجنده ليسوا بذي عدد غالب ولا مدد مطالب وإنما هم أقران فوارس وأعيان ليوث لا يخلى لها فرائس. قال: وأحوالها كلها تشابه ما يليها من ممالك الأتراك. قال بلبان الجنوبي: وأما مملكة القسطنطينية، وهي الآن تسمى اصطنبول (٣) وقديمًا بيزانتانية، فإنها كرسي مملكة الروم وملوكها التقدم على جميع ملوك عباد الصليب، وفي أهلها الملك القديم وكانت لهم اليد العليا على بني المعمودية وجميع

стр. 1039

الطوائف العيسوية، وهي مملكة قيصر (١)، وبها كان تخت الإسكندر وتداولتها دول الروم من أولاد قسطنطين وخرجت عليهم خوارج، ثم هبت للفرنج بها ريح ملك واستعلت لهم بها ذؤابة دولة واشتعلت لهم بها نار غلبة، ثم عادت إلى الروم واستمرت إلى اليوم. قال: والفرنج تزرى بالروم لخروج ملك الشام عنهم وتعيرهم بغلبة العرب عليهم يعني في مبدأ الإسلام وتعيبهم بهذا وتوسعهم الملام. قال: ومع هذا فلا يسع ملوك الفرنج إلا إجلال هذا الملك الرومي وتوفية حقه من التعظيم. وعساكره مائتا ألف فارس مديونة ما فيهم إلا أصحاب إقطاع أو نقد وأرزاقهم لكل واحد منهم في السنة من مائتي دينار إلى ألف وخمسمائة دينار وفيهم من يبلغ ألفي دينار. والدينار اثنا عشر درهمًا وهو درهم ينقص عن البندقي بيسير، والدينار ما هو دينار مسمى بل حقيقة دينار مسكوك من ذهب مغشوش فلهذا نقص ثمنه. قال: واسم هذا الدينار بريرو. قال: وأما الأمرة عند الروم فإنها محفوظة في بيوت قديمة يتقدم في إمرة كل بيت واحد منهم يتوارثها كابر عن كابر، ويورثها أول لآخر. قال: ولملك القسطنطينية (٢) قدرة ليست لأحد من الملوك النصرانية سواه. قال: لأنه يركب في كل يوم أحد إلى الكنيسة العظمى بها ومعه البطريرك ويقف على كل باب من أبواب الكنيسة على كثرة أبوابها (٣) فرس للملك وبغلة للبطريك وشعار سلطنة كامل بجميع ما يحتاج إليه الملك بما لابد للموكب الملوكي منه فمن أي باب خرج من أبواب الكنيسة هو والبطريرك ركبا، وسار الملك في أبهة الملك التمام وشعار السلطنة الكامل بما كان معدًا له على الباب الذي خرج منه دون ما كان معدًا على بقية الأبواب، وعلى كل باب منها نظير ما كان على الباب الذي خرج منه الملك وسار بشعار الملك الكامل. قال: وللملك ميزة يتميز بها وهو أنه لا يلبس أحد في مملكته جميعها خفًا أحمر غيره. وزي الروم في لباسهم من نوع زي الأتراك والمغل من الأقبية التتارية والمخصرة خلا أن الكباس على رؤوسهم متسع مرحرح كأنه الطبق، ويشدون في أوساطهم المناطق والسيوف ومناطقهم ثقال وسيوفهم كالسيوف المغربية أخف من

стр. 1040

العربيات وعلى أشكالها ولباسهم الجوخ والصوف والحرير والأطلس والديباج، وسائر أنواع الحرير. قال: وللملك داران معروفتان بدار المملكة الواحدة قديمة من بناء الإسكندر، خارجة في كبد البحر ذات محارات طوال ودهاليز بعيدة نائية، وفي جانبيها تماثيل نحاس على صورة الإنسان، وسائر أنواع الحيوان وفيها صورة فرسان على خيل وحيوانات وأشكال أخر وكلها أكبر من الحيوانات المعروفة بما يزيد زيادة ظاهرة على الأشكال الطبيعية وهي في غاية الصنعة والأحكام بالنقوش العجيبة والتخاطيط الغريبة، ولا يعرف هل عملت لظاهر الزينة أو لباطن من الحكمة وهي دار عظيمة هائلة البناء بعقود منظمة وأفنية رفيعة واسعة رحبة مفروشة بالرخام الأبيض والمجزع والملوّن وضروب من المسنّ الأخضر. قال: والملوك لم يسكنوها منذ أعصر يتشأمون بها، ويقولون إنها مسكونة بمردة الجن وفساق الشياطين، وإن فيهم من يتراءى على مثال أصلة لا تطاق. والدار الأخرى هي التي يسكنها الآن الملوك وتسكن إليها وهي على جلالة مكانها وفخامة قدرها لا تقارب دار الإسكندر ولا تدانيها في الإمكان والتشييد ورونق التأنيق والتنميق. قال: ولقد كانت ملوك القسطنطينية تراقب ملوك القفجاق وتؤدي إليهم القطيعة حتى تزوج هذا السلطان أزبك خان منهم فأمنهم ووضع عنهم أثقال تلك القطيعة وأصر تلك الأتاوة، وناموا الآن في مهاد الأمن، ورفعت عنهم غمم التكليف. وقال لي غيره وقد سألته عن عدد جيوش الروم، فقال: هم عدد بلا نفع. قلت: وهذا هو المشهور عندهم في كل زمان ومكان، والمأثور عنهم أنهم وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشيء شيء وإن هان. أقوى اعتدادهم للخمر والخمير وأوفى خبنهم الديباج والحرير، ما فيهم ضارب إلا بجنك (١) أو عود، ولا طاعن إلا بين أعكان ونهود. ولا يشربون دمًا إلا من فم إبريق جريح، ولا يرون قتيلًا إلا من شخص زق طريح، ولا لهم وقائع إلا في ملبقات الصحاف ولا مواقع إلا بين فراش ولحاف. لا يعرفون البيض إلا كل بيض الدمى، ولا السمر إلا كل سمراء اللمي، ولا العجاج إلا من دخان عنبر، ولا أشر السيوف إلا في ثغر شنيب كأنه عقد جوهر ولا مقام إلا في محبس راح ولا اهتمام إلا بمجلس أفراح، ولا التماس إلا لغبوق أو اصطباح (٢)،

стр. 1041

ولا اقتباس إلا مما تتوقد ناره في كأس أو يقتدح من أقداح ما منهم راكب جواد إلا للذة، ولا صاحب جهاد إلا في فرصة مستلذة، ولا عوال تلعلع أسنتها غير الشمع، ولا عويل إلا مما يتحير في ماقي الغيد من الدمع. قال بلبان وطوائف الروم لا معرفة لهم بامتطاء البحر، ولا عادة بركوب السفن، وأبعد سيارتهم فيه إلى مواضع النزهة، وإنما هم أصحاب خيل ولا تعد خيالهم في جياد الخيل، وإنما يجلب إليهم كرائمها من بلاد الأتراك من قاطع الخليج، وإنما لهم بغال تباع بغال، ولهم تجمل دبر في الملابس والمراكب والفروش وفي أهلها الجمال البديع والكمال التام، وفي المثل: وجوه الترك وأجسام الروم وظرف العرب. قال: فأما منابت القسطنطينية فكلها أرض جيدة صالحة للزروع والثمار، ولها نهر متوسط المقدار عليه مساقي زرع وأشجار والأرزاق بها كثيرة الوجود، والرطل القسطنطيني نظير الرطل المصري، وكيل الطعام بها يسمى مدني، وهو حمل جمل يكون اردبين ونصف بالمصري، وبه تباع الغلال الكثيرة؛ فأما القليل منها فيباع بالرطل. قال: وهذا الملك لا يفارق مجلسه الطرب، ويضرب له بالآلة المعروفة بالأرغل وهي ذات وضع عجيب وألحان غريبة مطربة تأخذ بمجامع القلب. قلت: وقد رأيت هذا الأرغل بدمشق، ثم بالقاهرة، فقلت: هذا للضارب به. فقال لي: هذا ارغل صغير يفكك ويحمل وما معه أصوات تسيز له الضرب، والذي يضرب به لملوك الروم والبحر كبير مستقر في مكان لا يزايله وله عدة من أصحاب الأنغام المطربة تسيز له، وله بذاك رونق لا يكون في مثل هذا. وصورة الأرغل خشب مركب وله بكر نحاس وأوتار شريط نحاس وبحر بمثل كور الصائغ، ونغمه شبيه بالآلة التي تسمى القانون. ثم نعود إلى تتمة الحديث. قال بلبان والملك لا يمد الطعام إلا بين سماطين من المغاني وأصحاب الملاهي. وحدثني أقسنقر الرومي أحد أمراء العشرات بالأبواب السلطانية وهو من بعض

стр. 1042

بيوت الأمرة القديمة بالقسطنطينية، وكان قد حضر في جملة الرسل إلى الأبواب العالية وأسلم، وشمله التشريف والإنعام الشريف والإقامة في الخدمة السعيدة السلطانية بمثل هذه الأحوال، وسمعته يبالغ في تعظيم شأن ملوكهم، ويصفهم بحسن الموافاة والمراعاة لمصالح أولياء دولتهم ورعاياهم، وقال: إن عادتهم جارية بأنه من مات من أمراء الروم جرى على أكبر أولاده ما كان يجري على أبيه؛ فإن لم يكن له ولد كان على أكبر أهله، فإن انقرض تصرف الملك فيه برأيه؛ فإن ترك الميت أولادًا لا يقوم بهم ما كان لأبيهم ولا يكفيهم إذا توزع عليهم جرى على الأماثل ما كان لأبيهم ونظر في حال البقية. قال: وعادة هؤلاء الملوك أن لا يعطى ولد أمير رزقًا من جهتهم ما دام أبوه حيًا يرزق بل ارتزاقه مما لأبيه، وإن أراد الملك أن يعطيه شيئًا أعطى لأبيه مقدار ما يريد أن يجعله لابنه، ثم أمره أن يجريه هو على ولده من جهته لا من جهة الملك. قال: وهم أهل عدل فلا يظلم أحد منهم ولا يستحسن الظلم ولا يفسح فيه ولا يتطلع إلى شيء مما في أيدي الناس من أرباب دولته ورعايا مملكته ولا يعرف هذا عهدهم. قال: وجميع من هو في خدمة ملوك الروم لا حجر عليهم ولا تضييق في الإكرام بحضور خدمة مرتبة ولا أخذ دستور في أمر من الأمور مخلي بين نفسه وما يريد في الركوب والنزول والسفر إلى الصيد والتنزه إلى جهات أملاكهم وإقطاعاتهم بل هو في ذلك كله مع رأيه يسافر متي أراد إلى أي جهة أراد ويغيب ما يقدر له أن يغيب بغير إذن الملك ولا أحد ممن ينوب عنه، وفيهم من يغيب السنة فما فوقها، ولا يقال له لم سافرت ولا كيف أبطأت ولا لأي شيء انقطعت عن الخدمة، ولا يعتب ولا ينكر عليه، ولا للملك عليهم تشديد في أمر إلا في الإلزام بالتوجه إلى حرب أو المؤاخذة بحق. قال: وأما أهل مملكة الملك فهم منه في أرغد عيش لا يقوّض له بناء ولا يكفأ له إناء. قالوا كلهم: والبطريرك هو الحاكم على الملك؛ لأنه لا معوّل إلا على رأيه ولا يفصل حكم إلا بقضائه، وله رزق عظيم يعدل معدّله دخل إقليم، وإليه أمر الكنيسة العظمى وسائر الكنائس والديارات ويحصل لها في كل سنة أموال جمة طائلة من الوقوف والنذور والقربانات والتحف ومهاداة الملوك والكنود والتجار. وفيما يزعم الروم أن بلاد مقدونية جميعها وقف على الكنيسة العظمى التي لهم

стр. 1043

المسماة بالأوصفية (١) وبلاد مقدونية هي الإسكندرية وما هو مضاف إليها وكان ذلك في قديم الزمان مصر كلها بأسرها إلا الصعيد الأعلى. وعلى هذا جاء الفتوح في صدر الإسلام. قلت: والروم تبالغ في تعظيم هذه الكنيسة وتعتقد كرامتها وينقل في التواريخ أن بها كان اجتماع قسطنطين على التدين بدين النصرانية وأن عقد الاتفاق كان على المذبح بها. وفيها على ما يقول صليب الصلبوت وعصا موسى وزنار مريم ومسح المسيح مما يقال إنه صار إليها من طليطلة. وفي زمان الملك الناصر صلاح الدين قدس الله روحه جاءت إليه رسل الفرنج تسأله في إرسال صليب الصلبوت إليها وزعموا أنه كان صار إلى خزائن العبيديين واتصل إليه، ثم إن صلاح الدين ظفر في بعض حروبه بالرجل الذي كان حضر في طلب الصليب، فأمر به فصلب. وكتب الفاضل ﵀ كتابًا ذكر هذا فيه، فقال: وحصل الظفر بمن كان تقدم حضوره في طلب صليب الصلبوت وأطلقه في ذلك الوقت، وعلم أنه لا يفوت فلما ظفر به الآن أمر به أن يصلب وجعله مثله وسمره على الصليب الخشب، وجعله مثله. هذا ما ذكر في هذا المعنى. وأما الشائع الذائع على ألسنة الناس وكلام المتجولين في الأرض وطلبة الكنوز والخبايا فهو أن علم الكنوز في كنيسة القسطنطينية. قالوا إن هذه الأعلام كانت بطليطلة ثم صارت إلى القسطنطينية، ومنهم من يقول: إن الروم لما جلت عن الشام وبلاد القبط اكتنزت كثيرًا من أموالها في مواضع كانت تعدها لذلك، وكتبت بها كتبًا بأعلام مواضعها وطرق الوصول إليها، وأودعت تلك الكتب مكانًا في كنيسة القسطنطينية وإن منها تستفاد معرفتها، ومنهم من زعم أن سكان الشام من الروم لم يكنزوا، وإنما ظفروا بكتب بمعالم كنوز من كان قبلهم من اليونان والصابئة والكلدانيين ومن تقدمهم من الأمم الأول، فلما غلبوا على الشام استصحبوا تلك المعالم فأودعوها الكنيسة ويقال: إنه لا يصل إليها إلا من خدم الكنيسة مدة معلومة عندهم، فإذا انقضت أعطى ورقة واحدة بحظه ونصيبه فيما يدل

стр. 1044

عليه. ولهم في هذا ومثله حكايات وأسمار ما هذا موضعها ولا مكان الاشتغال بها وإشغال الكتاب بجنسها وأنا لا أصدقها ولا أكذبها وإنما ذكرت منها هذا هنا على سبيل الحكاية والتندير، إذ كان هذا مما يدور ذكره في حديث الناس إذا ذكروا هذه الكنيسة وهو مما لا يستبعد إما كله، وإما شيء منه لدخوله في حيز الإمكان؛ ولأنه ما يخلو من فواضل أهل كل زمان. وهؤلاء العرب تكنز أموالها في قدور بسلاسل طوال تدفنها في مواضع متغلغلة في البر وتعلمها بأعلام لا تتغير من الجبال والربي وما أشبه ذلك. فأما ما لاشك فيه فهو أن في القسطنطينية كتبًا جليلة من كتب حذاق الحكماء والفلاسفة القدماء ما لا خرج عن دار قومه ولا وصل إلى فلاسفة الإسلام منه شيء لضنانة بطاركتهم (١) وقسوسهم (٢) به ومحافظة خزانه على خزنه وحفظه، ويقال: إن فيها دقائق الموسيقى مما لو عمل به أهل هذا الشأن والقوة على أصحاب الأصوات المطاوعة لاستغنوا به في معالجتهم به عن العقاقير حتى يقال: إن فيها ما يلين القاسي ويقاد الصعب ويضحك ويبكي وينوم، ويدعي أصحاب علم الكيمياء أن فيها كتبًا جليلة فيها العلم الصحيح بأسهل الطرق وأقربها إلى الوصول، وتدعي أنه مما تلقى عن موسى صلوات الله عليه. قال: ويقال إن فيها أثرًا من علوم الخضر والإسكندر ذي القرنين، تفتح به المغالق، وتتسلم المعاقل وتملك النواصي وتهزم الأعداء، فإذا حوجج أحد ممن يقول هذا القول وحوقق وقيل له: أنتم تلوون ضلوعكم على الداء الدفين غيظًا على أخذ الشام منكم فهلا أخذتم بتلك الآثار وبلغتم المراد وكفيتم ألمهم أبلسوا وسكتوا، ولم تكن لهم حجة إلا أن يقولوا: ما بقي من يعرفها أو ذهب زمانها أو تريد طوالع أو باد يعملها أو ما ثم من هو مشتغل بها. وأما الذي هو الآن عندهم ظاهر من بقايا ذخائر العلماء الحكماء فهو الطين المختوم، ورأيت أطباء الزمان، ومنهم بالديار المصرية رؤساء أفاضل، وعلماء لا تقصر عن درجات الأوائل ما فيهم من يتنبه على التحقيق لكنه يستحسنه ويقول: هو طين مليح يحصل به القصد ويتوقف، ولا يجزم بأنه هو الطين المختوم ويقول: للطين المختوم طين عمل وطبع وختم على عهد جالينوس، ويقول: كانت امرأة في جزيرة

стр. 1045

في البحر تجلس على هيكل على قرارة أو بركة يأتيها السيل، فتذبح هناك التيوس على سبيل القربان في وقت معلوم من السنة ويؤخذ من التراب مما جف عنه السيل، وجمد عليه الدم أو قالوا: إنه يجبل بالدم في طالع مخصوص، ويقرص أقراصًا، ويطبع بطابع متخذ لها ومنهم من يقول: إن فعله إنما هو لخاصية تلك البقعة ومنهم من يقول: للطالع المخصوص، ومنهم من يقول: بل لشيء أفيض عليه في الهيأة الاجتماعية. وهذا الطين المختوم المجلوب الآن هو على نوعين: نوع أبيض ونوع أحمر، فأما الأبيض فمنه أغبر ومنه شديد البياض، وأما الأحمر فمنه وردي ومنه ما يشوبه سواد كأنه لون المغزا وطوابعه مختلفة وهذا الاختلاف مما أوقف الأطباء عن الجزم به أنه هو هو؛ ولأنهم لم يجدوا فيه كلما ذكرت القدماء في أوصافه. وقال لي الرئيس أمين الدين سليمان بن داود المتطبب ﵀ وقد أريته منه: هذا ما هو الطين المختوم والطين المختوم عمل على عهد جالينوس وكان مقدرًا ليس بالكبير، ثم لم يعمل بعده وغطى البحر على تلك الجزيرة، والناس منذ عمل تستعمل منه ولهذا زمان طويل ولو كانبقدر ما عمل أضعافًا مضاعفة لكان قد فرغ وإنما هو شيء مشبهه وليس به وأكثر ما يحمد الأطباء من هذا الطين المشتبه بلون المغرا ثم الوردي، فأما الأبيض فما رأيت أحدًا منهم يقدمه إذا رآهما في وصف، ولا يعبأ به. فأما جلابته من القسطنطينية فنذكره وتصف ضنانة الروم والذي جربت منه فحمدت من أنواعه هو المشبه بالمغرا وقد ذكرت هذا لمحل الفائدة. ثم نعود إلى الكلام على القسطنطينية. قال: أقسنقر الرومي، وبلبان الجنوي، وعلي بن بلبان الحلبي قالوا كلهم وقال غيرهم: إن القسطنطينية على جزر من البحر يدخل منه ماء إلى الميناء في جانب القسطنطينية، ويدخل مسوّرها والتجار والسفارة من سائر الأقطار من المسلمين والنصارى وغيرهم يأتي إليها وينزل بها ويبيع ويشتري فيها ولا حرج عليهم ولا تضييق، والمسلمون فيها على جانب إعزاز وإكرام فيها سكان من المسلمين يسكنونها إلى اليوم لا يمسهم، ولله الحمد، ذل ولا هوان، ولهم مساجد وأئمة تصلي بهم الجماعة فتظاهر فيها بشعائر الإسلام وللملك اهتمام بكف الأذية عنهم، وإذا شكا المسلم إليه على أحد من النصارى ولو أنه من عظماء البطارقة أشكاه وأنصفه منه ولا اضطهاد ولا ضيم في جميع مملكة هذا الملك عليهم ولو تغيرت الملوك واختلفت الأحوال لا يقدر الملك على تغير حاله في هذا ولا مخالفة لمن تقدمه فيها؛ لأنها

стр. 1046

عادة تدين بها ملوكهم وسارت بها في ملوك النصرانية سيرهم فلو عدل الملك عنها لمنعه البطريرك وواخذه به وأخذه بالرجوع إلى سادة أسلافه واشتد في منعه؛ فإن رجع وإلا كان السبب لتجريمه، فإن رجع وإلا كان السبب لخلعه، والروم أسخى من جميع الطوائف النصرانية واسمك في الكرماء نفوسا وأمسك ناموسا. ومع هذا فما فيهم من يداني العرب في كرم ولا يقاربهم في جود والشح غريزة في طباع النصارى لا تنفق إلا فيما يتنعم به فينفقه في اللهو والطرب والنخوة فيهم قليلة. وهذه جملة ما ذكروه من أخبارهم وفهم من كلامهم، ومما أقوله أن أدل دليل على عظم القسطنطينية وما لها الممدود غزوة هارون الرشيد إياها سنة خمس وستين ومائة. كان أبوه المهدي قد وجهه إليها وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه المهدي، فخرج يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة غازيًا إلى بلاد الروم وضم إليه المهدي الربيع مولاه فتوغل هارون الرشيد في بلاد الروم، فافتتح ماجدة ولقيه خيول نقطيا قومس القوامسة فبارزه يزيد بن مزيد فارجل يزيد ثم سقط نقطيا فضربه يزيد حتى أثخنه وانهزمت الروم وغلب يزيد على عسكره وسار هارون بمن معه في مائة ألف من المرتزقة وتبعهم مثلهم من المطوّعة، وحملوا لهم من العين مائة ألف ألف دينار وثلاثة وسبعين الف ألف وأربعمائة وخمسين دينارًا، ومن الورق مائة ألف ألف واحد وعشرين ألف ألف وأربعة عشر ألفًا وثمانمائة درهم وسار هارون الرشيد حتى قطع خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ عصته امرأة اليون. وذلك أن ابنها كان صغيرًا قد هلك أبوه وهو في حجرها فجرت بينها وبين الرشيد السفراء في طلب الصلح والموادعة وإعطاء الفدية، فقبل ذلك منها هارون الرشيد وشرط عليها الوفاء بما أعطت وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه وذلك أنه دخل مدخلًا ضيقًا مخوفًا على المسلمين. قال أبو جعفر الطبري (١): وسار هارون في خمسة وتسعين ألفًا وسبعمائة وثلاثة

стр. 1047

وتسعين رجلًا من المرتزقة سوى المطوعة، ثم ذكر مثل هذا. وقال: إنه جرت بينها وبين هارون الرسل والسفراء في طلب الصلح فشرط عليها الوفاء وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه فأجابته، والذي وقع عليه الصلح بينه وبينها سبعون ألف دينار تؤديها في نيسان الأول في كل سنة، ومثله في حزيران وقبل ذلك منها وأقامت الأسواق في منصرفه، ووجهت معه رسلًا إلى المهدي بما بعثت له وبما بذلت على أن تؤدي ما تيسر من الذهب والفضة والعرض، وكتبوا كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين، وكان الذي أفاء الله على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعون رأسًا وعشرون ألف دابة من الدواب الذلل وذبح من الغنم والمعز مائة ألف رأس، وقتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسون ألفًا، وقتل من الأسارى صبرًا ألفان وتسعون أسيرًا، وبيع البرذون بدرهم، والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم، وعشرون سيفًا بدرهم، فقال مروان بن أبي حفصة (١) يمدح الرشيد: [من الطويل]

стр. 1048

أطفتَ بقسطنطينة الرومِ مُسندًا … إليها القَنا حتى اكتسى الذلَّ سُورُها وما رُمتَها حتى أتتك ملوكها … بجزيتها والحرب تغلى قدورها وجزت إليهم مالح البحر لمْ تُبَلْ … بهِ ووفود الموج دان مسيرها وأخرجت منها من خزائن قيصر … ألوف قناطير عظيم يسيرها فبورك هارون الندى بن محمد … ودام على الأعداء منه مبيرها لقد جرد المهدي منه مهندًا … يُعضُّ بهِ يوم اللقاء صُدورها على سمته سرّ النبوة لائح … ومن وجهه الوضاح أشرقَ نُورُها لقد أصلح الرحمان أمة أحمد … لمسعاهما حتى استقامت أمورها أئمة عدل حيث حلَّتْ بلادها … وكلُّ سرير للملوك سريرها (١) وقد ذكر الطبري هذه الواقعة في أحداث هذه السنة بهذه المقاصد (٢). وقد ألحقت هذا الفصل بشيء مما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر (٣) في

стр. 1049

تاريخه في ترجمة أبي محمد البطال (١)، قال: «عبد الله أبو يحيى الأنطاكي (٢) كان ينزل أنطاكية». قال: وكان ممن خرج مع مسلمة بن عبد الملك بن مروان إلى بلاد الروم، قال: لما أراد عبد الملك أن يوجه مسلمة إلى بلاد الروم قال قد أمرت عليكم مسلمة بن عبد الملك. قال: وولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطال وأقبل على مسلمة فقال صيّر على طلائعك البطال وأمره فليعس بالليل العسكر فإنه ثقة أمين شجاع مقدام فخرج مسلمة وخرج عبد الملك يشيعه حتى بلغ إلى باب دمشق. وذكر الحافظ (٣) بسنده عن الوليد بن مسلمة، قال: حدثني بعض شيوخنا أن مسلمة بن عبد الملك عقد للبطال على عشرة آلاف من المسلمين فجعلهم سيارة ما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم، ومن يتخوفون اعتراضه في نشر المسلمين وعلاقاتهم، ويخرج المسلمون يتعلقون فيما بينهم وبين العسكر، فيصيبون ويخطئون فيأمن بهم العسكر (٤). وقال الوليد بن مسلم حدثني أبو مروان الأنطاكي عن البطال أنه قال سألني بعض ولاة بني أمية عن أعجب ما كان من أمري فيهم فقلت: خرجت في سرية ليلًا، وخرجنا إلى قرية وقلت لأصحابي: ارخوا لجم خيولكم ولا تحركوا أحدًا بقتل ولا سبي حتى تشحنوا القرية؛ فإنهم في نومة، قال: ففعلوا وافترقوا في أزقتها ودفعت في ناس من اصحابي إلى بيت يزهر سراجه وامرأة تسكت ابنها من بكائه وهي تقول: لتسكتن أو لأدفعنك إلى البطال، ثم انتشلته من سريره فقالت: أمسك يا بطال فأخذته. وقال الوليد: حدثنا أبو مروان أنه سمعه يحدث، قال: خرجت ذات يوم متوحدًا على فرسي لأصيب غفلة مسمطًا مخلاة فيها عليق فرسي ومنديل فيه خبز وشواء فبينا أنا أسير إذ مررت ببستان فيه بقل طيب، فنزلت فعلفت على فرسي، وأصبت من ذلك الشواء ببقل البستان، إذ أسهلني بطني فاختلفت متواريًا، فأشفقت من دوامه وضعفي عن الركوب فبادرت فركبت ولزمت طريقًا واستفزعني على سرجي كراهية أن أنزل

стр. 1050

فأضعف عن الركوب حتى لزمت عنق فرسي خوفًا أن أسقط عنه، وذهب بي ولا أدري أين يذهب بي إذ سمعت وقع حوافره على بلاط ففتحت عيني فإذا دير فوقف بي في وسط الدير، وإذا نسوة يتطلعن من أبواب الدير، فلما رأين حالي وضعفي عن النزول فاتتني جارية صاحية منهن حتى وقفت علي ونظرت في وجهي، ورطنت لهن فنزعن ثيابي وغسلن ما بي ودعت بثياب فالبستنيها وترياق أو دواء فشربته، ثم أمرت بي فجعلت على سرير لها ودثار وأمرت بطعام فهيئ لي فأتيت به وأقمت يومي وتلك الليلة لا أدري ما أنا فيه ومكثت يومين وليلتين حتى ذهب عني السبات وأنا ضعيف عن الركوب، فلما كان اليوم الثالث جاءها من يخبرها أن فلانًا البطريق قد أقبل في موكبه فأمرت بفرسي فغيّب وأغلق علي باب بيتي الذي أنا فيه، ثم أنزلت البطريق وأصحابه وكان قد جاء خاطبًا لها فبينا هو على ذلك، إذ جاءه من يخبره عن موضع فرسي وإغلاقهم عليّ، فهم أن يهجم عليّ فأقسمت إن هو تعرضني لا نال حاجته، فأمسك وأقام قائلة ذلك اليوم، ثم تزوج وخرجت فدعوت بفرسي فخرجت إلي وقالت إني لا أمن أن يكمن لك دعه يذهب فأبيت عليها وركبت فقفوت أثره حتى لحقته وشددت عليه فانفرج عنه أصحابه فقتلته وطلبت أصحابه فهربوا عني وأخذت فرسه وسمطت رأسه ورجعت إلى الدير فألقيت الرأس ودعوتها ومن معها من نسائها وخدمها فوقفن بين يدي وأمرتها بالرحلة ومن معها على دواب الدير وسرت بهن إلى العسكر حتى دفعت بهن إلى الوالي فجعل نفلي منهن، فتنفلت المرأة بعينها وسلمت سائر الغنيمة في المقسم واتخذتها فهي أم بني. قال أبو مروان: وكان أبوها بطريقًا من بطارقة الروم، له شرف يهاديه ويكاتبه. وقال الوليد سمعت عبد الله بن راشد الخزاعي يخبر عمن سمعه من البطال، يخبر أن هشامًا أو غيره من خلفاء بني أمية كان قد استعمله على ثغر المصيصة، وما يليها، وأنه راث عليه خبر الروم فوجه سرية لتأتيه بالخبر، فتوجهوا واجلهم أجلًا فاستوعبوا الأجل. قال: فأشفقت من مصيبتهم ولائمة الخليفة، فخرجت متوجدًا حتى أوغلت في الناحية التي أمرتهم بها فلم أجد لهم خبرًا فعرفت أنهم أخبروا بغفلة أهل الناحية الأخرى، فتوجهوا إليها، وكرهت أن أرجع ولم أستنقذهم مما هم فيه إن كان عدو يكاثرهم، واعرف من خبرهم ما أسكن إليه. فلم أجد أحدًا يخبرني بشيء فمضيت حتى أقف على باب عمورية، فضربت بابها وقلت للبواب: افتح لفلان سياف الملك ورسوله، وكنت أشبه به، فاعلم ذلك صاحب

стр. 1051

عمورية، فأمره بفتح الباب ففعل وأدخلني، فلما صرت إلى بلاطها وقفت وأمرت من يشتد بين يدي إلى باب بطريقها ففعل ووافقت باب البطريق قد فتح وجلس لي ونزلت عن فرسي وأنا متلثم بعمامتي فأذن لي ومضيت حتى جلست إلى جانبه فرحب بي، فقلت له: اخرج من هنا لكلام حملت إليك فأخرجهم وغلق الباب وعاد إلى مجلسه، فاخترطت سيفي وضربت على رأسه، ثم قلت له قد وقعت بهذا الموضع، فأعطني عهدًا حتى أكلمك بما أريد، ثم ارجع من حيث جئت، ولا يتبعني منك خلاف ففعل، فقلت: أنا البطال فاصدقني عما أسألك عنه وانصحني وإلا أتيت عليك، فقال سل عما بدا لك فقلت السرية، فقال: نعم وافت البلاد غارة لا تدفع أهلها يد لامس، فوغلوا في البلاد وملأوا أيديهم غنائم، وهذا آخر خبر جاءني أنهم بوادي كذا فعمدت سيفي، وقلت: ادع لي بطعام فدعا فأصبت منه، ثم قمت. فقال لمن حوله: كونوا معه حتى يخرج ففعلوا ثم قصدت السرية حتى أتيتها وخرجت بها وبما غنمت فهذا من أعجب ما كان مني، ثم قتل ﵀ شهيدًا في غزاة غزاها، وقتل معه خلق كثير من المسلمين وفيها يقول الشاعر: [من الوافر] ألم يبلغك مِنْ أنباء جيش … بأقرن غودروا جُثثًا رماما تقودُهُمُ حُتُوفٌ لمْ يُطيقوا … لها دفعًا هناك ولا خصاما معارك لم يقم فيها لشجو … نوائحُ يَلْتَدِمْنَ بهِ التداما ولم تهمل على البطالِ عين … هناك بغيره تسقى الهياما عشية باشر الأهوال صبرا … بخيل تخرِقُ الجَيش اللهاما إذا ما خيلُهُ حَمَلَتْ عليهمْ … تَداعَوا مِنْ مخافته انهزاما فلا تبعد هنالكَ مِنْ شهيد … فإنك كنتَ للهيجا حساما (١) * * *

стр. 1052

الباب السادس: في مملكة مصر والشام والحجاز

стр. 1053

في مملكة مصر والشام والحجاز (١) هذه الممالك هي مملكة واحدة، يقع معظم مصر في أوائل الثالث، ومعظم الشام في أواخره، وحلب منه في الرابع. وهي مملكة كبيرة وأموالها كثيرة، وقاعدة الملك بها «قلعة الجبل» ثم «دمشق». وهي من أجل الممالك لما حوت من الجهات المعظمة، والأرض المقدسة، والمساجد التي على التقوى مؤسسة بها المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها (٢)، وقبور الأنبياء، صلوات الله عليهم والطور والنيل والفرات وهما من الجنة. وبها «معدن الزمرد» ولا نظير له في أقطار الأرض، وحسب مصر فخرًا بما انفردت به من هذا المعدن واستمداد ملوك الآفاق له منها. أخبرنا العدل عبد الرحيم شاهد المعدن بما أذكره من أحواله قال: إن بينه وبين قوص مسافة ثمانية أيام بالسير المعتدل المعتاد، والبجاة تنزل حوله وقريبًا منه لأجل القيام بخفره وحفظه. وهذا المعدن هو في الجبل الآخذ على شرقي النيل في بحري قطعة عظيمة من هذا الجبل تسمى «قرقشندة» وليس في الجبال التي هناك أعلى ولا أشرف منها، وهو في منقطع من البر لا عمارة عنده ولا حوله ولا قريبًا منه. والماء عنه على مسيرة نصف يوم منه أو أزيد، وهو ماء يتحصل من المطر ويعرف بغدير أعين يكثر بكثرة المطر ويقل بقلته. أما هذا المعدن فهو في صدر مفازة طويلة في حجر أبيض منه يستخرج الزمرد.

стр. 1054

والحجر المذكور ثلاثة أنواع: أحدها يقال له: طلق كافوري، والثاني يقال له: طلق فضي، والثالث يقال له؛ حجر جروي. يضرب في هذه الحجارة حتى يخرج الزمرد وهو كالعروق فيه والذي يخرج من أجوده. وأنواع الزمرد ثلاثة (١): الذبابي (٢) وهو أفخرها، ولكنه قليل بل أقل من القليل بل لا يكاد يوجد. قال العدل عبد الرحيم: إنه ما رآه في مدة مباشرته ولا خرج منه شيء في طول تلك المدة. قال: وهو يستخرج في طول السنة مهما وجد من يعمل فيه. قال: وليس للفعلة فيه عدة محصورة بل هم تارات بحسب الاهتمام وعدم الاهتمام باستخراج هذا المعدن. قال: وإذا استخرج الزمرد يلقى في الزيت الحار، ثم يحط في قطن ويصر ذلك القطن في خرق كتان أو ما يجرى مجراه. قال: والاحتراز على هذا المعدن كثير جدًا، والفعلة تعين عند خروجهم منه في كل يوم حتى نفتش منهم أماكن لا يليق ذكرها. هذا ما أخبرني به. وحدثني آخر له معرفة بهذا المعدن وأحواله: أن هؤلاء الفعلة في هذا المعدن مع هذا الاحتراز الشديد لهم حيل كثيرة في سرقة الزمرد ومنها: أن الرجل منهم ليسرق ما يمكنه من الزمرد ويعمله في كيس صغير معد لذلك ويربطه ثم يعلقه بخيط إبريسم مبروم مشدود فيه بين أضراسه الدواخل، ويكون رأس الخيط معقودًا وثيقًا، فإذا علق الخيط أخرج تلك العقد بين الضرسين إلى جهة الشفة فيبقى ناشبًا به فإذا خرج إلى ظاهر المعدن وصار إلى حيث مأمن أخرجه وأخذ ما فيه (٣).

стр. 1055

وبها «البلسان» (١) وهو ما هو، وملوك النصرانية تترامى على طلبه، والنصارى كافة تعتقد فيه ما تعتقد وترى أنه لا يتم تنصر نصراني حتى يوضع شيء من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها. * * * فأما وجوه دخل هذه المملكة وخراجها وعساكرها وأجنادها وما أوى إليها من الأمم وسكنها من أشتات الخلائق، وعرفت به سلاطينها من حسن السياسة، وقدم الرئاسة، فأمر لا يخفى له خبر ولا يغطى ضوؤه على ذي بصر. وقد تقدم في مواضع من هذا الكتاب، ويأتي في مواضع أخرى منه ما يحقق ما قلنا. ولا يعتقد معتقد ولا يظن ظان أني قلت في هذا بغرض لكوني من أهل هذه البلاد، وتحت ظل ملوكها وربيت أنا وآبائي في نعم سلاطينها. فمعاذ الله أن أقول إلا الحق أو أسطر عني غير الصحيح لاسيما فيما يتحدث به أهل جيل بعد جيل، بل لهذا اختصرت في القول. ومعاملتها «الدراهم»، ثلثاها فضة والثلث نحاس (٢). والدرهم ست عشرة حبة خروب، الخروبة ثلاث قمحات، والمثقال أربعة وعشرون خروبة. والدرهم منها قيمته ثمانية وأربعون فلسًا. و «الدينار الجيشي» (٣) مسمى عنه ثلاثة عشر درهمًا وثلث درهم (٤) من العادة عنه
следующие страницы →