عمورية، فأمره بفتح الباب ففعل وأدخلني، فلما صرت إلى بلاطها وقفت وأمرت من يشتد بين يدي إلى باب بطريقها ففعل ووافقت باب البطريق قد فتح وجلس لي ونزلت عن فرسي وأنا متلثم بعمامتي فأذن لي ومضيت حتى جلست إلى جانبه فرحب بي، فقلت له: اخرج من هنا لكلام حملت إليك فأخرجهم وغلق الباب وعاد إلى مجلسه، فاخترطت سيفي وضربت على رأسه، ثم قلت له قد وقعت بهذا الموضع، فأعطني عهدًا حتى أكلمك بما أريد، ثم ارجع من حيث جئت، ولا يتبعني منك خلاف ففعل، فقلت: أنا البطال فاصدقني عما أسألك عنه وانصحني وإلا أتيت عليك، فقال سل عما بدا لك فقلت السرية، فقال: نعم وافت البلاد غارة لا تدفع أهلها يد لامس، فوغلوا في البلاد وملأوا أيديهم غنائم، وهذا آخر خبر جاءني أنهم بوادي كذا فعمدت سيفي، وقلت: ادع لي بطعام فدعا فأصبت منه، ثم قمت. فقال لمن حوله: كونوا معه حتى يخرج ففعلوا ثم قصدت السرية حتى أتيتها وخرجت بها وبما غنمت فهذا من أعجب ما كان مني، ثم قتل ﵀ شهيدًا في غزاة غزاها، وقتل معه خلق كثير من المسلمين وفيها يقول الشاعر: [من الوافر]
ألم يبلغك مِنْ أنباء جيش … بأقرن غودروا جُثثًا رماما
تقودُهُمُ حُتُوفٌ لمْ يُطيقوا … لها دفعًا هناك ولا خصاما
معارك لم يقم فيها لشجو … نوائحُ يَلْتَدِمْنَ بهِ التداما
ولم تهمل على البطالِ عين … هناك بغيره تسقى الهياما
عشية باشر الأهوال صبرا … بخيل تخرِقُ الجَيش اللهاما
إذا ما خيلُهُ حَمَلَتْ عليهمْ … تَداعَوا مِنْ مخافته انهزاما
فلا تبعد هنالكَ مِنْ شهيد … فإنك كنتَ للهيجا حساما (١)
* * *
стр. 1052
الباب السادس: في مملكة مصر والشام والحجاز
стр. 1053
في مملكة مصر والشام والحجاز (١)
هذه الممالك هي مملكة واحدة، يقع معظم مصر في أوائل الثالث، ومعظم الشام في أواخره، وحلب منه في الرابع.
وهي مملكة كبيرة وأموالها كثيرة، وقاعدة الملك بها «قلعة الجبل» ثم «دمشق».
وهي من أجل الممالك لما حوت من الجهات المعظمة، والأرض المقدسة، والمساجد التي على التقوى مؤسسة بها المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها (٢)، وقبور الأنبياء، صلوات الله عليهم والطور والنيل والفرات وهما من الجنة.
وبها «معدن الزمرد» ولا نظير له في أقطار الأرض، وحسب مصر فخرًا بما انفردت به من هذا المعدن واستمداد ملوك الآفاق له منها.
أخبرنا العدل عبد الرحيم شاهد المعدن بما أذكره من أحواله قال: إن بينه وبين قوص مسافة ثمانية أيام بالسير المعتدل المعتاد، والبجاة تنزل حوله وقريبًا منه لأجل القيام بخفره وحفظه. وهذا المعدن هو في الجبل الآخذ على شرقي النيل في بحري قطعة عظيمة من هذا الجبل تسمى «قرقشندة» وليس في الجبال التي هناك أعلى ولا أشرف منها، وهو في منقطع من البر لا عمارة عنده ولا حوله ولا قريبًا منه. والماء عنه على مسيرة نصف يوم منه أو أزيد، وهو ماء يتحصل من المطر ويعرف بغدير أعين يكثر بكثرة المطر ويقل بقلته. أما هذا المعدن فهو في صدر مفازة طويلة في حجر أبيض منه يستخرج الزمرد.
стр. 1054
والحجر المذكور ثلاثة أنواع: أحدها يقال له: طلق كافوري، والثاني يقال له: طلق فضي، والثالث يقال له؛ حجر جروي. يضرب في هذه الحجارة حتى يخرج الزمرد وهو كالعروق فيه والذي يخرج من أجوده.
وأنواع الزمرد ثلاثة (١): الذبابي (٢) وهو أفخرها، ولكنه قليل بل أقل من القليل بل لا يكاد يوجد.
قال العدل عبد الرحيم: إنه ما رآه في مدة مباشرته ولا خرج منه شيء في طول تلك المدة. قال: وهو يستخرج في طول السنة مهما وجد من يعمل فيه.
قال: وليس للفعلة فيه عدة محصورة بل هم تارات بحسب الاهتمام وعدم الاهتمام باستخراج هذا المعدن.
قال: وإذا استخرج الزمرد يلقى في الزيت الحار، ثم يحط في قطن ويصر ذلك القطن في خرق كتان أو ما يجرى مجراه.
قال: والاحتراز على هذا المعدن كثير جدًا، والفعلة تعين عند خروجهم منه في كل يوم حتى نفتش منهم أماكن لا يليق ذكرها. هذا ما أخبرني به.
وحدثني آخر له معرفة بهذا المعدن وأحواله: أن هؤلاء الفعلة في هذا المعدن مع هذا الاحتراز الشديد لهم حيل كثيرة في سرقة الزمرد ومنها: أن الرجل منهم ليسرق ما يمكنه من الزمرد ويعمله في كيس صغير معد لذلك ويربطه ثم يعلقه بخيط إبريسم مبروم مشدود فيه بين أضراسه الدواخل، ويكون رأس الخيط معقودًا وثيقًا، فإذا علق الخيط أخرج تلك العقد بين الضرسين إلى جهة الشفة فيبقى ناشبًا به فإذا خرج إلى ظاهر المعدن وصار إلى حيث مأمن أخرجه وأخذ ما فيه (٣).
стр. 1055
وبها «البلسان» (١) وهو ما هو، وملوك النصرانية تترامى على طلبه، والنصارى كافة تعتقد فيه ما تعتقد وترى أنه لا يتم تنصر نصراني حتى يوضع شيء من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها.
* * *
فأما وجوه دخل هذه المملكة وخراجها وعساكرها وأجنادها وما أوى إليها من الأمم وسكنها من أشتات الخلائق، وعرفت به سلاطينها من حسن السياسة، وقدم الرئاسة، فأمر لا يخفى له خبر ولا يغطى ضوؤه على ذي بصر. وقد تقدم في مواضع من هذا الكتاب، ويأتي في مواضع أخرى منه ما يحقق ما قلنا.
ولا يعتقد معتقد ولا يظن ظان أني قلت في هذا بغرض لكوني من أهل هذه البلاد، وتحت ظل ملوكها وربيت أنا وآبائي في نعم سلاطينها. فمعاذ الله أن أقول إلا الحق أو أسطر عني غير الصحيح لاسيما فيما يتحدث به أهل جيل بعد جيل، بل لهذا اختصرت في القول.
ومعاملتها «الدراهم»، ثلثاها فضة والثلث نحاس (٢). والدرهم ست عشرة حبة خروب، الخروبة ثلاث قمحات، والمثقال أربعة وعشرون خروبة. والدرهم منها قيمته ثمانية وأربعون فلسًا.
و «الدينار الجيشي» (٣) مسمى عنه ثلاثة عشر درهمًا وثلث درهم (٤) من العادة عنه
стр. 1056
مسمى أربعون درهمًا سودًا، الدرهم منها ثلث درهم مما ذكر.
ولا يوجد بالديار المصرية من الدراهم السود (١) إلا المسميات لا الأعيان. فأما بالإسكندرية فإنها توجد بها وهي كل اثنين بدرهم.
وأما «الكيل» فيختلف في مصر: الإردب وهو ست ويبات (٢)، الويبة أربعة أرباع (٣)، الربع أربعة أقداح القدح مائتان واثنان وثلاثون درهمًا، هذا إردب مصر. وفي أريافها يختلف الإردب عن هذا المقدار إلى أنهى ما ينتهي ثمان ويبات (٤). وإنما المعهود التعامل أنما هو بالإردب المقدم ذكره.
والرطل هو اثنتا عشرة أوقية الأوقية اثنا عشر درهمًا، فيكون الرطل مائة وأربعة وأربعون درهمًا.
وأما دمشق فهي بنظير/ ٢٠١/ المعاملة المذكورة، خلا أن الصنجة تتفاوت فتنقص كل مائة مثقال شامي مثقالًا وربعًا بمصر، وكذلك الدراهم كل مائة درهم درهم.
والرطل اثنتا عشرة أوقية، الأوقية خمسون درهمًا فيكون الرطل ستمائة درهم.
والغرارة للغلات وهي اثنا عشر كيلًا، كل كيل ستة أمداد، المد ينقص قليلًا عن الربع المصري (٥). ونسبة ما بين الغرارة والإردب أن كل غرارة ومد ونصف ثلاثة أرداب بالمصري تحريرًا. وفي بر دمشق ربما زاد الرطل والغرارة على الدمشقي حتى يكثر تفاوت ما بينهما لعظم زيادة بعض المواضع. ولكن كيل دمشق ورطلها هو المعتبر وإليه المرجع.
وأما حلب وحماة وحمص فأرطالها أزيد من الدمشقي (٦)، ولا تعرف الغرائر
стр. 1057
وإنما تعرف المكاكيك (١) وتختلف زيادة بعضها على بعضها، منها ما هو معتدل الغرارة مكوكان ونصف وما بين ذلك. كل ذلك تقريبًا.
* * *
فأما مصر فمزروعها على النيل بعد زيادته وعمومه البلاد، سوى قليل لا يعتبر به في بلادها مما يزرع على المطر كأطراف البحيرة، وما يزرع على الأنهر كالفيوم وماؤها من البحر المسمى اليوسفي المشتق من النيل لا ينقطع جريه أبدًا على ما هو معروف من أمره.
وأكثر محاسن مصر مجلوبة إليها، حتى بالغ بعضهم فقال: إن العناصر الأربعة مجلوبة إليها: الماء وهو النيل مجلوب من الجنوب والتراب مجلوب من حمل الماء؛ وإلا فهي رمل محض لا تنبت الزرع، والنار لا يوجد بها شجرته وهو الصوان إلا إذا جلب إليها، والهواء لا يهب بها إلا من أحد البحرين، إما الرومي وإما الخارج من القلزم إليها، ولقد زاد هذا في تحامله.
وهي كثيرة الحبوب من القمح والشعير والفول والحمص، والعدس، والبسلة، واللوبيا، والدخن، والأرز.
وبها الرياحين الكثيرة كالحبق، والآس، والورد والنيلوفر، والنسرين، والبان، والتمر حنا، والمنثور، والياسمين.
وبها من المحمضات الأترج والنارنج، والليمون، والحماض، والكباد، والموز الكثير، وقصب السكر الكثير، والرطب والعنب، والتين، والرمان والتوت، والفرصاد، والخوخ، واللوز والجميز، والنبق، والبرقوق، والقراصيا، والتفاح. وأما السفرجل والكمثرى فقليل، وكذلك الزيتون مجلوب إلا قليل من الفيوم لا اعتبار به، ولا من الجوز إلا ما قل جدًا، ولا يوجد بها الفستق ولا البندق، وبها
стр. 1058
البطيخ الأصفر أنواع والأخضر أنواع، والخيار، والقثاء على أنواع، والقلقاس، واللفت، والجزر، والقنبيط، والفجل، والبقول المنوعة.
وبها أنواع الدواب من الخيل والجمال والبغال والحمير، والبقر، والجواميس، والغنم والمعز. ومما يوصف من دوابها بالجودة الحمر لفراهتها، والبقر والغنم لعظمها.
وبها الإوز، والدجاج، والحمام.
ومن الوحش الغزلان، والنعام، والأرنب.
فأما من أنواع الطير فكثير كالكركي، والإوز وغير ذلك.
* * *
وأواسط «الأسعار» في غالب أوقاتها: الإردب القمح بخمسة عشر درهمًا، والشعير بعشرة، وبقية الحبوب على هذا الأنموذج، وأما الأرز فيبلغ أكثر من ذلك. وأما اللحم فأقل سعره الرطل نصف درهم وفي الغالب أزيد، والدجاج يختلف سعره بحسب اختلاف أحواله، فجيده الطائر بدرهمين، ومنها ما هو بثلاثة وقد يربو، ومنها ما هو بدرهم واحد.
* * *
ويعمل بمصر معامل كالتنانير ويعمل بها البيض بصنعة، وتوقد يحاكي بها نار الطبيعة، في حضانة الدجاجة البيض، وتخرج في تلك المعامل الفراريج، وهي معظم دجاجهم.
وبها ما يستطاب من الألبان والأجبان. وبها العسل بمقدار متوسط بين الكثرة والقلة. وأما السكر فكثير جدًا وقيمته المعهودة من على الغالب من السعر الرطل بدرهم ونصف وربما زاد. ويعمل بها المكرر الفائق وتبلغ قيمته درهمين ونصفًا لكل رطل. ومنها يجلب السكر على اختلاف أنواعه إلى كثير من البلاد، وقد نسي بها ما كان يذكر من سكر الأهواز.
وبها الكتان المعدوم المثل المنقول منه ومما يحمل من قماشه إلى أقطار البلاد. ولقد أراني خواجا جمال الدين يوسف الماخوري مقاطع شربًا أبيض من الصنف الممرش استعملها بالإسكندرية على أنه يقدمها للسلطان أبي سعيد كأنها جناح الزنبور، لا أظن أنه يعادلها في الدنيا قماش قال: إنه استعملها وتقوم عليه
стр. 1059
كل مقطع منها ساذجًا (١) بسبعمائة درهم ورقًا، ويقوم طرزه وهو ساذج بمثل ذلك، فيقوم جملة المقطع الواحد بألف وأربع مائة درهم ورقًا عنها سبع مائة درهم نقرة ليس فيه إلا الكتان وما قل من الحرير في طرزه، على أنه لا يكون غالبًا لطرز إلا من الكتان، فإن الأبيض فيه لا يكون من الحرير أبدًا، ومنه تكون الكتابة وهي حلى الطراز. وقال لي: إن الكتان يبتاع الدرهم منه بأكثر منه، وأما ما يدخل في الطرز فيبتاع بنظير وزنه مرات عدة.
قلت: وهذا الشرب هو الذي تفوق به الإسكندرية البلاد أكثر من بقية ما يعمل فيها من القماش على اختلاف أجناسه وأنواعه (٢).
[مملكة مصر]
ثم نعود إلى ذكر مصر فنقول: وأما مبانيها فقليل منها بالحجر وأكثرها بالطوب وأفلاق النخل والجريد وخشب الصنوبر مجلوب إليهم من بلاد الروم في البحر ويسمى عندهم النقي.
وبها المدارس والخوانق والربط والزوايا والترب الضخمة والعمائر الجليلة الفائقة، والأماكن المعدومة المثل المفروشة بالرخام المنقوشة بالأخشاب المدهونة بأنواع الأصباغ الملمعة بالذهب واللازورد. ومن حيطانها ما هو موزر بالرخام، وتختلف المباني بحسب اختلاف أصحابها.
وحاضرة مصر تشتمل على ثلاث مدن عظام:
«الفسطاط» وهو بناء عمرو بن العاص وهي المسماة عند عامة أهل مصر «بمصر العتيقة» (٣).
стр. 1060
و «القاهرة المعزية». بناها القائد جوهر لمولاه الخليفة المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي (١).
و «قلعة الجبل» بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى، وأول من سكنها أخوه العادل.
وقد اتصل بعض هذه الثلاثة بسور بناه قراقوش بها إلا أنه قد تقطع الآن في بعض الأماكن (٢). وهذا السور هو الذي ذكره الفاضل في كتاب كتبه إلى صلاح الدين، فقال: «والله يحيي المولى حتى يستدير بالبلدين نطاقه، ويمتد عليهما رواقه، فهما عقيلة ما كان معصمهما ليترك بغير سوار، ولا خصرهما ليجلي بلا منطقة نضار. والآن قد استقرت خواطر الناس وأمنوا به من يد تتخطف، ومن طمع مجرم يقدم ولا يتوقف، وقد عظمت».
وبها «المارستان المنصوري» (٣) المعدوم النظير لعظمة بنائه وكثرة أوقافه، وسعة إنفاقه وتنوع الأطباء وأهل الكحل والجراح به. وهو جليل المقدار جميل الآثار، جزيل الإيثار وقفه السلطان الملك المنصور قلاوون (٤) ﵀.
стр. 1061
وبها «البساتين» الحسان والمناظر النزهة، والأدوار المطلة على البحر وعلى الخلجانات الممتدة منه أوقات مدها.
وبها «القرافة» تربة عظمى لمدفن أهلها (١).
وبها «العمائر الضخمة»، ولها المتنزهات المستطابة، وهي من أحسن البلاد إبان ربيعها للغدر الممتدة من مقطعات النيل بها وما يحفها من زروع أخرجت شطأها وفتقت أزهارها.
وبها «الآثار القديمة الدالة على حكمة بانيها «كالأهرام» (٢): وأشهرها الهرمان الكبيران بالجيزة وبرابي أخمم فأما بقية ما يذكر من البرابي والملاعب بالأشمونين وأنصنا وقفط وعين شمس ومنارة الإسكندرية والبيت الأخضر بمضرب يوسف ﵇. فكل هذه قد غير الدهر معالمها، وطمس آثار غالبها، وشرع الخراب بالهرمين الكبيرين والبرابي بأخميم لأخذ حجارتها وتغيير بهجتها.
وبها الصنم المقارب للهرمين المسمى عند العامة بأبي الهول»، وهو صنم كبير لا يبين منه إلا إلى قريب من نصفه (٣).
والقول في الأهرام والبرابي كثير. والأقرب أن الأهرام هياكل لبعض الكواكب. فأما البرابي فقال لي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن شقير الدمشقي (٤): إنه رآها وأجاد تأملها فوجدها مشتملة على جميع أشكال الفلك، وأن الذي ظهر له أنه لم يعملها حكيم واحد ولا ملك واحد، بل تولى عملها قوم بعد قوم حتى تكاملت في دور كامل، وهو ستة وثلاثون سنة، لأن مثل هذه الأعمال لا تعمل إلا
стр. 1062
بالأرصاد، وما يكتمل رصد المجموع في أقل من هذه المدة المذكورة. هذا ما أخبرني به عنها.
وكتب القاضي محيي الدين بن الزكي (١) إلى القاضي الفاضل (٢) كتابًا ذكر فيه مصر وسماها بالمومسة، فعز ذلك عليه، وذكر في جوابه إليه: «وهجم بي التأمل على لفظة أطلقها على مصر وكنى بها عنها، ووصمها بما وسمها وبت من القلوب عصمها، وأظنه عاقبها بذنب فرعون حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٣) وحين قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ (٤)، كما فعل الرشيد وولى الخصيب (٥). فإن كان إلى ههنا ذهب فقد عاقبها بذنب لم تجنه، وهدمها بأمر لم تبنه. وعلى كل حال فلو كان على
стр. 1063
نفسي لكنت معه عليها، ولو بعث سهمًا إليها لتولت يدي إلقاءه إليها، فلقد أخرجني من أرضه بسحره (١)، وندم خادمه على ما فات فيها من عمره، فهو الآن لا يرفع إليها طرفًا من كسله، ولا يرى نيلها إلا أقل من مسيل بردى ووشله، وإذا رأى دينارها الأحمر قال: به حمرة من خجله، وإذا رأى إبليزها الأسود قال: من سواد عمله، وإذا رأى هرميها قال: انكسر نهداها، وإذا رأى رملتها الحاقة قال: شاب فؤادها. ثم راجع النظر فإذا اللفظة التي أطلقها سيدنا عليها وهي المومسة تأبى العلقة فكيف له أن يقذف المستورة بهذا القذف، ويهجم على خدرها بهذا الوصف، وقد وفد إليها عن شامه حين أخذ الكفر يمتحق إسلامه فأنجدته وأصرخته وسكنت الروع وأفرخته، وعاد إلى الفائت الدرك وقال الناس ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ﴾ (٢). وإذا كانت دمشق من عتقاء مصر فلا فخر لها أن تكون مولاتها مومسة، وقد سرت بهذه اللفظة فما كأنها دخلت كتابه ولا مجلسه».
قلت: وأما «الشام» فيزرع غالبه على المطر، وهو من جميع ما ذكر في مصر من الحبوب. ومنه ما هو على سقي الأنهار، وهو قليل.
وبها أنواع الأشجار وأجناس الثمار من التين، والعنب، والرمان، والسفرجل، والتفاح والكمثرى، والإجاص، والقراصيا والتوت، والقرصاد، والمشمش، والزعرور، والخوخ - وهي المسمى عندهم الدراقن - وأجلها بدمشق من غالب ذلك على أنواع منوعة وأجناس متعددة شتى. ومنها فواكه تأتي في الخريف وتبقى إلى الربيع كالسفرجل، والتفاح، والرمان، والعنب.
وبها الجوز واللوز والفستق، والبندق.
وبها الليمون والأترج والنارنج، والكباد، والموز، وقصب السكر من أغوارها يحمل إليها من نحو يومين وأزيد.
وبها البطيخ الأصفر والأخضر على أنواع، والخيار، والقثاء، واليقطين، واللفت، والجزر، والقنبيط والهليون، والباذنجان والملوخية، والبقلة اليمانية، والرجلة، وغير ذلك من أنواع الخضروات المأكولة.
стр. 1064
ونهر دمشق الخاص بها بردى، وبها غيره من الينابيع والأنهار المادة فيما حولها (١).
وبها الإوز والدجاج والحمام وكثير من أنواع الطير، ولا تكون الفراريج إلا بحضانة، لا كما يعمل في مصر. ولقد أذكر أنه جاءها شخص من مصر في زمن الصيف وعمل بها في حاضرة العقيبة معمل الفراريج وطلعت به الفراريج، فلما أتى زمن الخريف لم تطلع معه وخسر وترك ذلك وعاد إلى مصر.
وأسعار اللحم أرخص من مصر. وأما الدجاج فنظيرها، وأما الإوز فأغلى.
وبها العسل متوسط، ويعمل بها السكر ومنه المكرر وهو بأزيد من سعره في مصر ولا يكثر.
وبها أنواع الرياحين الآس، والورد والبنفسج والنيلوفر، والخلاف، والنرجس، والمنثور، والياسمين، والترنجان، والمردنجوس، والتمام، والنسرين. وإلى وردها وبنفسجها النهاية، حتى إنه عطل وردها وما يستخرج من مائه ما كان يذكر من جوري (٢) نصيبين. وماء الورد ينقل إلى غالب البلاد.
وبالشام الزيتون الكثير ومنه يحمل إلى كثير من البلاد. وبها أشياء كثيرة خاصة بها.
وغالب مباني الشام بالحجر، ودورها أصغر مقادير من دور مصر، ولكنها أزيد زخرفة منها، وإن كان الرخام بها أقل، وإنما هو أحسن أنواعًا.
وعناية أهل دمشق بالمباني كثيرة، ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به وتحسن بأوضاعه. وإن كانت حلب أجل بناء لعنايتهم بالحجر، فدمشق أزين وأكثر رونقًا لتحكم الماء على مدينتها وتسلطه على جميع نواحيها.
وبجميع الشام وجوه الخير كثيرة من المدارس، والخوانق، والربط، والزوايا للرجال والنساء، والمارستانات، وأوقاف البر والصدقات على اختلافها، وخصوصًا دمشق فإنه لا يطاول في ذلك باعها، ولا يحاول في هذه الغاية
стр. 1065
ارتفاعها. فأما مسجدها الجامع فهو الفارق بينها وبين ما سواها والفائق بحسنه على كل المباني.
وفي هذه المملكة - مصر والشام - من محاسن الأشياء ولطائف الصنائع ما تكفي شهرته. وبها من أنواع الصناع في الأسلحة والقماش والزركش والمصوغ والكفت (١) وغير ذلك، مما يكاد يعد تفردها به، والرماح التي لا يعمل في الدنيا أحسن منها.
[عساكر المملكة]
وأما عساكر هذه المملكة (٢) فمنهم من هم بحضرة السلطان، ومنهم من فرق في أقطار هذه المملكة وبلادها. ومنهم سكان بادية كالعرب والتركمان.
وجندها مختلط من أتراك وجركس وروم وأكراد وتركمان، وغالبهم من المماليك المبتاعين، وهم طبقات:
أكابرهم من له إمرة مائة فارس، وتقدمة ألف فارس. ومن هذا القبيل يكون أكابر النواب، وربما زاد بعضهم بالعشرة فوارس والعشرين.
ثم «أمراء الطبلخانات» (٣) ومعظم من تكون له إمرة اربعين فارسًا، وقد يوجد فيهم من له أزيد من ذلك إلى السبعين، ولا تكون الطبلخانات لأقل من أربعين.
ثم أمراء العشرات ممن تكون له إمرة عشرة، وربما كان فيهم من له عشرون فارسًا ولا يعد إلا في أمراء العشرات.
стр. 1066
ثم «جند الحلقة» وهؤلاء تكون مناشيرهم من السلطان؛ كما أن مناشير الأمراء من السلطان، وأما أجناد الأمراء فمناشيرهم من أمرائهم. وهؤلاء، جند الحلقة، لكل عدة أربعين نفرًا مقدم منهم ليس له عليهم حكم إلا إذا خرج العسكر، كانت مواقفهم معه وترتيبهم في موقفهم إليه (١).
ويبلغ بمصر إقطاع بعض أكابر الأمراء المئين المقربين من السلطان مائتي ألف دينار جيشية، وربما زادت على ذلك. وأما غيرهم فدون ذلك ودون دونه، ودون دونه إلى ثمانين ألف دينار وما حولها. وأما الطبلخانات فتبلغ الثلاثين ألف دينار وما يزيد، وينقص عليها إلى ثلاثة وعشرين ألف دينار. أما العشرات فنهايتها سبعة آلاف دينار إلى ما دون ذلك. وأما إقطاعات جند الحلقة فمنه ما يبلغ ألف وخمس مائة دينار. ومن هذا المقدار وما حوله إقطاعات أعيان الحلقة المقدمين عليهم، ثم ما دون ذلك إلى مائتين وخمسين دينارًا. وأما إقطاعات جند الأمراء فإلى ما يراه الأمير من زيادة بينهم ونقص.
وأما إقطاعات الشام فلا تقارب هذا المقدار، بل تكون على الثلثين منها، خلا ما ذكرناه عن بعض أكابر أمراء المئين المقربين، فإن هذا نادر لا حكم له، ولا أعرف في الشام ما يقارب هذا المقدار إلا ما هو لنائب الشام.
وكل جند الحلقة والإمرة تعرض بديوان جيش السلطان ويثبت باسمه وهيأته وحليته، ثم لا يستدل به أميره إذا شاء إلا تنزيل عوضه وعرض المعوض.
وللأمراء على السلطان في كل سنة ملابس، فأما من بحضرته فحظهم في ذلك
стр. 1067
وافر، ولهم الخيول في كل سنة ينعم بها عليهم، ولأمراء المئين مسرجة ملجمة والبقية عرى، وتمتاز خاصتهم على عامتهم بذلك.
ولجميع الأمراء بحضرته من المئين والطبلخانات والعشرات، الرواتب الجارية في كل يوم من اللحم وتوابله كلها، والخبز، والشعير والزيت، ولبعضهم الشمع والسكر والكسوة في السنة.
ومن شعار سلطنة (١) هذه المملكة أن يركب سلطانها في يوم دخوله إلى مدينة يحبها ويوم العيد وأيام ركوبه إلى الميدان للعب الكرة برقبة وهي بزراكش ذهب على أطلس أصفر يعمل على رقبة الفرس من تحت أذنيه إلى نهاية العرف، ويكون قدامه اثنان من أوشاقيته (٢) راكبين على حصانين أشهبين برقبتين نظير ما هو راكب كأنهما معدان لأن يركبهما، وعلى الوشاقين المذكورين قباوان أصفران من حرير بطرازين من زركش بالذهب، وعلى رأسيهما قبعان مزركشان، وغاشية السرج محمولة أمامه، وهي أديم مزركشة بذهب يحملها بعض الركاب دارية (٣) قدامه، وهو ماش في وسط الموكب، ويكون قدامه فارس يشبب بشبابة لا يقصد بنغمها الإطراب بل ما يقرع بالمهابة سامعه، ومن خلفه الجنائب (٤) وعلى رأسه العصائب السلطانية، وهي صفر مطرزة بذهب بألقابه واسمه.
وفي يوم العيدين ودخول المدينة يزيد على ذلك برفع المظلة على رأسه، وهي
стр. 1068
الجتر (١)؛ وهو أطلس أصفر مزركش على أعلاه قبة وطائر من فضة مذهبة، يحملها يومئذ بعض أمرائ المئين الأكابر وهو راكب فرسه إلى جانبه، وأرباب الوظائف والسلاح كلهم خلفه، وحوله وأمامه الطبردارية - وهم طائفة من الأكراد ذوي الإقطاعات والإمرة - يكونون مشاةً وبأيديهم الأطبار (٢) مشهورة.
ومن رسم الأمراء أن يركب الأمير منهم حيث يركب وخلفه جنيب، وأما أكابرهم فربما يركب بجنيبين، هذا في المدن والحاضرة وهكذا في البر. ويكون لكل منهم طلب مشتمل على أكثر مماليكه، وقدامهم خزانة محمولة للطبلخان على جمل واحد يجره راكب آخر على جمل والمال على جملين وربما زاد بعضهم على ذلك. وأمام الخزانة عدة جنائب تجر على أيدي مماليك ركاب خيل وهجن (٣)، وركابة من العرب على هجن، وأمامها الهجن بأكوارها مجنوبة للطبلخانات قطارًا واحدًا، وهو أربعة ومركوب الهجان والمال قطاران، وربما زاد بعضهم، وعدد الجنائب في كثرتها وقلتها إلى رأي الأمير وسعة نفسه، والجنائب على ما يراه، منها ما هو مسرج ملجم، ومنها ما هو بعنانه لا غير.
[زي أعيان هذه المملكة]
وأهل هذه المملكة يضاهى بعضهم بعضًا في الملابس الفاخرة، والسروج المحلاة، والعدد الفاخرة (٤).
стр. 1069
وأما زيهم فالأقبية التترية (١) والتكلاوات (٢) فوقها، ثم القباء الإسلامي (٣) فوقها، وعليه تشد المنطقة والسيف (٤). ثم الأمراء والمقدمون وأعيان الجند تلبس فوقه أقبية قصيرة الأكمام أقصر من القباء التحتاني بلا تفاوت كبير في قصر الكم والطول، وكلوتات (٥) صغار غالبها من الصوف الملطي الأحمر وعليها عمائم صغار، ومهاميز (٦) على الأخفاف، ويعمل المنديل على الحياصة (٧) على الصولق (٨) من الجانب الأيمن.
هذا هو زي أهل هذه المملكة.
* * *
стр. 1070
ومعظم حوايصهم الفضة، ومنهم من يعملها من الذهب، وربما عملت باليشم ولا ترصع بالجواهر إلا في خلع السلطان لأكابر المئين، معظمهم يلبس المطرز. ولا يكفت مهمازه بالذهب، أو يلبس المطرز إلا من له إقطاع ف يالحلقة، وأما من هو يعد بالجامكية (١) فإنه لا يتعاطى ذلك.
وعلى الجملة فزيهم ظريف وعددهم فائقة نفيسة، وملبوسهم منوع من الكمخا (٢) والخطاني والكنجى (٣)، والمخمل والإسكندراني والشرب والتصافي والأصواف.
[السلطان]
ذكر هيأته في جلوسه للمظالم
عادة هذا السلطان أن يجلس بكرة الاثنين ما كان بالقلعة، خلا شهر رمضان فإنه لا يجلس فيه، ومجلسه هذا هو في إيوان بظاهر قصره قريبًا من بابه، وهو إيوان متسع على مرتفع السمك أمامه رحبة فسيحة. يسمى هذا الإيوان «دار العدل» (٤) وفيه تكون الخدمة العامة واستحضار رسل الملوك غالبًا. فإذا قعد للمظالم كان جلوسه على كرسي إذا قعد عليه تكاد تلحق الأرض رجله، وهو منصوب إلى جانب المنبر الذي هو تخت الملك، ويجلس على يمينه: قضاة القضاة من المذاهب الأربعة، ثم الوكيل عن بيت المال، ثم الناظر في الحسبة. ويجلس على يساره كاتب السر،
стр. 1071
وقدامه ناظر الجيش وجماعة الموقعين تكملة حلقة دائرة. وإن كان ثم وزير من أرباب الأقلام كان بينه وبين كاتب السر، وإن كان الوزير من أرباب السيوف، كان واقفًا على بعد مع بقية أرباب الوظائف. وكذلك إن كان ثم نائب يقف مع أرباب الوظائف. ويقف من وراء السلطان مماليك صفان عن يمينه ويساره من السلاح دارية (١) والجمدارية (٢) والخاصكية (٣) ويجلس على بعد تقدير خمسة عشر ذراعًا من يمينه ويسرته ذوو السن من أكابر أمراء المئين، وهم أمراء المشورة (٤)؛ ويليهم من أسفل منهم أكابر الأمراء، وأرباب الوظائف وقوف، وبقية الأمراء وقوف من وراء أمراء المشورة، ويقف خلف هذه الحلقة المحيطة بالسلطان الحجاب والدوادارية لإحضار قصص الناس وإحضار المساكين وتقرأ عليه فما احتاج إلى مراجعة القضاة راجعهم فيه، وما كان متعلقًا بالعسكر تحدث مع الحاجب وكاتب الجيش فيه، ويأمر في البقية بما يراه.
ذكر هيأته في بقية الأيام
عادة هذا السلطان في يوم الاثنين ما تقدم ذكره، وكذلك في يوم الخميس على مثل هذه الهيأة أيضًا، إلا أنه لا يتصدى فيه لسماع القصص ولا لحضرة أحد من القضاة وكاتب الجيش والموقعين، إلا إن عرضت حاجة إلى طلب أحد منهم. وهذا
стр. 1072
القعود عادته في طول السنة ما دام أنه بالقلعة في الاثنين والخميس غير رمضان أيضًا.
أما بقية الأيام فإنه يخرج من قصوره الجوانية إلى قصره الكبير (١) البراني، وهو شبابيك مطلة على اصطبلاته (٢)، وفي صدره تخت الملك المختص فيقعد تارة عليه وتارة يقعد دونه على الأرض، والأمراء وقوف على ما تقدم، خلا أمراء المشورة والقرباء منه فإنه ليس لهم عادة بحضور هذا المجلس. ولا يحضر هذا المجلس من الكبار إلا من دعت الحاجة إلى حضوره، ثم يقوم في الثالثة من النهار يدخل إلى قصوره الجوانية ثم إلى دار حريمه ونسائه، ثم يخرج في أخريات النهار إلى قصوره الجوانية لمصالح ملكه، ويعبر عليه إليها خاصته من أرباب الوظائف في الأشغال المتعلقة به على ما تدعو الحاجة إليه.
ذكر هيأته في الأسفار
قد تقدم ذكر هيأته في الأعياد وأيام الميادين فأما في الأسفار فإنه لا يتكلف إظهار كل ذلك الشعار، بل يكون الشعار في موكبه السائر فيه جمهور مماليكه مع المقدم عليهم وأستاذدار وأمامهم الخزائن والجنائب والهجن.
وأما هو بنفسه فإنه يركب ومعه عدة كثيرة من الأمراء الكبار والصغار من الغرباء والخواص ونخبة من خواص مماليكه. ولا يركب في السير برقبة (٣) ولا بعصائب، بل تتبعه جنائب خلفه، ويقصد في الغالب تأخير النزول إلى الليل. فإذا جاء حملت قدامه فوانيس كثيرة (٤) ومشاعل (٥)، فإذا قارب مخيمه، تلقي بالشموع المركبة في
стр. 1073
الشمعدانات المكفتة (١)، وصاحت الجاويشية بين يديه، فترجلت الناس كافة إلا حملة السلاح وراءه، والأوشاقية وراءه، ومشت الطبردارية (٢) حوله حتى يدخل الدهليز الأول، ثم ينزل ويدخل إلى الشقة، وهي خيمة مستديرة متسعة، ثم منها إلى شقة مختصرة، ثم إلى لاجوق. ومدار كل خيمة من جميع جوانبها من داخل سور خركاه (٣) من خشب (٤)، وفي صدر ذلك اللاجوق قصر صغير من الخشب ينصب له للمبيت فيه، وبإزاء الشقة الحمام بالقدور الرصاص الحوض على هيأة الحمام المبني في المدن إلا أنه مختصر، فإذا نام طافت به المماليك دائرة بعد دائرة وطاف بالجميع الحرس، وتدور الزفة حول الدهليز في كل ليلة مرتين الأولى عندما يأوي إلى النوم، والثانية عند قعوده من النوم كل زفة يدور بها أمير جاندار، وهو من أكابر الأمراء، وحوله الفوانيس والمشاعل والطبول (٥) والبيانة، وينام على باب الدهليز النقباء وأرباب النوب من الخدم.
ويصحب هذا السلطان في أسفاره من غالب ما تدعو الحاجة إليه حتى يكاد يكون معه مارستان لكثرة من معه من الأطباء وأرباب الكحل والجراح والأشربة والعقاقير وما يجري مجرى ذلك، وكل من عاده طبيب ووصف ما يناسبه، يصرف من الشرابخاناه أو الدواخاناه (٦) المحمولين في الصحبة.
стр. 1074
[الأسمطة السلطانية]
ومنه عادة هذا السلطان مد السماط (١) طرفي النهار في كل يوم لعامة الأمراء، خلا البرانيين (٢) فقليل ما هم.
وأما بكرة فيمد سماط أول لا يأكل منه السلطان، ثم ثان بعده يسمى الخاص قد يأكل منه السلطان وقد لا يأكل، ثم ثالث بعده ويسمى الطارئ ومنه مأكول السلطان. وأما في أخريات النهار فيمد سماطان: الأول والثاني المسمى بالخاص، ثم إن استدعي بطارئ حضر وإلا فلا، خلا المشوي فإنه ليس له عادة محفوظة النظام، بل هو على حسب ما يأمر به. وفي كل هذه الأسمطة يؤكل ويفرق نوالات ويسقى بعدها الأقسيما المعمولة من السكر والأفاوية المطيبة بماء الورد والمبردة.
ومن عادة هذا السلطان أن يبيت قريب مبيته في كل ليلة أطباق فيها أنواع من المطجنات والبوارد والفطر والقشطة والجبن المقلي والموز والكيماخ، وأطباق فيها من الأقسيما والماء المبرد برسم أربا النوبة في السهر حوله، ليتشاغلوا بالمأكول والمشروب عن النوم. والليل مقسوم بالنوبة بينهم على الساعات الرمل، فإذا انتهت نوبة هبت التي تليها ثم ذهبت هي فنامت إلى الصبح، هكذا أبدًا سفرًا وحضرًا. وتبيت في المبيت المصاحف الكريمة لقراءة من يقرأ منهم، ويبيت الشطرنج ليتشاغل به عن النوم.
[هيأته في صلاة الجمعة]
وهذا السلطان يخرج أيام الجمع إلى الجامع المجاور لقصره في القلعة (٣) ومعه خاصة الأمراء، وتجيء بقية الأمراء من باب آخر للجامع.
وأما السلطان فيصلي عن يمين المحراب في مقصورة خاصة، ويجلس عنده أكابر خاصته، ويصلي معه الأمراء - خاصتهم وعامتهم - خارج المقصورة عن يمينها
стр. 1075
ويسرتها على مراتبهم، فإذا سمع الخطبة وصلى صلاة الجمعة دخل إلى قصوره ودور خدمه وحرمه، وتفرق الناس كل واحد إلى مكانه.
ذكر انتهاء الأخبار إليه
عادة هذا السلطان أن يطالعه نوابه في مملكته بما يتجدد عندهم من مهمات الأمور أو ما قاربها، وتأخذ أوامره وتعود أجوبته عليهم بما يراه. وبين حضرة السلطان وجميع بلاد ممالكه مراكز بين المركز والمركز أميال، في كل مركز عدة خيل بريد (١) وللسلطان من الجند أناس بريدية في حضرته وفي كل بلد لحمل الكتب والعدو بأجوبتها. فإذا ورد بريدي بلدًا من بلاد مملكته أو عاد المجهز من بابه، أحضره أمير جاندار - وهو من أمراء المئين - والدوادار، وكاتب السر بين يديه، فيقبل الأرض ثم يأخذ الدوادار الكتاب فيمسحه بوجه البريدي، ثم يناوله السلطان فيفتحه، ويجلس كاتب السر فيقرأه عليه ويأمر فيه بأمره.
ومما ينهى إليه من الأخبار ما يكتب في ورق خفيف صغير، ويحمل على الحمام الأزرق وللحمام مراكز كل مركز منها ثلاثة من مراكز خيل البريد أو أزيد، لا يتعدى الحمام ذلك المركز ولا يمكنه تجاوزه، فإذا حمل الكتاب حلوه بنوع معزى ليعرف فلا يعارض ثم يسرج فإذا وصل إلى المركز المعد له أخذ عنه، ونقل إلى حمام غيره من ذلك المركز من مكان إلى مكان إلى حضرة السلطان (٢)
ومن عادة هذه المملكة أن ولاة أمور المدينة، وهم أصحاب الشرطة، تستعلم متجددات ولاياتهم في كل نهار ممن هم على المحلات من قبلهم، ثم يكتب متولي الشرطة مطالعة جامعة لما يبعث إنهاؤه من ذلك، ويحمل إلى السلطان هذا بمتجددات ما يقع من قتل أو نفع أو حريق كبير أو يجري مجرى ذلك، فأما ما يقع للناس في أحوال أنفسهم فلا.
стр. 1076
فصل
ومن عوائد جيوش هذه الممالك الركوب في يومي الاثنين والخميس في الموكب، وهو مكان فسيح يكون بكل مدينة بها عسكر فيسيرون به، ثم يقف العسكر مع نائب السلطان أو الحاجب، إن لم يكن ثم نائب، وينادى على الخيل بينهم، وربما نودي على كثير من آلات الجند والخيم والخركاوات والأسلحة، وربما نودي على كثير من العقار، ثم إن كانوا بمصر طلعوا إلى الخدمة السلطانية بالقلعة، على ما ورد منا ذكره. والإذن لهم في الانصراف بعد أكل السماط، وإن كانوا في غير مصر نزلوا في خدمة النائب إلى مكان سكنه، وهو دار السلطنة، ويجلس النائب وتقرأ عليه القصص وينصف بين المظلومين، ويمد السماط ويأكل عامة الأمراء والجند ثم ينصرفون - وتزداد عساكر الشام بركوب يوم السبت على هذين اليومين - والنواب تقعد القراءة القصص الاثنين والخميس والسبت، وربما قعدوا طرفي النهار في هذه الأيام لذلك.
[العلامة السلطانية]
ومن عادة هذا السلطان أن يكتب خطه على كل ما يأمر به. أما مناشير (١) الأمراء والجند وكل من له إطاع فإنه يكتب عليه علامته (٢). وعلامة السلطان القائم الآن:
стр. 1077
السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين أبي المعالي محمد ابن الملك المنصور قلاون خلد الله دولته الله أملي
وأما تقاليد النواب (١)، وتواقيع (٢) أرباب المناصب من القضاة والوزراء والكتاب وبقية أرباب الوظائف، وتواقيع الرواتب والإطلاقات (٣) فإنه يكتب عليها اسمه واسم أبيه، صورته:
محمد بن قلاون
وأما كتب البريد وخلاص الحقوق والظلامات، فإنه يكتب عليها أيضًا اسمه، وربما كرم من يكتب إليه، فأما من كرمه من ذوي السيوف كتب له:
والده محمد بن قلاون
وأما من كرمه من ذوي العمائم المدورة من القضاة والوزراء، كتب له أخاه بدلًا من والده.
فأما الإقطاعات فالرسم فيها أن يقال:
خرج الأمر الشريف
وأما الوظائف والرواتب والإطلاقات فالرسم فيها أن يقال:
رسم بالأمر الشريف
وليس هذا بموضع استيعاب أوضاع المكاتبات، ولو أخذنا في هذا لطال، ولكنا نذكر نبذة تتعلق بالمناشير والتقاليد والتواقيع إذ كانت هي الأصل لجريان الأرزاق بها.
فأعلاها ما افتتح بخطبة [أولها]: «الحمد لله»، ثم ما افتتح بخطبة
стр. 1078
أولها: «أما بعد حمد الله»، حتى تأتي على: «خرج الأمر في المناشير» أو «رسم بالأمر في التواقيع»، ثم بعد هذا انزل الرتب وهو أن يفتتح في المناشير «خرج الأمر»، وفي التواقيع «رسم بالأمر». وتمتاز المناشير المفتتح فيها بخطبة «الحمد لله» بطغرى (١) بالسواد تتضمن اسم السلطان وألقابه.
[الإقطاع]
ومن عادة هذا السلطان في الإقطاعات (٢) للجند أن يتولى بنفسه استخدامهم، فإذا وقف قدامه من يطلب الإقطاع المحلول ووقع اختياره على واحد، أمر كاتب الجيش بالكتابة له فيكتب ورقة مختصرة تسمى «المثال» (٣) مضمونها: حر فلان كذا،
стр. 1079
ثم يكتب فوقه رسم المستقر له، ويناولها السلطان ويكتب عليها بخطه: يكتب، ويعطيها الحاجب لمن رسم له، فيقبل الأرض، ثم يعاد إلى ديوان الجيش فيحفظ شاهدًا عندهم. ثم تكتب (مُرَبَّعَة) (١) مكملة بخطوط جميع مباشري ديوان الإقطاع (٢) وهم: [كتاب] ديوان الجيش وعلائمهم، ثم يؤخذ عليها خط السلطان، ثم تحمل إلى ديوان الإنشاء والمكاتبات فتكتب المناشير، ثم يعلم السلطان عليها علامة على ما تقدم ذكره ثم يكمل ذلك «المنشور» بخطوط ديوان الإقطاع بعد المقابلة على صحة أصله.
فأما الاستخدام في البلاد الشامية فليس للنواب مدخل في تأمير أمير عوض أمير مات، بل إذا مات أمير - سواء كان كبيرًا أو صغيرًا - طولع السلطان بموته فأمر من أراد عوضه، إما ممن في حضرته ويخرجه إلى مكان الخدمة، أو ممن هو في مكان الخدمة أو نقل إليه من بلد آخر على ما يراه في ذلك.
فأما جند الحلقة فإذا مات أحد منهم استخدم النائب عوضه، وكتب على نحو من ترتيب السلطان «المثال» ثم «المربعة»، وتجهز «المربعة» مع البريد إلى حضرة السلطان فيقابل عليها في ديوان الإقطاع، ثم إن أمضاها السلطان كتب عليها: يكتب، فتكتب بها مربعة من ديوان الإقطاع، ثم يكتب عليها من ديوان الإنشاء كما تقدم في الجند الذين في الحضرة. وإن كان ما يمضيها السلطان أخرجها لمن يرى، ثم يكون حكم الكتابة به حكم ما تقدم.
ومن مات من الأمراء والجند، قبل استكمال مدة الخدمة حوسب ورثته على حكم الاستحقاق، ثم إما يرتجع منهم أو يطلق لهم على قدر حصول العناية بهم.
وإقطاعات الأمراء والجند منها ما هو بلاد يستغلها مقطعها كيف شاء،
стр. 1080
ومنها ما هو نقد على جهات يتناولها منها.
[أرزاق أرباب الدولة]
فأما أرزاق ذوي الأقلام فإنها مشاهرة من مبلغ عين وغلة، ولأعيانهم الرواتب الجارية في اليوم من اللحم بتوابله أو غير توابله، والخبز والعليق لدوابهم، ولأكابرهم السكر والشمع والزيت والكسوة في كل سنة والأضحية، وفي رمضان السكر والحلوى. وأكبر من هؤلاء كالوزير له في المدة مائتان وخمسون دينارًا جيشية، ومعه ما ذكر من الأصناف والغلة، إذا تسطر وتمت كانت بنظيرها، ثم ما دون ذلك، وما دون دونه، ومن هو في الحضرة أمين في ذلك.
وأما القضاة والعلماء، فالقضاة أرزاقهم على السلطان وأكثرها خمسون دينارًا في كل شهر، ولهم المدارس التي يستدرون من أوقافها.
وفي دمشق معالم حكامها على وقف برسم مصالح المسلمين مضاف إلى مال مسجدها الجامع.
وأما العلماء فليس لأحد منهم شيء إلا من أوقاف مدارسه، إلا من له على سبيل الراتب أو الادراري، وذلك قليل نادر لا حكم له فيعرج على ذكره.
ولهذا السلطان صدقات جارية، ورواتب دارة، منها ما هو أرض من بلاد، ومنها ما هو مرتب على جهات من مبلغ وغلة وخبز ولحم وزيت وكسوة، واللحم والزيت والكسوة قليل نادر لمن حصلت له بعناية، فأما الأرض والمبلغ والغلة والخبز فكثير جدًا ومتسع أمره، وفي الغالب يتوارثه الأبناء عن الآباء، والأخ عن الأخ، وابن العم عن ابن العم حتى إن كثيرًا ممن يموت ويخرج إدراره من مرتبه فيحضر القريب بعد ذلك ويقدم قصة (١) يذكر فيها أولويته بما كان لقريبه فتعاد له.
وفي هذه المملكة قائمة شعائر الإسلام بالمساجد والخطابات في جميع القرى.
وأما الأرزاق والادرارات فلا توجد إلا بتواقيع السلطان ما قل منها وما جل.
وهذه المملكة تشتمل على عدة من القلاع والحصون والمعاقل، وبكل منها نائب
стр. 1081
وحاكم شرعي وخطيب ومؤذن وكحال وجرائحي وحفظة، ولحفظتها جوامك لا إقطاعات. وبها آلات التحصين وذوو أعمال وصناعات والحجارون والتجارون والحدادون وما تدعو إليه ضرورة مثل ذلك.
* * *
زي ذوي العمائم المدورة
نبدأ «بالقضاة والعلماء» وزيهم دَلَق (١) متسع بغير تفريج، فتحته على كتفه، وشاش كبير منه ذؤابة بين الكتفين طويلة.
وأما من دون هؤلاء فالفرجية (٢) الطويلة الكم بغير تفريج والذؤابة أيضًا.
فأما زهادهم فيقصر الذؤابة ويميلها إلى الكتف الأيسر على المسنون (٣)، ولا يلبس أحد منهم الحرير، ولا ما فيه حرير، ومنهم من يلبس الطيلسان (٤).
فأما قاضي القضاة الشافعية فرسمه الطرحة (٥) وبها يمتاز (٦).
ويركب أعيان هذه الطائفة البغلات بسروج غير مفضضة، ويتخذ عوض الطمنكيات في السروج عرقشينات، وهي شبيه بثوب الهرج مختصر منه وهو من جوخ (٧)، وقد يكون من أنواع الأديم، ويشق ويعمل بين السرج ومبيرته. وقضاتهم
стр. 1082
تعمل ذلك بدلًا من الكنبوش الزناري، وهو من الجوخ شبيه بالعباءة المجومة الصدر مستدير من وراء الكفل لا يعلوه بردنب ولا قوش. وربما ركبوا بالكنابيش وهؤلاء لجمهم كبار ثقال الوزن.
وأما «الوزراء والكتاب» فزيهم الفرجيات المفرجة من الصوف، ومن المحبرات (١) عمل الإسكندرية وغير ذلك، والنصافي والبياض، ويعمل أكابرهم الباذهنجات (٢) في الأكمام ويلبس البغلطاق (٣) من تحت فراجيهم، وربما لبسوا الجباب المفرجة من ورائها.
ويختلف ركوبهم وغالبه شبيه بالجند أو مقارب له. وتجمل هذه الطائفة بمصر أقل مما هم عليه بالشام في زيهم وملبوسهم ومركبهم، إلا ما يحكى عن قبط مصر في بيوتهم من اتساع الأحوال والنفقات، حتى إن الواحد منهم يكون في ديوانه بأردى اللباس ويأكل أدنى المآكل ويركب الحمار، حتى إذا صار في بيته انتقل من حال إلى حال وخرج من عدم إلى وجود. ولقد يبالغ الناس فيما يحكى من ذلك عنهم لبعد أحوالهم وتباين أمريهم.
فأما التجار وأخلاط عامة الناس فتختلف أحوالهم في الملابس والزي حتى إن الفقراء، وإن جمعهم زي الفقر وزيفه وضمهم لباس التصوف، فإنهم تتابين حالاتهم في الملابس وأطوارهم في التشكيلات.
الكلام على أرباب الوظائف في هذه المملكة
نقول إن جميع الوظائف (٤) التي في حضرة السلطان لا نذكر منها إلا أعيانها،
стр. 1083
وأما صغار الوظائف فجزء من كل فلا حاجة بنا إلى ذكرها، وكل ما نذكره مما هو في الحضرة نظيره في كل مدينة من قواعد مدن هذه المملكة، ويبقى الفرق ما بينهما الفرق ما بين المكانين.
الوظائف الكبار
فمن ذوي السيوف
إمرة سلاح. الدوادارية. الحجوبية. إمرة جاندار. الأستاذدارية. المهمندارية (١). نقابة الجيوش الولاة.
ومن ذوي الأقلام
الوزارة. كتابة السر. نظر الجيش نظر الأموال. نظر الخزانة. نظر البيوت. نظر بيت المال. نظر الاصطبلات.
ومن ذوي العلم
القضاة. الخطباء. وكالة بيت المال. الحسبة.
ثم نقول: إن هذا السلطان أبطل النيابة والوزارة بحضرته. ثم لما كانت «النيابة» قائمة كان النائب أولًا سلطانًا مختصرًا، وكان هو الذي يفرق الإقطاعات ويعين الأمراء. وفي هذا القول الكفاية.
وأما «الوزارة» فكان يليها من أرباب السيوف والأقلام على قدر ما يتفق (٢).
وكان الوزير ثاني النائب في المكانة، فأما الآن فإن السلطان بقي المفرد بما كان للسلطنة من العظمة، والنيابة من التصرف.
стр. 1084
وأما الوزارة فإنه أبطلها واستخدم في أيام هذا السلطان الناصر محمد بن قلاوون وظيفة تسمى مناشيرها «انظر الخاص» (١)
أصل موضوعها أن يكون مباشرها متحدثًا فيما هو خاص بمال السلطان، يتحدث في مجموع الأمر في الخاص بنفسه، وفي العام يأخذ رأيه فيه، فبقي تحدثه فيه وبسببه كأنه هو الوزير لقربه من السلطان وزيادة تصرفه.
ولتذكر وضع كل وظيفة مما ذكرنا.
ذكر الوظائف
[وظائف أرباب السيوف]
أما «النيابة» فقد تقدم قولنا: إنه سلطان مختصر فيما هو نائب عن الحضرة، وإن النائب هو المتصرف المطلق التصرف في كل أمر يراجع في الجيش والمال والخبر وهو البريد، وكل ذي وظيفة في نيابة لا يتصرف إلا بأمره، ولا يفصل أمرًا مفصلًا إلا بمراجعته، وهو يستخدم الجند ويرتب في الوظائف، وأما ما هو جليل منها كالوزراء والقضاة وكتابة السر والجيش فإنه ربما عرض على السلطان من يصلح وقل أن لا يجاب، وربما سمى أكابرهم هؤلاء النواب «ملك الأمراء» (٢). وإذا حصلت المنافسة لا يستحقها إلا من هو بدمشق؛ لأنها ليس بالشام قاعدة الملك سواها.
وأما النيابة العظمى فهي نيابة الحضرة، ويسمى هذا النائب «كافل الممالك» (٣)، وقد نبهنا فيما تقدم على كبير محله وهو السلطان الثاني. وجميع
стр. 1085
نواب الممالك تكاتبه في غالب ما تكاتب فيه السلطان ويراجعونه فيه كما يراجع السلطان، وهو يستخدم الجند من غير مشاورة، ويعين الأمراء ولكنه بمشاورة السلطان.
وعادته أن يركب بالعسكر في أيام المواكب وينزل الجميع في خدمته. فإذا مثل في حضرة السلطان، وقف في ركن الإيوان، فإذا انقضت الخدمة، خرج إلى داره والأمراء معه ومد لهم السماط كما يمد السلطان ويجلس جلوسًا عامًا للناس، ويحضره أرباب الوظائف، ويقف قدام الحجاب وتقرأ عليه القصص وتقدم إليه الشكاة، ثم يصرف الناس.
ولما كانت النيابة قائمة على هذه الصورة، لم يكن السلطان يتصدى بنفسه لقراءة القصص عليه وسماع الشكوى، بل كان يكتفى بالنائب. ثم إن النائب إذا قرئت عليه القصص: فما كان يكفى فيها مرسومه أصدره عنه، وما لم يكن فيه بد من صدور مرسوم سلطاني فيه أمر بكتابته عن السلطان وإصداره فيكتب ويثبته، فيما يكتب أنه بإشارته ثم يصدر. وما كان من الأمور المعضلة التي لابد له من إحاطة علم السلطان بها، يعلمه بها تارة منه إليه وقت اجتماعه به وتارة يرسل من يعلمه بها ويأخذ أمره فيها.
وكان ديوان الإقطاع، وهو الجيش في زمان النيابة، ليس لهم خدمة إلا عنده ولا اجتماع إلا به ولا اجتماع لهم بالسلطان في أمر من الأمور. وأما الوزير وكاتب السر فقد يراجعانه في بعض الأمور دون بعض. ثم اضمحلت النيابة بالحضرة وتقهقرت أوضاعها، وأما الآن فقد بطلت.
وأما «الحجبة»: فهي موضوعة (١) لأن صاحبها ينصف بين الأمراء والجند تارة بنفسه، وتارة بمشاورة السلطان، وتارة بمشاورة النائب إن كان. وإليه تقديم من يعرض ومن يرد، وعرض الجند وما ناسب ذلك. وأما مع عدم النيابة فهو المشار إليه في الباب والقائم مقام النواب في كثير من الأمور.
стр. 1086
وأما «إمرة جاندار»: فصاحبها كالمتسلم للباب (١)، وله به البَرْدَدارية (٢) وطوائف الركابية والحريسانية والجاندارية. وهو يقدم البريد مع الدودار وكاتب السر، على ما قدمنا ذكره. وإذا أراد السلطان تعزير أحد أو قتله كان على يد صاحب هذه الوظيفة، وهو المتسلم للزردخاناه التي هي أرفع قدرًا في الاعتقالات من السجن المطلق، ولا تطول مدة المعتقل بها، بل إما أن يعمل بتخلية سبيله أو إتلاف نفسه، وقد قدمنا القول إن صاحب هذه الوظيفة يدور بالزفة حول السلطان في سفره مساء وصباحًا.
وأما «الأستاذدار» (٣): فإليه أمر بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب خاناه والحاشية والغلمان، وهو الذي يمشي بطلب السلطان [في السرحات والأسفار] و [له] الحكم في غلمانه وباب داره، وإليه أمور الجاشنكرية، وإن كان كبيرهم نظيره في الإمرة من ذوي المئين، وله حديث مطلق وتصرف تام في استدعاء ما يحتاجه كل من في بيت السلطان من النفقات والكساوى وما يجري مجرى ذلك.
وأما «إمرة سلاح» (٤). فهو مقدم السلاح دارية والمتولى لحمل سلاح السلطان في المجامع الجامعة، وهو المتحدث في السلاح خاناه وما يستعمل لها وما يقدم إليها ويطلق منها، وهو من أمراء المئين.
стр. 1087
وأما «الدوادارية» (١). فهم لتبليغ الرسائل عن السلطان وإبلاغ عامة الأمور، وتقديم القصص إليه، والمشاورة على من يحضر إلى الباب وتقديم البريد، هو وأمير جاندار وكاتب السر كما تقدم، ويأخذ خط السلطان على عموم المناشير والتواقيع والكتب. وإذا خرج عن السلطان بمرسوم يكتب ويعين رسالته.
وأما «نقابة الجيوش»: فهو كأحد الحجاب الصغار، وله تحلية الجند في عرضهم، ومعه يمشي النقباء. وإذا طلب السلطان أو النائب أو الحاجب أميرًا لوجه ما، قالوا له: أرسل إليه وأحضره. وإذا أمروا بالترسيم على أحد من هؤلاء أمروه فرسم عليه. وهو ممن يطلب بالخزانة في الموكب وفي السفر.
وأما «الولاية». فهم أصحاب الشرطة، وطبقتهم معروفة معلومة.
[وظائف أرباب الأقلام]
وأما وظائف أرباب الأقلام فأجلها «الوزارة»؛ لأن ربها ثاني السلطان إذا أنصف وعرف حقه، ولكن في هذه المدد حدثت عليها النيابة وتأخرت الوزارة حتى قعد بها مكانها، وقد تقدم قولنا على أنه وليها أناس من أرباب السيوف والأقلام بأرزاق على قدر الإنفاق.
ووظيفة «الوزارة» أشهر من أن يذكر وضع مباشرها لنفاذ كلمته وتمام تصرفه، ولكنها في أخريات هذه الأيام تقهقرت حتى كان المتحدث فيها كناظر المال لا يتعدى الحديث في المال، ولا يتسع له في التصرف مجال، ولا تمتد يده في الولاية والعزل لتطلع السلطان إلى الإحاطة بجزئيات الأحوال.
ثم إن السلطان أبطل هذه الوظيفة وعطل جيد الدولة من عقودها، وصار ما كان إلى الوزير منقسمًا إلى ثلاثة: إلى ناظر المال أو شاد الدواوين (٢) أمر تحصيل
стр. 1088
المال وصرف النفقات والكلف. وإلى ناظر الخاص تدبير جملة الأمور وتعيين المباشرين. وإلى كاتب السر التوقيع في دار العدل مما كان يوقع فيه الوزير مشاورة واستقلالًا، ثم إن كلًا من المتحدثين الثلاثة لا يقدر على الاستقلال بأمر إلا بمراجعة السلطان ومراجعته عليه (١).
وأما «كتابة السر» (٢)، فموضوعها قراءة الكتب الواردة على السلطان وكتابة أجوبتها وأخذ خط السلطان عليها، وتسفيرها، وتصريف المراسيم ورودًا وصدرًا، والجلوس لقراءة القصص بدار العدل والتوقيع عليها. وقد صار يوقع فيما كان يوقع عليه بقلم الوزارة على حسب ما يرسم به السلطان.
وأما «نظر الجيش» فقد تقدم في ذكر الإقطاعات، وعند ذكر النيابة مما يدل على حال صاحب هذه الوظيفة مما فيه كفاية. وهذا الناظر معه من المستوفين من يحرز كليات المملكة وجزئياتها (٣)، فرأسهم هو «مستوفي الصحبة» (٤) وهو يتحدث في
стр. 1089
جميع المملكة مصرًا وشامًا، ويكتب مراسيم يعلم عليها السلطان، تارة تكون بما يعمل في البلاد، وتارة بإطلاقات، وتارة باستخدامات كتاب في صغار الأعمال، ومن هذا وما يجري مجراه. وهي وظيفة جليلة تلي النظر. وأما بقية المستوفين فكل منهم حديثه مقيد لا مطلق فإنه لا يتعدى حديثه قطرًا من أقطار المملكة.
وهذا الديوان هو أرفع دواوين الأموال، وفيه تثبت التواقيع والمراسيم السلطانية، وكل ديوان من دواوين الأموال هو فرع هذا الديوان وإليه يرفع حسابه وتتناهى أسبابه.
وأما «نظر الخزانة» فكانت الخزانة أولًا كبيرة الوضع؛ لأنها مستودع أموال المملكة، فلما استحدثت وظيفة الخاص، ضعف أمر هذه المسماة بالخزانة، وصارت تسمى بالخزانة الكبرى، وهو اسم أزيد من مسماه. ولم يبق بها الآن إلا خلع تخلع منها أو ما يحضر إليها ويصرف أولًا فأولًا، وفي الغالب يكون ناظرها من القضاة أو ممن يلتحق بهم.
وأما «نظر البيوت». فهو ناظر جليل وهو منوط بالأستاذدارية، فكل ما يتحدث فيه أستاذدار له فيه مشاركة الحديث، وقد تقدم تفصيل حال وظيفة أستاذدار فيما تقدم.
فأما «نظر بيت المال» فهي وظيفة جليلة معتبرة موضوعها حمل حمول المملكة إلى بيت المال والمنصرف منه تارة بالميزان وتارة بالتسبيب بالأقلام. ولا يلي هذه الوظيفة إلا من ذوي العدالة المبرزة.
وأما «نظر الاصطبلات». فهو ديوان جليل مباشره في اصطبل للسلطان، وله الحديث في أنواع الاصطبلات والمناخات وعليقها وأرزاق المستخدمين فيها، وما لها من الاستعمالات والإطلاق، وكل ما يبتاع لها أو يبتاع منها.
[وظائف ذوي العلم]
وأما وظائف ذوي العلم فقد تقدم القول أنها: القضاء (١) والخطابة ووكالة بيت
стр. 1090
المال والحسبة، وهذه وظائف معروفة ومباشرات أربابها معلومة؛ لأنه لا يكاد تخلو مملكة من ممالك الإسلام منها.
فصل
وفي هذه المملكة وفيما هو متعلق بها مجموع المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها: المسجد الحرام، والبيت المقدس، ومسجد النبي ﷺ .
وأول ما نبدأ به ما هو محقق في هذه المملكة وداخل في حدودها وهو «القدس» وبه «المسجد الأقصى» و «الصخرة» التي هي أولى القبلتين، وإليه كان إسراء النبي ﷺ من المسجد الحرام كما قال الله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (١) وبجانبه الأيمن الطور وعليه كانت مخاطبة موسى ﵇. وفيه وفيما حوله غالب مدافن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
قال التيفاشي في كتاب (٢) «سرور النفس بمدارك الحواس