← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ثم اخترمته المنية وعاد أولاده الأربعة إلى أوطانهم في الأيام العادلية الزينية مع عز الدين سنقر من الشهرزورية، والمبارزين شجاع الدين من الأزخية وبهاء الدين بن جمال الدين خوش من الحميدية. إذ لم يجدوا لهم في الدولة الزينية حرمة مرعية ولا أخبارًا مرضية. ثم يلي هؤلاء من إربل المازنجانية وهم طائفة ينسبون إلى الحميدية لم يبق لهم أمير غير أمرائهم وعدتهم تنضاف إليهم في شدّتهم ورخائهم ولا تنقص عدّة الحميدية عن ألف مقاتل. وهؤلاء المازنجانية يتعانون الصلافة، ويتشبهون بالناس في الآلات واللباس؛ لأن أميرهم كان من أمراء الخلافة من الدولة العباسية، لقب من ديوان الخلافة بمبارز الدين واسمه كك. وكان يدعى الصلاح وتنذر له النذور فإذاإليه قبلها ثم أضاف إليها مثلها من عنده وصدق بهما معًا. قال الحكيم الفاضل شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ساعد الأنصاري - وقد ذكره -: كان ذا شجاعة وصبر وتحيل ومكر وعقل وفكر وتدبر وسياسة وتثبت ورياسة، لا يهمل عددًا لصغره وحقارته، ولا يهاب من أراد به سوءًا لعظمه وجسارته. نقل عن ابن الصلايا ﵀ أنه قال - حين أعطاه خبز أبيه سيف الدين محمد وحباه: لقد توسمت في هذا الشاب سعادة لم أتوسمها في أحد سواه فكان كما توسمه الصاحب ﵀ فرآه كذلك إذا قام في التتر في ذلك المقام وتمكن ابن يافث من ابن سام وتشتت أهل الإسلام، وانحل ما عهد من النظام، ولم يبق من الرجال القادرين على القتال إلا سكان الجبال، فما أعجز الكفار استئصالهم وتحققوا أن سهامهم لا تنالهم عاملوهم بالمكر والخديعة، وهادنوهم على تخلية الخراج سدًّا للذريعة، وقدموا منهم اثنين، وحكموهما عليهم من الوجهين؛ فما كان من وجه بلاد العجم كان مبارز الدين كك متحدّثًا فيه، وما كان من مدن العجم كان الأسد بن سكاكين الحائز لنواحيه وجعلوهما ملكين، وأعطوهما بايزتين. ثم استنابوا المبارز كنك في إربل وأعمالها وصرفوه في سيفها ومالها، وأقطعوه عقر سوسن بكمالها، وأضافوا إليه هراوتل، وقدموه على خمسمائة فارس أو يزيدون. وسعد بسعادته قومه، وأناف على أمسه يومه، وكثر في عشيرته الأمراء لاشتباكهم معه في النسب، وغلب أقرانه بعناية الدولة والدنيا لمن غلب. وكان ترى همته

стр. 982

همة الشبان وهو ابن تسعين، وتولّى هذه المملكة وهو ابن عشرين، ما قصده عدو إلا مكنه الله منه، ولا رسم ملك من ملوك التتر بقتله إلا هلك قبل نفاذ أمره وامتثاله، ولم يبلغ ما بلغ من ملكه وكثرة رجاله، ولا تمنعه جباله، ولكن سعادته وإقباله. ثم مات وخلفه ولده عز الدين. وكان يكنى به فيما ألف منه وعرف به. ثم أخوه نجم الدين خضر. وكان من الرفاهية على سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة (١)، ونعم مما ترك أبوه موروثة، إلىحاشية وغاشية، وعقار وماشية، وسعادات قديمة وناشيه. ومكانته في الدولتين الإسلامية والتتارية لا تطاول ورتبته عالية في الجهتين لا تحاول، وانبساط في اللذات، وشرف بالعرض والذات، ويد لا تقصر في أدب، ولا تبالي بلاغتها بما تنفق من كنوز الفضة والذهب. وكانت ترد على الأبواب السلطانية بمصر ونواب الشام منه كتب تنهل بماء الفصاحة كالسحب، وتسرح من أحيافها الأبكار العرب. ثم مات ﵀ وخلفه ولده وجرى على سنته، ونمت به في أهل بيته منته. ويلي يسار وأعمالها، وتل حفتون، وبلادها بلاد السهرية المشهورين باللصوصية؛ وهي من بلاد شقلا باذ (٢) إلى خفتيان (٣) أبي علي، ويعرف بخفتيان الصغير، وما بين ذلك من الدست والدربند (٤) الكبير؛ وهم قوم لا يبلغ عددهم ألفًا، وجبالهم عاصية، ودربندهم بين جبلين شاهقين يشقهما الزاب (٥) الكبير، وينقلب على صخورهما بصوت مفزع، وهدير قوي عليه ثلاث قناطر؛ اثنتان منهما بالحجر والجر، والوسطى مظفورة من الخشب كالحصير، علوّها عن جهة الماء مائة ذراع في

стр. 983

الهواء، وطولها بين الجبلين خمسون ذراعًا في عرض ذراعين. وقد ينقل تارة من أرضه فينقص من طوله أو يزاد في عرضه، تمر عليه الدواب بأحمالها، والخيل برجالها. وهي ترتفع وتنخفض وتنبسط وتنقبض، يخاطر المجتاز عليها بنفسه، ويقامر بعقله، وهم يأخذون الخفارة عندها، يجيلون ما شاءوا بعدها؛ فإنَّ الدربند مضيق على نهر عميق. وهم أهل غدر وخديعة، وقبائح شنيعة، لا يستطيع المسافر مدافعتهم فيه بل ترضيه سلامته بنفسه. قال الحكيم شمس الدين محمد بن ساعد: إن نُسب أحد من الأكراد إلى الجن فهم هؤلاء حقًا، وإن صعب مسلك دربند فهذا أصعب المسالك وأشقى. كان أميرهم الحسام بن عمقيان أبقى ما ترك ولا أبقى. ومجاورهم قوم يقال لهم الزرزارية؛ وهي كلمة أعجمية معناها ولد الذئب؛ ويقال إنهم ممن تكرّد من العجم المنسوبين إلى ملوكهم، ذكره بعض أهل التاريخ. ولهم عدد جم منهم زرّاع وأمراء وأغنياء وفقراء، يبلغ عدة رجالهم خمسة آلاف، قليل بينهم الخلاف، ومنهم زهاد يشار إليهم، وفقهاء يعتمد في الفتوى عليهم. مساكنهم من مرت (١) إلى جبل خنجرين المشرف على أسنة من ذات اليمين؛ وهو جبل عالي مشرف بمكانه على جميع الجبال. كأنَّ هواءه الزمهرير. وكأنه للسحب مغناطيس يجذبها بالخاصة قد نصب عليه للتحذير ثلاثة أحجار طول كل حجرة عشرة أشبار وعرضه ربع هذا المقدار، ثخانته نحو ثلثي ذراع منحوت من جميع الأضلاع، مركب من حجر مربع ثخانته تزيد على ذراع في التقدير على كل من الثلاثة كتابة قديمة لم يبق منها سوى المعالم؛ وهي من الحجر المانع الأخضر الذي لا يغيره البرد ولا الحر ولا يتأثر إلا في ألوف السنين تأثير لا يكاد يبين، فالوسط منها على بسطة رأس جبل، والآخران في ثلث عقبته لمن صعد أو نزل يقال: إنها نصبت لمعنى الإنذار، وإن المكتوب عليها أخبار من أهلكه الثلج والبرد في الصيف، وهم يأخذون

стр. 984

الخفارة تحته ويدركون أو يوارون من هلك ببرده. وبيد الزرزارية أيضًا بلاد ملازكرد والرستاق بقلاعها ومزارعها وضياعها ولا يحملون لأحد شيئًا من ارتفاعها. وكان لهم أمير جامع لكلمتهم مانع لشوكتهم يسمى نجم الدين بن باساك. ثم توفي وتولاهم من بعده ولده المسمّى جيدة؛ ولما أدركه الأجل وتوفي تولاهم ولده عبد الله. وكان لهم أيضًا أمير شجاع عفيف له رأي وتدبير يقال له: الحسام شير الصغير، حوله من عشيرته عصبة تسير بسيرته، وكذلك كان لهم أمير آخر جيد السير يسمّى باساك بن الحسام شير الكبير. وآخر منهم له بابك قوي يدعى بهاء الدين بن جمال الدين أبي علي، وأمراء غير هؤلاء ممن ينطوي في طائفتهم ويدخل في جماعتهم إذ لا يبلغ قدر استطاعتهم يستغنى عن ذكر اسمه عن تقدم. وينضم إلى الزرزارية شرذمة قليلة العدد هي لهم كالمدد، تسمى باسم قرينها بالكان منفردة بمكان مشرف على عقبة الخان يأخذون عليها الخفارة باليد القوية ويحولون بين الحسنانية قتل أميرهم توبك مع نجم الدين وعاد قومه لهم بالرعية تبلغ عدتهم ثلاثمائة رجل. ومنهم الجولمركية وهم قوم نسبوا إلى الوطن لا إلى النفر بل هم طائفة من بني أمية يقال إنها حكمية (١) اعتصموا بالجبال عند غلبة الرجال عليهم واستغنوا بمنعتها عند استعمال البأس ومخالطة الناس طلبًا للسلامة من أعدائهم وفرارًا من اعتدائهم فانخرطوا في سلك الأكراد فسلموا. وهم الآن في عدد كثير يزيدون على ثلاثة آلاف كان ملكهم عماد الدين بن الأسد بن مشكلان. ثم خلفه ولده الملك أسد الدين وتحت يده من المعادن ما ينقل من الزرينحين إلى سائر الأماكن. وكان ظهر له معدن اللازورد فأخفاه لئلا تسمع به ملوك التتر فيطلبونه، ومعقله الذي يعمد عليه من أمنع المعاقل على جبل عال مقطوع بذاته قرن الجبال قائم في وسطها مع الانفصال شامخ في الهواء، راسخ فيما حوله من الماء،

стр. 985

والزاب الكبير محدق به، فاصل بينه وبينهما بإذن ربه لا محط للجيش عليه، ولا وصول للسهام إليه سطحه للزراعة متسع، وفي كل ضلع من جوانبه كهف مرتفع يأوي إليه من شاء للامتناع فيمتنع والماء محيط بأساسه والثلج لا يزال يشتعل سببه برأسه والصعود إليه في بعض الطريق يستدعي العبور على أوتاد مضروبة مصلحة لمن يطيق ومن لا يستطيع التسليق جرًّا بالحبال يعلّق بها، وكذلك ترفع البغال للطواحين والذخائر التي يحتاج إليها في كل حين. والملك عليهم معتبر على الأكراد، ولهم على كلمته إعقاد، يدعى بهاء الدين ابن قطب الدين، وولده في الملك يجري مجراه، ويخلف في سيرته أباه. وكان له ابن عمّ آخر يدعى بشمس الدين داود عصى على دولة الأعداء مدّة، وعجزوا عنه وقد اجتهدوا في غيلته بكل حيلة فلم يقدروا عليه فبالغوا في الإحسان إليه، وأمروه بالانتقال عن الجبل ليأمنوا اعتصامه فاختص التوصل في التوسل حتى سكن ببعض المدن؛ فلما قرأ في دار كانت بنيت للسلطان وغرس في ما حولها بستانًا جامعًا لأشجار ذات أفنان مختلفة الثمار، محفوفة بالارتفاع ارتفاع مغله من دنانيرهم عشرون ألف دينار. والدار أعظم ما يكون من دور السلطنة لما فيها من البسط والآلات المثمنة فخولوه في سكنها، وسمحوا له بالفاكهة وثمنها، إلى أن اخترمه ريب المنون، فترك ولده الحركة وعاد إلى حربهم يؤدّى إليه خراج بلاده، ويقطع منها ما شاء من أقاربه وأجناده، ويأخذ الخفارة من جميع الطرقات من أذربيجان، من تبريز إلى خوئي ونقشوان (١). وكل وظائف مستخدميه بضمان من الكتاب والمشدين والنواب والمتصرفين والوكلاء ولا يقدم طعامهم ضيفانه إلى ثلث الليل إلى نصف نصف النهار، أي غداء كان ولا يطعم ضيفانه إلى ثلث الليل عشاء، ولا يجعل في خبزه ملحًا ليأكل منه من كان حربًا وصلحًا. ويجاور الجولمركية من الأكراد قوم يسكنون الجبال من بلاد تدعى مركوان كثيرة الثلوج والأمطار، مخصبة ربيعها زاهر بأنواع النبات والأزهار ووصفها منوط بألحان الأطيار وشتاؤها وافر الأسمان والألبان غزير اللحوم المنوعة وهي مترخمة لا رمية

стр. 986

من بلاد أذربيجان. وكان لهم بها أميران بدر الدين والأمير حسن أخوان شقيقان، وبالرعايا، رفيقان، تبلغ عدتهم ثلاثة آلاف وهم لمن جاورهم من الزرزارية والجولمركية أخلاف ويعاملونهم بالرأفة والإحسان. ويجاور الجولمركية من قبل بلاد الروم جبال وبلاد يقال لها كوار ذات سعة وإمكان ومرعى للحيوان وخصب مستمر في سائر الأحيان، وإليها ينسب من بها من الشمال فيحسب أنه من قبيله. وكان الأمير شمس الدين هو المداري عنهم وعدة قومه ثلاثة آلاف. ويلي الجولمركية وجه عقر شوشن، وبلاد العمادية، وبلاد الزيبار، وبلاد الهكلر. أما الزيبارية فيبلغون خمسمائة عددًا أصحاب بازارية (١) لهم سوق وبلد. وكان حروب بينهم وبين المارنجارية مددًا. ثم قر قرارهم وأنجدوا وأركان ملكهم أحدهما الأمير إبراهيم ابن الأمير محمد الزامي. وكان موقرًا في زمن الخلافة، معروفًا بالحشمة، وبقي ولده بعده صغيرًا فاحتاج إلى الاعتقاد بالمبارزكنك ليكون له ظهيرًا. والثاني الشهاب بن بدر الدين برش توفي أبوه وخلفه كبيرًا؛ ولولا المارنجانية لم يدع لهم سواه أميرًا فاستولى على الرعية استيلاء كثيرًا. وأما الهكارية فإنهم مقيمون ببلاد العمادية تزيد عدّتهم على أربعة آلاف حربية. وكانت إمارتهم إلى أميرين أخوين؛ أحدهما الأمير أبو بكر، والآخر الأمير علي؛ يعرف والدهما بالطراوسي. فأما أبو بكر فإنَّه كان ممتنعًا برجاله وكثرة احتياله وقوة جباله ونوابه وجيوشه وأحزابه، وبقي مدةً لا يعبأ بهم ولا به مع أنه سير له العساكر واستعان عليه بكل ما كر إلى أن حكم بالموصل نصراني يقال له مسعود البرقوطي عزل عنها الأمير رضي الدين بابا القزويني البكري ﵀ فاحتال النصراني على الأمير أبي بكر بكل حيلة وأعانه عليه في المكيدة بعض القبيلة فحسنوا له الوثوق إليه، والنزول في الطاعة على يديه، وسيّر له الرهائن أربعة من الصبيان إلى السلطان أحدهم مبارك شاه،

стр. 987

والثاني سيف الدين ابن المبارزكنك الذي استنابه في العقر أبوه. والآخران أحمد وجركتم والدهما فبلغ بكر الدين كان بإربل نائبًا في ذلك الزمان فاغتر ونزل إلى البابا وبقي عند السلطان معظم المقدار إلى عدت فيه ذوو الاعتراض، وقالوا: إن أحضر ولده وأهله فما عليه اعتراض. ولما طلبوا منه سير إليهم بالنزول فلم يأخذوا أمره بالقبول، وعاد مؤكدًا لطلبهم برسول، وتأخر حضورهم فاشتبهت على السلطان أمورهم فأمر بالاحتياط عليه وعلى من معه من أصحابه. وكان إذ ذاك متوجهًا إلى حمص في أحزابه. فلما وصلوا إلى مراغة أذربيجان توجه حسان أجابه الداعي السلطان، وكان موثوقًا عنده في المكان فانتهز الفرصة في الخروج من الوثاق، وخلص من معه من الرفاق. وركب ما وجد من الخيل عريًا وساق، بناءً على أن الجبل قريب، وطمعًا في أن يدركه الليل فيستتر فلما أحس القوم بفراره، وخافوا صولة سلطانهم ونادوا أولام أولام على آثاره، فتنبه عليه قوم من الأختاجية وهم رعاة الخيل، وهو تحت فرسه بكزلك؛ وهي مدية فرماه أحدهم بسهم أصابه به، وتواثب عليه أصحابه فلم ينج منهم أحد إلا رجل كان لما انهزموا قد دخل البلد. وأما أكثر الرهائن فإن البارز شير سير من سرق ولده وهرب كل منهم فلحق ولده، وبقي الأمير علي أخوه مستقلًا بالهكارية وحده إلى أن أتاه اليقين فخلف فيهم ولده غرس الدين صاحب قلعة هروز. ونشأ الأمير محمد ابن الأمير أبي بكر شجاعًا فقصد قلعة الجبال فأخذها وأحرق بايان الدور وأراد أن يقيم بها إن ساعده القدر المقدور. والهكارية يأخذون الخفارة في أماكن كثيرة من بخارى إلى جبل الجزيرة، ويليهم من قبل المرج جبال القمرانية وكهف داود وهذه الأماكن أوطان النستبكية وقليل ما هم لكنها حماة رماة وطعامهم مبذول على خصاصه، وعدتهم لا تزيد على خمسمائة، وأميرهم مقيم بالقمرانية يقال له .. (١) ويقابل الجولمركية من قبل الموصل التحتية، وهم قوم كانوا يضاهون الحميدية لكنهم شعبهم أكثر، وقبيلتهم أكثر؛ فكان لهم كبراء وأعيان فهلك أمراؤهم، وتشتت كبراؤهم، وتفرّق جمعهم المعهود، ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة تفرقت بين القبائل والشعوب.

стр. 988

وكان من بقايا أمرائهم فخر الدين - خدم صاحب ماردين - فأبعده لأقوال قيلت. وشعبهم كثيرة، وقبائلهم متفرقة؛ منهم السندية وهم أكثر شعبهم عددًا، وأوفرهم مددًا، يبلغون ثلاثين ألف مقاتل مختال مخاتل. والمحمدية وكان أميرهم شروين لا تزيد على ستمائة رجل؛ والراسنية كانوا أولي عددٍ وعُددٍ وجمع ومدد إلى أن نزح أميرهم البدر بن كيابك من ذلك البلد بالأهل والولد إلى منعة، وقد تشتت شملهم، وتفرّق جمعهم. عدتهم لا تزيد في بلد الموصل لا تزيد على ألف رجل، وأميرهم علاء الدين كودك بن إبراهيم، ولا ينقص في بلد الفقر خمسمائة وأميرهم عمر بن أبي علي، وموسى بن بهاء الدين. والدنبلية وهم يسكنون الجبال المقلوب والمختار مطلوبون بالخفارة؛ أميرهم كلي ولا تزيد عدتهم على ألف متفرقين في البلاد، متمزقين بكل واد. الفصل الثاني: في اللر وهؤلاء طائفة كثيرة العدد، ومنهم فرق مفرقة في البلاد، وفيهم ملك وإمارة، وإقدام وشطارة، ولهم خفّة في الحركات، وصدق في القول. يقف الرجل منهم إلى جانب البناء المرتفق، ويلصق بطنه بأحد الزوايا القائمة به، ثم يصعد فيه إلى أن يرتقي صهوته العليا. ومنهم من يخالس الرجل ماله ويأخذه منه وهو لا يدري وربما أمسك الرجل منهم وضرب بالسياط وعوقب أشد العقاب فلا يقرُّ أَنَّه أخذ ولا يعرف فإذا حلف بستر الله وأقسم عليه به أقر واعترف. وفي بلاد مصر والشام منهم طوائف، وفي البلاد الشامية معظمهم، ولهم في هذا وقائع مشهورة، وأحوال مشهودة. ومما يُحكى: أنَّ السلطان صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن أيوب (١)

стр. 989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 990

﵀ حضر إليه رجل منهم، وأظهر له أشياء من أفعاله اللطيفة، وحركاته الخفيفة حتى إنه وقف إلى جانب بناء مرتفع وارتفع والتصق به وارتفع حتى استوى على أعلاه؛ وصلاح الدين ﵀ يظهر العجب من شطارته، وخفة حركته وقدرته على ما لا يقدر عليه مثله؛ فلما نزل خلع عليه وأكرمه وحمله على فرس وأقطعه إقطاعًا جليلًا، وقال له: اشتهي أن يكون عندنا جماعة منكم فإننا ما نستغني عنكم لنتوصل بكم. إلى حصون الأعداء، فبقي ذلك اللرّي (١) يجلب له واحدًا بعد واحد ممن يقدر على هذا منهم؛ فكلما جاء واحد منهم أكرمه صلاح الدين وخلع عليه وأقطعه الإقطاع حتى لم يبق أحد منهم، وبقي مدةً لم يحضر أحدًا إلى صلاح الدين، فقال له: لأي شيء ما عدت جبت لها أحدًا، فقال: والله يا مولاي ما بقي أحد يقدر على هذا مثلنا؛ فلما تحقق صلاح الدين في ذلك أسرها في نفسه ثم جمعهم وأوقف خلف كل رجل منهم رجلًا وأومأ إليه فضربوا رقاب أولئك النفر؛ لأن صلاح الدين لما رأى ذلك فزع منهم على نفسه وخاف إن هو قتله وحده يبقى وراءه من يفعل مثل فعله فاحتال عليهم بذلك لئلا ينزل عليه أحدهم فيقتله به. وأما ما يروى من مشي هذه الطائفة على الجبال المنصوبة على قامات من الأرض وانقلابهم عليها في الهواء حتى يصير رأس الرجل منهم منكوسًا إلى الأرض ورجله متعلقة بالجبل، ثم يستوي على قامته ثم يمشي على الحبل بالقبقاب ويلعب فوقها بالمخاريق ما تحار له الألباب، ويحال فيه إلى نوادر العجب العجاب. أن نساءهم يفعلن وتركضها أشدّ ركض ثم تطيح عنها في قوة جريها إلى الأرض ثم تثب عليها فيستوي على ظهرها ثم تصير حزامًا لبطنها ثم تترك صهوة الفرس وتعتنق العنق تارة من أعلاها، وتارة من تلقاء صدرها إلى غير ذلك من عجائب الأفعال، وغرائب الخفة في المجال. ودأب من هو منهم في الشام أحد ما قدروا عليه، ووصلت أيديهم إليه. وقد عرف صبرهم على الضرب فما بقي يضرب أحد منهم إذا اتهم بل يحلف بستر الله ويقسم عليه به فيقر ويعترف ويردّ ما أخذ ويقول: نحن نأخذ قبيح، ونرد مليح. وقد

стр. 991

أوردنا هاتين اللفظتين بعيارتهم على ما هي عليه. وهم ببلادهم أهل منعة؛ وهي اللران كبير وصغير، ومأمور وأمير، وسارقهم لا يقطع على السرقة هكذا جرت عادتهم في بلادنا. الفصل الثالث: في الشول وهؤلاء حكمهم حكم شنكارة، وما يبعد بعضهم من بعض في موازنة العقول؛ إلا أنه لا يخلو بينهم من دماء تطل، ومواثيق فيما بينهم تحل؛ وفيهم كرم وسماح تقصدهم الفقراء (١) وتنزل في قراهم وتقيم في ضيافتهم وقراهم. ولهم فيهم حسن الظن إذا نزلهم الفقير أنزلوه في بيوتهم يمسي ويصبح عندهم وبين نسائهم؛ فإن أطلعوا على أحد منهم أنه خان أو تطرق إلى حريم أخرجوه من بيوتهم وتبعوه فإما نجا وإما أدرك فقتل. ولا يقتلون أحدًا منهم في بيوتهم سترًا على حريمهم، وخوفًا من تنفير الفقراء عنهم الحسن ظنهم فيهم. * * * الفصل الرابع: في شتكارة وهم أحسن من اللر طريقًا، وأقل فريقًا، وفيهم رعاية الذمام، وتمسك من الشريعة المطهرة بزمام، ولهم بأس وشجاعة، وعندهم لأمرائهم سمع وطاعة على أَنَّهم أشدّ من الأسود إذا غضبوا، وأخف من البروق إذا وثبوا، يكون الرجل منهم في أسفل الجبل العالي، ثم يأخذ في الصعود ويرشق محاذيه السهم فيكاد يسبق السهم وقد بلغ غايته وما انحدر أو يوافي هو وإياه على قدر. * * *

стр. 992

الباب الخامس: في مملكة الأتراك بالروم

стр. 993

في مملكة الأتراك بالروم أما المسماة الآن بمملكة الروم فقد كانت مملكة لا تُرام، ولا يحلق إليها مرام وهي مما هو من الخليج القسطنطيني (١)، ممتدًا على جنوب بحر نيطش (٢) ومانيطش محجوزة بجبال يزل الطرف عن صهواتها، ويخل الطرف بعوائدها في اقتحام حجراتها، وكانت آخر وقت زمان بقايا بني سلجوق معدن الخيرة والخير، ومسلك مسكن الملك صاحب القبة والطير، وكان لسلطانها من إرث آبائه حرمة محفوظة، ونعمة على معاطف الملوك ملحوظة. وقد تقدم في هذا الكتاب ما ينبّه على ما لهذه البلاد من المجد من الطارف والتلاد. كانت على عهد الروم الباقي عليها نعتهم إلى الآن محتبك الأعنة، ومشتبك الأسنة دار القياصرة، ومكسر الأكاسرة، وكان لملكها الرتبة العليا، وكانت بقسمة التعديل ثلث الدنيا؛ لأنه لم يكن يسمى من ملوك الأرض إلا ملوك الفرس والروم والترك. وهكذا قسم أفريدون (٣) جد هؤلاء الملوك الثلاثة الأرض بينهم بالأثلات، فالروم لهم الثلث وهم أهل التثليث (٤) وهذا الذي نحن في ذكره الآن مما وقع في

стр. 994

قسمهم وطبع إلى وقتنا بطبائع اسمهم هو الواقع على شرقي الخليج القسطنطيني متصلًا بأرمينية وديار العرب والعواصم والشام. وهو أثرى الممالك بلا احتشام خلا أنه بكثرة الثلوج كالح الوجه في شبابه، أشيب اللمة في قبابه، لا يستسقي له محب لاتراك ولا يسام، ولا بارق فيه لعارضة برق ولا يشام، إلا أن صخوره تتفجر ماء، وتتبخر أنواء، تعقد دون السماء سماء، فتخصب زرعها، ويخصم المحل ضرعها، ويخصف ورق الجنة على الحدائق ثمرها، وينعها وتطرب ورقها لمنظرها البديع ومخبرها، من صناعة صنعاء الربيع، فلا تسمع إلا كل مطربة تناجي النجي، وتشجي الشجي، وتخلب قلب الخلي، وتهب الغواني ما في أطواقها من الحلي، يعجب ثوبها السندسي، ونباتها المتعلق بذيل البهار سجافها القندسي، فلا تجول في أرضها إلا على أرائك، ولا تنظر إلا نساء كالحور العين وولدانًا كالملائك. وآخر ما كانت في الأيام السلجوقية على ما قدمنا ذكره دار بهجة وسناء، ومجلس أنس لكؤوس وغناء، انتهبوا العيش بها نهبًا، وقطعوا الأيام بالمسرات فيها وثبًا، ثم جرى عليها ملك أولاد جنكز خان، لما فاضوا على الأرض من كل مكان، إلا أنهم أبقوا على بقايا السلجوقية الملك بالروم وحكموا معهم من يمنع أسودهم الرابضة أن تثب، ويستدر لهم غبر ما خلوا من الثدي وتحتلب، ثم أزالتهم الأيام، وأزاحتهم لتمتد ستور الظلام. وكان من دخول الملك الظاهر أبي الفتح بيبرس البندقداري الصالحي (١)

стр. 995

إلى قيسارية ما هو مشهور وكسر عليها طائفة من رؤوس التتار، ثم عاد ولم يقر له بها قرار، بعد أن جلس على تخت آل سلجوق ولبس التاج وضرب باسمه الدينار والدرهم، واستبشرت به أهل تلك الدار لكنه خاف عاقبة لموافقة طالع الوقت لنجم سعدهم، ورجم ضدّهم ولم يكن قد آن الجمرتهم أن يخمد لهبها، ولا الجداول سيوفهم أن تجمد عليها قربها، فاستمرت أيدي المغل عليها واضمحل ملك آل سلجوق حتى سقط من يديها فغلبت طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك إلا بقية حفظت المغل مطالع أفقها وأمسكت آخر رمقها، ودارت طوائف الأتراك ملوك المغل على ما غلبت عليه وبقي منهم من يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليهم ولا يخرج شيء من يديه واستمرت أحوالهم معهم من الطاعة والعصيان والتذكار والنسيان حتى تمادت المدد، وخر رواق الدولة الجنكز خانية أو وهي منه بعض العمد، فحينئذ ثبتت أقدامهم، ونبتت في مغارس الاستمرار أيامهم. ومنذ غلبوا على الروم كاتبوا ملوك مصر (١) واتخذوهم ظهرًا، وعدوهم لحوادث الأيام ذخرًا، حتى إن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه فكتب له وجهز إليه بالصناجق (٢) والألوية والأعلام والتشاريف التمام والسيف المحلى والحصان المركوب والجنائب وهم إلى يومنا هذا أهل ود وصفاء وحسن عهد ووفاء ولكثرة ما خلطهم به الامتزاج وصل منهم من اتخذ مصر والشام دارًا وأخذ بهما الأمرة والإقطاع، وجرى فيهما تحت حكم الأمر المطاع، ورسلهم حتى الآن لا تنقطع عن مصر والشام والمكاتبات واردات و صادرات والهدايا مقيمة وسائرات، ومع هذا كله كل واحد منهم بما آتاه الله من فضله. ونحن الآن نذكرهم على التفصيل ونكتفي بالقليل، وها نحن نشرح حال كل

стр. 996

طائفة متغلبة على هذه البلاد، والمملكة التي استولت عليها، وما استقر في يديها، على ما ننبه عليه في موضعه. وقد ذكر أبو الفضل عبد الله بن عبد الظاهر (١) دخول الملك الظاهر ﵀ هذه البلاد وخروجه منها في رسالة قال فيها (٢): وسرنا لا يستقر بنا قرار، ولا يقتدح من غير سنابك الخيل نار، ولا نقيم إلا بقدر ما يتزيد الزائر من الأهبة أو يتزوّد الطائر، من النغبة تحمل همنا الخيل العاق، ويكبو البرق خلفنا إذا حاول بنا اللحاق. وكان السلطان من حلب قد أمر جميع عساكره بادراع لامات حربهم، وحمل آلات طعنهم وضربهم. ورحلوا من حلب جرائد على الأمر المعهود، قد خففوا كل شيء حتى عن السيوف الغمود، فسرنا في جبال يشتهى فيها سلوك الأرض، وأودية تهلك الأشواط فيها إذا ملئت الفروج من الركض (٣)، واستقبلنا الدرب كما قال المتنبي (٤): [من الطويل] رمى الدرب بالخيل العتاق إلى العدا … وما علموا أنَّ السِّهام خُيول فلما تجلى منْ دَلُوَكَ وصنجةٍ … علتْ كلَّ طودٍ رَبِّةٌ وعويل على طرق فيها على الطرْقِ رِفعةٌ … وفي ذكرها عند الأنيس خُمول

стр. 997

ومررنا على دلوك وهي رسوم باكية على سكانها، ضاحكة عن تبسم أزهارها، وقهقة غدرانها، ذات بروج مشيدة، وأركان موطدة، ونيران تزاويق موقدة، في عمد من كنائسها ممددة، وسرنا إلى مرج الديباج نتعادى، وذلك في ليلة مدلهمة ذات أندية، وإن لم تكن من جمادى، لا يثبت تربها تحت قدم المار، وكأنما سالكها يمشي على شفا جرف هار (١). وبتنا نستخف بالنسبة إليها ليلة الملسوع، وتتمنى العين فيها هجمة هجوع، وأخذنا في اختراق غابات أشجار تخفي الرفيق عن رفيقه، وتشغله عن اقتفاء طريقه، حولها معاثر أحجار كأنها قبور بعثرت أو جبال تفطرت بينها مخائض، لا بل مغائض، كأنها بحار فجرت (٢)، ما خرجنا منها إلا إلى جبال قد تمنطقت بالجداول، وتعممت بالثلوج، وعميت مسالكها فلا أحد إلا وهو قائل: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سبيل﴾ (٣) أو إلى سبيل من خروج، تضيق مناهجها بمشي الواحد، وتلتف شجراتها التفاف الأكمام على الساعد ذات أوعار زلقة، وصدور شرقه وأودية بالمزدحمين مختنقة، حتى وصلنا إلى الحدث الحمراء، المسماة الآن بكينوك، ومعناها المحترقة كان قسطنطين والد صاحب سيس (٤) قد أخذها من أصحاب الروم وأحرقها وتملكها، وعم بها الضرر لبلاد الإسلام، ثم سير السلطان إليها عساكرًا من حلب، فافتتحها بالسيف، وقتل كل من كان بها من الرجال وسبي الحريم والذرية وخربت من ذلك الحين، وما بقي بها من يكاد يبين وشاهدنا منها ما بناه سيف الدولة بن حمدان (٥): [من الطويل]

стр. 998

بناها فأعلى والقنا يقرع القنا … وموج المنايا حولهم متلاطم وقيل لسلطاننا هناك … على قدر أهل العزم تأتي العزائم غصب الدهر والملوك عليها … فبناها في وجنة الدهر خالا فيتنا بها وجيادنا إذا زلقت مشت كالأراقم على البطون، وإن تكاسلت جر بعضها بعضًا بالصهيل والحديث شجون، وخضنا في أثناء ذلك مخائض سوافح، كأنها لأجل عوم الخيل بها سمي كل منها لأجل ذلك سابح، كلما قلنا هذا بحر قد قطعناه، اعرض لنا جيل، وكلما قلنا هذا جبل قد طلعناه بأن لنا واد نستهون دون الهوي فيه نفاد الأجل، ثم وصلنا كوكصو وهو النهر الأزرق، الذي رد الملك الكامل منه سنة الدربندات، لما قصد التوجه إلى الروم، وللوقت عبرنا ركضًا، واعجلت الخيل فما درت هل خاضت لجة أم قطعت أرضًا، وبات الناس من بر هذا النهر الآخر وأصبحوا متسللين في تلك الشم، ووقع السنابك يسمع من تلك الجبال الصم، حتى وصلوا إلى أقجا دربند، فما ثبتت يد فرس المصافحة صفاها، ولا نعله لمكافحة رحاها، ولا رجله المطارحة قواها. وتمرنت الخيل على الاقتحام والازدحام في التطرق، وتعودت ما تعودت الأوعال في الأوعار من التسرب والتسلق، تنحط انحطاط الهيدب، وترتفع ارتفاع الكوكب، حتى حصل الخروج من منتهى الدربند، وبات السلطان في وطأة هناك، وسمحت السحب بما شاءت من بَرْد وبَرَد، وجاءت الريح بما ألم الجلد واستنفد الجلد. وانتشرت العساكر حتى ملأت المفاوز، وملكت الطرق على المار وأخذتها على الجائز وقدم سنقر الأشقر في الجاليش، فوقع على ثلاثة آلاف فارس من التتار مقدمهم كراي فانهزموا من بين يديه، وأخذ منهم من قدم للسيف السلطاني فأكل نهمته وأسار، واستمرت تلك سنة فيمن يؤخذ من التتار ويؤسر، وبات التتار على

стр. 999

أجمل ترتيب ونظر، وبات المسلمون على أتم تيقظ وحذر، فلما كان يوم الجمعة عاشر ذي القعدة تتابع الخبر بعد الخبر، بان القوم قد قربوا، وأنهم ثابوا ووثبوا، ووصي السلطان جنوده في التثبت على ما يجب، وأراهم من نور رأيه ما لا يحتجب. وطلعت العساكر من جبال مشرفة على صخرات منا من بلد ابلستين، وكان العدو ليلته تلك بائتًا على نهر زمان، وهو أصل نهر جهان، وأصل اسمه جيحان، فترتب المغل أحد عشر طلبًا (١) كل طلب يزيد على ألف فارس، وعزلوا عسكر الروم خيفةً منهم، وجعلوا عسكر الكرج (٢) طلبًا واحدًا بمفرده، ولما شاهدوا صناجق السلطان ومن حولها وعليهم الخوذ الصفر المقترحة، وكأنها في شعاع الشمس نيران مقتدحة، رجعوا إلى ما كانوا عقدوا من العزائم فحلوا وسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا، وانصبت الخيل إليهم من أعلى الجبل انصباب السيل، وبطلت الحيلة منهم وبقي الحيل، فشمروا عن السواعد، ووقفوا وقفة الرجل الواحد، وكان هؤلاء المغل قد اختارهم ابغا من كل ألف مائة ومن كل مائة عشرة ومن كل عشرة واحدًا لأجل هذا اليوم، وكان فيهم من المقدمين الكبار تداون وتقو وإليه أمر بلاد الروم وارختو أخو تداون ونمادر يخشى ومن أمراء الألوف زيرك وصهر ابنا وقرلق واخلدت من المغل فرقة إلى الأرض فقاتلت وعاجت على نفوسهم وعاجلت، وجاء الموت العدو من كل مكان، وأصبح ما هان منهم وقد هان، وكم فيه من شهم ما سلم قوسه حتى لم يبق في كنانته سهم، وذي سنّ طارح فما طارحه حتى تثلم وذي سيف حادثه بالصقال فما جلا محادثته حتى كلم، واشتدت فرقة من العدو من جهة الميسرة، معرجين على الصناجق السلطانية [من الوافر] فلزهم الطراد إلى قتال … أحد سلاحهم فيه الفرار وثاب السلطان إليهم ووثب عليهم، فضحى منهم بكل أشمط، وأقرى سباع الوحش والطير فأفرط، ولحق من قصد التحصن في الجبال فأخذهم في كل رابية

стр. 1000

الأخذة الرابية، وقتلهم ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ (١) وانهزمت جماعة يسيرة طمع فيها من العوام من لا كان يدفع عن نفسه، وأخذتهم المهاوي فما نجا منهم إلا آيس من حياة غده في أمسه [من الوافر] مَضَوا مُتسابقي الأعضاء فيها … لأرجُلِهم بأرؤسهم عِثارُ إذا فاتوا الرماح تناولتهم … بأرماح من العطش القفار وقصدت ميمنة عسكرنا جماعة من المغل ذوو بأس شديد، فقاتلهم المسلمون حتى ضجر الحديد من الحديد، وأما العدو فتقاسمت الأيدي ما يمتطونه من الصواهل والصوافن، وما يصولون به من سيوف وقسي وكنائن (٢)، وما يلبسونه من خوذ ودروع وجواشن (٣)، وما يتمولونه من جميع أصناف المعادن، فغنم ما هنالك، وتسلم من استشهد من المسلمين رضوان، ومن قتل من التتار مالك، وأورث الله المسلمين منازلهم فنزلوها، ووطاقاتهم وخركاواتهم فتمولوها، وكان السلطان مع أعدائه كما قيل: [من الوافر] فَمساهم وبسطهمُ حَريرٌ … وصَبَّحَهم وبُسْطُهم تُراب وأصبح الأعداء كأنما جزر، أجسادهم يتخللها من الدماء السيل، وكأنما رؤسهم المجموعة لدى الدهليز المنصور أكر تلعب بها صوالجة الأيدي والأرجل من الخيل. وكم فيهم من مهيب الهامة، حسن الوسامة، يتفرس في جهامة، وجهه الفخامة، قد فض الرمح فاه، فقرع السن على الحقيقة ندامة، وكثرت الأسارى، فاختار السلطان من كبرائهم البعض، وعمل فيهم بقول الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) ودخل البرواناه (٥)، مدينة قيصرية في سحر يوم الأحد ثاني عشر الشهر، فأفهم غياث الدين سلطانها والصاحب فخر الدين عليًا، والأتابك مجد الدين، والأمير جمال الدين المستوفي، والأمير بدر الدين ميكائيل النائب،

стр. 1001

والأمير الطغرائي (١) وهو ولد عز الدين أخي البرواناه وهو يكتب طرر المناشير أن المسلمين كسروا بعض المغل وبقيتهم منهزمون ويخشى منهم دخول قيصرية واتلاف من يكون بها، فأخذ زوجته كرجي خاتون بنت غياث الدين صاحب ازر، وأمها ملكة الكرج، وزوجها السلطان غياث الدين صاحب الروم في أربعمائة جارية، وكان لها مال كان لصاحب الروم من البخاتي والخيام والآلات، وتوجهوا كلهم إلى جهة توقات وهو حصن عن قيصرية أربعة أيام، وهوّل على بقية أمراء الروم فاتبعوه إلا قليل منهم، وأخفى البرواناه أمره وأمر من معه حتى لا يخبر عنهم. ورحل السلطان فنزل قريب قرية، رمان، وبيوتها حول سن جبل قائم كالهرم إلا أنه ملموم، وعمرت البيوت في سفحه حوله بيتًا فوق بيت، وبدت كأنها مجرة النجوم، وما منها بيت إلا وبه مقاعد ذوات درابزينات (٢) منجورة، ورواشن قد بدت في أحسن صورة، يختمها من أعلاها أحسن بنيان، ويعلوها من رأسها منزل مسنم الرأس كما يعلو الصعدة السنان، ويطوف بها الجبال كأنها لها أسوار بل سوار، وكأنها في وسطها إناء فيه جذوة نار، وفيها أنهار ذوات قناطر لا تسع غير راكب ومضايق لا تلقى غيرها لمناكب، فنزلنا قريبًا منها حتى تخلّص من تخلّص، وحضر من كان في المضايق قد تربّص، وقال كل (الآن حصحص) (٣) ورحلنا والسماء قد حيت الأرض بتيجان أمطارها، وأغرقت الهوام في أحجارها والفتح في أوكارها، وأصبحت الأرض لا تتماسك حتى ولا لمرور الأراقم، والجبال لا تتمالك أن تكون للعصم عواصم (تضع) بها من الدواب (كل ذات حمل) (٤)، وتزلق على صقيلها أرجل النمل سرنا على هذه الحالة نهارنا كله إلى قريب الغروب، وقطعناه بتسلمنا أيدي الدروب من الدؤوب، فنزلنا عشاء في منتقع أرض يطوف بها جبال شاهقة ومياه دافقة تعرف قاعة تلك الأرض بوطأة قشلار بينار من أعمال صاروس العتيق، ويقرب من تلك الجهة معدن الفضة. وبينما نحن قد شرعنا في أهبة المبيت، ولم نجمع

стр. 1002

الشمل الشتيت فإذا بالصارخ قد عقر عقيرته بان فوجًا من التتار هنالك في فجوة قد استتروا، وفي نجوة الغرّة قد انتظروا، فركب السلطان والناس في السلاح، وعزموا على المطار، فعاقهم تتابع الغيث، وكيف يطير مبلول الجناح؟! ثم لطف الله وعاد السلطان وهو يقول: لابأس. فنمنا نومة السليم وصارت أفكارنا شاعرة سالمة في كل واد تهيم، وأصبحنا فسلكنا جبالًا لا يحيط بها الوصف، ونبسط عذر الطرف فيها حين يكبو الطرف ننحط منها إلى جنادل تضعف عن الهوي إليها قوى الأجادل، ومررنا على قرية أوزاك وتحتها قناطر وخان من حجر منحوت، ثم خان آخر للسبيل على رأس رابية هناك قريب حصن سمندو الذي عرض أبو الطيب به في قوله (١): [من الوافر] فإن نقدم فقد زرنا سمندو … وإن نحجم فموعده الخليج وكان السلطان قد سيّر إليها خواصه بكتاب إلى نائبها، فقبله وقبله، وأذعن بالتسليم لحصنها المنيع والنزول لأمر السلطان عنها إن استنزله، فشكر السلطان له تلك الإجابة، ووفاه من الشكر حسابه، وكذلك إلى قلعة درندة، وإلى قلعة دوالو فكلهم أجابوا وأطاعوا، ولكلمة الاذعان والوا، ونزلنا في وطأة قريب قرية تعرف بحمرها، وكان الناس قد فرغت علوفات خيلهم أو كادت وباتت الخيل ليالي بلا عليق فمالت ومادت وشاركتها خيول الكسوب في عليقها، وما ساعدتها في طروقها ولا طريقها، فصادفنا في هذه الليلة بعض أتبان أمسكت أرماقها وأحسنت ارفاقها، وأصبحنا راحلين في جبال كأنها تلك الأول هابطين في أودية يتمنى سالكها لشدة مضايقها، لو عاد ترقى قنّة الجبل. ثم أشرفنا على خان هناك يعرف بقرطاي، يدل على شرف همة بانيه، وطلب ثواب الله تعالى فيه وهو من أكبر الأبنية سعةً وارتفاعًا وأحسنها شكلًا وأوضاعًا كله مبني بالحجر المنحوت المصقول الأحمر الذي كأنه رخام، ومن ظاهر أسواره وأركانه نقوش لا يمكن أن يرسم مثلها بالقلم وله خارج بابه مثل الربض ببابين بأسوار حصينة مبلط الأرض فيه حوانيت وأبواب الخان حديد من أحسن ما يكون استعماله وداخله أواوين (٢) صيفية وأمكنة شتوية واصطبلات على هذه الصورة لا

стр. 1003

يحسن الإنسان أن يعبر عنها بكيف وما منها إلا ما يجده المسافر رحلة الشتاء والصيف (١)، وفيه الحمام والمرستان (٢) والأدوية والفرش والأواني والضيافة، لكل طارق على قدره، وحمل إلى السلطان لما مر عليه وكثر الناس، قما وصل أحد إليها ولا إليه، وعليه أوقاف عظيمة، وضياع كثيرة حوله وفي غيره من البلاد وله دواوين وكتاب ومباشرون يتولون استخراج أمواله والإنفاق فيه ولم تتعرض التتار إلى إبطال شيء من رسومه، وأبقوه على عوائد تكريمه وأهل الروم يبالغون في تبجيل بانيه ﵀ وتعظيمه، فنزلنا تلك الليلة قريب قرية قريبة من قيصرية شرقي الجبل المعروف بعسيب (٣)، وفيه قبر امرئ القيس (٤) الشاعر وفيه يقول: [من الطويل] أجارتنا إن الخطوب تنوب … وإتي مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان ههنا … وكلُّ غريب للغريب نسيب (٥) وهذا الجبل يعلوه جبل أرجاس، وهو الذي يضرب به الروم الأمثال لتساميه، وتتضاءل الجبال في جميع الدنيا لتعاليه، لا تسحب ذيول السحاب إلا دون سفحه، ولا يعرف شتاؤه من صيفه من ثلوجه، ولا لهيال الأبخرة المتصعدة عشاؤه من صبحه. فلما كان يوم الأربعاء منتصف ذي القعدة وهو يوم شرف الزهرة، ركبت العساكر المنصورة مترتبة وملأت الفضا متسربة، فركب السلطان في زمرته، وذوي

стр. 1004

أمره وأمرته، يختال به جواده في أفسح ميدان، ويصبح به مرحًا وفرحًا كأنه نشوان، دري أنه سلطان: [من الطويل] تظلُّ ملوك الأرض خاشعةً له … تفارقُهُ هَلْكى وتلقاه سُجدا وخرج أهل قيصرية وأكابرها وعلماؤها وزهادها وتجارها ورعاياها ونساؤها وصغارها، فأكرم السلطان ممشاهم، وشكر مسعاهم، وتلقى قضاتهم وعلماءهم ركبانًا، وحادثهم إنسانًا إنسانًا، وحصلت لجماعة من الفقراء والناس حالات وجد مطربة وصرخات ذكر معجبة، وكان شعار السلطان غياث الدين صاحب الروم وخيامه وشعار سلطتنه قد بقي جميعه في وطأة قريب الجوسق والبستان المعروف بكيخسرو، فترجل الناس على اختلاف طبقاتهم في الركاب الشريف من ملك وأمير ومأمور وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير، ونزل السلطان في تلك المضارب وضربت نوبة بني سلجوق على باب دهليزه على العادة، وأذن السلطان للناس في التقرب إلى شريف فسطاطه، وحضر أصحاب الملاهي فما ظفروا بغير النواهي وقيل لهم ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا﴾ (١) واذهبوا إلى واد غير هذا الوادي فاقتبسوا، وهذه الهنات لا تنفق هنا وما هذا موضع الغناء، بل موضع الغنى. وشرع السلطان في إنفاق اللهى، وعين في كل جهة شخصًا، وقال: «أنت لها»، وحكم وحكم، وعلم وعلم، واعتمد على الأمير جاليش في النيابة، وأعطى كلا بيمينه كتابه (٢)، وأقام الحجة على من نزح بالاستعطاف، وتأمين من خاف، فلما علم أنهم لا يفلحون، ولغير التتار لا يصلحون، وأنهم إن أصبحوا في الطاعة لا يمسون، وإن أمسوا لا يصبحون، عاد عن تلك الوعود، واختار أن ما بدا إليه يعود، فركب يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة مستقبلًا من الله الخير، ونصب جتر بني سلجوق على رأسه، فرأى الناس منه صاحب القنة والسبع وصاحب تاقبة والطير، ودخل قيصرية في بكرة هذا اليوم وكانت دار السلطنة قد فرشت لنزوله، وتخت بني سلجوق قد هييء لحلوله، وهي منازل تزهو ومنازه من يتعبد ويلهو أنيقة المبتنى، تحف بها بساتين عذبة المجتنى جدرانها بأحسن أصناف القاشاني مصفحة، وباجمل

стр. 1005

نقوشه مصرحة، فجلس السلطان في مرتبة الملك في أسعد وقت، ونال التخت بحلوله أسعد البخت: [من الطويل] وما كان هذا التختُ من حين نصبه … لغير المليكِ الظاهر الندب يصلح مليك على اسم الله ما فتحت له … صوارمه البيض المواضي وتفتح أتته وفود الروم والكلُّ قائل … رأيناك تعفو عن كثير وتصفح فأوسعهم حلمًا وجاد لهم ندى … وأمسوا على من وأمن وأصبحوا وأقبل الناس على السلطان يهنؤونه، وعلى كفّه الشريف يقبلونه، ثم حضرت القضاة والفقهاء والصوفية، وذوو المراتب من أصحاب العمائم على عادة بني سلجوق في كل جمعة، ووقف أمير المحفل، وهو كبير المعدلة عندهم، وله وسامة وفخامة، وله أوسع كم وأكبر عمامة وأخذ في ترتيب المحفل على قدر الأقدار، وانتصب قائمًا بين يدي السلطان منتظرًا ما إليه به يشار، وشرع القراء يقرؤون جميعًا وفرادى بأحسن تلحين وأجمل تحسين ولما فرغوا شرع أمير المحفل صارخًا، وبكور فمه نافخًا، فأنشد وأورد بالفارسية ما يعجب مدلوله، ويهول مقوله، وأطال وما أطاب، واستصوب من يعرف مقالة قوله، والله أعلم بالصواب. ولما انقضى ذلك مدوا سماطًا ليس يناسب همم الملوك، فأكل الناس منه للشرف لا للسرف، ثم عاد كل إلى مكانه فوقف وقام السلطان إلى مكان الراحة فأقام ساعة أو ساعتين، ثم خرج إلى مخيمه قرير العين، وكان بدار الملك حرم السلجوقية على أبوابهم أسمال ستور حرير ومشايخ خدام يستحق كل منهم أن يدعى بالكبير فجبرهم السلطان وآنسهم وأحسن إليهم وتوجه إلى صلاة الجمعة بقيصرية، وبها سبع جمع تقام فيها خطباء إلا أنهم كالأنعام، فصلينا في جامع السلطان وهو جامع لا يدل على احتفال ملوكها ببيوت عباداتهم، ولا فيه من دلائل الخير ما يقضى بحسن إراداتهم فحضر أهل المدينة وأكابرها وجلسوا حلقًا لا صفوفًا وأجروا من البحث بالعجمية صنوفًا واجتمعت جماعة من حفاظ الكتاب العزيز، فتخارجوا القراءة آية آية وهي قراءة بعيدة عن الدراية، بل إنها تبرزها أصوات مترنمة وألحان لتفريق الكلمات مقسمة، ينطقون بالحروف كيف اتفقت ولا يتوقفون على مخارج الحروف أنها بها نطقت أو لا نطقت. ولما آن وقت الأذان قام صبي عليه قباء من وسط جماعة عليهم

стр. 1006

أقبية قعود على دكة المؤذنين، فابتدأ بالتكبير أولًا وثانيًا بمفرده من غير إعانة ولا إبانة، ولما تشهد ساعدوه جميعهم بأصوات مجمجمة ملعلة ونغمات متنوعة يمسكون له النغم بأطيب تلحين، ويترنمون بالأصوات إلى آخر التأذين. وفرغ الأذان وكلهم قعود ما منهم أحد غير الصبي قد وقف، وما منا أحد لكلمة من الأذان عرف، ولما فرغ الأذان طلع شيخ كبير السن يعرف بأمير محفل المنبر، فصعد إلى ذروة المنبر وشرع في دعاء لا تعرفه وادعاء لا نألفه، كأنه مخاصم أو وكيل شرع أحضره لمشادة خصمه خصم بين يدي حاكم، وطلع الخطيب بعد ذلك فخطب ودعا للسلطان بغير مشاركة، وانقضت الجمعة على هذه الصورة المسطورة وضربت السكة باسم السلطان وأحضرت الدراهم إليه في هذا اليوم فشاهدنا وجهًا متهللًا باسمه الميمون وأقرت الألسنة بهذه النعمة، وقرت العيون، وشاهدت بقيصرية مدراس وخوانق وربطًا تدل على اهتمام بانيها ورغبتهم في العلوم الشريفة مشيدة بأحسن الحجار الحمر المصقولة المنقوشة، وأراضيها بأجمل ذلك مفروشة، وأوانيها وصففها موزرة بالقاشاني الأجمل صورة، وجميعها مفروشة بالبسط الكرجية والقالية (١)، وفيها المياه الجارية، ولها الشبابيك على البساتين الحسنة وسوق قيصرية طائف بها من حولها وليس داخل المدينة دكان ولا سوق. والوزير في بلاد الروم يعرف بالصاحب فخر الدين خواجا علي، وهو لا يحسن الكتابة ولا الخط، وخلفه من مماليكه خاصة مائتا مملوك، ودخله غير دخل أولاده وغير الإقطاعات التي له ولأولاده وخواصه سبعة آلاف درهم سلطانية ولقد شاهدت في مدرسته من خيامه وخركاواته شيئًا لا يكون لأكبر الملوك، وله بر ومعروف وبالخير معروف. وأما معين الدين سليمان البرواناه وزوجته كرجي خاتون، فظهر لهما من الموجود البادي للعيون كل نفيس واستولى السلطان من موجودهما على ملك سليمان وعرش بلقيس. ولما أقام بقيصرية هذه المدة، فكّر في أمر عساكره ومصالحهم بما لا يعرفه سواه، ونظر في حالهم بما أراه الله، وذلك لأن الأقوات قلت، والسيوف من

стр. 1007

المضاربة ملت والسواعد من المصادمة كلّت؛ وأنه ما بقي بالروم من الكفار من يغزى، ولا بجزاء السوء يجزى، وما بقي في البلاد إلا رعايا كالسوائم الهاملة، ولا دية لكفر منهم على عاقل ولا عاقلة، وإن أقام بالبلاد لا تحمله، ومواد بلاده لا تصله، وأعشاب الروم بالدوس قد اضمحلت، وعلوفاتها قد قلت، وزروعها لا ترتجي لكفاية، ولا ترضى خيول العساكر المنصورة بما ترضى به خيول الروم من الرعاء والرعاية، وإن الحسام الصقيل الذي قتل به التتار في يد القاتل، وإنه إن كان أعجبهم عامهم فيعودون إلى الروم من قابل فرحل يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة بعد أن أعطى أمراءه وخواصه كلما أحضر إليه من الأعنة والأزمة، وكلما يطلق على تموله اسم النعمة، فنزل في منزلة تعرف بقبرلو، وفيها وصل إليه رسول غياث الدين والبرواناه يستوقفونه وكان الأمر شائعًا أنها إلى سيواس، فعدد السلطان عليه حسن وفاء عهده، وأنه أجاب دعاءهم مرة بعد مرة من أقصى ملكه مع بعده، وأنهم ما وقفوا عند الشرائط المقررة، ولا وفوا بمضمون الرسائل المسيرة؛ وأنه لما ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (١) طلبوا ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢). وعلم السلطان أن عساكر الروم أهل التذاذ، لا أهل نفاذ، وأهل طرب، لا أهل حرب، وأهل طيبة عيش، لا قواد جيش، فرد إلى سليمان البرواناه وهدده وقال قل له: قل له إنني قد عرفت الروم وطرقاته، وأمه أسيرة معي وابن بنته وولده ويكفينا ما جرى من النصر الوجيز، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ولا كل من قضى فريضة الحج تجب عليه المجاورة، ولا بعد هذه المهاجرة مهاجرة، ونحن فقد ابتغينا فيما آتانا الله من حقن دماء أهل الروم وعدم نهب أموالهم الدار الآخرة، وما كان جلوسنا في تخت سلطنتكم لزيادة تبجح بتخت آل سلجوق، إلا لنعلمكم أنه لا عائق لنا عن أمر من الأمور يعوق، وأن أحدًا لا ينبغي أن يأمن لنا سطوة، وليتحقق كل أن كل مسافة جمعة لنا خطوة، وسروجنا بحمد الله أعظم من ذلك التخت جلالًا وأرفع منالًا، وكم في ممالكنا كرسي ملك نحن آية ذلك الكرسي، وكم لنا فتح والحمد لله فوق الفتح القدسي.

стр. 1008

واستصحب السلطان معه أكابر الروميين، ثم رحل فنزل قريب خان السلطان علاء الدين كيقباذ ويعرف بكروانصراي، وهذا الخان بنية عظيمة من نسبة خان قرطاي وعليه أوقاف عظيمة من جملتها أغنام كثيرة يذبح نتاجها للواردين عليه، ثم نزلنا في وطأة رويزان كودلو وكودلو اسم جبال تلك الوطأة، ثم رحلنا فعارضنا نهر في وطأة خلف حصن سمندو من طريق غير التي كنا توجهنا عليها بمكان يعرف بنهر قزل صو، وهو صعب المخاض، واسع الاعتراض، عالي المهبط، زلق المسقط، مرتفع المرتقى بعيد المستقى، لا يجد السالك من أوحال حافتيه إلا (صعيدًا زلقا)، فوقف السلطان عليه بنفسه وجرد سيفه بيده، وباشر العمل هو وجميع خواصه حتى هيأ المكان جميعه، ووقف راجلًا يعبر الناس أولًا فأولًا من كبير وصغير وغلام وهو في أثناء ذلك يكبر على من يزدحم ويكرر التأديب لمن يطلب بأذية رفيقة أنه يقتحم، فلما خفت البرور، ولم يبق إلا المرور، ركب فرسه وعبر الماء، ونزل في واد هناك به مرعى، ولا كالسعدان ومرأى ولا كشعب بوان، ثم رحل فنزل عند صخرات قراجا حصار وهي قرية كانت عامرة فيما مضى قبالة بازار بلو، وهذا البازار هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه من كل شيء يجلب من الأقاليم، ثم سرنا حتى نزلنا وطأة الابلستين، وعبر السلطان على مكان المعركة المتقدمة مع التتار، ورأى كيف تعاقبت عليهم من العقبان كواسرها، ومن النسور مناسرها، وكيف أصبحوا لا تندبهم إلا البوم، وكيف تحققوا أن التي أهلكتهم زرق الأسنة لا زرق الروم، وشاهدهم والهوام في أجسادهم متصرفة، قد هزأ بهم كل شيء حتى الوحوش والرياح فهذه من صديدهم متكرعة وهذه عليهم متقصفة: [من الكامل] قد سوّدت شجر الجبال شعورهم … فكأنّ فيه مسفّة الغربان وحضرت من أهل الابلستين هناك جماعة من أهل التقى والدين، فاستخبرهم السلطان عن عدة قتلى المغل، فقالوا ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ (١) فاستفهم من كبيرهم عن عدة المغل كم من قتيل فقال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢) فقال الذي عنده

стр. 1009

علم من الكتاب: (١) أنا عددت ستة آلاف وسبعمائة وسبعين نفرًا وضاع الحساب هذا غير من أوى إلى جبل يعصمه من ماء السيوف (٢) فما عصمه، ومن اعتقد أن فرسه يسلمه فما سلمه فتركهم السلطان ورسم بتقديم الأثقال والخزائن والدهليز المنصور على أقجا دربند، ثم أقام يومين ينتظر صيدًا من العدو يعنّ، أو دمًا من دمائهم إلى السيف يحن، فلما لم يجد أحدًا رحل من طريق غير التي حضر منها فسلك على الأوعار «طريقًا يبسًا» (٣)، وطلع من قنن الجبال في هضاب كأنَّ كلًا منها كف حملت من الأنجم قبسًا فقاسى الناس، في هذا اليوم من الشدة ما لا يدخل في قياس. وكاد الناس أن يهلكوا لولا أن الله تدارك الناس فساقوا ولكن على مثل حد السيف، وتسللوا ولكن سل حوافر الخيل كيف وهبطوا من جبال يستصعبها كل شيء حتى طارق الطيف يستصعب الحجر المحلق وقوعه في عقابها، ويستهول النجم الثاقب تعلقه بشعابها. وعدينا كوك صو وهو النهر الأزرق، وبات السلطان هناك وكان قضيم الخيل في تلك الليلة ورق البلوط إلا من أمست عناية الله له بيسير شعير تحوط. ورحل السلطان، ونزل كينوك المقدم ذكرها، وعدل إلى طريق مرعش فزال بحمد الله عقاب تلك العقاب وقالت الأنهار المتلقية لكل منا ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (٤) ونزلنا قريب قلعة خراب تعرف بالأسكركيس إلى جانب نهر يعرف بالحان، ثم رحل السلطان قريب بركلوجا من بلاد مرعش، ثم رحل فنزل عقبة مرّى أحد دربندات سيس إلى جانب النهر الأسود، ورحل فنزل قبالة دربساك، ورحل فنزل قريب حارم فنزل قريب منزله الذي كان به فيما تقدم وألقى عصا التسيار وقال لأهل الخيام «هذه الخيام ولأهل تلك الديار هذه الدار». وهذه الرسالة كافية في كثير من أحوال الروم وفيما ذكره عن دخل هذا الوزير

стр. 1010

ومن له المماليك غير بقية من لعله يكون له من الجند والأتباع ما يعرف به عظم شأن هذه المملكة، ووفور دخلها، ووفود السعود إلى محلها، وتستر أبناء الزمان من عين دهرهم بظلها، ولو قد اجتمعت هذه البلاد السلطان واحد وكفت بها أكف المفاسد لما وسع ملوك الأرض إلا انتجاع سحابه وارتجاع كل زمان ذاهب في غير جنابه. وهذا الذي دخله الملك الظاهر بيبرس من بلاد الروم هو بعض ما لبيت جنكزخان وهو من جلالة المقدار، وكثرة المال على ما قد أشرنا إليه فكيف جميع ما هو من الخليج القسطنطيني إلى بحر نيطش. الله أكبر إن ذلك ملك عقيم، وسلك نظيم، وسلطنة كبرى، ودنيا أخرى ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١). أما ما نحن بصدد ذكره من ممالك الأتراك في الروم: فقد حدثني الشيخ حيدر العريان السبر حصري الرومي وهو من أهل مدينة سبر حصر من بلاد الروم مما هو في أيدي ملوك بيت جنكزخان قال: إن لهؤلاء أمراء الأتراك نقودًا لا يخرج نقد واحد منهم في بلاد الآخر ودرهمهم في الغالب تقدير نصف وربع درهم من نقدنا، والرطل مختلف عندهم وأكثرها بالتقريب زنة اثني عشر رطلًا بالمصري، وأقلها رتبة ثمانية أرطال، قال: وأما الغلات فتباع بكيل لهم يعرف بالموط وهو يجيء تقدير أردب ونصف بالمصري، قال: وهذه البلاد بل الروم جميعه فيه من أنواع الفواكه كلها إلا الحوامض كالليمون والنارنج وما لا يوجد في الصرود كالرطب والموز، وقد يوجد ما قل من الحوامض في بعضها مما هو على ساحل البحر. وأما الدواب السوائم فأكثر من أن يقع عليها إحصاء أو حساب من الخيل والغنم والبقر وأعظمها عددًا وأنماها ولدًا الغنم؛ فإنها تبسط فرش الأرض منها المعز المرعز ذوات الأوبار المضاهية لأنعم الحرير وغالب قنية أهل الشام وديار بكر والعراق وبلاد العجم وذبائحهم مما يفضل عنها ويجلب إليها منها، وهي أطيب أغنام البلاد لحما وأشهى شحمًا، وبها العسل المضاهي للثلج بياضًا والسكر في اللذاذة طعمًا لا حدة فيه ولا إفراط حلاوة توقف الأكل والأسعار كلها بالروم رخيصة لأسباب منها قلة المكوس، وكثرة المراعي المباحة واتساع سبب التجارة، واكتناف البحر.

стр. 1011

قال: وقيمة الغلات بها دون قيمتها بمصر والشام أو مثلهما في الغالب، فأما اللحم واللبن على اختلاف أنواعهما فرخية رخيصة، أما الغنم فخيار رأس يكون لا يجاوزاثني عشر درهمًا من دراهمهم يكون بنحو تسعة دراهم من دراهمنا إلى ما دون ذلك، وأما اللبن وما يعمل منه فما هو مما يسأل عنه بكيف لكثرته، فأما في زمن الربيع فإنه لا يوجد له من يشتري ولا من يبيع؛ لأنه لا يكاد يخلو أحد في الروم من أغنام يحلب له اللبن فلا يحتاج ليشتريه ولا يحتاج إليه أحد فيبيعه له. قال: وأما العسل فلا يتجاوز الرطل ثلاثة دراهم برطلهم وهو ذلك الرطل الكبير ودرهمهم وهو ذلك الدرهم الصغير، فأما الفواكه في أوانها حكم الألبان في زمان الربيع. وقال: وبلاد الروم إذا غلت وأقحطت كانت بسعر الشام إذا أقبل وأرخص. قال: ومع نواب بيت جنكزخان بالروم ثلاثة معادن فضة أحدها بأراضي مدينة لؤلؤة، والثاني بأراضي مدينة كمش والثالث بأراضي مدينة باحرت. قال: وهي إلى أن فارقها في حدود سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة عماله مستمرة العمل تستخرج الفضة الخالصة بها. قال: والروم شديد البرد، لا يوصف شتاؤه إلا أن سكانه تستعد له قبل دخوله وتحصل ما تحتاج إليه، وتدخره في بيوتها، وتستكثر من القديد والأدهان والخمور، فتأكل طول أيام مدة الشتاء، وتلك الأيام بلهنية العيش عندهم ولا تخرج من بيوتها ولو أرادت ذلك لما قدرت حتى تذوب الثلوج فتخرج إلى معايشها. وذكر هذا الشيخ حيدر العريان: أن جملة ممالك الأتراك بالروم أحد عشر مملكة غير ما بيد بيت جنكزخان وهذا هو خلاف ما تبين لنا على ما سنذكره نقلًا عن بلبان الجنوي، وبلبان أدرى. فأما ما عده العريان من ممالك الأتراك فهو مملكة أنطاليا (١) وصاحبها خضر بن

стр. 1012

دندار (١)، وقال: إن لصاحبها مدينة افنيكا (٢) وأميرها الذي هو بها الآن من قبله، وهو من أولاد منتشا، وقال: إن عدة عسكره نحو أربعين ألف فارس. قلت: ولهؤلاء بني دندار إلى ملوك مصر انتماء، ولهم من تحف سلاطينها نعماء وكان بمصر منهم من له إمرة فيها، ثم عاد إلى بلاده بعد مهلك تمرتاش بن جوبان (٣)؛ لأنه كان قد ترك بلاده لأجله وفر هاربًا من يده لعداوة كانت قد اضطرمت بينهما شرورها، واضطربت أمورها فلما خلت من مجاورة تمرتاش تلك البلاد عاد. وأخبرني بلبان الجنوي الآتي ذكره أنه قتل هناك وما استقر له حال ولا سلمت له بلاد. ومملكة رملاش (٤) بلاد ابن منتشا (٥)، وقال: عسكره لا يزيد على ثلاثة آلاف فارس. ومملكة بركري (٦) بلاد محمد بن ايدين (٧)، وإن عسكره نحو عشرة آلاف فارس. وهذا ابن ايدين ما أعرف أن له بمن حوله من ملوك الممالك إلمامًا، ولا أن له أخبارًا ترد طروقًا ولا لمامًا بل هو في عزلة عن كل جانب لا مخالط ولا مجانب. ومملكة كاس برديك (٨) بلاد صاروخان. قال: وعسكره إذا جمع يقارب ثمانية آلاف فارس.

стр. 1013

ومملكة بالي كسرى (١) بلاد دمرخان بن قراشي (٢) قال: وله مدينة كردما، وبينهما يومان وأمير كردما من قبله واسمه سبغا، قال: وهذه البلاد محصنة منيعة، ولها أقطار رحبة وسيعة، ومع هذا فعسكره قليل ضئيل لا يجاوز مائتي فارس لكنه مطمئن بمنعة بلاده لا ينافسه فيها منافس. ومملكة بلاد أورحاد بن عثمان قال وعسكره خمسة وعشرون ألف فارس وهو مجاور الخليج القسطنطيني، وبينه وبين صاحب القسطنطينية الغلب والحروب، ولها في صدور الروم سهام تشق صدور اليلب ولهذا يداريه ملك الروم على مال يحمله إليه كل هلال. قال ولقد جاز البحر مرة إلى بلاد النصارى وعاث في نواحيها وشد على بطارقتها (٣) لا فلاحيها، وألقى علوجها بحيث تعتلج سيول الدماء وتختلج سيوف النصر من الأعداء أمده الله بتأييده وأذلّ رغم الكفر لعقبان صناديده. ومملكة كرمنان (٤) بلاد أرغد شار (٥) قال كرسي مملكة كوثاي، قال: ومالكها الآن كرميان بن غدشار. هكذا قال الشيخ حيدر العريان. قال: وهو أمير مطاع وقائد جيوش لبوارق سيوفهم شعاع، وأمراء الأتراك تنتقيه، ويبذل كل منهم في متاقاته ما استطاع، قال: وعسكره يقارب أربعين ألف فارس وهم فوارس وغى وفوارع علياء لا تبتغى. و مملكة كردله (٦) بلاد شاهين قال: وعسكره نحو خمسة آلاف فارس. ومملكة كونيك حصار بلاد أمر حاكو، قال: وعسكره ثلاثة آلاف فارس.

стр. 1014

ومملكة كصطمونية (١) بلاد سليمان باشا (٢)، قال: وصاحبها الآن إبراهيم بن سليمان باشا (٣)، وله مدن وقلاع، ومن مشهور ما له مدينة سنوب وأميرها من قبله واسمه غازي جلبي، وبورا وأميرها مراد بك. قلت: وصاحب كصطمونية ممن له بملوك مصر اتحاد، وبينه وبينهم مكاتبات ووداد ونحوه على ما يقال لنا، ويبلغنا نحو ثلاثين ألف فارس أو يزيدون، ويبلاده الخيل المخاصي الرومية الفائقة المفضّل بعضها على كل سابق من الخيل العراب، وهي بيوت مشهورة مثل خيول العرب بأنساب محفوظة وأحساب ملحوظة، ويغالى في أثمانها خصوصًا في مكانها حتى إن قيمتها لتبلغ قيمة ألف دينار ذهبًا، ومنها ما يتجاوز هذا المقدار، وتزيد قيمته على ألف دينار ولا يستكثر من يعرفها فيها بذل مال، ولا يستغلي اشتطاط السوم. وإذا قصد في بلاد الروم بيع أكديش (٤) غال منها بالثمن الغالي، قال: هذا كصطموني ليشرفه بهذا الوسم وينفقه في البيع بجاه هذه النسبة. ومملكة أرمصال (٥) وهي بلاد ابن قرمان (٦) وصاحبها الآن الأمير محمد بن قرمان من أهل بيت توارثوا هذه البلاد ولا يخاطب قائم منهم إلا بالإمارة وفي ساحل بلاده مدينة العلائية المعروفة على ألسنة الناس بالعلايا وأميرها من قبله اسمه يوسف وله مدينة قرشاري وهي عنه على ثلاثة أيام، وأميرها من قبله واسمه

стр. 1015

إسحاق بك وأولاد قرمان عصبة ذات أيد ويد وجيوش كثيرة العدد وهم أصحاب الحروب التي ضعضعت الجبال وأنتجت الحرب الحيال ولهم مع الأرمن وبلاد التكفور (١) وقائع لا يجحدها إلا الكفور تتخطفهم عقبانه القشاعم وتلتهمهم أسوده الضراغم، وببلادهم معدن حديد لهم به بأس شديد ومنه درق مديد وهم أهل بيت ألقى الله عليهم محبة منه، وإذا شاء أميرهم جمع أربعين ألفًا وهو مع ما هو عليه يداري ملوك التتار وهواه هو ومن سلف من أهل بيته مع ملوك مصر لا تغب المكاتبات بينهم ولا ينقطع بذل خدمته لهم، وإقبالهم عليه واعتدادهم بموالاته وقد كان منهم من طلب تقليدًا بمصر بانتيابه ما بيده من بلاد الروم، فكتب له ثم إن سلامش الحاكم بالروم كان انحرف عن سلاطين بيت هولاكو وكتب إلى الأبواب السلطانية بمصر لينال تقليدًا بملك حكم الروم أجمعه، وأن تكون أولاد قرمان، ومن سواهم في طوعه فكتب من إنشاء شيخنا أبي الثناء محمود بن سلمان بن فهد الحلبي الكاتب ﵀، ومنه: وبعد: فإن أولى من أصغت عزائمنا الشريفة إلى نداء إخلاصه، وأجابت مكارمنا العميمة دعاء تميزه بالولاء واختصاصه، وقابلت مراسمنا استنصاره في الدين بالنفير لإعانته على ما ظفر باقتلاعه من يد الكفر واقتناصه، وتكفلت له مهابتنا بالأمن على ملك مذ وسمه باسمنا الشريف يئس العدو من استخلاصه وأتت كتبه في الاستنجاد بسرعان الكتائب، ولمعان القواضب وتتابع إمداد جيوشنا التي تنوء بحملها كواهل المشارق والمغارب، وتدفق أمواج عسكرنا الذي تنشد طلائعها ملوك العد (أين المفر ولا مفر لهارب) وتألق. بروق النصر من خفق ألويتنا الشاهدة بأن قبيلنا إذا ما التقى الجمعان أول غالب، وفوضت إليه مراسمنا الحكم بالعدل والإحسان، وقلدته أوامرنا من عقود النظر في تلك الممالك ما تود جباه الملوك لو حلت بدره معاقد التيجان، وعقدت به من الأوامر ما تنفذ بنا مواقعه وكذا الأمور المعتبرة ما تنفذ إلا بسلطان من ألقى الله الإيمان في قلبه وهداه إلى دين الإسلام فأصبح على بينة من ربه وأراد به خيرًا، فنقله من حزب الشيطان إلى حزبه، وأيقظه من طاعتنا التي أوجبها على الأمم لما أبصر به رشده ورأى قصده، وعلم به أن الذي كان فيه ﴿كَسَرَابٍ

стр. 1016

بِقِيعَةٍ﴾ (١) لم يجده شيئًا وأن الذي انتقل إليه وجد الله عنده وأنهضه من موالاتنا بما حتم به النهوض على من كان مسلمًا، وأخرجه بنور الهدى من عداد أعدائه الذين تركهم خوفنا ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ (٢) وأراه الرشد ما علم به أن الله تعالى أورثنا ملك الإسلام، فبطاعتنا يتم الإنتماء إليه، وأعطانا مقاليد البسيطة، فمن اغتصب منها شيئًا انتزعه الله بجنوده المسومة من يديه فلجأ من أبوابنا العالية إلى الظل الذي يلجأ إليه كل ذي منبر وسرير ورجا من كرمنا الاعتصام بجيوشنا التي ما رمينا بها عدوًا إلا ظن أن الرمال تسيل والجبال تسير، وتحيّز منا إلى فئة الإسلام، وانتصر بسيوفنا التي هي يعلم كيف نسلها على الأحلام، ومن إلينا بذمة الإسلام وهي أبر الذمم وطلب تقليده الحكم منا من معادنه إذ أرته النظرات الصادقة؛ أنه كان (يحسب الشحم فيمن شحمه ورم)، وعقد بنا رجاءه، وهل لمسلم عن ملك الإسلام من معدل؟ وأنزل بنا كتائب آماله وهل بعد رامة لمرام من منزل فتلقت نعمنا كرائم قصده بالترحيب، وأحلت وفادة انتمائه بحرمنا الذي شأوه بعيد ونصره قريب، وتسارعت إلى نصرته جنودنا التي هي مشهورة في عدوها وآثارها مشكورة في رواحها وغدوها، وأعلامها منصورة في انتزاحها ودونوها، وتوالت يتابع بعضها بعضًا تتابع الغمام المتراكم والموج المتلاطم تقدم عليه بالنصر القريب من الأمد البعيد، وتعلم بوادرها أن طلائعها عندها وباقيها بالصعيد، ولما كان فلان هو الذي أراد الله به من الخير ما أراد ووطد له بعنايته أركان الرشاد، وشاد وجعل له بعد الجهل به علمًا وتداركه برحمته فما أمسى للإسلام عدوًا حتى أصبح هو ومن معه سلمًا ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (٣)، وبكرمه العميم فليستفتحوا صدورهم ويشرحوا، وبإرشاده الجلي وهدي نبيه، فليدعوا قومهم إلى ذلك، وينصحوا، وحين وضحت له هذه الطرق أرشدته من خدمتنا الشريفة إلى الطاعة، ودلته على موالاة ملك الإسلام التي من لم يتمسك بها فقد فارق الجماعة، فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله ﷺ بطاعة أولي الأمر، وحث على ملازمة الجماعة في وقت يكون التمسك فيه بدينه

стр. 1017

«كالقابض على الجمر» (١) وهذا فعل من أراد الله به خيرًا، وسعي من يحسن في دين الله سيرة وسيرا، ولذلك اقتضت آراؤنا الشريفة إمضاء عزمه على الجهاد بالإنجاد وإنفاذ سهمه في أهل العناد بالإسعاف والإسعاد، وأرسلنا الجيوش كما تقدم شرحه يطأون الصحاح ويستقربون المدى النازح، ويأخذون كل كمي فلو استطاع السماك لم يتسم بالرامح، ويحتسبون النفقة في طلب علو الإسلام علمًا أنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٢)، فرسم بالأمر الشريف لا زال يهب الدول، ويقلّد أجياد العظماء ما تود لو تحلت ببعض فرائده تيجان الملوك الأول أن يفوض إليه نيابة المملكة الرومية تفويضًا يصون قلاعها ويصول به على من حاول انتزاعها من يده واقتلاعها ويجريها على ما ألفت ممالكنا من أمن لا يروّع سربه ولا يكدر شربه، ولا يوجد فيه باغ يخاف السبيل بسببه ولا من يجرد سيف بغي، وإن جرده قتل به، وليحفظ من الأطراف ما استودعه وهذا التقليد حفظه، وليعمل في قتال مجاوريه من العدا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (٣) وليعلم أن جيوشنا في المسير إليه متى قصد عدوًا سابقت خيولها خيالها، وجارت جيادها ظلالها وانفت سنابكها أن تجعل غير جماجم الأعداء نعالها، وها هي قد تقدمت وأقدمت ونهضت لإنجاده فلو سامها أن تخوض البحار في سبيل الله لخاضت أو تصدم الجبال لصدمت والشرع الشريف نهيه المقدم وأمره السابق على كل ما تقدم فليعل مناره ويستشف في أموره أنواره ويعتد أحكامه ويعضد حكامه، ومن عدل عن حكمه معاندًا أو ترك شيئًا من حكمه جاحدًا فقد برئت الذمة من دمه حتى يفيء إلى أمر الله، ويرجع عن عناده، وينيب إلى الله فإن الله ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (٤) ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (٥). وكان من حديث هذا سلامش المذكور: أن السلطان محمود غازان قصد إعدامه فأراد الانحياز إلى الشام، وكاتب الملك

стр. 1018

المنصور لاجين (١) وأرسل شخصًا من جهته يعرف بالمخلص الرومي، فأقبل السلطان وأرباب الدولة عليه وقيل: إنا لا نكره من هاجر إلينا، واتصل بالسلطان محمود غازان مراسلة المصريين فبعث إليه عسكرًا لمحاربته، فالتقوا معه ببلاد الروم، فلما التحم القتال خامر عليه بعض من كان معه فبقي في قل من أصحابه وحقت عليه الهزيمة فالتحق بالشامفي قل من جيشه، فلما أتى حلب جهز معه من يحضره إلى الأبواب السلطانية بمصر، فلما وصل عومل بالإكرام وعوجل بالإنعام وخير في المقام بمصر إن شاء أو الشام، فذكر أنه ترك وراءه ماله وأهله وأولاده وسأل تجريد عسكر الإحضارهم ليقيم بالبلاد الشامية مقطوع الالتفات عما سواها فجهز معه من العسكر الجلو (٢) طائفة مع بكتمر الجلمي دخل بهم بلاد الروم على بلاد الأرمن، وبلغ متملك سيس الخبر، وكان عنده طائفة من التتار فأمسكوا عليهم الدروب وعاجلوهم باللقاء فما كان بأسرع من أن قتل الجلمي، وفرّ سلامش ولجأ إلى قلعة من قلاع الروم، فأرسل السلطان محمود غازان في طلبه فأحضر إليه فقتله شر قتله وذبحه على غير قبله. وكان سلامش قد خلف بالأبواب السلطانية بمصر أخًا له اسمه قطقطو والمخلص الرومي، فاستقرا بها وأقطعا إقطاعًا بها وأجرى عليهما راتباه فيها. وإنما ذكرنا حديث سلامش في هذا المكان لتعلقه بالروم؛ ولأن أمراء بني قرمان هم كانوا المؤلفين بينه وبين المنصور لاجين والداخلين معه أولًا وآخرًا فيه وهؤلاء أولاد قرمان هم الذين لا يرتاب في رأيهم، ولا يظن في دينهم فمهما ورد من جهتهم تلقي بالقبول، وحمل على أحسن المحامل. وكذلك طلب ارتنا (٣) تقليدًا ناصريًا بنيابة الروم وتردّد في هذا سراج الدين قاضي قيسارية، فكتب له فأخلص الموالاة وأقام دعوة الخطبة الناصرية على منابر البلاد الرومية وضرب السكة بالاسم الشريف، وجهز من الدراهم المضروبة وذلك كله أظهر طاعة لا إذعان لحكم. ولقد حدثني من تردد إليهم، وعرف ما هم عليه أنهم رجال

стр. 1019

صدق وقوم صير لا تستخف لهم حفيظة، ولا يرد بحنقها لهم صدور مغيظة. ولهذا أمراء الروم لا يطأون لهم موطئًا يغيظ، ولا يواطئون لهم عدة شهور في مشتى ولا مقيظ، وما أحد ممن يحسدهم على ما آتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار ويعدد عليهم عظائم الذنوب الكبار ووقاية الله تكفيهم وحياطته عن عيون القوم تخفيهم، ولقد كان السلطان محمود غازان يقول: أنا أطلب الياغي (١) شرقًا وغربًا والياغي في ثوبي عن أولاد قرمان، ومع هذا لم يسلط عليهم، وحكى لي الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخو النجيب أنه قال يومًا: لولا الأكراد وأولاد قرمان و تركمان الروم دست بخيلي مغرب الشمس. قال: وكان لا يريد بعد الشام إلا لهم ومع هذا ما قدر عليهم، ولو خلا وجهه لما انصرف إلا إليهم. ولما استفحل أمر جويان بك (٢) بمملكة إيران وكان هو حقيقة السلطان، واستولى ابنه تمرتاش (٣) على الروم وانتزع به عدة ممالك، وجد في طلب الباقي، رأت أولاد قرمان مصافاة أبيه جويان واستدفعت به شر ابنه طول ذلك الزمان مع ما كان لهم من العناية الإلهية والإعانة من سلطاننا عز نصره. ولولا هذا لأتى عليهم، وسلبوا النفس والنفائس لما كان عند جارهم الجائر من الاستعداد ولموالاة التكفور متملك الأرمن لرفع الشكوى عليهم في كل وقت، وتضوّره مما ينوب أهل بلاده منهم، وتضرره مما ينوء به من ثقل وطأتهم، وكانوا في تلك السنين خائفين يترقبون المصابحة والمماساة، وينتظرون البيات والمقيل. قلت: ولأهل هذا البيت روعة في قلوب التكفور والأرمن. وفي كل وقت يبعث التكفور يسأل بروز المراسم المطاعة إلى أميرهم بالكف عن بلاده وهو لا يغمد سيف جهاده. لا يرعى للأرمن حق جوار ولا يدخل في سمعه لضجيجهم جوار. يشن عليهم في كل وقت غاراته ويجوس خلال ديارهم جيوشه و سراياه وكرسيه مدينة أرمناك

стр. 1020

على ذروة جبل أرزاقه متسعة وخيراته كثيرة وبينها وبين العلاية ثلاثة أيام، ولقد يحكى عن أميرها القائم الآن بدر الدين أنه افتض ألف بكر، ويوصف من كرمه أنه يطلق كل ما يملك من صامت وناطق حتى لا يدع له شيئًا البتة، ثم يتمول فإذا أثرى أطلق كل ما يملكه حتى لا يدع له شيئًا هكذا دأبه، وبهذا يعرض على الله حسابه. قلت: ولقد وصل من سنين أخوه الأمير بهاء الدين موسى بن قرمان إلى الحضرة السلطانية، وأقام مديدة بالباب الشريف، ثم توجه لأداء فريضة الحج، وعاد إلى الحضرة وحرّك العزائم الشريفة على قصد الأرمن وارتجاع ما يلي الممالك الإسلامية من نهر جهان، ثم عاد إلى بلاده وعومل بالجميل في إصداره وإيراده، وأجلس مع أكابر الأمراء أمراء المشورة، وأجرى في تكبير القدر مجراهم وطلب منشورًا سلطانيًا ببلاد من مملكة التكفور يولي سيفه انتزاعها واستعادة ضالتها من أيديهم وارتجاعها، فكتب له على ما طلب وما أخذها إلى الآن ولكنه في الطلب. هذه جملة بمعنى ما ذكره العريان وما انساق في انبائها من أمور هذه البلاد. وأما ما ذكره بلبان الجنوي عتيق الأمير الكبير بهادر المعزّي، وهو ممن له الخبرة التامة بما يحكيه، وهو الذي أفاد كيفية تصوير هذه البلاد. واسم هذا بلبان في بلاده دومانوكين دوريا بن بادا دوريا، وهو من بيت حكم في جنوة (١) اتفق أنه جمعت بيني وبينه المقادير في الاعتقال وعنه أخذت ما قال: حدثني: أن هؤلاء أمراء الأتراك الذين بالروم الآن أبناء أمرائها الأول وممن تأخر عن سالف تلك الدول وهم فيها إلى يومنا هذا من بقايا تلك البقية، وممن نضت عنهم برود الأيام السلجوقية استقرّ بأيديهم الجبل وبأيدي بيت هولاكو السهل وجميع هؤلاء الأمراء الأتراك تقرّ لصاحب كرمان وتذعن له بعض الإذعان وتجريه في كثير من أحوالها مجرى السلطان وتعترف له بالتقديم وله على بعضهم مقرر لا ينقص، وعلى بعضهم هدايا بحسب الأوقات، وهو في ظاهر الحال فيهم الملك المطاع والبقية له أتباع أو كالأتباع تكاتبه في معضلات الأمور، وتتيمن برأيه، ويقوى بعضهم على بعض بمعاضدته، وتسر بخلعه وإنعاماته وتقاليده وتكريماته، وهو وإن لم يقدر على إمضاء الولاية والعزل فيهم؛ فإن له عندهم مكانة لا يجهل مقدارها وغاية
следующие страницы →