وأما «إمرة جاندار»: فصاحبها كالمتسلم للباب (١)، وله به البَرْدَدارية (٢) وطوائف الركابية والحريسانية والجاندارية. وهو يقدم البريد مع الدودار وكاتب السر، على ما قدمنا ذكره. وإذا أراد السلطان تعزير أحد أو قتله كان على يد صاحب هذه الوظيفة، وهو المتسلم للزردخاناه التي هي أرفع قدرًا في الاعتقالات من السجن المطلق، ولا تطول مدة المعتقل بها، بل إما أن يعمل بتخلية سبيله أو إتلاف نفسه، وقد قدمنا القول إن صاحب هذه الوظيفة يدور بالزفة حول السلطان في سفره مساء وصباحًا.
وأما «الأستاذدار» (٣): فإليه أمر بيوت السلطان كلها من المطابخ والشراب خاناه والحاشية والغلمان، وهو الذي يمشي بطلب السلطان [في السرحات والأسفار] و [له] الحكم في غلمانه وباب داره، وإليه أمور الجاشنكرية، وإن كان كبيرهم نظيره في الإمرة من ذوي المئين، وله حديث مطلق وتصرف تام في استدعاء ما يحتاجه كل من في بيت السلطان من النفقات والكساوى وما يجري مجرى ذلك.
وأما «إمرة سلاح» (٤). فهو مقدم السلاح دارية والمتولى لحمل سلاح السلطان في المجامع الجامعة، وهو المتحدث في السلاح خاناه وما يستعمل لها وما يقدم إليها ويطلق منها، وهو من أمراء المئين.
стр. 1087
وأما «الدوادارية» (١). فهم لتبليغ الرسائل عن السلطان وإبلاغ عامة الأمور، وتقديم القصص إليه، والمشاورة على من يحضر إلى الباب وتقديم البريد، هو وأمير جاندار وكاتب السر كما تقدم، ويأخذ خط السلطان على عموم المناشير والتواقيع والكتب. وإذا خرج عن السلطان بمرسوم يكتب ويعين رسالته.
وأما «نقابة الجيوش»: فهو كأحد الحجاب الصغار، وله تحلية الجند في عرضهم، ومعه يمشي النقباء. وإذا طلب السلطان أو النائب أو الحاجب أميرًا لوجه ما، قالوا له: أرسل إليه وأحضره. وإذا أمروا بالترسيم على أحد من هؤلاء أمروه فرسم عليه. وهو ممن يطلب بالخزانة في الموكب وفي السفر.
وأما «الولاية». فهم أصحاب الشرطة، وطبقتهم معروفة معلومة.
[وظائف أرباب الأقلام]
وأما وظائف أرباب الأقلام فأجلها «الوزارة»؛ لأن ربها ثاني السلطان إذا أنصف وعرف حقه، ولكن في هذه المدد حدثت عليها النيابة وتأخرت الوزارة حتى قعد بها مكانها، وقد تقدم قولنا على أنه وليها أناس من أرباب السيوف والأقلام بأرزاق على قدر الإنفاق.
ووظيفة «الوزارة» أشهر من أن يذكر وضع مباشرها لنفاذ كلمته وتمام تصرفه، ولكنها في أخريات هذه الأيام تقهقرت حتى كان المتحدث فيها كناظر المال لا يتعدى الحديث في المال، ولا يتسع له في التصرف مجال، ولا تمتد يده في الولاية والعزل لتطلع السلطان إلى الإحاطة بجزئيات الأحوال.
ثم إن السلطان أبطل هذه الوظيفة وعطل جيد الدولة من عقودها، وصار ما كان إلى الوزير منقسمًا إلى ثلاثة: إلى ناظر المال أو شاد الدواوين (٢) أمر تحصيل
стр. 1088
المال وصرف النفقات والكلف. وإلى ناظر الخاص تدبير جملة الأمور وتعيين المباشرين. وإلى كاتب السر التوقيع في دار العدل مما كان يوقع فيه الوزير مشاورة واستقلالًا، ثم إن كلًا من المتحدثين الثلاثة لا يقدر على الاستقلال بأمر إلا بمراجعة السلطان ومراجعته عليه (١).
وأما «كتابة السر» (٢)، فموضوعها قراءة الكتب الواردة على السلطان وكتابة أجوبتها وأخذ خط السلطان عليها، وتسفيرها، وتصريف المراسيم ورودًا وصدرًا، والجلوس لقراءة القصص بدار العدل والتوقيع عليها. وقد صار يوقع فيما كان يوقع عليه بقلم الوزارة على حسب ما يرسم به السلطان.
وأما «نظر الجيش» فقد تقدم في ذكر الإقطاعات، وعند ذكر النيابة مما يدل على حال صاحب هذه الوظيفة مما فيه كفاية. وهذا الناظر معه من المستوفين من يحرز كليات المملكة وجزئياتها (٣)، فرأسهم هو «مستوفي الصحبة» (٤) وهو يتحدث في
стр. 1089
جميع المملكة مصرًا وشامًا، ويكتب مراسيم يعلم عليها السلطان، تارة تكون بما يعمل في البلاد، وتارة بإطلاقات، وتارة باستخدامات كتاب في صغار الأعمال، ومن هذا وما يجري مجراه. وهي وظيفة جليلة تلي النظر. وأما بقية المستوفين فكل منهم حديثه مقيد لا مطلق فإنه لا يتعدى حديثه قطرًا من أقطار المملكة.
وهذا الديوان هو أرفع دواوين الأموال، وفيه تثبت التواقيع والمراسيم السلطانية، وكل ديوان من دواوين الأموال هو فرع هذا الديوان وإليه يرفع حسابه وتتناهى أسبابه.
وأما «نظر الخزانة» فكانت الخزانة أولًا كبيرة الوضع؛ لأنها مستودع أموال المملكة، فلما استحدثت وظيفة الخاص، ضعف أمر هذه المسماة بالخزانة، وصارت تسمى بالخزانة الكبرى، وهو اسم أزيد من مسماه. ولم يبق بها الآن إلا خلع تخلع منها أو ما يحضر إليها ويصرف أولًا فأولًا، وفي الغالب يكون ناظرها من القضاة أو ممن يلتحق بهم.
وأما «نظر البيوت». فهو ناظر جليل وهو منوط بالأستاذدارية، فكل ما يتحدث فيه أستاذدار له فيه مشاركة الحديث، وقد تقدم تفصيل حال وظيفة أستاذدار فيما تقدم.
فأما «نظر بيت المال» فهي وظيفة جليلة معتبرة موضوعها حمل حمول المملكة إلى بيت المال والمنصرف منه تارة بالميزان وتارة بالتسبيب بالأقلام. ولا يلي هذه الوظيفة إلا من ذوي العدالة المبرزة.
وأما «نظر الاصطبلات». فهو ديوان جليل مباشره في اصطبل للسلطان، وله الحديث في أنواع الاصطبلات والمناخات وعليقها وأرزاق المستخدمين فيها، وما لها من الاستعمالات والإطلاق، وكل ما يبتاع لها أو يبتاع منها.
[وظائف ذوي العلم]
وأما وظائف ذوي العلم فقد تقدم القول أنها: القضاء (١) والخطابة ووكالة بيت
стр. 1090
المال والحسبة، وهذه وظائف معروفة ومباشرات أربابها معلومة؛ لأنه لا يكاد تخلو مملكة من ممالك الإسلام منها.
فصل
وفي هذه المملكة وفيما هو متعلق بها مجموع المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها: المسجد الحرام، والبيت المقدس، ومسجد النبي ﷺ .
وأول ما نبدأ به ما هو محقق في هذه المملكة وداخل في حدودها وهو «القدس» وبه «المسجد الأقصى» و «الصخرة» التي هي أولى القبلتين، وإليه كان إسراء النبي ﷺ من المسجد الحرام كما قال الله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (١) وبجانبه الأيمن الطور وعليه كانت مخاطبة موسى ﵇. وفيه وفيما حوله غالب مدافن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
قال التيفاشي في كتاب (٢) «سرور النفس بمدارك الحواس
стр. 1091
الخمس (١): ذكرت الرواة أن هذه الأرض التي بارك الله فيها وحولها أربعون ميلًا طولًا في أربعين ميلًا عرضًا في تدوير البيت المقدس، والبيت المقدس في وسطها. وكان اسمها في الزمن الأول إيليا، وقول الله تعالى يحقق أن بيت المقدس في وسط تربيع الأرض المقدسة التي بارك الله تعالى فيها.
و «المسجد الأقصى» في قبة السلسلة، كان مجلس داود ﵇، وفيه أيضًا الموضع الذي عرج بالنبي ﷺ إلى السماء منه، وهو تحت قبة المعراج، وفيه موضع مصلى أيوب ﵇ بالملائكة على قبة يقال لها قبة الملائكة، وفيه الصخرة التي كان يقرب عليها يوشع بن نون خلافه لموسى بن عمران، وفيه محراب مريم، وفيه متعبد زكريا وهو نفسه من بناء داود وسليمان ﵉ (٢)
قلت: وفيه قبر إبراهيم الخليل على الصحيح وإن لم يصح القبر المعين الآن وقد تضمن كتاب الله العزيز والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ من فضائله ما بعينه (٣). فيه كفاية.
стр. 1092
والصخرة قبلة اليهود الآن، وإلى القدس حجهم، وبالقدس القمامة التي يحجها النصارى من أقطار الأرض وأعماق البحر.
وإلى جانب القدس مدينة نابلس محسوبة من الأرض المقدسة، وداخلة في حدودها، وإلى طورها حج السامرة، وهم طائفة من اليهود ينتمي أئمتها إلى نبوة هارون ﵇.
فالقدس الشريف معظم عند جميع المسلمين واليهود والنصارى، ومكان زيارة لهم أجمعين، وإنما اختلافهم في أماكن الزيارة منه. وما نبهنا على هذا إلا لما فيه من الفائدة لإطباق الجميع على تعظيمه وقصده بالزيارة.
وأما الحرمان الشريفان «مكة» و «المدينة» زادهما الله جلالة وتعظيمًا، فهما من الحجاز. ولم يزل أمراء المدينة الشريفة المترامين إلى صاحب مصر في غالب أوقاتهم ومعظم أيامهم إلا القليل النادر، فإنه ربما عصى بعضهم ومع هذا لا يترامى إلى سواه.
وأما أمراء مكة المعظمة فقد كان منهم من يُسِرُّ حَسوًا في ارتقاء يرضي صاحب مصر بأنه سامع له مطيع، ويقول لصاحب اليمن مثل ذلك، وكان أكثر ميلهم إلى صاحب اليمن وحقيقة هواهم معه، ثم تراموا إلى صاحب العراق لقوة سلطانه. ما برح هذا السلطان يحبس منهم ويطلق ويقيم الواحد بعد الواحد، ويجهز إليهم الجيش مرة بعد أخرى ليصفو له كدرهم وهم على علاتهم. فأما الآن فقد حكم عليهم حكمًا قاهرًا حتى انقاد له صعبهم ولانت له شكائمهم على إباء فيها واعوجاج بها، وذلك لما مات أبو سعيد بهادرخان بن محمد خدابنده سلطان العراق (١)، وتشعبت بعده الأهواء، ولم يعد إلى بعد تأليف كتابي هذا إليهم تحمل، ولا صفت لهم أمور.
وأمراء المدينة من بني الحسين بن علي ﵄ من أولاد جماز بن شيحة (٢).
стр. 1093
وأمراء مكة المعظمة من أولاد الحسن بن علي ﵄ من أولاد إدريس بن قتادة، وبكل منهما جماعة من الأشراف أقارب أمرائها (١).
وهؤلاء أمراء مكة والمدينة، على طاعتهم وعصيانهم، لابد للقائم منهم بالأمر من ملاطفة صاحب مصر حتى يأخذ منه تقليدًا بالأمر لخوفهم من قربه ومواصلة ركبانهم إليهم من مصر ودمشق. وقد ذكرنا هذا توفية بشرط هذا الكتاب، ولم نتعرض إلى ذكر فضائلهم. كفي الحرمين عن ذلك.
وفيهما البيت المحجوج المحبوب، ونبي هذه الأمة وشفيعها سيدنا محمد ﷺ . فحسبهما بمكان بيت الله ورسوله المصطفى ﷺ شرفًا تتطامن له أعناق السماء ويمسك بأطراف السبطين الثرى والماء.
* * *
ومما هو في حدود هذه المملكة مما له اسم سلطان حاكم وملك منصرف «حماة» وهي مدينة بين حمص وحلب، وهي لبقايا ملوك بني أيوب، من أراد صاحب مصر ولاه ومن أراد عزله. ولقد كانت انتزعت منهم بعد موت المظفر شادي بن المنصور محمد بن المظفر ووليت لنواب كبقية نواب هذه المملكة. ثم إن هذا السلطان أعادها إلى أهل البيت الأيوبي وملك بها المؤيد عماد الدين إسماعيل بن الأفضل بن علي بن المظفر (٢) ابن عم الذي انتزعت بعد موته، ثم بعده لولده الأفضل
стр. 1094
محمد (١)، وهو القائم بها الآن، يستقل فيها بإعطاء الإمرة والإقطاعات وتولية القضاة والوزراء وكتاب السر وكل الوظائف، ويكتب المناشير والتواقيع من جهته، ولكنه لا يمضي أمرًا كبيرًا مثل إعطاء إمرة أو إعطاء وظيفة كبيرة حتى يشاور صاحب مصر، وهو لا يجيبه إلا بأن الرأي ما يراه، وهذا ومثله.
وهذه حماة مبنية على نهر العاصي وهي من أحاسن مدن الشام.
ومما يجب ذكره هنا «بلاد سيس»، وهي ما بين حلب والروم استولى عليها الأرمن من قديم ومملكتها في بيت لارد بن مليح الأرميني من مدة متقدمة. وبلادها بعضها أغوار على ساحل البحر وبعضها متعلقة بالجبال وهما من العواصم ومما يليها، وملكها مترام إلى صاحب العراق والعجم منتظم في سلكه. وما خرج عسكره إلى الشام لقتال صاحب مصر إلا وخرج معهم وكثر سواد عسكره وبالغ في نكاية الإسلام وأهله، وهو مع هذا يداري صاحب مصر ويداهنه ويحمل إليه مالًا في كل سنة قطيعة مقدرة. وفي كل وقت وحين تغزوه عساكر مصر والشام في عقر البيرة وفتحت البلاد وسبي النساء والذراري. وفي سنة تأليفي فيها هذا الكتاب، وهي سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة، جهز السلطان فرقة من العساكر إليها فخاف صاحبها وسلم جانبًا من بلاده مما يلي المملكة الإسلامية من نهر جيهان إلى ما لاصق البلاد، وصارت بحمد الله في يد الإسلام وقبضة السلطان وقدر عليه القطيعة على باقي بلاده.
* * *
ومن خصائص هذه المملكة «معدن الزمرد» وهو بالبر المتصل بأسوان، له من جهة السلطان ديوان وشهود وينفق على العمال به ويقام لهم المون لحفره واستخراج الزمرد منه، وهو في جبال مرملة يحفر فيه وربما سقط على الجماعة به فماتوا. ويجمع ما يخرج منه ويحمل إلى السلطان ومنه يحمل إلى البلاد ورايت منه قطعة وسطها
стр. 1095
أخضر في نهاية الحسن وأطرافه جميعه أبيض وما بين وسطه وأطرافه بين اللونين، ثم كلما كان أقربإلى الوسط كان أقرب إلى الخضرة، وما كان إلى الطرف كان أميل إلى البياض إلى أن كان آخره أبيض، والوسط أنضجته الطبيعة نضجًا كاملًا، والأطراف لم يكمل نضجها فسبحان الله مبدع كل شيء.
وبها «البلسان» وهو شجر قصار بالمطرية، حاضرة عين شمس، بالقرب من القاهرة. ويسقى من بئر هناك، ولا يكون إلا في تلك البقعة. وهذه البئر يعظمها النصارى وتقصدها وتغتسل بمائها وتستشفى به على زعمها. ويخرج لاعتصار البلسان أوان إدراكه من قبل السلطان من يتولى ذلك، ويحفظه ويحمل إلى الخزانة، ثم ينقل منه إلى قلاع الشام والمارستانات لمعالجة المبرودين، وملوك النصارى من الحبوش والروم والفرنج يهادون السلطان بسببه ويستهدونه منهم؛ لأنهم لا يصح عندهم تنصر إلا بالغمس في ماء المعمودية. وعندهم أنه لابد أن يكون في ماء المعمودية من دهن البلسان هكذا أخبرني جماعة من النصارى. وهو ظاهر التقدم في معالجة الفالج وارتخاء الأعصاب وسائر الأمراض.
وفيها القرصفة والصنم السليماني والسنبس من مكان يعرف بدار العربة قريب مصر، أنفع دواء للاستسقاء.
ومنها «الأفيون» وهو عصارة الخشخاش الأسود المصري، وكذلك الجوز المائل وهو يطلع بدمياط. وأما ما يطلع بجبال القدس وبلاد فلسطين والأردن من الحشائش المنصوص عليها في كتب الأطباء فكثير جدًا كالمرياقلون ذات الألف ورقة التي هي من أجل الباذرهرات النافعة من السموم القتالة.
ولم نذكر هذا إلا على سبيل العرض، وإلا فليس من المقصود.
ذكر عادة هذه المملكة في الخلع ومراتبها
وهي ثلاثة أنواع: أرباب السيوف والأقلام والعلماء (١)
فأما «أرباب السيوف» فخلع أكابر ذوي المئين منهم الأطلس الأحمر الرومي، وتحته الأطلس الأصفر الرومي، وعلى الفوقاني طرز زركش ذهب وتحته سنجاب وله
стр. 1096
سجف من ظاهره مع القباء قندس (١) وكلوته زركش مذهب، وكلاليب (٢) ذهب، وشاش لانس (٣) رفيع موصول به في طرفيه حرير أبيض مرقوم بألقاب السلطان مع نقوش باهرة من الحرير الملون مع منطقة ذهب، ثم تختلف أحوال المنطقة بحسب مقاديرهم وأعلاها أن يعمل بين عمدها بواكر وسطى ومجنبتين مرصعة بالبلخش والزمرد واللؤلؤ، ثم ما كان ببيكارية واحدة مرصعة، ثم ما كان ببيكارية واحدة من غير ترصيع (٤). فأما من تقلد ولاية كبيرة منهم فإنه يزاد سيفًا محلى بذهب (٥) وفرسًا مسرجًا ملجمًا بكنبوش مذهب (٦).
وصاحب حماة خلعته من أعلا هذه الخلع (٧) وبدل الشاش اللانس بشاش يعمل بالإسكندرية من الحرير شبيه بالطول ويموج بالذهب يعرف بالمُتَمَّر (٨)، ويعطى فرسان أحدهما كما ذكر، والآخر يكون عوض كنبوشه زناري أطلس أحمر. وقد استقر لنائب الشام (٩) مثل هذا وأزيد بتركيبة مزركش ذهب دائرة بالقباء الفوقاني.
стр. 1097
ودون هذه المرتبة في الخلع نوع يسمى الطرد وحش (١) يعمل بدار الطراز بالإسكندرية وبمصر وبدمشق، وهو مجوخ جاخات كتابة بألقاب السلطان، وجاخات طرد وحش أو طير، وجاخات ألوان ممتزج بقصب مذهب، تفصل بين هذه الجاخات نقوش وطراز، هذا من القصب. وربما كبر بعضهم فركب عليه طرازًا مزركشًا بالذهب وعلى [فرو] السنجاب والقندس، كما تقدم، وتحته قباء من المفرج الإسكندراني الطرح، وكلدته زركش وكلاليب وشاش على ما تقدم، وحياصة ذهب تارة تكون ببيكارية وتارة لا تكون ببيكارية، وهذه لأصاغر أمراء المئين ومن يلحق بهم.
ودون هذه الرتبة كمخا عليه نقش من لون آخر غير لونه، وقد يكون من نوع لونه بتفاوت بينهما [وتحته] سنجاب مقندس، والبقية كما قدمنا ذكره، إلا أن الحياصة والشاش لا يكونان بأطراف رقم بل تكون مجوخة بأصفر، ولا تكون ببيكارية.
ودون هذه الرتبة كنجى (٢) بلون واحد بسنجاب مقندس والبقية على ما ذكر، وتكون الكلوتة خفيفة الذهب وجانباها يكاد أن يكونا خاليين بالجملة ولا حياصة له.
ودون هذه الرتبة مجوم لون واحد والبقية على ما ذكر خلا الكلوته والكلاليب.
ودون هذه الرتبة مجوم وقندس وتحته قباء بجاخات من أحمر وأخضر وأزرق، أو غير ذلك من الألوان، وسنجاب وقندس وتحته قباء ملوّن إما أزرق أو أخضر، وشاش أبيض بأطراف من نسبة ما تقدم ذكره.
ثم ما دون هذا النوع، ولابد من تنقيص ما.
وأما «الوزراء والكتاب»
فأجل خلعهم كَنْجيّ أبيض مطرز برقم حرير ساذج وسنجاب وقندس، ويبطن القندس بالسنجاب وتملأ الأكمام به، وتحته كنجي أخضر وبقيار (٣) كتان من عمل
стр. 1098
دمياط مرقوم وطرحة.
ثم دون هذه الرتبة عدم تبطين القندس بالسنجاب وإخلاء الأكمام منه. ودونها ترك الطرحة. ودونها أن يكون التحتاني مجومًا. ودون هذا أن يكون الفوقاني من نوع الكنجي لكنه غير أبيض، ثم تحته عتابي طرح أو ما يجري مجراه. ثم ما دون ذلك كما قدمنا في خلع أرباب السيوف.
وأما «القضاة والعلماء» فخلعهم من الصوف بغير طراز ولهم الطرحة، وأجله أن يكون أبيض وتحته أخضر. ثم ما دون ذلك على نحو ما قدمناه.
وأم «اأهبة الخطباء» فإنها من السواد للشعار العباسي، وهو دلق مدور، كما قدمنا وصفه في ذكر زي العلماء، وشاش أسود وطرحة سوداء، وينصب على المنبر علمان أسودان مكتوبان بأبيض أو بذهب. ويخرج المبلغ من المؤذنين قدام الخطيب وعليه سواد مثل الخطيب، خلا الطرحة، وفي يده السيف، فإذا صعد الخطيب المنبر أخذ منه السيف، فإذا رقى المنبر وسلم، أذن لابس السواد تحت درج المنبر وتبعه المؤذنون، ثم ذكر الحديث الوارد: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب، أنصت فقد لغوت» (١)، ثم يبلغ عنه الصلاة والرضا والدعاء للخليفة والسلطان، هو ثم المؤذنون، ثم إذا انحط إلى الصلاة أخذ السيف من يده.
وهذه الأهب تصرف من الخزانة، ثم تكون في حواصل الجوامع لتلبس في ساعات الجمع، فإذا خلعت أعيدت الخلعة إلى الخزانة وصرف لهم عوضها.
ذكر العيدين قد تقدم ذكرنا لهيأة السلطان في ركوبه أيام الأعياد. وبقي ما لابد من ذكره هنا وهو: أنه إذا ركب من باب قصره بقلعة الجبل ونزل إلى منفذة من الإصطبل إلى ميدان العيد الملاصق له، يترك به في دهليز قد ضرب له على أكمل ما يكون من الأبهة، فيصلي ويسمع الخطبة، ثم يركب ويعود إلى الإيوان الكبير - المقدم ذكره - ويمد به السماط ويخلع على حامل الجتر، والسلاح، وأستاذدار، والجاشنكير (٢)، وكثير من أرباب الذين لهم خدمة في مهم العيد، كنواب أستاذدار،
стр. 1099
وصغار الجاشنكير ونقيب النقباء، وناظر البيوت، ومثل هؤلاء.
ومن عادة هؤلاء أن يعد له كل عيد خلعة على أنها لملبوسه من نسبة خلع أكابر أمراء المئين، فما يلبسها هو، ولكن يخص بها بعض أكابر أمراء المئين يخلعها عليه.
ولصاحب مصر في مثل هذا اليد الطولى حتى بقي بابه سوقًا ينفق فيه كل مجلوب، ويحضر إليه الناس من كل قطر حتى كاد هذا ينهك المملكة ويودي بمتحصلاتها عن آخرها. وغالب هذا مما قرره هذا السلطان، وقد يتعب من يجيء بعده بكثرة هذا الإحسان.
ولهذا السلطان عادات جميلة كلها من الخلع في أوقات لعبه بالكرة على أناس جرت لهم عنده عوائد بالخلع في ذلك الوقت كالجوكندار (١)، والولاة ومن يجري مجراهم مما له خدمة في ذلك عادة مما ينعم به ويطلقه، وإذا حصل له أحد شيئًا مما يصيده في صيوده خلع عليه. وأما إذا خرج إلى صيد الوحش وصادوا الغزلان والنعام فكل من أحضر له صيدًا خلع عليه قباء مسنجبًا بما يناسب خلعة مثله، للكبير كبير والصغير صغير كل واحد على قدره، وكذلك البازدارية (٢) وحملة الجوارح ومن يجري مجراهم عند كل صيد إنعامات ينعم بها عليهم. ولغلمانه في الطشتخانة والشرابحانات والفراشخانات ومن يجري مجراهم عوائد في كل سنة زمان الصيود، كل هذه عوائد جارية لا تقطع.
ولكل من يتصل بخدمة هذا السلطان، ممن يرد عليه أو يهاجر من مملكة أخرى، أنواع الإدرارات، والأرزاق والإنعام وغايات لا يبلغها قرارية بلاده واللائذين بظله. وكذلك التجار الذين يصلون إليه ويبيعون عليه لهم عليه الرواتب الدائمة من الخبز
стр. 1100
واللحم والتوابل والحلواء والعليق والمسامحات بنظير كل ما يبتاع عليه من الرقيق المماليك والجواري، مع ما يسامحهم به أيضًا من حقوق تطلق أخرى. وكل هؤلاء إذا باعوا عليه ولو رأسًا واحدًا من الرقيق، لهم خلع مكملة لكل واحد بحسبه خارجًا عن الثمن وعما ينعم به على بعضهم أو يسفر به من مال السلطان على سبيل القرض ليتاجر به.
فأما جلابة الخيل، من عرب الحجاز والشام والبحرين وبرقة وبلاد المغرب، فإن لهم من ذلك الحظ الوافر والنصيب الراجح. وربما أعطى عن الفرس نظير ثمنها عشر مرات وأكثر غير الخلع والرواتب والعلوفات والأنزال ورسوم المقامات، خارجة عن تثمين الخيول، ومسامحات تكتب لهم بالمقررات عن تجارات يتجرون بها مما أخذوه من أثمان الخيول.
* * *
قلت: وبهذه المملكة جميع قبل الملل.
أما القبلة الإسلامية فهو بيت مكة المعظمة، وهو بها كما تقدم. وأما اليهود فقبلتهم البيت المقدس وقد كان القبلة الأولى في الملة الإسلامية، وهو بها. وأما السامرة - وهم فرع من اليهود - فقبلتهم إلى طور نابلس، وهو بها وعندهم أنه طور سينا. وأما النصارى فلا قبلة لهم وتوجههم إلى الشرق لا لقبلة، وجميع معابدهم التي يعظمونها بها مثل: قمامة وهي بالقدس وإليها حجهم من أقطار الأرض من البراري والبحار وبيت لحم، وبه مولد عيسى المسيح ﵇. وكنيسة صيدنايا ببر دمشق. وكنيسة صور، ومن ملوكهم من لا يصح تمليكه حتى يصلى عليه فيها.
وكنيسة مريحنا بالإسكندرية هي معتقد اليعاقبة (١) منهم وبها بطريرك القبط (٢)،
стр. 1101
وملوك الحبشة تعظم هذا البطريرك وتشير إليه بالتعظيم، وإذا جاءهم كتابه عملوا به لا خروج لهم عنه ولا مندوحة لهم عن حكمه، وهو يولي عليهم مطرانًا بعد مطران (١)، كلما مات واحد بعث غيره نائبًا له فيهم، وذلك المطران يقوم بالحبشة مقام البطريرك في الأمر والنهي فيهم وانقيادهم أجمعين إلى طاعته من غير مخالفة له ولا عليه في شيء.
حدثني من أثق به أن بعض التجار بمصر جهز مالًا له مع مسفر به إلى الحبشة فمات المسفر، ويئس صاحب المال من ماله وكان مالًا كثيرًا فعيل صبره، وشكا إلى السلطنة بمصر حاله، فقيل للبطريرك فكتب كتابًا إلى ملك الحبشة يأمره بإعادة مال الرجل إليه. ثم إن صاحب المال سفر رجلًا اعتمد عليه فما طال به المكث حتى أتى بجوابه بالامتثال وأحضر معه جميع المال بعينه أصله وربحه.
وحكى عن تعظيم الحبشة لكتاب البطريرك أنه منذ دخل حدود بلادهم وعلموا بالكتاب تلقاه عمال الأطراف بها ورفعوا الكتاب على رمح وحملوه هو ومحضره ومن حضر معه على أرفة الدواب ورتبوا له الإنزال والإقامات يوصله أهل كل عمل إلى الآخر على هذه الصورة حتى انتهى إلى حضرة الملك، فبالغ في إكرامه وإنزاله وإضافته. فلما كان يوم الأحد أخذ منه الكتاب وقرأه المطران في الكنيسة على الملك وهو واقف مكشوف الرأس إلى أن فرغ، ثم أمر بإحضار المال وتسليمه إليه، ولم يخرج من مكانه حتى أوصل إليه المال، ثم وصله بصلة جيدة وأعاده مكرمًا والإنزال جار عليه من عمل إلى عمل إلى أن خرج من حدوده.
قلت: ولهذا جميع ملوك النصرانية، الملكية (٢) واليعاقبة، تهادى صاحب مصر وتراسله لاحتياجها لتمكن المترددين من عندهم من زيارة قمامة وبقية مزاراتهم. واليعاقبة أكثر حاجاتهم إليه لمقام بطريركهم عنده فإنهم لا باب لهم، بخلاف الملكية فإن لأولئك الباب وهو برومية.
стр. 1102
قلت: والباب (١) هو طاغيتهم العظمى. عندهم أن الحلال ما حلل والحرام ما حرم، ولا لأحد عندهم مندوحة أن يتأخر عن أمره أو يتقدم.
فصل
ومن شيعة هذا السلطان طائفة تعرف «بالإسماعيلية» (٢) مساكنهم في مصياف،
وما معها من قلاع الدعوة، وهي سبعة قلاع (١) على مسامتة ما بين حمص وحماة متصلة بالبحر الرومي إلى جانب طرابلس الشام، هؤلاء هم الذين يسمون في بلاد العجم تارة بالباطنية وتارة بالملاحدة (٢)
وملخص معتقدهم التناسخ، وهم يسمون أنفسهم أصحاب الدعوة الهادية، وهم شيعة الخلفاء الذين كانوا بمصر وتسموا بالفاطميين. وكان قد انتهت رئاسة هذه الطائفة إلى راشد الدين سنان (٣)، وكان صاحب سيمياء أراهم بها ما أضل به عقولهم
стр. 1107
من تخيل أشخاص، فمن مات على طاعة أئمتهم في جنان ونعيم، وأشخاص ممن مات على عصيان أئمتهم في النار والجحيم. وهم يعتقدون أن كل من ملك مصر كان مظهرًا لهم فلهذا تتولاه هذه الطائفة وترى إتلاف نفوسها في طاعته لما ينتقل إليه من النعيم الأكبر. ولصاحب مصر بتشيع هؤلاء مزية يخافه بها أعداؤه؛ لأنه يرسل من هؤلاء إليه من يقتله ولا يبالي أن يقتل معه، ومن بعثه صاحب مصر إلى عدو له ليقتله فجبن قتله أهله إذا عاد، وإن هرب اتبعوه وقتلوه.
ولقد سألت المقدم عليهم والمشار إليه فيهم وهو: مبارك بن علوان عن معتقدهم وجاذبته في هذا الحديث مرات، فظهر لي أن هذه الطائفة ترى الأرواح مسجونة في هذه الأجسام المكلفة بطاعة الإمام المطهر على زعمهم، فإذا انتقلت على الطاعة كانت قد تخلصت وانتقلت للأنوار العلوية، وإن انتقلت على العصيان هوت في الظلمات السلفية.
وعقيدتهم أن عليًا، ﵁، كان المطهر ثم الانتقال منه. وليس هذا بمكان التطويل فيه.
[المدن المشهورة بهذه المملكة]
وأكابر المدن المشهورة بهذه المملكة: قاعدة الملك الكبرى وهي «القاهرة»،
стр. 1108
وقد تقدم القول على أنها هي والقلعة والفسطاط ثلاث مدن صارت مدينة واحدة. وقوص، والإسكندرية، ودمياط، و «دمشق» - وهي قاعدة الملك الثانية - ثم بعلبك، ثم حمص، ثم حماة، ثم حلب، ثم طرابلس، ثم صفد، والقدس، والكرك، وغزة. وتقدم القول على مكة والمدينة المعظمتين وكيف دخولهما في المملكة على ما بينا هناك.
[قلعة الجبل]
فأما قلعة الجبل (١)، فهي على نشر عال يسمى الجبل الأحمر من تقاطيع جبل المقطم، بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب، ﵀، ولم يسكنها حتى ملك أخوه الملك العادل أبو بكر فسكنها.
وهي مبنية على ذلك النشز، ترتفع في موضع منه وتنخفض في آخر، يدور بها سور حجر بأبراج وبدنات إلى أن ينتهي إلى القصر الأبلق (٢) الناصري المستجد بناؤه، ثم من هناك تتصل بدور الملك وليست على أوضاع أبراج القلاع.
يدخل إلى القلعة من بابين: أحدهما بابها الأعظم مواجه القاهرة (٣)، والثاني ينفذ إلى القرافة (٤)، بينهما ساحة فسيحة في جانبيها قبلة بشرق وشمالًا
стр. 1109
بغرب بيوت، وبالقبلي سوق للمآكل.
وينتهي من صدر الساحة إلى دركاه جليلة يجلس بها الأمراء حتى يؤذن لهم بالدخول. وفي وسطها باب القُلَّة (١)، يدخل منه في دهاليز فسيحة إلى ديار وبيوت ومساكن إلى المسجد الجامع (٢). وقد كان لها مسجد لضيق بنائه فبناه هذا السلطان بناء متسع الأرجاء، مرتفع البناء، مفروش الأرض بالرخام، مبطن السقوف بالذهب، في وسطه قبة عالية، يليها المقصورة مستورة هي والرواقات بالشبابيك الحديد المحكمة الصنعة، وتحف صحنه رواقات من جهاته.
ويمشى من دهليز باب القلة - المقدم الذكر - في مداخل أبواب إلى رحبة فسيحة في صدرها الإيوان الكبير المعد لجلوس أيام المواكب، وإقامة دار العدل. وبجانب الرحبة ديار جليلة، وفي مجنبته ممر إلى باب القصر الأبلق، تليه رحبة صغيرة يجلس هناك خواص الأمراء قبل دخولهم إلى الخدمة الدائمة.
ويمشي من باب القصر في دهاليز إلى قصر عظيم البناء، شاهق في الهواء بإيوانين أعظمهما الشمالي، يطل منه على الاصطبلات السلطانية، ويمتد النظر إلى سوق الخيل والقاهرة وحواضرها إلى بحر النيل وما يليها من بلاد الجيزة وقراها. وفي الإيوان الثاني القبلي باب خاص لخروج السلطان وخواصه منه إلى الإيوان الكبير أيام الموكب.
ويدخل من هذا القصر إلى ثلاثة قصور جوانية منها واحد مسامت لأرض هذا القصر الكبير، واثنان مرفوعان يصعد إليهما بدرج في جميعها شبابيك حديد تخترق إلى مثل منظر القصر الكبير.
стр. 1110
وفي هذه القصور مجاري الماء (١) مرفوعًا من النيل بدواليب تديرها الأبقار من مقررة إلى أخرى حتى تنتهي إلى القلعة، ثم يدخل إلى القصور السلطانية ودور أكابر الأمراء الخواص المجاورين للسلطان، يجري في دورهم وتدور به حماماتهم وهو من عجائب الأعمال لرفعته مما يقارب خمس مائة ذراع من مكان إلى مكان.
ويدخل من القصور الجوانية إلى حرم الحريم وأبواب الستور السلطانية. وهذه القصور جميعها من ظاهرها بالحجر الأسود والأصفر، مؤزرة من داخلها بالرخام والفص المذهب والمشجر بالصدف والمعجون والمطرقات وأنواع الملونات، والسقوف المبطنة بالذهب واللازورد. يخرق الضوء في جدرانها بطاقات من الزجاج القبرسي الملون كقطع الجوهر المؤلفة في العقود. وجميع الأرض بها مفروش بالرخام المنقول إليها من أقطار مما لا يوجد مثله.
فأما الآدر السلطانية، فعلى ما يصح عندي خبره، ذوات بساتين وأشجار وساحات للحيوانات البديعة والأبقار والأغنام والطيور والدواجن. وباقي داخلها، يعني القلة، للمماليك السلطانية وخواص الأمراء: نسائهم وحريمهم ومماليكهم، ودواوينهم وطشت خاناتهم (٢)، وفراش خاناتهم (٣)، وشراب خاناتهم (٤)، ومطابخهم ووظائفهم.
стр. 1111
والقلعة فيها مساكن لأكابر الأمراء ومن كبر من أمراء الطبلخانات والعشرات، أو من خرج عن حكم الخاصكية إلى طبقة البرانيين، ودار الوزارة، ودار كاتب السر، وديوان الإنشاء، وديوان الجيوش، وديوان الأموال، والنقباء، والزردخاناه (١) يجري هذا المجرى، مقسمة المساكن، وفيها المساجد والحوانيت والأسواق في جهاتها. هذه جملة العمارة.
ثم نذكر بقية ما يتعلق بالقصر السلطانية فنقول: إنه ينزل منه من جانب إيوان القصر إلى الإصطبلات السلطانية، ثم إلى ميدان ممرج بالنجيل الأخضر، فاصل بين الإصطبلات وبين سوق الخيل في غربيه، فسيح المدى يسافر النظر في أرجائه. يركب السلطان من درج يلي قصره الجواني وينزل إلى الاصطبل الخاص، ثم إليه راكبًا وخواص الأمراء في خدمته لعرض الخيول في أوقات الإطلاق أو قبول القادم أو المشتري، وفي أوقات طعم الطير. وربما وقف به راكًا، وربما نزل فيه ولم ينصب عليه خيام، وربما نصب عليه الخيام إذا طال مكثه وكان زمان حر أو برد وربما مد به السماط، ثم يطلع راكبًا إلى قصره.
وبهذا الميدان أنواع من الوحش المستحسن للنظر، وتربط به خواص الخيول للتفسح. وفي هذا الميدان يصلي السلطان وخواصه ومن لا يقدر يفارقه من ذوي الخدم صلاة العيدين، ونزوله إليه وطلوعه منه من باب خاص من دهليز القصر غير هذا المعتاد النزول منه لما قدمنا ذكره.
وللسلطان عدة أبواب سر إلى القرافة وإلى غيرها لا حاجة بنا إلى ذكرها.
قلت: هذه القصور والإيوان الكبير، والميدان الأخضر، والجامع، وغالب العمائر الضخمة بالقلة والقلعة عمارة هذا السلطان (٢) وبناؤه مطرزة الطرز فيها بألقابه واسمه، ترد الطرف كليلًا بأنوارها، وترف القلوب على ما يفتح من نفوس نوارها. تقر
стр. 1112
الملوك بها لعلو هممه وسعة إنفاقه وكرمه، تقف عليها الأبصار ويعرف من رآها أنه هان عليه العدو والدينار.
والقاهرة
مدينة مبنية في وطاة نائية عن دورة الجبل، أرضها سباخ ولأجل هذا يعجل إلى مبانيها الفساد.
والفسطاط
المسمى الآن على ألسنة العامة بمصر، مدينة مبنية على ضفة النيل الشرقية. وقد بني قبالتها في الجزيرة المبنى بها المقياس، أبنية كثيرة صارت كأنها فرضة من مصر. ومجرى النيل بينهما، ولمنظره عند امتداد ضوء القمر أو إيقاد السرج في الليل منظر يجذب القلوب.
وكل من مصر والقاهرة وحواضرهما الممتدة ذات رباع علية، مبلغ بعضها أربع طبقات في كل طبقة مساكن كاملة بمنافعها ومرافقها وسطح مقتطع لها من الأعلى بهندسة محكمة وصناعة عجيبة، مع كون البيوت بعضها تحت بعض، لا يرى مثل صناع مصر في هذا الباب (١).
وفي كل من هاتين المدينتين وحواضرهما القصور الشاهقة، والديار العظيمة، والمنازل الرحيبة، والأسواق الممتدة والمدارس والخوانق، والربط، والزوايا. والجميع على اتساع رقعة البناء وفسحة الشوارع، مزدحمة بالخلق سكنًا وممشى، قد حشرت إليها الأمم واختلفت إليها أنواع الطرائف.
وقال لي غير واحد ممن رأى المدن الكبار والخطط العظام في مشارق الأرض ومغاربها وبعيدها ومتقاربها: إنه ما رأى مدينة اجتمع فيها من الناس ما اجتمع في مصر والقاهرة وحواضرهما.
قال لي الصدر مجد الدين إسماعيل السلامي (٢)، وقد سألته عن بغداد وتوريز
стр. 1113
وهل يجمعان مثل مصر؟ فقال: في مصر خلق قدر كل من هو في جميع البلاد منها إلى توريز.
وغالب من فيها من العوام والباعة وأهل المهن والصنائع، كما قال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني ﵀: أهل مصر على كثرة عددهم، وما ينسب من وفور المال إلى بلدهم، مساكين يعملون في البحر، ومجاهيد يدانون في البحر. وأحمله على أنه قصد السجعة، إذ كل بلد فيها مجاهيد في أعمالهم. وما زال هذا في خاطري لا زيادة عندي عليه، إلى أن أقمت بمصر وسافرت في صحبة السلطان غالب بلادها، فرأيت خلقًا ممن عليهم أرض مسجلة قد ركب المنخفض منها ولم يركب العالي، وهم وقوف كل اثنين على مستنقع ماء وبأيديهم قفة بخيط في أذنيها وهما يترفان الماء بها ضربًا باليد إلى ورائهما في مقررة محفورة يجتمع ما ينزح منها ثم يصرف في مجاري إلى تلك الأعالي، ثم التي لم يركبها الماء يسقوها، وهم من هذا في جهد جهيد وأمر شديد. فعلمت أن هؤلاء الذين أراد القاضي الفاضل ﵀، بقوله: مجاهيد يعملون في البر، فإنه ليس في البلاد أشد جهدًا منهم؛ فإنهم ملزمون بدرهم معين وإردب معين، فإن لم يعملوا هذا أضنكهم الطلب ولم يجدوا جهة للوفاء.
وأما بر الديار المصرية فهو ريف ممتد بين حاجزين واعقد رمل مفصل بالقرى [كذا]، وهي مبنية بالطوب سود الظواهر، يحف بها نخل يقل في بعض ويكثر في الأخرى، كلها على أنموذج واحد من رأى واحدًا منها فكأنما رآها كلها.
وقوص
مدينة على شرقي النيل في أعلى الصعيد واقعة في المباني، ذات ديار جليلة، وفنادق، ورباع، وحمامات ومدارس. يسكنها جلة من التجار والعلماء وذوي الأموال. وهي أول محط ركاب تجار الهند والحبشة واليمن والحجاز الواصلين من البحر الملح من صحراء عيذاب. وبها المكاسب، ولها البساتين والحدائق ومنابت البقول والخضراوات، لكنها شديدة الحر كثيرة العقارب والسام أبرص، وبها صنف من العقارب القتالات حتى إنه يقال فيها عن الملسوع: أكلته العقرب؛ لأنه لا يرجى له إفاقة.
стр. 1114
قال لي عز الدين حسن بن أبي المجد الصفدي، أحد العدول بالقاهرة: إنه عد في يوم صيف على حائط الجامع [بها] سبعين سام أبرص على صف واحد. والمستفاض أن أهل قوص إذا تمشى منهم أحد في مكان أو خرج إلى بيته أو منه، يأخذ بيده الواحدة مسرجة، وفي الأخرى مشك يشك به العقارب.
وبالصعيد بقايا سحر قديم، يحكى عنهم أشياء أصح ما سمعت منها ما حكى لي من أثق به عن طقصبا (١) والي قوص، قال:
أمسكت امرأة ساحرة فقلت لها: أريد أن أبصر شيئًا من سحرك،
فقالت: أجود عملي أني أسحر العقرب، فقلت لها: كيف تسحرين العقرب؟
قالت: أسحره على اسم شخص مخصوص فلا يزال ذلك العقرب يتتبع ذلك الشخص حتى يلسعه فيقتله.
قلت: أريني هذا واسحري العقرب على اسمي، فأخذت عقربًا وسحرته وأرسلته فتبعني فتعبت كلما أنتحي عنه وهو يتبعني، فجلست على تخت منصوب في بركة ماء، فجاءت العقرب إلى البركة وصارت تحاول طلوعها إلي ولا تقدر على اقتحام الماء، فذهبت إلى الجدار وصعدت فيه وأنا أنظرها حتى ترقت إلى السقف وجاءت إلى مسامة مكاني ثم رمت بنفسها إلى أن نزلت إلى الأرض وقصدتني فضربتها بعصا في يدي فقتلتها، ثم أمسكت تلك الساحرة فقتلتها لما رأيت من سحرها العظيم. ويحكى كثير من هذا ليس هذا موضع ذكره.
ثم من قوص إلى أسوان ومن أسوان المدخل إلى بلاد النوبة، ومن أسوان شعبة إلى الصحراء إلى عيذاب على ساحل البحر يجاز منه إلى جدة ميناء مكة المعظمة. ومن هذا البحر مسالك للتجار إلى عدن ثم إلى ما أرادوا من الهند واليمن والحبشة
ولم نذكر قوص دون ما سواها في الصعيد إلا لأنها هي مدينتها الحاضرة وبها يحط مصعدًا ومنحدرًا زمر الرفاق المسافرة.
стр. 1115
والإسكندرية
مدينة (١) قديمة جليلة، وكانت في القديم أكبر مما هي الآن وأعظم في كثرة الأهل والبنيان. بناها الإسكندر ذو القرنين على شاطئ البحر الرومي، وكان بها على ما يقال سرير ملكه ومستقر أمه. وجميع بنائها بالحجر والكلس مبيضة البيوت باطنًا وظاهرًا كأنها الحمامة البيضاء، ذات شوارع مشرعة، وسيعة الأرجاء، كل خط بذاته كأنها رقعة الشطرنج، يستدير بها أسوار ممنعة وبروج محصنة، عليها السهام المسترة، والمجانيق المنصوبة، وبها عسكر مستخدم لحفظها. وليس بالديار المصرية مدينة حاكمها مرسوم بنيابة السلطنة سوى الإسكندرية، لا يزال أهلها على يقظة من أمور ومخالسة العدو.
وبها الديار الجليلة والجوامع والمساجد والربط والخوانق والمشاهد والفنادق والرباع والأسواق الممتدة، ومعامل البز والقماش والطرز الفائق المثل، وإليها تهوي ركائب التجار برًا وبحرًا من كل فج عميق ومكان سحيق، وليس في الدنيا نظير شربها وطرازها المعمول بها والمحمول إلى أقطار الأرض شرقًا وغربًا، منها من الحفير المنسرح بالذهب والفضةوالمقصب بالقصب وطرد الوحش المنوع، والجر والمنقوش والممزج والمدفون والدبيقي والساذج والمفترح والمقاطع والممرس والشرب الخام والمقصور وبدلات المقانع وأنواع المقصبات والملون بالذهب والفضة والملاءات والفوط من كلها لا شبيه لرقمه ولا نظير لحسنه، يباع كل يوم فيها بآلاف مؤلفة من الذهب الأحمر ولا ينفد متاعها ولا يقل موجودها.
وبالإسكندرية معاملة الدرهم السواد حقيقة مقصورًا عليها، لا يخرج في سواها
стр. 1116
ولا يتعدى حاضرة أسوارها، وهو فيها كل درهمين سوداوين بدرهم واحد من نقد الدرهم المصري. يوجد بها الدراهم السود حقيقة اسمًا على مسمى، وأما في بقية الديار المصرية، فكما قدمنا، يوجد اسمًا لا مسمى كل ثلاثة سود بدرهم واحد من الدراهم المصرية.
والإسكندرية هي فرضة الغرب والأندلس وجزائر الفرنج وبلاد الروم، وإليها ترد شوانيها وتجلب بضائعها، ومنها تخرج أغراضها. فأما دمياط فهي وإن كانت رسيتها في هذا الباب، فإنه لا نسبة لها إلى الإسكندرية، وسيأتي ذكرها.
والإسكندرية لها بحر خليج (١) من النيل تصل فيه المراكب من مصر إليها ومنها إلى مصر، وفي أوان زيادة النيل يمتلئ هذا الخليج ويمتد إلى صهاريج داخل المدينة المعدة لاختزان الماء بها لشرب أهلها، نافذة من بعض الدور إلى بعض، يمكن النازل إلى صهريج منها الصعود من أي دار اختار، وتحت تلك الصهاريج الآبار النبع بالماء الملح، فهي طبقات ثلاث: طبقة الآبار، عليها طبقة الصهاريج، عليها طبقة البناء.
ولا يعتني أهل الإسكندرية ببناء الطبقات على أعالي أبنيتهم لقوة الأمطار بها وتجويف قرارها.
وعلى الإسكندرية البساتين الأنيقة والغيطان الفساح، وفيها لجلة أهلها القصور الناهدة، والجواسق الشاهقة محصنة جميعها بإحكام البناء وعلو الجدر خشية من طراق الفرنج وذعار العرب.
وبها من الفواكه المنتخبة الثمار، وهي تفوق مصر بحسن ثمراتها ورخص الفواكه بها، وليس للإسكندرية من إزدراع القمح والشعير والحبوب إلا ما قل، وغالب أقواتها محمول من أرياف مصر إليها.
تنبيه
قد ذكرنا فيما تقدم أن الإسكندر هو الذي بنى الإسكندرية، وذلك صحيح بمعنى أنه جددها وجدد بناءها.
стр. 1117
وأما سبب بنائها القديم فقد ذكره التيفاشي في كتاب «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» قال: ذكر أحمد بن مطرف في كتاب «الترتيب» (١): أن الذي بنى الإسكندرية أول أمرها جبير المؤتفكي (٢)، وأن الذي هداه إلى بنائها أنه غزا بعض النساء اللواتي ملكن مصر وكان اسمها حوريا بنت ألبرت، وأنه لما طال بينهما الحرب أنفذت إليه تقول: إني قد رغبت في أن تتزوجني فيصير ملكنا واحدًا ودارنا واحدة، وأصير أنا ومملكتي لك وذلك خير لك من أن تقيم علي الحرب فتفقد مالك ويفنى رجالك، فإن ظفرت بي لم يحصل لك طائل؛ لأن الهزائم تذهب الأموال وتمحقها، وإن أنت خذلت ذهبت وذهب جميع مالك. فأعجبه مقالها وأجابها وعقد النكاح على ما كانوا يعتقدونه؛ والتمس الدخول بها فقالت: إنه يقبح بي وبك أن نجتمع في غير مدينة نبنيها لهذا الأمر في أحسن موضع وأجل مكان بحيث لم يكن فيه بناء قط غير ما نبنيه. وإنما كان ذلك منها مكرًا به لتنفد أمواله وتبلغ منه ما تريد في لطف وموادعة. فأجابها وأنفذ المهندسين إليها، وخيرها المواضع، فاختارت موضع الإسكندرية، وقسمت المدينة وصورها المهندسون، ثم عرفته ذلك فأجاب إلى كل ما طلبت. وسار بجيشه فنزل على ذلك الموضع وشرع في البناء، فكان كلما بنى بناء خرجت دواب البحر وعبثت به وهدمته، فأقام زمانًا ونفدت الأموال وضاق ذرعًا، فوفق له أن دل على بعض السحرة، فأحضره وشكا إليه ذلك الأمر، فوضع له طلسمات وجعلها في آنية زجاج كالتوابيت فكانت في الماء حذاء الأبنية، فإذا جاءت دواب البحر قرأت الطلسمات والتوابيت نفرت فثبت البناء، وبنيت المدينة وتمت بعد زمان طويل. ثم راسلها في المسير فسارت بجميع ملكها وعساكرها حتى نزلت حذاء عسكره وراسلته أني قد أحببت أن أحمل عنك مؤنة الإنفاق على العسكرين في أطعمة تصلح وأشربة، وقد أعددت لوجوه الأمراء والقواد خلعًا وتحفًا حملًا عنك لما لزمك في بناء المدينة، فأحب أن تجيبني إلى ذلك، فأجابها وأمرت بذلك، فعمل، وأنفذت إليه أني أحب أن أراك وأرى سائر عسكرك
стр. 1118
في الميدان يلعبون ضروب اللعب، ويكون منصرفكم بعد ذلك إلي لحضور الطعام والخلع فأجابها. وتقدم بركوب الجيش وحمل السلاح واللعب، فلما فعل واشتد عرق القوم انصرفوا إليها جميعًا فتلقاهم أصحابها بالخلع المسمومة فلبسها وجوه العسكر، ولبس الملك جبير خلعته - وكانت أقل سمًا من غيرها - إبقاء عليه لتبقى فيه بقية لخطابها، فما أقاموا إلا ساعة بالخلع حتى طفئوا وماتوا، ورأى ذلك بقية العسكر، فعلموا موضع الحيلة، فتبادروا مستأمنين فنودي فيهم بالأمان وبقي في الملك بقية من الحياة، فأمرت أن يحمل إليها، فلما رأته في السياق قالت له: إن ملكًا أنفق ماله وأفنى زمانه وترك ملكه رجاء شهوة، … لا يدري أينالها أم لا لملك سخيف. وكان آخر كلامها بخروج روحه فمات ودخلت هي المدينة وأقامت بها زمانًا وعادت إلى مصر.
ثم ملك الإسكندر فزاد في بنائها وأطال في منارتها وجعل فيها مرآة كان يرى منها مراكب العدو عن بعد، فإذا صارت بإزائها وصدمها شعاعها أحرقتها كما تحرق المهاة في الشمس ما قابلها من الحرق وإن لم تتصل بها، فسميت الإسكندرية من حيئنذ. وكان اسمها قبل ذلك رقودة، وبذلك يعرفها القبط في كتبهم القديمة.
وأقامت المرآة على ذلك زمانًا، وشق ذلك على الروم فاحتال حكيم من حكمائهم بأن وافق متملكهم على أن يبعث أموالًا مع أصحاب له فيدفنوها في مواضع متفرقة من ثغور الإسلام ثم عادوا بعد دفنها فوضع كتاب مطالب ذكر فيه المواضع وختمه بأن تحت المرآة التي في منارة الإسكندرية كنزًا لا يحصى ما فيه من الأموال، وعتق ذلك الكتاب ودفعه إلى إنسان ذكي، وأمر أن يسير به إلى بلد بلد وأن يكون قصده إلى سلطان كل بلد فيعرفه ما في ذلك البلد ويخرجه ويأخذ منه جزءًا يسيرًا، ففعل ذلك بأول [من] لقيه وصح قوله فأخرج المال وأخذ منه جزء يسيرًا.
واتصلت الأخبار إلى سائر الثغور بذلك، فكان سلطان كل بلد ينفذ إليه من يتسلمه بعد أن يحضر إخراجه الكنز في البلد الذي هو فيه، فلم يزل إلى أن وصل إلى الإسكندرية فقال لملكها ما قال في المرآة، وقال له: إذا قلعتها وأخذت الكنز أنا أردها إلى أفضل ما هي عليه الآن فأجابه وقلعت المرآة وشرع في هدم ما تحتها والنسل الإنسان وترك ونزلت تلك الأموال التي أخذها من الكنوز المتقدمة ليطمئنوا ولا يجدوا في طلبه وفاتهم، وحفروا فلم يجدوا شيئًا، فعلموا أن ذلك كله كان حيلة على قلع
стр. 1119
المرآة فلم يقدروا على ردها لأن واضعيها كانوا حكماء قد نصبوها بطالع مختار.
واختلف الناس في هذا القول، فمنهم من ذكره ومنهم من ذكر غيره، قال: غير أني قرأت في بعض كتب التواريخ أن أعاجيب الدنيا أربعة: فرس من نحاس بأقصى غرب الأندلس لا يتجاوزه أحد إلا ابتلعه الرمل، وشجرة من نحاس برومية عليها صورة طائر من نحاس وهو الذي يسمى الزرزور؛ إذا كان أوان نضج الزيتون فلا يبقى طائر من جنسه - وهو الطائر المعروف - إلا أتى حاملًا زيتونة في منقاره وزيتونتين في رجليه فيلقيه عند الطائر النحاس المذكور فيعصر أهل رومية من ذلك ما يكفي أدمهم وسرج عامهم، ذلك لأن رومية ليس بها زيتون. ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد، إذا كان في الأشهر الحرم جرى منها الماء ولا يجري من غيرها. ومرآة بمنارة الإسكندرية ترى بها القطائع الحربية إذا تجهزت من القسطنطينية العظمى فيرى أهل الإسكندرية أهل القسطنطيطينة وبينهما عرض البحر.
قال: وأما مساحة المنارة فهي ثلاث طبقات، ومساحتها على ما ذكره بعض المتصلين مائتا ذراع وثلاث وثلاثون ذراعًا، فالطبقة الأولى مربعة وهي مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعًا، والطبقة الثانية مثمنة وهي إحدى وثمانون ذراعًا ونصف ذراع، والطبقة الثالثة مستديرة وهي ثلاثون ذراعًا ونصف ذراع.
قلت: أما ما حكاه عن منارة الإسكندرية (١) فقد أصبحت كلها أثرًا بعد عين، سقطت أعلامها ومحيت آثارها ولم يبق من المنارة إلا دون العشرين ذراعًا، وأمر السلطان لها بالبناء ولم يصرف إليها وجه الاعتناء، وليس الناظور الآن إلا في منارة استحدثت على كوم عال داخل السور يعرف بكوم معلى لا له أساس ثابت ولا جدار معلى. وأما عمود الصواري فباق على حاله والطلل هائل ولا طائل، وهو من الإسكندرية على مسافة نصف يوم من غربيها البر الأقفر المتصل ببرقة إلى الغرب الأقصى.
والرطل الإسكندري يسمى الجروي (٢) وهو رطلان وأوقيتان بالمصري، وإردبها ثمان ويبات بإردب وثلث بالمصري وأسعارها أقرب إلى الرخاء ولولا الحجير زادت رخاؤها وعظمت أجلابها.
стр. 1120
ودمياط
مدينة (١) على ضفة البحر عند مصب أحد فرقي النيل بناؤها الآن غير موثق يطوف بها جسر النيل إلى مصبه. وهي موضع غرة للعدو من قبل البحر، وقد علقت بها حمة الكفر زمانًا طويلًا حتى نصر الله عليهم في أخريات الدولة الأيوبية.
حدثني من رأى دمياط أنها مدينة لطيفة فيها مدرسة واحدة وأسواق ليست بالكثيرة. ومنها الإفضاء إلى بحيرة تنيس المذكورة في القديم بحسن الأوضاع وجودة القماش والمتاع، وإنما هي الآن جون من البحر الملح أو كالجون.
وبدمياط وما يليها شجر الموز الكثير ومنه مدر مصر والقاهرة وبلادهما.
فائدة
قال التيفاشي في «سرور النفس»: يقال إن تنيس (٢) ودمياط والفرما ثلاثة إخوة ملكوا هذه المدن الثلاث، وسمى كل واحد منهم مدينته باسم نفسه. وكانت تنيس يقال لها تنيس الأخصاص، ويقال إن المسيح ﵇ دخلها فأكرمه أهلها، فدعا أن يبارك الله لأهلها فيها وأن يأتيها الرزق من كل مكان لما رآها وسط بحيرة، ولم يدخل دمياط.
وأما «الجفار» فهي خمس مدن: الفرما (٣) والبقارة والورادة والعريش ورفح (٤).
والجفار كله رمل وإنما سمي جفارًا لشدة المشي فيه على الناس والدواب لكثرة رمله وبعد مراحله. والجفار تحفر فيه الإبل وغيرها فتهلك فاتخذ له هذا الاسم، كما قيل للحبل الذي يهجر به البعير هجار، والذي يحجر به حجار، والذي تعقل به
стр. 1121
عقال، والذي تبطن به بطان، وكذلك خطام وزمام ونحوه.
والبقارة من البقر والورادة من الورود والعريش أخذ من العرش، ويذكر أنه نهاية التخوم من الشام وأن إليه كان ينتهي رعاة إبراهيم الخليل ﵇ بمواشيه، وأنه اتخذ به عريشًا كان يجلس فيه ومواشيه تحلب بين يديه فسمى بذلك. ورفح اسم رجل نسب إليه المكان.
* * *
قلت: هذه جملة الكلام في مدن الديار المصرية الشهيرة، وأما برها فيأخذ بخناقه جبلان تضايقا في أوله بأعلى الصعيد، ثم أخذا في التفليس إلى الجزيرة فانفرجا واتسع مدى ما بينهما حتى انقطع بالبحر الرومي إلى آخر الأعمال. فأوسعه مدى نحو يومين وأضيقه نحو ساعة وغالبه نحو ساعتين وما بين ذلك.
وهذا هو عرض الديار المصرية حقيقة إلا إن نظرت إلى قفار موحشة يهاب الجن سلوكها ويخاف الظلام اقتحامها على أن مدى العرض الذي ذكرناه عطل الجانبين عن الحرث والنسل والزرع والغروس، خال من الأنيس إلا سار في سبيل أو ضال عن طريق، والعامر الأهل من هذا المدى ثلثه والثلث كثير لكنه ذو ربع رابع ومتحصل كثير.
وبمصر من أنواع الثعابين والأفاعي والحيات والعقارب والفأر وسائر الحشرات ما لولا يهلكه النيل الفائض على البلاد في كل سنة، وما يفر من النيل فيقف أهل البلاد له على الطرق بأيديهم العمد والعصي لقتل ما يهاجمهم منها، لما سكنت مصر ولا تأهلت لها ديار ولا استقر بها لأحد قرار.
وأما زمان ربيعها وما يبقيه من المقطعات بنيلها، وما يوشي حللها من نوار البرسيم والكتان، ويحشر في أرضها من الطير على اختلاف ذوات الجناح فما يملأ عينيك وسامة وحسنًا، ويروقك صورة ومعنى، كأن نباتها زمردة خضراء، ومقطعاتها فيروزجة زرقاء، ونوارها لكل قرط منه لؤلؤة بيضاء عليها للطيور ظلل من الغمام قد نصبت على فروشها للاستبرق خيام ولما رأيت منظرها البديع في زمان الربيع وبين أكنافها المخضرة فوارات الماء كأنها النجوم في السماء قلت: [من مجزوء الرجز]
لِمصْرَ فَضْلٌ باهِرٌ … لعيشها الرَّغْدِ النَّضر
في سفح روض يلتقي … ماء الحياة والخضر
стр. 1122
[كُورُ الديار المصرية وأعمالها] (١)
ونحن نقول: إن الديار المصرية وجهان قبلي وبحري، جملتها خمس عشرة ولاية.
فالوجه القبلي
أكبرهما وهو تسعة أعمال (٢) وهي:
عمل «قوص». وقوص شرقي النيل، وهو أجلها. ومنه أسوان وعرب قمولة، وأسوان نهاية حد المملكة من الجنوب.
وعمل «أخميم». وهي شرقي النيل أيضًا.
وعمل «سيوط».
وعمل «منفلوط».
وعمل «الأشمونين»، وبها الطحاوية.
وعمل «البهنسا ومنه الغرابي، وهو عبارة عن قرى على عرى المنهى (٣) الماد إلى الفيوم.
وعمل «الفيوم». وهو منقطع.
وعمل أطفيح». وهو شرقي النيل.
وعمل «الجيزة».
стр. 1123
والوجه البحري
وهو ستة أعمال (١):
عمل «البُحَيْرَة». وهو متصل البر بالإسكندرية وبرقة.
وعمل «الغربية». جزيرة واحدة تشتمل على ما بين البحرين البحر المار ومسكبه عند دمياط وهو المسمى بالشرقي، والبحر الثاني ومسكبه عند رشيد وهو المسمى بالغربي.
و «المنوفية». وكانت منف المنسوب إليها هذا العمل هي مصر قديمًا (٢)، ومنها إبيار المسماة بجزيرة بني نصر (٣)، وهي جزيرة وتأخذ في وسط البحر الغربي.
وعمل «قليوب». وقليوب شرقي النيل.
وعمل «الشرقية». وهو متصل البر ببر الشام والقلزم والحجاز، وكذلك أشموم ويعرف بأشموم طناح (٤).
ومنها «الدقهلية (٥) والمرتاحية (٦)». وهنا موقع ثغر البُرُلُّس وموقع
стр. 1124
ثغر رشيد والمنصورة المبنية زمان حصار دمياط. وفي هذا الوجه الإسكندرية ودمياط، وهما مدينتان تندران على البحر لا عمل لهما.
[الواحات]
وأما الواحات فمنقطعة وراء الوجه القبلي في مغاربه ولا تعد في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها من قبل السلطان وال، وإنما يحكم عليها من قبل مقطعها. وبلاد الواحات بين مصر والإسكندرية والصعيد والنوبة والحبشة بعضها داخل بعض. قال البكري: وهو بلد قائم بنفسه غير متصل بغيره ولا مفتقر إلى سواه. وفي هذه الأرض شَبيَّة وزاجية (١) وعيون حامضة الطعوم من الحامض والقابض والملح، ولكل نوع منها منفعة وخاصية.
ومما يتعلق بذيل هذه المملكة
ذكر برقة
قال ابن سعيد: هي سلطنة طويلة، وإن لم يكن يمكن لها استقلال؛ لأنه قد استولت عليها العرب. وكان سريرها في القديم مدينة طبرق. قلت: وليس لها سلطان بل ولا سوى أهل العمد سكان. وقربها إلى إفريقية أكثر من قربها إلى مصر، ولكن ما دون العقبة لصاحب مصر وأمرها إليه.
أخبرني الأمير الفاضل ناصر الدين محمد بن المحسني: أنها بلاد كثيرة الماء سيئة الهواء، وأرضها معادن وجرون وعرة في الغالب، وبها المروج والأشجار الكثيرة. وبها المدن المبنية الباقية البناء إلى الآن، وهي خالية من السكان، وبها القصور العلية والآثار الدالة على ما كانت عليه من الجلالة. وهي اليوم بيد العرب وهم أصحاب ماشية ودواب سائمة كثيرة من الإبل والغنم، ومنهم من يزرع في بعض أرضها فتخصب زروعها، ولكنهم أهل بادية لا عناية لهم بعمارة ولا زرع.
وحدثني غير واحد ممن دخلها من العسكر المصري، ممن كان جُرِّد إليها، أنها شبيهة بأطراف الشام وجبال نابلس في منابت أشجارها وكيفية أرضها وما كانت عليه،
стр. 1125
وأنها لو عمرت بالسكان وتأهلت بالزراع كانت إقليمًا كبيرًا يقارب نصف الشام.
وقد كانت برقة مقطعة بمناشير صاحب مصر لابن المحسني وكان يتوجه إليها ويأخذ من العربان بهائم أقطعت لأمراء عربان مصر من سليم، وهم الآن يستأدون من عرب برقة العداد.
وحدثني الأمير فائد بن مقدم السلمي المقطعة له الآن، أن برقة من أزكى البلاد أرضًا للدواب وأمرأها مرعى لها. وأما خيل برقة فهي من اقوى الخيل بناء، وإذا قيل الخيل البرقية كفى، وهي مدورات ليست بمفرطات العلو ولكنها عراض مرددات صلبة الحوافر، قد جمعت بين سبق العربيات وقوة صدماتها وكمال تخاطيطها، وصلابة حوافر البراذين وثباتها على الجبال والوعور وإدمان الركوب. وأما صورها فهي بين العراب والبراذين عليها منها سمات الشبه، وهي إلى محاسن العراب أميل. وفحول الخيل البرقية أنجب من إناثها، ولجند مصر بها عناية، وتباع بالأثمان الغالية ولكنها لا تبلغ مبلغ خيل البحرين والحجاز والشام.
وطولها بالمسافة مقدار شهرين. وكانت قاعدة برقة مدينة أنطابلس. ومن مدنها طبرق وقد تقدم ذكرها وطلميثة ولبدة وهي ذات رخام كثيرة عمد وألواح، وبها إلى الآن الرخام قائمًا ونائمًا. ومن مدنها المشهورة سرت.
وحدثني قاضي الجماعة أبو إسحاق إبراهيم بن أبي سالم عن لبدة أنها مملؤة بالرخام الأبيض الفائق حتى شوارعها وممشى الناس في أسواقها، وأنها لا يعوزها من العمارة إلا السكان.
وحدثني الشيخ شرف الدين عيسى الزواوي (١) قال: مررت ببلاد برقة فرأيتها .. كلها خرابًا يبابًا مقفرة ما فيها إلا بادية العرب، وبها القصور المبنية ليس بها إلا غلال مخزونة لهم.
وقال لي: إن في جبال برقة أشجارًا مثمرة من الزيتون والفواكه الكثيرة، ولكن ليس بها مدينة معمورة تذكر لها أخبار. وسكان برقة كلهم أهل بادية لا يتبايعون إلا