← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

عقال، والذي تبطن به بطان، وكذلك خطام وزمام ونحوه. والبقارة من البقر والورادة من الورود والعريش أخذ من العرش، ويذكر أنه نهاية التخوم من الشام وأن إليه كان ينتهي رعاة إبراهيم الخليل ﵇ بمواشيه، وأنه اتخذ به عريشًا كان يجلس فيه ومواشيه تحلب بين يديه فسمى بذلك. ورفح اسم رجل نسب إليه المكان. * * * قلت: هذه جملة الكلام في مدن الديار المصرية الشهيرة، وأما برها فيأخذ بخناقه جبلان تضايقا في أوله بأعلى الصعيد، ثم أخذا في التفليس إلى الجزيرة فانفرجا واتسع مدى ما بينهما حتى انقطع بالبحر الرومي إلى آخر الأعمال. فأوسعه مدى نحو يومين وأضيقه نحو ساعة وغالبه نحو ساعتين وما بين ذلك. وهذا هو عرض الديار المصرية حقيقة إلا إن نظرت إلى قفار موحشة يهاب الجن سلوكها ويخاف الظلام اقتحامها على أن مدى العرض الذي ذكرناه عطل الجانبين عن الحرث والنسل والزرع والغروس، خال من الأنيس إلا سار في سبيل أو ضال عن طريق، والعامر الأهل من هذا المدى ثلثه والثلث كثير لكنه ذو ربع رابع ومتحصل كثير. وبمصر من أنواع الثعابين والأفاعي والحيات والعقارب والفأر وسائر الحشرات ما لولا يهلكه النيل الفائض على البلاد في كل سنة، وما يفر من النيل فيقف أهل البلاد له على الطرق بأيديهم العمد والعصي لقتل ما يهاجمهم منها، لما سكنت مصر ولا تأهلت لها ديار ولا استقر بها لأحد قرار. وأما زمان ربيعها وما يبقيه من المقطعات بنيلها، وما يوشي حللها من نوار البرسيم والكتان، ويحشر في أرضها من الطير على اختلاف ذوات الجناح فما يملأ عينيك وسامة وحسنًا، ويروقك صورة ومعنى، كأن نباتها زمردة خضراء، ومقطعاتها فيروزجة زرقاء، ونوارها لكل قرط منه لؤلؤة بيضاء عليها للطيور ظلل من الغمام قد نصبت على فروشها للاستبرق خيام ولما رأيت منظرها البديع في زمان الربيع وبين أكنافها المخضرة فوارات الماء كأنها النجوم في السماء قلت: [من مجزوء الرجز] لِمصْرَ فَضْلٌ باهِرٌ … لعيشها الرَّغْدِ النَّضر في سفح روض يلتقي … ماء الحياة والخضر

стр. 1122

[كُورُ الديار المصرية وأعمالها] (١) ونحن نقول: إن الديار المصرية وجهان قبلي وبحري، جملتها خمس عشرة ولاية. فالوجه القبلي أكبرهما وهو تسعة أعمال (٢) وهي: عمل «قوص». وقوص شرقي النيل، وهو أجلها. ومنه أسوان وعرب قمولة، وأسوان نهاية حد المملكة من الجنوب. وعمل «أخميم». وهي شرقي النيل أيضًا. وعمل «سيوط». وعمل «منفلوط». وعمل «الأشمونين»، وبها الطحاوية. وعمل «البهنسا ومنه الغرابي، وهو عبارة عن قرى على عرى المنهى (٣) الماد إلى الفيوم. وعمل «الفيوم». وهو منقطع. وعمل أطفيح». وهو شرقي النيل. وعمل «الجيزة».

стр. 1123

والوجه البحري وهو ستة أعمال (١): عمل «البُحَيْرَة». وهو متصل البر بالإسكندرية وبرقة. وعمل «الغربية». جزيرة واحدة تشتمل على ما بين البحرين البحر المار ومسكبه عند دمياط وهو المسمى بالشرقي، والبحر الثاني ومسكبه عند رشيد وهو المسمى بالغربي. و «المنوفية». وكانت منف المنسوب إليها هذا العمل هي مصر قديمًا (٢)، ومنها إبيار المسماة بجزيرة بني نصر (٣)، وهي جزيرة وتأخذ في وسط البحر الغربي. وعمل «قليوب». وقليوب شرقي النيل. وعمل «الشرقية». وهو متصل البر ببر الشام والقلزم والحجاز، وكذلك أشموم ويعرف بأشموم طناح (٤). ومنها «الدقهلية (٥) والمرتاحية (٦)». وهنا موقع ثغر البُرُلُّس وموقع

стр. 1124

ثغر رشيد والمنصورة المبنية زمان حصار دمياط. وفي هذا الوجه الإسكندرية ودمياط، وهما مدينتان تندران على البحر لا عمل لهما. [الواحات] وأما الواحات فمنقطعة وراء الوجه القبلي في مغاربه ولا تعد في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها من قبل السلطان وال، وإنما يحكم عليها من قبل مقطعها. وبلاد الواحات بين مصر والإسكندرية والصعيد والنوبة والحبشة بعضها داخل بعض. قال البكري: وهو بلد قائم بنفسه غير متصل بغيره ولا مفتقر إلى سواه. وفي هذه الأرض شَبيَّة وزاجية (١) وعيون حامضة الطعوم من الحامض والقابض والملح، ولكل نوع منها منفعة وخاصية. ومما يتعلق بذيل هذه المملكة ذكر برقة قال ابن سعيد: هي سلطنة طويلة، وإن لم يكن يمكن لها استقلال؛ لأنه قد استولت عليها العرب. وكان سريرها في القديم مدينة طبرق. قلت: وليس لها سلطان بل ولا سوى أهل العمد سكان. وقربها إلى إفريقية أكثر من قربها إلى مصر، ولكن ما دون العقبة لصاحب مصر وأمرها إليه. أخبرني الأمير الفاضل ناصر الدين محمد بن المحسني: أنها بلاد كثيرة الماء سيئة الهواء، وأرضها معادن وجرون وعرة في الغالب، وبها المروج والأشجار الكثيرة. وبها المدن المبنية الباقية البناء إلى الآن، وهي خالية من السكان، وبها القصور العلية والآثار الدالة على ما كانت عليه من الجلالة. وهي اليوم بيد العرب وهم أصحاب ماشية ودواب سائمة كثيرة من الإبل والغنم، ومنهم من يزرع في بعض أرضها فتخصب زروعها، ولكنهم أهل بادية لا عناية لهم بعمارة ولا زرع. وحدثني غير واحد ممن دخلها من العسكر المصري، ممن كان جُرِّد إليها، أنها شبيهة بأطراف الشام وجبال نابلس في منابت أشجارها وكيفية أرضها وما كانت عليه،

стр. 1125

وأنها لو عمرت بالسكان وتأهلت بالزراع كانت إقليمًا كبيرًا يقارب نصف الشام. وقد كانت برقة مقطعة بمناشير صاحب مصر لابن المحسني وكان يتوجه إليها ويأخذ من العربان بهائم أقطعت لأمراء عربان مصر من سليم، وهم الآن يستأدون من عرب برقة العداد. وحدثني الأمير فائد بن مقدم السلمي المقطعة له الآن، أن برقة من أزكى البلاد أرضًا للدواب وأمرأها مرعى لها. وأما خيل برقة فهي من اقوى الخيل بناء، وإذا قيل الخيل البرقية كفى، وهي مدورات ليست بمفرطات العلو ولكنها عراض مرددات صلبة الحوافر، قد جمعت بين سبق العربيات وقوة صدماتها وكمال تخاطيطها، وصلابة حوافر البراذين وثباتها على الجبال والوعور وإدمان الركوب. وأما صورها فهي بين العراب والبراذين عليها منها سمات الشبه، وهي إلى محاسن العراب أميل. وفحول الخيل البرقية أنجب من إناثها، ولجند مصر بها عناية، وتباع بالأثمان الغالية ولكنها لا تبلغ مبلغ خيل البحرين والحجاز والشام. وطولها بالمسافة مقدار شهرين. وكانت قاعدة برقة مدينة أنطابلس. ومن مدنها طبرق وقد تقدم ذكرها وطلميثة ولبدة وهي ذات رخام كثيرة عمد وألواح، وبها إلى الآن الرخام قائمًا ونائمًا. ومن مدنها المشهورة سرت. وحدثني قاضي الجماعة أبو إسحاق إبراهيم بن أبي سالم عن لبدة أنها مملؤة بالرخام الأبيض الفائق حتى شوارعها وممشى الناس في أسواقها، وأنها لا يعوزها من العمارة إلا السكان. وحدثني الشيخ شرف الدين عيسى الزواوي (١) قال: مررت ببلاد برقة فرأيتها .. كلها خرابًا يبابًا مقفرة ما فيها إلا بادية العرب، وبها القصور المبنية ليس بها إلا غلال مخزونة لهم. وقال لي: إن في جبال برقة أشجارًا مثمرة من الزيتون والفواكه الكثيرة، ولكن ليس بها مدينة معمورة تذكر لها أخبار. وسكان برقة كلهم أهل بادية لا يتبايعون إلا

стр. 1126

بالأمتعة حتى إن منهم من يكون معه دراهم فيعرضها للبيع فيقول: من يشتري مني هذه الدراهم؛ لأنها ليست عندهم نقدًا ولا معاملة. ذكر المملكة الثانية وهي مملكة الشام وقاعدتها مدينة دمشق. وكانت الشام يقال لها «أرض كنعان»، ثم جاء بنو إسرائيل فقتلوهم بها ونفوهم عنها، وبقيت الشام لبني إسرائيل إلى أن غلبت عليهم الروم وانتزعوها منهم. قال التيفاشي في كتاب «سرور النفس»: قال الشريف الإدريسي في حدود الشام: إنها من المشرق الجزيرة بينه وبين العراق، وسميت الجزيرة؛ لأنها بين نهر دجلة والفرات، وهي أدنى الأرض التي ذكرها الله في سورة الروم (١). ومن بلاد الجزيرة نينوى - مدينة يونس ﵇ (٢) - وقاعدتها اليوم الموصل. ومنها الرقة، ونصيبين، وديار ربيعة وبني تغلب. والجزيرة هي التخوم الفاصلة بين الشام والعراق، وحدها النهران دجلة والفرات. وحدود الشام من الجنوب وادي القرى، ومن الغرب عسقلان، والحاجز الذي بين البحرين حيث مدائن لوط ﵇، وطوله أكثر من شهر ونحوه، بعضه في الإقليم الرابع وبعضه في الثالث، والتوجه في قبلته إلى الميزاب إلى الركن الشامي من جهة الشرق، وأكثر أهله يمن وفيهم معدنه. ثم قال: روى الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن عساكر في تاريخ الشام بسنده إلى الشعبي قال (٣): لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوط آدم، وكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحًا فأرخوا بمبعث نوح حتى كان الغرق فهلك من كان على وجه الأرض. فلما هبط نوح وذريته وكل من كان في السفينة إلى الأرض، قسم الأرض بين ولده أثلاثًا. فجعل لسام وسط الأرض، فيها بيت المقدس والنيل والفرات والدجلة وسيحان وجيحان وذلك ما بين قيسيون إلى نهر

стр. 1127

النيل، وما بين منحر الريح الجنوب إلى منحر الشمال. وجعل لحام قسمة غربي النيل مما وراءه إلى منحر ريح الدبور. وجعل قسمة يافث في قيسيون فما وراءه إلى منحر ريح الصبا. ثم تفرق بنو نوح من بابل إلى سائر جهات الأرض، فلحقت كل طائفة منهم بجهة. وفي رواية الحافظ من طريق آخر عن هشام بن محمد عن أبيه قال (١): كان الذين عقد لهم الألوية - يعني ولد نوح ﵇ فنزل بنو سام المجدل سرة الأرض وهو ما بين ساندما إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبوة والكتاب والجمال والأدمة والبياض فيهم. ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور، ويقال لتلك الناحية الداروم، وجعل الله فيهم أدمة وبياضًا قليلًا وأغمر بلادهم ورفع عنهم الطاعون، وجعل في أرضهم الأثل والأراك والعسر والغار والنخل، وجرت الشمس والقمر في سمائهم. ونزل بنو يافث القصور مجرى الشمال والصبا وفيهم الحمرة والسنّى وأحلا الله أرضهم فاستدبروها وأخلا سماءهم فليس يجري فوقهم شيء من النجوم السبعة الجارية؛ لأنهم صدروا تحت بنات نعش والجدى والفرقدين وابتلوا بالطاعون. ثم لحقت عاد بالشحر فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث. ولحقت عتيل بموضع يثرب، ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عتيلًا ونزلوا موضع الجحفة وأقبل سيل فاجتحفهم فذهب بهم فسميت الجحفة. ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا. ثم لحقت طسم وجديس باليمامة. وإنما سميت اليمامة بامرأة منهم فهلكوا. ولحقت أميم بارض أبار فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشحر ولا يصل اليوم إليها أحد غلبت عليها الجن وسميت أبار بأبار بن أميم. ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن فسميت اليمن حين تيامنوا إليها. ولحق قوم من بني كنعان بن حام بالشام فسميت الشام حين تشاءموا إليها. وكانت الشام تسمى أرض كنعان، ثم جاء بنو إسرائيل فقتلوهم بها ونفوهم عنها. وكانت الشام لبني إسرائيل ووثبت الروم على بني إسرائيل فقتلوهم وأجلوهم إلى العراق إلا قليلًا منهم. وجاءت العرب فغلبوا على الشام.

стр. 1128

قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (١): الشام فيه وجهان يجوز أن يكون مأخوذًا من اليد الشؤمي، وهي اليسرى، ويجوز أن يكون فعلى من الشؤم. ويقال: أنجد أتى نجدًا، وأعرق دخل العراق، وأعمن أتى عمان، وأشأم أتى الشام، ومصر وكوف. وفي التنزيل العزيز ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ (٢) ورجل مشأم من أهل الشام. وسميت اليمن؛ لأنها عن يمين الكعبة، وسميت الشام؛ لأنها عن شمال الكعبة. قيل كان اسم الشام أول الأمر سدرية. ذكر دمشق وبنائها (٣) روي عن كعب الأحبار قال (٤): أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل. وفي رواية أخرى (٥): أن نوحًا لما نزل من الجبل أشرف فرأى تل حران ما بين نهري جلاب وديصان، فأتاه فبنى حائط حران، ثم سار فبنى دمشق ثم رجع إلى بابل فبناها. وفي رواية أخرى (٦): أن جيرون بن سعد بن عاد بن عوص نزل دمشق وبنى مدينتها وسماها جيرون، وهي إرم ذات العماد (٧)، وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق. قال الحافظ (٨): وجدت في بعض الكتب أن جيرون وبريدا كانا أخوين وهما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وهما اللذان يعرف باب جيرون وباب البريد بدمشق بهما. وفي رواية عن وهب بن منبه قال (٩): دمشق بناها العاذر غلام إبراهيم الخليل،

стр. 1129

﵇، وكان حبشيا وهبه له نمرود بن كنعان، حين خرج إبراهيم من النار. وكان اسم الغلام دمشق، وكان متصرفا في جميع مال إبراهيم. وروى الحافظ (١): أنه وجد في كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى المسمى «بفضائل الفرس» أن بيوراسب الملك الكيرواني بنى مدينة بابل ومدينة صور ومدينة دمشق. قال الحافظ (٢): وبلغني من وجه آخر أنه لما رجع ذو القرنين من المشرق وعمل السد بين أهل خراسان وبين يأجوج ومأجوج وسار يريد المغرب، فلما بلغ الشام وصعد على عقبة دمر أبصر هذا الموضع الذي فيه اليوم مدينة دمشق، وكان هذا الوادي الذي فيه نهر دمشق غيضة أرز، قيل إن الأرزة التي وجدت في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة من بقايا تلك الغيضة. فلما نظر ذو القرنين إلى تلك الغيضة، وكان هذا الماء الذي هو في هذه الأنهار اليوم مفترق، مجتمعا في واد واحد. فأخذ ذو القرنين يفكر كيف يبني فيه مدينة! وكان أكثر ما فكر فيه وتعجب منه أنه نظر إلى جبل يدور بذلك الموضع وبالغيضة كلها، وكان له غلام يقال له دمشقش على جميع ملكه. ولما نزل ذو القرنين من عقبة دمر سار حتى نزل في موضع القرية المعروفة بيلدا، من دمشق على ثلاثة أميال، فأمر ذو القرنين أن يحفر له في ذلك الموضع حفرة ففعلوا ذلك، ثم مر برد التراب الذي خرج منها. فلما رد التراب لم تمتلئ الحفرة، فقال لغلامه دمشقش: ارحل فإني كنت نويت أن أؤسس في هذا الموضع مدينة، فأما إذ بان لي منه هذا، فما يصلح أن يكون ههنا مدينة. قال: ولم؟ قال ذو القرنين: إن بني ههنا مدينة فإنها لا يكون زرعها يكفي أهلها. قال: ثم رحل ذو القرنين حتى وصل إلى البثنية (٣) وحوران وأشرف على تلك السعة ونظر إلى تلك التربة الحمراء. فأمر أن يناول من ذلك التراب فلما صار في يده أعجبه؛ لأنه نظر إلى تربة كأنها الزعفران، فنزل هناك وأمر أن يحفر حفرة فحفرت وأمر برد التراب إلى المكان الذي أخرج منه فملأه وفضل منه تراب كثير. فقال ذو القرنين الغلامه دمشقش: ارجع إلى ذلك الموضع الذي فيه الأرز فاقطع ذلك الشجر

стр. 1130

وابن علي حافة الوادي مدينة وسمها على اسمك فهناك يصلح أن يكون مدينة. وهذا الموضع منه قوتها وعليه ميرتها. قال الحافظ: وعلامة صحة ذلك أن أهل غوطة دمشق لا تكفيهم غلاتهم حتى يتكفوا من البثنية وحوران. فرجع دمشقش وبنى المدينة وعمل لها حصنًا، وهي المدينة الداخلة وعمل لها أربعة أبواب: جيرون مع باب البريد مع باب الحديد في سوق الأساكفة، مع باب الفراديس الداخلة. هذه كانت المدينة، إذا غلقت هذه الأبواب فقد أغلقت المدينة. وخارج هذه الأبواب كان مرعى، فبناها دمشقش وسكنها ومات فيها. وكان قد بني الموضع الذي هو الآن مسجدها الجامع، كنيسة يعبد الله فيها إلى أن مات. وروي (١) أن باني دمشق بناها على الكواكب السبعة وأن المشتري كان طالع بنائها، وجعل لها سبعة أبواب، وصور على كل باب أحد الكواكب السبعة، وصور على باب كيسان صورة زحل، فخرجت الصور التي على الأبواب كلها إلا باب كيسان فإن صورة زحل باقية عليه إلى الآن. وروى الحافظ عن أبي القاسم تمام بن محمد قال (٢): قرأت في كتاب عتيق: باب كيسان لزحل، باب شرقي للشمس، باب توما للزهرة، باب الصغير للمشتري، باب الجابية للمريخ، باب الفراديس لعطارد، باب الفراديس الآخر المسدود للقمر. وروى الحافظ عن أبي مسهر قال (٣): إن ملك دمشق بنى حصن دمشق الذي حول المسجد داخل المدينة على مساحة مسجد بيت المقدس، وحمل أبواب مسجد بيت المقدس فوضعها على أبوابه. فهذه الأبواب التي على الحصن هي أبواب مسجد بيت المقدس. أسماء بعض جهاتها: خرج الحافظ مرفوعًا: (٤) أن إسماعيل بن إبراهيم ﵉، ولد اثنا عشر ولدًا فسمى منهم دومًا وبه سميت دومة الجندل.

стр. 1131

وفي رواية أخرى أنه كان للوط أربعة بنين وابنتان مآب، وعمّان، وجلان، وملكان، والبنات زعر والرية. فعمان مدينة البلقاء سميت بعمان، ومآب من سائر البلقاء سميت بمآب، وعين زغر سميت بزغر بنت لوط، والرية سميت بالرية. قال الشرقي بن القطامي (١): وسميت صيدا بصيدون بن صدوقا بن كنعان بن حام بن نوح. وسميت أريحا بأريحا بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح. وسميت البلقاء بأبلق بن عمان بن لوط، لأنه ملكها وسكنها. قال: وقيل إن الكسوة سميت بذلك، لأن غسان قتلت بها رسل ملك الروم، قدموا عليهم في طلب الجزية فقتلوهم وأخذوا كسوتهم. هذا آخر ما نقله التيفاشي. قلت: وبدمشق مهبط عيسى ﵇ وهي أن الخوارزمي (٢) قال: طفت جوانب الأرض الأربعة فكان فضل غوطة دمشق عليها كفضلها على غيرها، كأنها الجنة صورة على وجه الأرض. وأما (٣) وصفها فكثير جدًا يعجبني منه قول ابن عنين (٤): [من البسيط] دمشق فبي شوق إليها مبرح … وإن لج واش أو ألح عذول

стр. 1132

بلاد بها الحصباء در، وتربها … عبير، وأنفاس الشمال شَمُول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلَقٌ … وصح نسيم الروض وهو عليل وقول عرقلة (١): [من البسيط] ما بين «سطرا» و «مَقْرى جنة عرضَتْ … أنهارها من خلال الآس والبان يظل منثورها في الأرض منتثرًا … كأنما صيغ من در ومرجان وكذلك قول ابن عنين وقد نفي منها (٢): [من الكامل] فسقى «دمشق» ووادييها والحمى … متواصل الإرعاد منفصم العرى حتى ترى وجة الرياض بعارض … أحوى، ووجه الدوح أزهر نيرا وأعاد أيامًا قَطَعْنَ حميدةً … ما بين حرة عالقين» و «عكبرا» تلك المنازل لا أعقَّةُ «عالج» … ورمال «كاظمة» ولا «وادي القرى» أرض إذا مرَّت بها ريحُ الصَّبا … حملت على الأغصان مسكًا أذفرا فارقتها لا عن رضًا وهجرتها … لا عن قلى ورحلت لا متخيرا وقول البحتري (٣): [من البسيط] العيش في ظلّ «داريا» إذا بردا … والراح نمزجها بالراح من «بردي» إذا أردت ملأت العين من بلدٍ … مُسْتَحْسَن وزمان يشبه البلدا أما «دمشق» فقد أبدت محاسنَها … وقد وفى لك مطريها بما وعدا يمشي السحاب على أجبالها فِرَقًا … ويصبحُ النبت في صحرائها بددا فلست تبصر إلا واديًا خَضِرًا … أو يانِعًا خَضلًا أو طائرًا غردا كأنما القيظ ولى بعد جيئته … أو الربيع أتى من بعد ما بَعُدا ومدامتها هي الموصوفة في الآفاق المعروفة في مغارسها بكرم الأعراق، تنشر كاساتها ألوية حمرا، تتوقد في صفحات الخدود جمرا، فمن حمراء كنار تتلهب،

стр. 1133

ومن صفراء كالزجاج المذهب، ومن بيضاء كأنها نقطة غدير، أو فضة طافت بها قوارير، أو وردية تتضاحك في الشفاة اللعس ثغورها المفترة، ويخالطها الصفار كخد أبيض تشرب بحمرة، تضيء في دجى الليل مصباحًا، وتهدي إلى الجلساء بريحها تفاحًا، وببلاد «الشوف» (١) منها ما يرق عن الزجاج، ويخف عن مخالطة الامتزاج، فيعلق فوق الماء على الأقداح، وتتعلى حمرته عليه كالشفق على المصباح، يطير عليها الشعاع، ويطيب إلى قهقهة قيانها السماع و «صيدنايا» معدن ذهبها، وأفق كوكبها، وإليها أشار ابن عنين بقوله (٢): [من الكامل] ومدامةٍ من «صيدنايا» نَشْرُها … من عنبر وقميصها من صَنْدَل مسكية النفحات يشرف أصلها … عن «بابل» ويجلُّ عن «قُطربل» وقد خالف القاضي الفاضل الناس حيث قال يذم دمشق: «ودخلت دمشق وأنا ملتاث لتغير مائها وهوائها وأبنيتها وأوديتها، ومن لي بمصر فإني أبيع بردى بشربة من مائها، فالطلل هايل ولا طائل، وما سمعناه من تلك الفضائل متضائل». وقال وقد وقع عليها الثلج: وأما دمشق فآدرها اليوم للثلج قوالب، وقد أخذ في أن يذوب، فالشوارع تحتاج إلى مراكب. وبدمشق من كل ما في مصر من الوظائف. وليس هذا في بقية بلاد الشام. مثل قضاء القضاة الأربعة من المذاهب الأربعة، وقاضي العسكر، وخزانة تخرج منها الإنفاقات والخلع، وخزائن سلاح وزرد خانات، وبيوت تشتمل على حاشية سلطانية مختصرة، حتى لو حضر السلطان إليها جريدة وجد بها من كل الوظائف القائمة بدولته. وكل أمير أمر فيها أو في غيرها من الشام أو رب وظيفة ولي وظيفة من عادة متوليها أن يخلع عليه، أو خدم في مهم من المهمات أو أمر من الأمور يستوجب عليه خلعة أو إنعامًا ولم يخلع عليه من مصر أو لم ينعم عليه من مصر، كان من دمشق خلعته وإنعامه. ومنها تخرج أعلام الأمراء وطلائعهم وشعار الطبلخانات. وفي خزائن السلاح بها يعمل المجانيق والسلاح والزردخانات، ويحمل إلى جميع الشام وتعمر به البلاد

стр. 1134

والقلاع، ومن قلعتها يجرد الرجال وأرباب الصنايع إلى جميع قلاع الشام، ويندب في التجاريد والمهمات. وهي مدينة جليلة. وقلعتها مرجلة على الأرض، يحيط بها وبالمدينة أسوار علية، يحيط بها خندق يطوف الماء منه بالقلعة، وإذا دعت الحاجة أطلق على جميع الخندق المحيط بالمدينة فيعمها. وهي في وطاءة مستوية من الأرض، بارزة عن الوادي المنحط عن منتهى ذيل الجبل، مكشوفة الجوانب لممر الهواء، إلا من الشمال فإنه محجوب بجبل قاسيون، وبهذا تعاب وتنسب إلى الوخامة، ولولا جبلها الغربي الملبس بالثلوج صيفًا وشتاء لكان أمرها في هذا أشد وحال سكانها أشق، ولكنه درياق ذلك السم، ودواء ذلك الداء. وهي مدينة حسنة الترتيب، جليلة الأبنية بالحجر والخشب. والآجر مضبب بين مداميك البناء بالخشب الملبن وأخشابه من خير أخشاب الأرض يسمى الحور، ينصب في بساتينها ويربي ويقطع في انتهائه يعطي الليان، فإذا انكسر عود منها يبقى في مكانه متماسكًا عدة سنين وأكثر، ولو أنه متعلق بقدر شعرة واحدة. ولهذه المدينة حواضر فسيحة من جهاتها الأربع، والماء حاكم عليها من جميع نواحيها بإتقان محكم على ما نذكره في صفة نهرها. وهذه المدينة مقسمة على جوانب الجامع بها، لا على أنه واسطتها من كل الجهات. فإن ما بينه وبين نهاية المدينة من القبلة وما بينه وبين نهاية المدينة من الشرق أوسع مدى مما بينه إلى نهاية المدينة من الجانبين الآخرين الشمالي والغربي. وأشرف هذه المدينة ما قرب إلى جامعها. وبها الديار الجليلة، المذهبة السقوف المفروشة بالرخام، ومنها ما هو مؤزر الحيطان بالرخام المنوع المفصل بالصدف والذهب، والبرك الجارية. وقد يجرى الماء في الدار في أماكن. وبها الطباق الرفيعة، والأفنية الوسيعة، والأسواق المليحة الترتيب، والقياسر الحصينة. وبها الصناع المهرة في كل فن من البنائين وصناع السلاح، والمصوغ، والزركش، وغير ذلك. وتعمل بها لطائف الأعمال من كل نوع، وصناعها تفخر على

стр. 1135

بقية صناع هذه المملكة إلا فيما قل مما بمصر والشام والعراق والروم، فتستمد من لطائفها خصوصًا في القسي والنحاس المطعم، والزجاج المذهب، وجلود الخراف المدبوغة بالقرظ المضروب بها المثل. هي إحدى جنات الدنيا الأربع. قال الخوارزمي: رأيت جنان الدنيا الأربع، وكان فضل غوطة دمشق عليها كفضلها على سواها، كأنها الجنة على وجه الأرض حسبما ذكرناه. وبها البساتين الأنيقة تتسلسل جداولها، وتفيء دوحاتها، وتتمايل أغصانها، وتغرد أطيارها، وفي بساتين النزهة بها العمائر الضخمة، والجواسق العلية، والبرك العميقة، والبحيرات الممتدة عليها العرش الممددة المظللة، تتقابل بها الأواوين والمجالس، وتحف بها الغراس والنصوب المطرزة بالسرو الملتف البرود، والحور الممشوق القدود والرياحين المتأرجة الطيب، والفواكه الجنية، والثمرات الشهية والبدائع التي تغنيها شهرتها عن الوصف. وبها في سفح قاسيون الصالحية، (١) وهي مدينة ممتدة في سفح الجبل بإزاء المدينة في طول مدى ذات بيوت وجنائن، ومدارس، وربط، وترب جليلة، وعمائر ضخمة، ومارستان، وأسواق حافلة بالبز وغيره. وبأعاليها من ذيل الجبل المقابر العامة. وجميع الصالحية مشرف على دمشق وغوطتها وكل بساتينها وشرفها وميادينها ومجرى واديها. وبجانبها الغربي كان دير مران المشهور. ومكانه الآن من المدرسة المعظمية إلى قريب عقبة دمر. ومنه هناك بقايا آثار. وأما حواضر دمشق فهي كما قدمنا القول جليلة من جميع جهاتها، وأجلها ما هو في جانبيها الغربي والشمالي. فأما الغربي فإنها تفضي من تحت القلعة بها في ساحة فسيحة هي سوق الخيل على ضفة الوادي، ويخرج إليها من جوانب المدينة من أمتعة الجند، فتباع في أيام المواكب بها، وتنتهي فيما يليها من الوادي إلى شرفين محيطين به قبلة وشامًا، في ذيل كل منهما ميدان أخضر بالنجيل، والوادي يشق بينهما. وفي الميدان القبلي منهما القصر الأبلق بناه الملك الظاهر بيبرس البندقداري

стр. 1136

الصالحي (١). مبني من وجه الأرض إلى نهاية أعلاه بالحجر الأسود والأصفر مدماكًا من هذا ومدماكًا من هذا، بتأليف غريب وإحكام عجيب. ويدخل من دركاه له على جسر راكبًا بعقد على مجرى الوادي إلى إيوان براني يطل على الميدان القبلي، استجده آقوش الأفرم زمان نيابته بها. ثم يدخل إلى القصر من دهاليز فسيحة تشتمل على قاعات ملوكية تستوقف الأبصار، وتستوهب الشموس من أشعتها الأنوار، بالرخام الملون، قائمًا ونائمًا في مفارشها وصدورها، وأعاليها وأسافلها، مموهة بالذهب واللازورد والفص المذهب، وأزر من الرخام إلى سجف السقوف. وبالدار الكبرى بها إيوانان متقابلان تطل شبابيك شرقيهما على الميدان الأخضر الممتد، وغربيهما على شاطيء الوادي المخضر، والنهر به كأنه ذوائب الفضة. وله الرفارف العالية المناغية للسحب، تشرف من جهاتها الأربع على جميع المدينة والغوطة. والوادي كامل المنافع بالبيوت الملوكية والاصطبلات السلطانية، والحمامات، والمنافع المكملة لسائر الأغراض. وتجاه باب القصر باب يتوصل من رحبته إلى الميدان الشمالي، وعلى الشرفين المقدم ذكرهما أبنية جلية من بيوت ومناظر ومساجد ومدارس وربط وخوانق وزوايا وحمامات، ممتدة على جانبين ممتدين طول الوادي. وقد بنى في هذه السنين نائب السلطان بها على الشرف القبلي منهما جامعًا بديعًا تليه تربة ضخمة - ودارًا ملوكية. ومد قبالة الجامع سوقًا لطيفًا وحمامًا فائقًا زاد المكان حسنًا على حسن، وإبداعًا على إبداع. وأما حاضرها الشمالي ويسمى العقيبة، فهو مدينة مستقلة بذاتها ذات جوامع ومساجد ومدارس وربط وخوانق وأسواق جليلة وحمامات. وبها ديار كثيرة للأمراء والجند. وأما نهر دمشق وهو بردى فمجراه من عينين: البعيدة منهما دون قرية الزبداني، ودونها عين بقرية تسمى الفيجة بذيل عزتا، والماء خارج من صدع في نهاية سفل

стр. 1137

الجبل، وقد عقد على مخرج مائه قبو رومي البناء، ثم ترفده منابع في مجرى النهر، ثم يقسم النهر أربعة: اثنان عن اليمين واثنان عن الشمال، مرفوعان على مجرى النهر في قرارة الوادي، دائمة بمقسم معلوم. وعليه ألفاف البساس ممتدة من الجانبين، إلى أن يمر على المكان المسمى بالربوة. وقد بنى الملك العادل الشهيد نور الدين محمود بن زنكي ﵀ بها المقام المعروف بمهد عيسى. يقال: إن مريم أوت إليه بولدها عيسى ﵇، وإن هذه الربوة هي المعنية بقوله تعالى ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١) ومنظر هذا الواد يمن أعجب المناظر لتراكم الظل والماء، وإظلال الشمس والهواء، وافتراش الجبلين المحدقين به في أرضه بالبنفسج، تحت الأشجار المتمايلة على غصون البان، تتفتح بينهما خدود الورد، وتفتر مباسم الياسمين، وتندلق ألسن السوسن، ويتجاوب فيها هدير الماء والحمام، وتتلاقى خيول النسيمين الطائر من الشمال على منابت الشيح، ومن القبلة على الحدائق الفيح. وإلى جانب هذا الوادي في قبليه بشمال سطح يمتد على ظاهر المزة كأنه قطعة بيداء مقفرة ينبت بها الشيح والقيصوم، وتتلاعب بها الصبا والدبور، عرفت بصحة الهواء وفسحة الفضاء، فطاب به ما جاورها، وصح لأجله ما قاربها. ثم نعود إلى ذكر النهر ونسمي الأنهار السبعة: مجرى الوادي والستة المقسومة. فمجرى الوادي بردى أفاق عليه هذا الاسم لا يعرف بغيره. وعلى سمت بردى في الجانب الغربي الأعلى الآخذ قبلة نهر داريا، ودونه المزة، ودونه نهر القنوات، ودونه نهر باناس. وعلى يسرة بردى في الجانب الشرقي الآخذ شمالًا نهر يزيد، ودونه نهر ثورا. فأما القنوات وباناس فهما نهرا المدينة حاكمان عليها ومسلطان على ديارها. يدخل باناس القلعة بها ثم ينقسم قسمين: قسم للجامع وقسم للقلعة، ثم ينقسم كل قسم منهما على تقاسيم تتفرق في المدينة بأصابع مقسومة وحقوق معلومة. وكذلك تنقسم القنوات في المدينة، ولا مدخل له في القلعة ولا الجامع. ويجري الماء في قنى مدفونة في الأرض إلى أن يصل إلى مستحقاتها وتتسع في منافعها. ثم تنصب فضلات الماء والبرك ومجاري الميضاوات والمرتفقات إلى قنى وسخ معقودة تحت أزجات الماء

стр. 1138

المشروب. ثم تتجمع وتتنهر وتخرج إلى ظاهر المدينة لسقي الغيطان. وأما بقية الأنهر خلا مجرى بردى فإنها تنصرف إلى البساتين والغيطان، وعليها القصور والبنيان، خصوصًا ثورا، فإنه نيل دمشق، عليه أجل مبانيهم، وبه متنزهاتهم، وإليه أكثر تسيارهم وتوجهاتهم، يخاله من يراه زمردة خضراء لتراكم الأفياء عليه، والتفاف الدوح من جانبيه. ويجري يزيد في ذيل الصالحية ليشق خيطًا في عمارتها. وأما مجرى بردى فإنه تتفرق منه فرقة بجانب المدينة تدخل إلى داخل سورها وتدور به أرحاؤها، وينصب بقاياها إلى مجرى الوادي، إلى أن يخرج من حدود العمارة والأرحاء المنصوبة عليه إلى تتمة الوادي، تحف به الغياض المتكاثفة من السفرجل والحور، والبساتين. ثم يرمى إلى ظاهر قرى دمشق يسقى ما يحكم عليه، ثم ينصب في بحيرة هناك متصلة بالبرية. هذه أمهات الأنهار من بردى وما ينقسم منه. على أن كل نهر من هذه الأنهار ينقسم منه أنهار كبار وصغار. ويتشعب من تلك الأنهار جداول، ثم تتفرق في البساتين والغيطان لسقي أراضيها وإدارة أرحائها مما لا يكاد يعد كثرة. فأما مسجدها الجامع (١) فصيته طائر في الدنيا. كان هيكلًا لعباد الكواكب، ثم كنيسة للنصارى إلى أن فتحت دمشق على أيدي أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ﵄. فجرى عليه حكم المناصفة فوقع نصفه الشرقي للمسلمين وبقي نصفه الغربي بأيدي الروم إلى خلافة الوليد بن عبد الملك فاستخلصه وأتمه جامعًا للمسلمين. فهو بيت عبادة من قديم. وقد ذكرناه فيما تقدم (٢). أما جملة أعمال دمشق فهي ثمانية وعشرون عملًا وهي ما يذكر: عمل ضواحيها وتسمى «بولاية البر» وهو الغوطة والمرج وجبة عسان والإقليم. كل هذا عمل واحد.

стр. 1139

والبلاد الساحلية القبلية وما يتبعها وهي عبارة عن بلاد غزة وما جاورها سهلًا ووعرًا وهي تسعة أعمال: فخاصة غزة ثلاثة أعمال وهي: عمل غزة، وعمل فرنيا، وعمل بيت جبريل. والساحل ثلاثة أعمال وهي: عمل الرملة، وعمل لد، وعمل فاقون. والجبل وهو ثلاثة أعمال: عمل نابلس، وعمل القدس الشريف، وعمل بلد الخليل ﵇. فهذه جملة هذه الأعمال والمشاهير منها مذكورة في عمله من موضعه إلا نابلس فإننا نذكرها هنا فنقول: إنها مدينة متمدنة يحتاج إليها ولا تحتاج إلى سواها. والصفقة القبلية وهي بلاد حوران والغور وما مع ذلك وهي عشرة أعمال، وهي: عمل «بيسان». وبيسان لها قليعة من بناء الفرنج وهي مدينة الغور. وعمل «بانياس» وهي مدينة الجولان وبها قلعة الصبيبة. وعمل «الشعراء». وعمل «نَوَى» وهي مدينة قديمة وبها قبر أيوب ﵇. وعمل «أذرعات» وهي مدينة البثنية. قال البلاذري: ولما فتح المسلمون بصرى أتاهم صاحب أذرعات فصولح على مثل ما صولح عليه أهل بصرى على أن تكون البثنية خراجًا، ومضى يزيد بن أبي سفيان حتى دخلها. وعمل (عجلون) ومنه الصويت وقلعة عجلون بين الأردن وبلاد السراة، وهي محدثة صغيرة المقدار مبنية على جبل مطل على الغور يعرف بجبل عوف؛ لأنه كان به قوم من بني عوف أهل عتو، فلما أقطع الملك العادل أبو بكر بن أيوب هذا الجبل عز الدين أسامة [بن منقذ] (١) بنى هذه القلعة لتحصين نوابه منهم بعد ممانعة منهم وإباء، فلما تكاملت مد سماطًا وحضره مشائخ بني عوف فقبض عليهم وحبسهم. وكان مكانها دير يسكنها راهب اسمه عجلون فسميت به.

стр. 1140

وأما الباعونة فكان مكانها أيضًا دير به راهب اسمه باعونة، فلما بنيت سميت باسمه. وعمل «البلقاء» ومنه الصلت. قال البلاذري: ومن البلقاء كورة السراة، وفيها الحميمة وفيها كان منزل علي بن عبد الله بن العباس. ومن البلقاء مآب وعمان، فأما عمان فإن يزيد بن أبي سفيان فتحها، وأما مآب فإن أبا عبيدة ﵁ فتحها. وأما الصلت فإن قلعتها من بناء الملك المعظم عيسى بن العادل، وكان السبب في بنائها أنه عبرت له جوار هناك فخرج عليهن طائفة تعرف ببني دحمان من أهل قرية كفر يهودا فسبوهن وأخذوا جماعة منهن، فبناها على قنة جبل يعرف برأس الأمير وكان مكانها شعراء ملتفة. وعمل «صرخد» وهي مدينة قديمة وقلعتها محدثة بنيت قبل الشهيد نور الدين محمود بن زنكي ﵀ وآخر ما انتهت إليه في الدولة الأيوبية إلى يد نواب الظاهر علي بن العزيز، كان بها من قبله مسعود بن فليح النقيب، فلما جاءها عسكر هولاكو، بعد أخذ دمشق هدموا شرفاتها وأبقوها بيده فجدد الملك الظاهر بيبرس تحصينها وتحسينها. وصرخد مدينة حوران العليا. وعمل «بصرى» وهي مدينة حوران السفلى، بل حوران كلها، بل الصفقة جميعها، قال البلاذري: وبصرى قصبة حوران وهي مدينة على سيف البرية ولها ذكر في حديث النبي (١)، ودخل إليها قبل بعثته وهو تاجر لخديجة بنت خويلد الأسدية، ﵂، وفيها لقي بحيرا الراهب (٢)، وبها قبره إلى عصرنا هذا. وقال البلاذري: اجتمع المسلمون عند قدوم خالد بن الوليد على بصرى ففتوحها صلحًا، ولبثوا على حوران فغلبوا عليها. وقال ابن جرير، وقد ذكرها في هذه الكورة: قلعة صرخد وهي محدثة ثم كان

стр. 1141

بها مملك بعد مملك. قلت: وهكذا جرت العادة في عصرنا وما تقدمه مما قاربه أن تكون لمن أنزل عن رتبة سلطنة أو ما قاربها. وعمل «زرع». فهذه جملة الأعمال [القبلية] والصفقة الساحلية والجبلية الشمالية وهي أربعة أعمال وهي: عمل «البقاع العزيزي». وعمل «البقاع البعلبكية». وعمل (بيروت) وهي ثغر على ضفة البحر وعليها سور من حجارة، وبها جبل فيه معدن حديد، ولها غيضة من أشجار الصنوبر تكسيرها اثنا عشر ميلًا يتصل بلبنان. وشرب أهلها من الآبار وهي بندر فرضة دمشق. وعمل «صيدا» وعليها سور حجر، وهي تنسب لرجل من ولد كنعان بن حام، وكورتها كثيرة الأشجار، غزيرة الأنهار، وهي ولاية جليلة واسعة العمل ممتدة القرى تشتمل على نيف وستمائة ضيعة، وشرب أهلها من ماء يجري إليهم من قناة. فهذه جملة هذه الأعمال. والصفقة الشرقية الشمالية وهي البلاد الحمصية وهي أربعة أعمال وهي: عمل «حمص». وعمل «قارا». وعمل «سلمية». وعمل «تدمر». وتدمر مدينة شامية عراقية لاتصالها ببر العراق وبر الشام. وهي مدينة جليلة سليمانية البناء، وبها بساتين جليلة ومتاجر مفيدة ولأهلها يسار ومنها تجار تضرب في الأرض. فهذه جملة المملكة الدمشقية

стр. 1142

وبعلبك مدينة قديمة البناء شمالي دمشق، يقال: إنها من بناء سليمان بن داود ﵉، لها قلعة عظيمة مرجلة على وجه الأرض مثل قلعة دمشق، يستدير بها وبالمدينة سور منيع محصن، عظيم البناء بالحجارة الثقل الكبار من الصخر الشديد المانع، وبه ثلاثة أحجار عظيمة ممتدة تحت برج وبدنتين كوامل ذوات أطوال وعروض وسمك مرتفع كأفلاق الجبال. وفي القلعة عمد عظيمة شواهق وسيعة الدور منيفة العلو وفي هذه القلعة من عمائر من تفرد بها من الملوك الأيوبية آثار ملوكية جليلة القدر جلية الحسن كالدار الأمجدية والبحيرة. وأما المدينة فمختصرة من دمشق في كمال محاسنها في حسن الترتيب والبناء، وجهات الوقف العامرة من الجامع والمساجد والمارستان ودار الحديث والمدارس والربط والخوانق والزوايا والأسواق النظيفة المشتملة على أنواع المبيعات، ويجري الماء في ديار هذه المدينة ومشارعها وأسواقها. ويعمل بها الدهان الفائق في الماعون مما يستحسن ويحمل منه إلى كثير من البلاد. ويحف بالمدينة غوطة عظيمة أنيقة ذات بساتين مشتبكة الأشجار بأنواع الثمرات الحسان والفواكه المختلفة الألوان. وبعلبك في ظاهرها عين ماء سارحة، متسعة الدائرة مشهورة بالزينة، ماؤها في غاية الصفاء، عليها بهجة الحسن بين ممرج أخضر وبستان مونق. وعليها مسجد واستجد إلى جانبها مسجد جامع كمل به طرازها المذهب وجمالها المبدع. يمد منها نهر يتكسر الحصباء في خلال تلك المروج كنصل سيف يسن فوق مسن إلى أن يدخل للمدينة وينقسم منه في بيوتها وجهاتها، ويسمى «ماء رأس العين». ولبعلبك عين أخرى أبعد من هذه الأولى مدى يقال لها «عين اللوجوج» في طرف بساتينها البعيدة، خفيفة الماء هاضمة، لا يشرب أكابر بعلبك وأهل النعمة بها إلا من مائها، ويتصل منها فرع إلى الجانب الشمالي من بعلبك ويصب منه في قناة هناك ويدخل إلى القلعة منه، وهو من الماء المستطاب الموصوف في البلاد. وبعلبك بلد لطيف ظريف كثير الخير والأرزاق أرخى أسعارًا من دمشق، كثيرة الأطايب وبها الملبن المعمول على أنواع يقل وجود مثلها في الأرض، لا يكاد يفوتها من دمشق فائت.

стр. 1143

وبها جبل لبنان المشهور المبارك البقعة موطن الأولياء والصلحاء والسواح، يأوي إليه كثير ممن انقطع إلى عبادة الله ، وهو مدرج طريق الفقراء وقطب مدار الأولياء يقر بهذا من عرفه، ولا يستطيع الكاره من جهله. ومع ما ذكرنا من حسنها قد ذمها القاضي الفاضل فقال: «وكتابي إليها من إحدى المضايق بل المطابق المسماة بعلبك، وأنا نازل على عين يصم السمع هديرها، فوق جبال يقمر العين صديرها، تحت سماء قد رابني منها الغداة سفورها، أمامي قتال يدير كأس المنون فيه مديرها، ورأى أحجار المنجنيقات التي إذا رأت نفطها حروف البروج محيت سطورها. والله المستعان على ما يصفون». حمص مدينة قديمة اسمها القديم سوريا كانت معظمة عند ملوك الروم، كرسي ملك لهم، ولم تزل يشار إليها بينهم بالتعظيم. وهي في وطاءة ممتدة على جانب نهر العاصي في شماليه مبنية بالحجر الأسود الصغير، وبها قلعة لا تمنع، ويستدير بها سور هو أمنع من القلعة، وأسمح من أبراجها في الرفعة، ولها من العاصي ماء مرفوع يجري إلى دار نائب السلطنة (١) بها وبعض مواضع بها. ولها من بر بعلبك أنواع البر، وظاهرها أحسن من باطنها، لاسيما في زمان الربيع، وما تلبس به ظواهرها من حلل الربيع الموشعة بالأزهار ما مد النظر، ترنو بأحداق النرجس وثغور الأقاح، وتتوسط بها البحيرة الصافية الماء الضافية النماء ذات السمك المنقول من الفرات إليها حتى تولد فيها، والطير مبثوث في نواحيها. وبها إلى جانب مسجدها الجامع قبة العقارب لا يوجد لها نظير يقال: إنها طلسم قديم موضوع لدفع العقارب عنها، ولأجل هذا لا يوجد بها شخص عقرب، ولا يحمل عقرب إليها إلا ويموت بها. ومن أخذ ترابًا من أرض حمص وخلطه بماء حتى يصير طينًا ثم ألصق تلك الطينة ببعض جدران تلك القبة من داخلها وتركها حتى تسقط بذاتها من غير أن يلقيها أحد، ثم أخذها ووضع شيئًا منها في بيته لا تدخله عقرب، فإن ذر على عقرب منه أحدث بها مثل السكر وربما زاد عليها فقتلها. هذا لا يحتاج يسأل عن تحقيقه، ولا يأبى من هو في غاية المشرق أو المغرب من تصديقه، بل والذي يقال: إن هذا الأمر لا يختص بهذه القبة وإنما هو خاصة في

стр. 1144

عامة أرض حمص لا تقرب عقرب ثيابه وأمتعته ما دام عليه من غبار ترابها. حدثني خلق بهذا، ورأيت بعيني وجربت ما يتعلق بالطين الملصق بالقبة، وإلى هذا أشار الفاضل في البشرى بفتوحها: «دب إليها من عقارب المجانيق ما خالف عادة حمص في العقارب، ورميت بها الحجارة على الحجارة فظهرت العداوة المعروفة بين الأقارب». وحمص تتلو الإسكندرية فيما يعمل فيها من القماش الفائق على اختلاف الأنواع وحسن الأوضاع لولا قلة مائه وفحولة جسمه، مع أنه يبلغ الغاية في الثمن، وإن لم تلحق إسكندرية مصر فإنها تفوق صنعاء اليمن. حماة مدينة قديمة وهي في وهدة حمراء ممتدة عليها نشزان عاليان مطلان عليها يسميان قرون حماة. ذكرها امرؤ القيس هي وشيزر في شعره لما مر بهما في طريقه إلى قيصر (١). وهي مدينة على ضفة العاصي بناء مكينًا بالحجارة، ولها قلعة ملونة الأحجار يستدير بها، سور، وبيوت ملوكها وسرواتها مطلة على النهر بها القصور الملوكية، والدور السرية والمساجد والمدارس والربط والزوايا والأسواق التي لا تعدم نوعًا من الأنواع ولا صنفًا من الصنوف جليلها وحقيرها. وغالب مبانيها العلية، وآثار الخير الباقية فيها من فواضل نعم الدول الأيوبية فيها. ولها النواعير المركبة على العاصي، تدور بذاتها وترفع الماء إلى الدور السلطانية ودور الأمراء والبساتين والغيطان. وفي بساتينها الأشجار والغراس المفنن الأفنان، وبها بقايا الناس وأنموذج الكرام يخدمهم العلماء بتصانيفهم والشعراء بمدائحهم، ويقصدهم الفقراء والسؤال وطوائف بني الآمال، ويتفنن أرباب الصنائع في دقائق الأعمال وتقدم إليهم التحف ويختصهم التجار ببدائع الطرف، وكرمهم يربي على الأمل ويزيد على الرجاء، حتى إن كل أحد ليعلق من ملوكها للطماعية بنصيب ويفردهم بقصد، وهم أجود من الغمام السكوب وأندى من الرياح ندى عند الهبوب.

стр. 1145

ثم نعود إلى ذكر حماة فنقول: إنها لم تكن في القديم نبيهة الذكر، وكان الصيت دونها لحمص، ثم تنبه في الدولة الأتابكية ذكرها. فلما جاءت الدولة الصلاحية الناصرية، وانتقلت حماة إلى ملوك بني أيوب مصروا مدينتها بالأبنية العظيمة والمساكن الفاخرة، وتأمير الأمراء فيها وتجنيد الجند بها، وعظموا أسواقها وزادوا فيها القصور والغراس وجلبوا إليها من أرباب الصنائع كل من فاق في فنه، وبقي كل ما لمحاسنها يكبر ويزداد إلى أن أضحت الآن تامة المحاسن معدودة في أمهات البلاد وأحاسن الممالك. وبها الفواكه الكثيرة والخيرات الغزار. وأسعارها حية وسمتها ملوكية، خلا أنها ذات وغر في الصيف لحجب الهواء عن اختراقها، ويعرض لها في الخريف تغير ينسب إلى الوخم، ولا يبقى بها الثلج كما يبقى في بقية الشام مدخرًا إلى الصيف ولكنه يجلب إليها مما جاورها. وحول حماة مروج ممتدة وبر فسيح يكثر به مصائد الطير والوحش. وليس بعد دمشق في الشام لها شبيه، ولا يدانيها في لطف ذاتها من مجاورتها قريب ولا بعيد. وليس لها سوى عملين: عمل «بارين» وعمل «المعرة». وحلب مدينة عظيمة قديمة، أم أقاليم وبلاد وأغوار وأنجاد، وبها معظم قلاع الشام ومعاقله وحصونه وثغوره وتسمى «حلب الشهباء» وهي ذات القلعة البديعة العلية المنار، وهي - أعني حلب - في وسط وطاءة حمراء ممتدة، والقلعة على تل علي. كانت قد عظمت أيام بني حمدان، وتاهت بهم شرفًا على كيوان، ثم جاءت الدولة الأتابكية فزادت فخارًا واتخذت لها من بروج السماء منطقة وأسوارًا، ولم تزل على هذا يشار إليها بالتعظيم ويأبى أهلها في الفضل عليها لدمشق التسليم، حتى وطئها هولاكو بحوافر خيله، وأقام عليها مفرقًا في أقطار الشام بعوث سراياه وجنده فهدمت أسوارها وخربت حواضرها، فأصبحت يرثى لها الشامت، ويبكي بها اللاهي، وهي على ما توالى عليها من المحن وأطاف بها من نوب الأيام، مصر جامع ومبصر رائع، مبنية بالحجر الأصفر الذي لا يوجد مثله في البلاد، كأنها به رافلة في حلل الديباج ماثلة في ذهبيه الأصيل.

стр. 1146

وبها الديار العظيمة والجامع ذو المأذنة العليا الفائقة، والمارستان والمساجد والمدارس والربط والخوانق، ووجوه البر الدائم والصدقات الجارية. ويجري إلى داخل المدينة فرع ماء يتشعب في دورها ومساكنها وهو قليل نزر لا يبل صداها ولا يكفي نغبتها. ولها الصهاريج المملوءة من ماء الأمطار، صافية النطاف باردة الزلال، منه شرب أهلها ويدخل إليها الثلج من بلادها، وليس لأهلها إليه كثير التفاف لبرد هوائهم ومائهم وقرب اعتدال صيفهم وشتائهم. وبها نهر قويق (١)، وهو نهرها القديم. ونهر الساجور، مستجد فيها ساقه هذا السلطان إليها وحكمه جاريًا عليها. وحلب أوسع الشام بلادًا وأوطأ أكنافها لخيل الأمل مجالًا. ولها المروج الفيح والبر الممتد حاضرة وبادية، ومنازل عرب وأتراك بها جند كثيف وأمم من طوائف العرب والتركمان. وبها البطيخ القليل في الشام، مثله، وأنواع من الفواكه أكثرها مجلوبة من بلادها، متصلة بسيس والروم وبلاد ديار بكر وبرية العراق. وفي أعمالها وادي الباب وبزاعة، الوادي المشهور، نزل به المنازي الشاعر (٢) ووصفه بقوله (٣): [من الوافر] وقانا لفحة الرَّمْضَاء وادٍ … وقَاهُ مضاعَفُ النبت العميم نزلنا دَوْحَهُ فَحَنَا علينا … حُنُوَّ الوالدات على الفطيم وأَرْشَفَنَا على ظمأ زُلالًا … ألذ من المُدامة للنديم تَرُوعُ حَصاهُ حاليةَ العَذارى … فتلْمُسُ جانب العِقْدِ النَّظيمِ تصدُّ الشمسَ أَنَّى واجهتها … فيحجبها ويأذن للنَّسيم وأما عملها فهو كثير منه قلاع وحصون، ومنه ما ليس له قلعة، وعدة الجميع ثلاثة وعشرون عملًا وهي: عمل «شيزر» المدينة المشهورة.

стр. 1147

وعمل «الشغر وبكاس» وهي قلعة. وعمل «القصير» وهي قلعة. وعمل «دبر كوش». وعمل «حارم». وعمل «أنطاكية المدينة العظيمة المشهورة المذكورة. وعمل «بغراس». وهي قلعة حصينة ثغر الأرمن. و «الدربساك» وهي قلعة. وعمل حجر شغلان» وهي قلعة. وعمل «الروندان» وهي قلعة. وعمل «عينتاب» وهي مدينة مليحة جليلة. وعمل مدينة «بهنسى» وهي مدينة جليلة على ما يذكر. وعمل «كركر» وهي قلعة. وعمل «الكختا» وهي قلعة. وعمل «البيرة» وهي القلعة الجليلة المشهورة. وعمل «قلعة المسلمين» وهي قلعة جليلة. وعمل «منبج». وعمل «الحبول». وعمل «تيزين». وعمل «عزاز». وعمل «سرمين» ومعها الفوعة وقنسرين. وعمل «كفرطاب». وعمل «الباب وبزاعة» المقدم الذكر (١).

стр. 1148

أطْرَابُلس قد قدمنا القول على أنها بنيت عند الفتح عوض أطرابلس العتيقة (١)، وكانت تسمى قديمًا بدار العلم وتداولها ملوك بني عمار وكانوا في الأول لهم القضاء بها. ولما بنيت هذه المدينة الجديدة، كانت وخيمة البقعة ذميمة المسكن، فلما طالت مدة سكنها وكثر بها الناس والدواب، وصرفت المياه الأجنة التي كانت حولها نقائع وعملت بساتين، ونصب بها المنصوب والغراس فخف بقلها وقل وخمها. وقد كان بها أسندمر الكرجي (٢) نائبًا، وبقي لا يستقل من لوثة وخم، فشكا إلى الحكيم الفاضل أمين الدين سليمان بن داود (٣) المتطبب وخامتها، وسأله عما يخفف بعض ذلك، فاشار عليه أن يستكثر بها من الجمال وبقية الدواب ففعل ذلك، وأمر به الأمراء والجند فخف ما بها وكان الأمر كما أشار به الحكيم. وسألت عن تعليل هذا كثيرًا من الأطباء فقال: إنه لا يعرفه. وفوق كل ذي علم عليم. وأما ما قاله لي الصدر بهاء الدين أبو بكر بن غانم (٤)،، ﵀، فإنه قال: إن السبب فيما يعرض للأجسام بها أنها لمجاورة البحر وعرة حارة فتكون في أول الليل كذلك فلا يقبل فيها تقبل الغطاء، فإذا نام النائم قليل الدثار يفاجئه البرد الشديد في آخر الليل من قبل الجبال المجاورة لها، فيجيء البرد عقيب الحر والمسام مفتحة والنائم في غفلته فيحدث له ما يحدث.

стр. 1149

ولها نهر يحكم على ديارها وطباقها يتخرق الماء في مواضع من أعالي بيوتها التي لا يرقى إليها إلا بالدرج العلية. وحولها جبال شاهقة صحيحة الهواء خفيفة الماء ذوات أشجار وكروم ومرج وأغنام ومعز. ومجتمع بها الجوز والموز وقصب السكر والثلج، ويعمل بها السكر، ويهوى إليها وفود البحر ترسى بها مراكبهم موضع زرع وضَرع. وهي الآن مدينة ممتدة كثيرة الزحام، ذات مارستانين، ومساجد، ومدارس وزوايا، وأسوار جليلة، وحمامات حسان موصوفة وجميع أبنيتها بالحجر والكلس مبيضًا ظاهرًا وباطنًا، تحيط بها غوطتها ويحيط بغوطتها مواضع مزدرعاتها بديعة المشترف تحسن بعين من يشرف من هضبة عليها. وهي مملكة ذات جيش وتركمان. وخاصة لأهل الجبال بها يد في الرمي على القوس الثقيل بالنشاب الخارق. ولها حصون وقلاع وتجاورها قلاع الدعوة المعروفة، وبقاعدتها مصياف ومن جملتها: «قلعة القدموس». وبها حمام يخرج بها أنواع حيات كثيرة لا تحصى، حتى إن القاعد في داخلها ليغتسل والحيات طافرة من الأنبوب مع الماء، حتى إن الخارج من الحمام ليرفع قماشه من الأرض ليلبسه والحيات تتساقط منه، ولكنها لا تؤذي أحدًا ولا عرف هذا عنها في وقت من الأوقات. وبالقرب من هذه القلعة «قلعة الخوابي». حدثني الأديب بدر الدين حسن الغزي أن في سورها - أعني قلعة الخوابي - مكانًا إذا لدغت أفعى أو حية أحدًا وحمل لكي يشاهد ذلك الموضع من سور الخوابي بعينه، أو كان الملدوغ عاجزًا فأرسل رسولًا له في ذلك الموضع فأتى إليه وشاهده بعينه قبل عطب السليم الملدوغ، نجا السليم وكانت عاقبته إلى سلامة. وهذا من عجائب ما يُحدَّث به في الآفاق، فما أدري أهذا لطلسم هناك أو لخاصية في ذلك الحجر. وعلى كل الحالين هذا السر عجيب غريب وأغرب ما فيه هذا يفيد نفع اللديغ برؤية رسوله له إذا لم يره هو بنفسه. فسبحان من له الحكم وإليه مرجع الأمر كله. و «وادي الفوار» قريب حصن الأكراد (١) غربًا بشمال على الطريق السالكة، صفته

стр. 1150

هناك صفة بئر قائمة في الأرض. وفي سفل البئر سرداب ممتد إلى الشمال يفور في كل أسبوع يومًا واحدًا لاغير، فتسقى به أرض ومزدرعات، وينزل عليه التركمان ويردوه، وبقية الأيام يابس لا ماء فيه، ويسمع له دوي كالرعد قبل فورانه، والسرداب خلفه البناء. وذكر لي من دخل السرداب أن في نهايته نهرًا كبيرًا آخذًا من الغرب إلى الشرق تحت الأرض وله جريان معين وبه موج وريح عاصف ولا يعرف إلى أين يجري ولا من أي جهة يجيء. وداخل البحر الشامي بطرابلس عند برج الخصاص بقدر رمية حجر فوارة ماء حلو عذب يطلع على وجه الماء علو ذراع أو أكثر يبين ذلك عند سكون البحر لكل أحد. وصفد مدينة (١) في سفح جبل، صحيحة الهواء، خفيفة الماء، يحمل إليها الماء على الدواب من واديها، وبها عين ماء لو أنها دمع لما بلت الآماق ولا ملأت بلى البكاء به الأحداق وأكثر ما يدخل أهلها حمامات الوادي بها، ولا ترضى حمامات المدينة لقلة مائها وسوء بنائها. وبها عسكر من الجند والحلقة وهي على مسافة يومين من دمشق، فحكمها حكمها وكل ما يوجد بدمشق فيها مما هو من صفد وبلادها ومما هو مجلوب من دمشق إليها. وهي إلى جانب عكا وقد خربت عكا وبقيت هي مدينة ذلك الساحل وقاعدة ذلك. ولها قلعة قل أن يوجد لها شبيه، كأنما عليها من ذهب الأصيل تمويه، لا تروم السحب إلا من صَبَب، ولا يطوف عليها سوى الشفق لمدام عليه من مواقع النجوم حبب، ولا تجاوز الأرض إلا وهي إذا رامت السماء لا يعوقها سبب … ولما فتحها الملك الظاهر بيبرس عظم أمرها، وهي تستحق التعظيم وتستوجب الرفعة بما رفع الله من بنائها العظيم. ولقد ذكرها ابن الواسطي الكاتب (٢) فقال: وقلعة صفد بنتها الفرنج، وكانت

стр. 1151

أولًا تلًا عليه قرية عامرة تحت برج اليتيم بنتها الداوية في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وقال: وهي قلعة حصينة على جبل تحف به جبال وأودية. ولها أحد عشر عملًا (١) وهي: ولاية «برها». وولاية «الناصرة» (٢) منبع الطائفة النصرانية. وولاية «طبرية» (٣) ذات البحيرة المشهورة (٤) والحمَّة العجيبة (٥). وطبرية في سفح جبل مطل على البحيرة، وطول البحيرة اثنا عشر ميلًا وحمتها يقصدها المبرودون للاستشفاء ويكاد أن يسلق بها البيض والجدا. وماؤها حلو ويخرج منها نهر الأردن. ومن عملها قدس، وكان بها قديمًا السواد وبيسان ثم خرجا عنها. وولاية «تبنين» ومنها هونين وهما حصنان منيعان بناهما الفرنج بعد الخمسمائة، وهما من جبل عاملة بين بانياس وصور. وولاية «عثليث». وولاية «عكا». وولاية «صور». وشهرتهما تغني عن ذكرهما. وولاية «الشاغور». وولاية «الإقليم».

стр. 1152

ولاية «شقيف أرنون». وعلى الشقيف قلعة حصينة يقاربها شقيف نيرون، وهو حصن جلة مغرة منيعة وما هي من صفد وأهل هذا العمل رافضة. وولاية «جينين». فهذه جملة أعمال صفد. ومما يذكر فيها: (حيفا) وهي خراب على الساحل. و «قلعة كوكب» وهي [التي] قال فيها العماد الأصفهاني: راسية راسخة، شماء … شامخة. و «قلعة الطور» وهي مفردة على جبل الطور بناها العادل أبو بكر بن أيوب، ثم غالبه عليها الفرنج فهدمها. والقدس الشريف الأرض المقدسة (١) مشتملة على مدينة القدس وما حوله إلى نهر الأردن المسمى بالشريعة، إلى فلسطين المسماة بالرملة طولًا، ومن البحر الشامي إلى مدائن لوط عرضًا. غالبها جبال وأودية، إلا ما هو في جنباتها. وأما مدينة «القدس الشريف» (٢) فعلى جبل مدينة مستديرة في وسطها السور

стр. 1153

المحيط على الصخرة والمسجد المسمى الآن «المسجد الأقصى»، وإنما حقيقة المسجد الأقصى جميع ما يحيط به السور المذكور وهو المعروف بالسور السليماني. ويشرف عليها من شرقيها جبل أعلى منها يفصل بينهما الوادي المعروف بوادي جهنم ويعرف بالطور، وبه إلى الآن بناء جليل رومي يقال: إن منه كان صعود المسيح، ﵇، إلى السماء. وبهذا الوادي عين سلوان وهي تخرج من مكان في الجبل الذي عليه بناء مدينة القدس، ويجري إلى داخل ذلك الجبل أزيد من غلوة نشاب تقديرًا، ثم يخرج من صدع في الجبل إلى ساحة لطيفة في انفراجه في الجبل لا يرى إلا جدولًا جاريًا، والنبع من داخل الصدع ثم يسرح على وجه الأرض ويرمي إلى الوادي ويسقي المباقل. وماؤها قليل ليس بالكثير. ومدينة القدس مبنية بالحجر والكلس، وغالب حجرها أسود. وهي وعرة المسالك. وكان بها آثاربقلعة قديمة خربة جددت في أيام هذا السلطان سنة عشرة وسبع مائة على يد بكتمر الجوكندار (١)، إذ كان كافل الممالك، ووجودها وعدمها سواء إذ لا نفع بها ولا تحصين لها. وبالقدس مدارس وخانقاه وربط وزوايا وترب. وللمسجد الأقصى بها وقوف كثيرة جارية على مصالحه والمؤذنين به وخدمه وجماعة من العلماء والقراء به. وقد تقدم في أول هذا الكتاب على أن في القدس لكل الملل معتقدًا وإليه توجهها، وأن اليهود تزوره، والنصارى تحج به قمامة وتزور كنيسة بيت لحم مكان مولد عيسى، ﵇. وقد كانت مدينة القدس بعد تولي أيدي الفرنج عنها، يغلب عليها الهدم … والخراب إلى هذه المدة القريبة، انصرفت الهمم إلى عمارة أماكن بها، وتوفرت الدواعي عليها، ووفر نائب السلطان بالشام الآن الاهتمام بذلك، وساق إليها قناة بسطها إلى بركة، هو مجتمع يرفدها بالماء زمان قلة الماء، وتجري إلى مدينة القدس وتدخل إلى سور المسجد الأقصى وتجري به.

стр. 1154

وعمر نائب السلطان إلى ما جاور الرباط المنصوري قلاوون مدرسة جليلة وقفها على مدرس وفقهاء ومتفقهة على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁. وبأعلاها خانقاه مشرفة، وبحضرتها مكتب أيتام حصل له به الأجر التام وللناس الرفق العام وأثابه الله وتقبل منه. وعمر بها حمامين جليلين كانت أحوج شيء إليه؛ لأنه لم يكن بها حمامات مرضية. وأنشأ بها الأسواق والعمائر، وأصبحت مدينة القدس ضاحية المرأى آهلة الرحاب، وعادت إلى ما كانت إليه من التمدن بعد أن كانت لا تعد من القرى ولا يندى في جوانبها الثرى. وأما بلد «الخليل» ﵇ (١)، وهي مزرعة إبراهيم، فإنها بلدة غير مسورة على نحو يوم من القدس بالسير المعتاد وهي منطوية بين جبال، لا هي في صحراء ولا في واد، وهي قرية أم عمل، ولولا مكان الخليل، ﵇، بها لم تذكر فيما يذكر، وأنما عادت عليها بركات ذلك المثوى الكريم، فباهت الأقطار بفضلها، وتأهلت الأمصار بأهلها. وأجرى بكتمر الجوكندار، قبل أن يكون كافل الممالك، إليها عين ماء كانت على بعد منها. ولقد شاهدت بها الماء جاريًا في طبقة علية، يصعد إليها من نحو عشرين درجة في العلو وقبر الخليل، ﵇، بها يحيط به سور هو داخل ذلك المسور، ولا يصح مكان القبر به على التخصيص. وبه سرداب الخليل، المنسوب إليه، داخل ذلك السور يوقد عليه قنديل، ولهذا يقول العامة: صاحب السرداب والقنديل، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم. والكرك مدينة (٢) ذات قلعة تعرف بكرك الشوبك، والشوبك أقدم منها. والكرك مدينة

стр. 1155

محدثة البناء كانت ديرًا يتديره الرهبان، ثم كثروا فكبروا بناءه وكثروا ابناءه، وأوى إليهم أناس من مجاوريهم من النصارى فقامت لهم به أسواق ودارت لهم به معايش، وأوت إليه الفرنج فأدارت أسواره فصار مدينة مشهورة، ثم بنوا حصنه فكانت قلعة مذكورة، فاستولى عليها الفرنج حتى فتح في زمان السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى. وهو في مكان صعب المرتقى لا تلين عقارب صخوره للرقى، قد زاحم الشعرى العبور بمناكبه، وعلا في السماء فالقى الهلال ثقل راكبه، وقعد من البر المقفر على نشز عال لا يبلغه النسر إلا محلقًا، ولا يغدو مصباح الصباح إلا على شرفاتها معلقًا. فلهذا اتخذته الملوك لمالها حرزًا ولمالها كنزًا. ولم يزل لأولاد السلاطين في الأمور ملجا ومن الدهر منجا. وماؤها من مطر السماء، وله واد تتفجر عيونه بالماء، وهو بلد خصب وإقبال، ومنبت زرع ومسرح مال. وفيه يقول القاضي الفاضل: «وكان الكرك شجى في الحناجر وقذى في المحاجر، ورصد الطرقات المسلوكة وصبر في السبل المشكوكة، قد أخذ من الآمال بمخنقها، وقعد بأرصاد العزائم وطرقها، وصار دينًا للدهر في ذلك الفجر، وعذرًا لتارك فريضة الله من الحج، وجلس من هام الإسلام مكان عمامته، وجثم على أنفاس الحجاز فلم يدع نفسًا يصعد من تهامته؛ فواديه من مائل المعاقل بمجمعها، وظله من نجوم الأسنة بمطلعها، وهو والشوبك سر الله الآخر كبيت الواصف للأسدين: [من المنسرح] مَا مَرَّ يَوْمٌ إِلَّا وَعِنْدَهُمَا … لَحْمُ رِجَالٍ أَوْ يولغَانِ دَمَا وكفى إشارة أنه مكان الغزاة ومقرها، ومستودع الفريضة ومستقرها، مجاورته لتبوك وغزاتها آخر الغزوات النبوية، وإلى طريقه انتهت الخطى الحميدة المحمدية، والعمل على آخر الأعمال الشرعية، والوقوف عنده إشارة لا تخفى على الأفهام اللوذعية. وتحف بهذه القلعة مدينة قد عقل الجبل حبوتها، وأزلق الغراب أن يطأ ذروتها، وعصم سوار الوادي الملوك معصمها، وحمت غرة الوادي المطل أدهمها، فمنكبها حاطم والله يحطمه، وفمها من ندى الغمام راضع ومهد المنجنيق يفطمه،

стр. 1156

وهصروه هصرة؛ فإذا البلد قائم على عروشه بل طريح على نعوشه، قد محيت سلة دنانيره من الدور فما يتعامل بالسكن فيه أهل الغرور، وصار كل مذبح في الكنيسة مربطًا، وكل مصعد من قله مهبطًا، وكل مسقط رأس بالحقيقة لرأس مسقطًا». وفيه يقول أيضًا: ومما فتحه الله على سلطاننا بلاد الكرك، وما أدراك ما هو، قلعة كانت على الإسلام أية مضرة، بل كانت لكعبة الإسلام زادها الله شرفًا أية صره. وإن نعم الله لأكثر من أن يقصر لها حديثًا، وأن الله قد أعشى ليل الشرك نهار الإسلام بطلبه حثيثًا (١)، وما أشك في أن أهل الحرم الشريف مع الرماة رماة بسهام الأسحار ومجاهدون، وبالمجاورة ما خرجوا ولا بعدًا عن البيكاد، ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٢). والشَّوْبَكُ المنسوب إليه الكرك مدينة صغيرة (٣) أكثر في البر دخولًا منها وانحرافًا إلى التغريب في القبلة عنها. ذات أكواب من جداول الأنهار موضوعة، وسرر من مقاعد الأبراج مرفوعة وفاكهة، كما قال الله تعالى في الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة (٤). قلت: والشوبك فتح وقت فتوح الكرك بعد أن دام الحصار سنتين على الكرك، وأقطعهما الملك الناصر لأخيه الملك العادل ولم يزالا في يده حتى أعطاهما لولده الملك المعظم عيسى، فصرف إليهما العناية حتى ترك الكرك مدينة تعنى بنفسها وزادها تحصينًا وتحسينًا، وجلب إلى الشوبك غرائب الأشجار حتى تركها تضاهى دمشق في روائها وتدفق مائها، وتزيد بطيب هوائها. قلت: وذكر ابن جرير كورة الجبال فقال: وقد أحدثت بها مدينة تسمى الكرك. وقال البلاذري في كتاب «فتوح البلدان»: مدينة هذه الكورة العرندل (٥).

стр. 1157

وأما أعمال الكرك فهي أربعة: «زغر» وهي مدينة قديمة حارة متصلة بالبادية وبها نبل جيد (١) و «معان» وكانت مدينة قديمة خربت هي وعملها. و «مؤتة» وهي باقية ووقعتها معروفة، وبها قبر جعفر بن أبي طالب، ﵇. و «الشوبك» وهو محدث كما ذكرنا. وغزة وهي مدينة (٢) بين مصر ودمشق بها دفن هاشم بن عبد مناف، وبها ولد الشافعي، ﵀. وهي مبنية بالحجر والكلس، موثقة البناء على نشز عال على نحو ميل عن البحر الشامي. ذات هواء صحيح، وماء مصرف هاضم لا يستلذ، وشرب أهلها من الآبار، ولها مجمع للمطر يدوم به ماء الشتاء لكنه يستقل ولها فواكه كثيرة أجلها العنب والتين. وبها مارستان بناه هذا السلطان أثابه الله، أحوج ما كانت المارة إليه في مكانه. وبها من المدارس والترب ما ازدانت به. وهي نيابة جليلة، وبها طائفة من العسكر والعرب والتركمان، وهي آخذة من البر والبحر بجانبيها متصلة بتيه بني إسرائيل، في قبليها موضع زرع وماشية، وموضع مجمع حاضرة وبادية، وقرارية أهلها عشران بعضهم عدو لبعض، لولا مهابة الدولة لما خمدت فيها نار ولا ألم فيها بالجفون غرار. لا يطمئن فيها ساكن ولا يستقر ظاهر ولا باطن. ومما استجد مضافًا إلى هذه المملكة فهي البلاد الجهانية، ومحل النيابة بها مدينة «إياس» وهي الآن عامرة آهلة وكذلك «كاروه» و «اسفندكار» ونصف «المصيصة» لأن الذي استقر للمسلمين هو كل ما هو إلى هذه الجهة الشامية من جهان ونصف إذنه منه ونصفها الآخر قاطع جهان من جهة الأرمن فهو لهم. وأما ما خربه المسلمون وبقي عمله لهم فهو الهارونية وحميص وتل حمدون والنقير، وكل ذلك من دون جهان إلى الشام. وكذلك مما استجد قلعة جعبر وهي شرقي الفرات. وقلعة درنده وهي قاطع بهنسي إلى الروم. فهذه جملة هذه المملكة.

стр. 1158

فائدة جليلة تتعلق بذكر غزة: قالوا: يجوز أن يكون اسمها مأخوذًا من الغز، والغز الشذق وهما غزان، سميت بذلك لأنها في فم الشام مما يلي شقه البحري. أو يكون مأخوذًا من قول العرب: أغزت البقرة فهي مغز إذا عسر حملها، سميت بذلك لعسر السير إليها على الناس والدواب للرمل المتاخم لها. وتعرف في القديم بغزة هاشم، سميت بهاشم بن عبد مناف (١)، جد رسول الله ﷺ ، وإليها كانت رحلة قريش - وهي إحدى الرحلتين المذكورة في القرآن (٢) رحلة الشتاء والصيف، وهي الصيفية منهما - وكان عليها حصن منيع قد بقيت منه بقية إلى الآن هدمته قيس لما جاء إليها بعض قبائل اليمن. وفيها يقول أبو عامر السلمي في قصيدته المسماة بالذاهية، وهي ثلاث مائة بيت، يهجو بها اليمن ويذكر مثالبهم من القرآن والأخبار ويذكر مناقب قريش: [من الوافر] ونحن الموقدون على حروري … ونحن لحصن غَزَّةَ هادمونا وفي غزة هاشم بن عبد مناف، وكانوا أربعة أخوة: هاشم هذا وقبره بغزة، ثم مات بعد أخوه عبد شمس وقبره بمكة بالحجون، ثم مات بعدهما أخوهما نوفل بطريق العراق بموضع يقال له سلمان: وقبره هناك، ثم مات بعده أخوه المطلب بأرض اليمن في موضع يقال له: ردمان وقبره هناك. فهؤلاء بنو عبد مناف الأربعة. تتمة في ذكر سبب سفرهم الموجب لموت من مات منهم غريبًا. اتفقوا على أنه كان لعبد مناف خمسة بنين وهم سادة قريش كلها: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس وأبو عمرو، وكان يقال لهاشم والمطلب البدران، ولنوفل وعبد شمس الأزهران. وأبو عمرو مات صبيًا فلم يكن له خبر مع إخوته وكانت العرب وقريش كلها تسمى بني عبد مناف هؤلاء الأربعة «قداح النضار» لشرفهم وجمالهم وبهائهم. وكانت قريش كثيرة التجارة، إلا أنهم كانوا لا يخرجون من مكة والحجاز، وكانت الأعاجم تأتيهم بالبضائع فيشترون منهم ويبيعون لهم، فأقاموا على ذلك زمانًا طويلًا حتى ركب هاشم بن عبد مناف فخرج إلى الشام فنزل بقيصر، ملك الروم، واسم هاشم يومئذ عمرو العلا، فكان يذبح كل يوم شاة، ويصنع جفنة ثريد ويجعل اللحم عليها أوصالًا ويدعو من حوله فيأكلون معه. وكان هاشم من أحسن الناس وجهًا وأكرمهم أخلاقًا، فقيل لقيصر: ها هنا رجل من قريش

стр. 1159

يهشم الخبز ويصب عليه المرق ويجعل عليه اللحم، وإنما كانت العجم تجعل المرق في صحاف واللحم في المرق ويأتدمون بذلك، ولم يكونوا رأوا الثريد فسمي هاشم «بهشيم الثريد». وفيه يقول شاعرهم بمكة (١): [من الكامل] عمرو العلا هَشَمَ الثريد لقومه … ورجال مكة مُسْنَّتُونَ عِجاف وهو أول من فعله من العرب والعجم. فدعاه قيصر، فلما رآه وكلمه أعجبه إعجابًا عظيمًا، فقال له هاشم: أيها الملك إن لي قومًا هم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابًا تؤمنهم فيه على أنفسهم وما معهم من المال والبضائع وغير ذلك، فإنهم يقدمون عليك بما تستظرفه من أدم الحجاز وثمره وغير ذلك مما يصير إليهم ولا يبلغك من طرف البلاد. فأمر أن يكتب له كتاب جامع للعرب، وأخذه هاشم وسار فصار كلما جاء حيًا من أحياء العرب على طريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافًا - والإيلاف أن يأمنوا عندهم وفي ارضهم على أنفسهم وأموالهم - وأخذ هاشم الإيلاف من جميع القبائل ممن بينه وبين الشام حتى قدم مكة فأتاهم بشيء لم يأتهم بمثله أحد قط، فسروا بذلك سرورًا عظيمًا، وخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يحوطهم ويؤمنهم ويجمع بينهم وبين رؤساء العرب في جميع طريقهم حتى ورد بهم الشام فأحلهم غزة. ومات هاشم في ذلك السفر فدفن بغزة. ثم خرج أخوه المطلب إلى اليمن ففعل كفعل هاشم بالشام وأخذ من ملوك اليمن عهدًا لمن يجيء ويسافر إليهم من قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن يمر به من العرب حتى أتى مكة، كما فعل هاشم، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف وكان يسمى «الفيض» لكرمه. وهلك المطلب بردمان من أرض اليمن في سفرة سافرها. وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة فأخذ منه كتابًا وعهدًا لمن يجيء من قريش ورجع يأخذ الإيلاف من كل من مر به من العرب من بلاد الحبشة إلى أن أتى مكة - كما فعل هاشم والمطلب - فمات بمكة وقبره بالحجون، وكان أكبر من هاشم. وخرج نوفل بن عبد مناف - وكان أصغر إخوته - إلى العراق فأخذ عهدًا من كسرى، ثم عاد يأخذ الإيلاف إلى أن أتى مكة. ثم رجع تاجرًا إلى العراق، فمات بسلمان في طريق العراق.

стр. 1160

تنبيه: البيت المقدم ذكره اختلف فيه، واصح الروايات أنه لابن الزبعرى (١). والزبعرى في اللغة القصير الأذن الكثير شعر الأذنين والرأس وفيه قصر وغلظ - وهو من قصيدة له في هاشم وإخوته على إقواء في البيت الأخير منها وهي: [من الكامل] يا أيها الرجل المحوّل رحله … هَلًا مَررت بآل عبد مناف هَبلتك أمك لو مررت بدارهم … لحموك من جُوعٍ ومن إقراف المطعمون إذا الرياح تناوحت … والظاعنون لرحلة الإيلاف والآخذون العهد من ألفافها … والناهشون لمقدم الأصناف عمرو العُلا هَشَّم الثريد لقومِهِ … ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عِجاف [الرملة] قلت: وهذه خاتمة في ذكر الرملة (٢)، جر الكلام إليها قربها من غزة. يقال: إن الذي أحدثها سليمان بن عبد الملك بن مروان، وإن مدينة فلسطين كانت قبلها له، وإن سليمان وليها من قبل أبيه وهو صبي، وكان معه من قبل أبيه من يدبره ويشير عليه، والاسم في الإمارة لسليمان. وكان إلى جانب كنيسة لد بستان حسن العمارة مليح الموضع كثير الفواكه، وكان سليمان كثيرًا ما يستحسنه ويجلس فيه ويستطيبه، فقال يومًا للشيخ الذي يرجع إلى رأيه - وكان يسمى رجاء بن حيوه -: أحب أن تشتري لي هذا البستان حتى أبني فيه من الأبنية ما يصلح لمثلنا. وكان البستان للقسيس الذي يتولى أمر الكنيسة، فأحضره رجاء وقال له ذلك، فقال: سمعًا وطاعة أحضرني القاضي والشهود حتى أشهد على نفسي بذل وأفرغ منه الساعة، فأحضرهم وحضر القسيس فقال لهم جميعًا: ألستم تعلمون أن هذا البستان لي وفي ملكي ويدي لا مانع لي ولا معارض لي فيه؟ فقال له القاضي والشهود: نعم، يريدون بذلك تصحيح الملك ليصح البيع. فقال لهم: اشهدوا الآن أني قد حبسته على الكنيسة حبسًا بتًا نعاييلا [كذا] لا رجعة لي فيه ولا مثنوية فيه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فسقط في أيديهم وتم مكره وعظم ذلك على من حضر، وهم سليمان بقتله فمنعه من ذلك رجاء ورفق به وشاغله وقال له: سر بنا
следующие страницы →