الفصل الثاني - في النوبة.
الباب العاشر - في مملكة مالي.
الباب الحادي عشر - في مملكة جبال البربر.
الباب الثاني عشر - في مملكة إفريقية.
الباب الثالث عشر - في مملكة برّ العُدْوَة.
الباب الرابع عشر - في مملكة الأندلس.
الباب الخامس عشر - في ذكر العرب الموجودين في زماننا وأماكنهم، ومضارب أخبيتهم ومساكنهم.
القسم الثاني من الكتاب في سكان الأرض من طوائف الأمم وهو أنواع:
النوع الأول: في الإنصاف بين المشرق والمغرب
وهذا النوع له شَبَهان: شبه بالقسم الأوّل بحسب موضوعه، وما اندرج معه، وتعلق بذيل المفاخرة بين الجانبين من النبات والمعدن؛ وله شَبَةٌ بهذا القسم بحسب ما اندرج فيه من ذكر طوائف العلماء، الذين هم أعيان الناس، وذكر سائر الحيوان.
إلا أن هذا الشَّبَه أقوى؛ لأن المقصود من المكان ساكنه. فألحقناه بهذا القسم.
النوع الثاني - في الكلام على الديانات وهي ست نحل، وأربع ملل.
النوع الثالث - في الكلام على طوائف المتدينين.
النوع الرابع - في ذكر التاريخ.
وفيه بابان:
الباب الأول - في ذكر الدول التي كانت قبل الإسلام.
الباب الثاني - في ذكر الدول الكائنة في الإسلام.
ومن حيثُ عَيَّنا التبويب، وبيَّنا الترتيب، نشرع في ذكرها بابًا بابًا إلى انتهاء الأبواب، ونوعًا نوعًا إلى انقضاء الكتاب.
والله المؤمل في عمرٍ يُوَفِّي بتمامه، ويُوَفِّر المواد على مَدَد أقسامه، مع ما هو أبقى من الابتهال إلى الله فيما هو أهم: من التفويض إليه، والابتهاج بما لديه، مما يُوَقِّي
стр. 107
المُهَجَات، ويُرَقِّي الدرجات، في الدنيا والآخرة. إنه ولي ذلك، والقادر عليه، والمُقَدِّر له والهادي إليه.
والرغبة إلى من وقف على هذا الكتاب ووقع منه نظره على خطأ أو صواب، أن يصفح عما جنح فيه القَلَم إلى الزَّلَل، وتخطّى إليه الفكر من الخَطَل؛ ويَبْسُط العذر لمن لم يجب البلاد، ولم يَجُل في الآفاق، ولم يُتهم في تهامة ولا أعرق في عراق؛ ولا خطب الدماء، ولا خبط الظلماء؛ ولا اقتحم لُجَج البر والبحر، ولا تعدى مصر والشام والحجاز، ولا فارق ممالك كان هو وأسلافه فيها تحت قيد العلق والشواغل، لما كان يتقلده منهم ابن عن أبيه، وأخ عن أخيه، من أعباء الدولة وأمور الممالك، وأثقال الفكر والمهمات، وشغل الأسماع والأبصار، مما يستغرق بعضه الأوقات، ويقطع عن الأسباب، حتى عن لفظة سؤال، ولحظة كتاب، إلى أن وهبني الله فراغا ألفت فيه هذا الكتاب.
وهذا أوان سرد ما اشتمل عليه كل قسم من الأبواب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأستغفر الله إن الله غفور رحيم.
* * *
стр. 108
القسم الأول من الكتاب في ذكر الأرض وما اشتملت عليه برا وبحرًا وهو نوعان:
النوع الأول: في ذكر المسالك
النوع الثاني: في ذكر الممالك جملة
стр. 109
النوع الأول: في ذكر المسالك
وفيه أبواب
الباب الأول: في مقدار الأرض وحالها
وفيه [ستة] فصول:
الفصل الأول: في كيفية الأرض ومقدارها
الذي نبدأ به، بعون الله وقدرته، في القول في هذا الفصل، ما قام عليه البرهان، وهو أن العالَمَ كُرِيٌّ. ويدلّ عليه المشاهدة بالعيان، لمن رعى الشمس من مطلعها إلى مغيبها؛ وكذلك النجوم من مشارقها إلى مغاربها؛ لأنها تطلع حتى تتوسط السماء تقويسًا، ثم تنحط حتى تغيب عن العين كذلك. فتقطع نصف دائرة. فعلم بالضرورة أنها تقطع في الغيبوبة عن العين نصف دائرة، نظير ما قطعت في الظهور، ليكمل تمام الدائرة.
والذي تلخص من أقوال أهل العلم والنظر في الهيأة: أن العالم كُرَةٌ، والأرض مركزها، والماء محيط بها لا يفارقها، إلا ما انكشف.
فالأرض في جوف الماء، والماء في جوف الهواء، والهواء في جوف الفلك. كالمُحة في جوف البيضة في القشر.
ووضعها وضع متوسط. والهواء إما جاذب لها إلى جهة الفلك أو دافع عنه. وذهب بعضهم إلى أنها مستقرّة بالوضع: فالأرض في فلك الماء، وفلك الماء في فلك الهواء، وفلك الهواء في فلك النار (وهو الأثير)، وفلك النار في فلك القمر، وفلك القمر في فلك عُطارد، وفلك عُطارد في فلك الزُّهَرَة، وفلك الزهرة في فلك الشمس، وفلك الشمس في فلك المريخ، وفلك المريخ في فلك المُشتري، وفلك المشتري في فلك زُحل، وفلك زُحَل في فلك البروج (وهو المُكَوْكَب)، وفلك البروج في الفلك الأطلس.
والمكوكب في رأي فلاسفة الإسلام أنه المعبر عنه عند أهل الشريعة الشريفة بالكرسي، وأن الأطلس هو المعبر عنه عندهم بالعرش.
стр. 110
وحركات الأفلاك الثمانية من فلك القمر إلى الفلك المكوكب، من الغرب إلى الشرق، ويُرى هذا بالمشاهدة في طلوع القمر.
ولهذا كان تخريج الأقاليم من الغرب إلى الشرق بالمتابعة.
فأما التاسع الأطلس، فحركته من الشرق إلى الغرب. وبحركته تتحرك. كما يتحرك راكب السفينة بحركة السفينة.
وقد تكلمت الفلاسفة على مقعر الأطلس، ولم يتكلموا على محدبه. وغاية ما قالوا: إن بعد التاسع، لا خلا ولا ملا. وإلى هنا انتهى علمهم وانقطع نظرهم. والله أعلم بغيبه!
قلت: وزعموا أن في الثامن كل الكواكب إلا السبعة.
قالوا: والبرهان على أنها في الثامن، أنّ حركات هذه الكواكب الستة أسرع من حركات سائر الكواكب. والكوكب لا يتحرّك إلا بحركة فلكه. ولا يمكن أن يكون في التاسع؛ لأنه سريع الحركة، يدور في كل يوم وليلة بالتقريب دورة واحدة. فإذا لم يكن في أحد السبعة ولا في التاسع، لم يبق إلا أن يكون في الثامن.
على أن ابن سينا (١) قد قال في الشفاء: لم يَبِنْ لنا بيانًا واضحًا أن الكواكب
стр. 111
الثابتة في كُرَة واحدة أو كُرَات منطو بعضُها على بعض، إلا بإقناعات. وعسى أن يكون ذلك واضحًا لغيري».
وقد شبّه بعضهم العالم، فقال: «بطيخة في بركة ماء. فالبزْرُ المُدُنُ، وبيوت البزر العمران، واللحاء مجموع الأرض، والماء البحر المحيط، ومقعر البركة الهواء، ودائرها الخارج الفلك».
قلت: وهذا التشبيه ليس بشيء.
وقال الشريف الإدريسي (١) في كتاب رُجار (٢) (واسم هذا الكتاب: «نزهة
стр. 112
المشتاق في اختراق الآفاق صنَّفه للملك رُجَّار صاحب صِقَليَّة، وكان فرنجيًا مُحِبًا للعلم وأهله من كل ملة). والذي قاله (١): «الأرض مستقرّةٌ في جوف الفلك، وذلك لسرعة حركة الفلك. و وجميع المخلوقات على ظهرها. والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبةٌ لما في أبدانهم من الثَّقَل، بمنزلة المغنيطس الذي يجذب الحديد إليه. فالأرض مقسومة بقسمين، بينهما خط الاستواء. وهو من المشرق إلى المغرب. وهذا هو طول الأرض. وهو أكبر خط في الأرض، كما أن مِنْطَقَةً فلك البروج أكبر خط في الفلك».
قال (٢): «واستدارة الفلك في موضع خط الاستواء ثلاثمائة وستون درجة. والدرجة خمسة وعشرون فَرْسَخا. والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع. والذراع أربعة وعشرون إصبعًا. والإصبع ستُ حبَّاتِ شعير، مصفوفة، ملصقةٌ بطون بعضها لظهور بعض». تكون بهذه النسبة إحاطة الأرض مائة ألف ألف ذراع واثنين وثلاثين ألف ألف ذراع. وهي من الفراسخ أحد عشر ألف فرسخ قال الشريف: «وهذا بحساب أهل الهند. وأما هرمس فإنه قدر إحاطة الأرض، وجعل لكل جزءٍ مائة ميل. فتكون ستة وثلاثين ألف ميل. وتكون من الفراسخ اثني عشر ألف فرسخ».
قلت: فالتفاوت بين الحسابين ألف فرسخ، زائدة في حساب هرمس على حساب أهل الهند. وذلك نصف السدس.
стр. 113
وقد زعم مرحبان الفيلسوف أن إردشناس (١) الحكيم قال: إنها مائتا ألف وخمسون ألف أشتياديوات. وأشتياديو (٢) هو ثمن ميل، عنه أربعمائة ذراع عندهم. فذلك أحد وثلاثون ألف ميل ومائتا ميل وخمسون (٣) ميلا (٤).
وقد ذكر صاحب المجسطي أنّ دَوْرَ كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل وثلاثون ميلًا، وأن قطرها وعمقها سبعة آلاف ميل وستمائة ميل وثلاثون ميلًا.
قال فريد زمانه علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، عُرف بابن الشاطر (٥): «الأولى أن يُقسم دور كرة الأرض على ثلاثة وسبع وسُبْع؛ لأنه نسبة
стр. 114
قطر كل دائرة إلى محيطها. وهو أصح. وعلى هذا فيكون الدور أربعة وعشرين ألف ميل، ويكون القُطرُ سبعة آلاف وستمائة وستا وثلاثين ميلًا وثلث خمس مجبورًا.
قلت: وذكر صاحب كتاب «الكمائم» أن طول الأرض ظاهرًا وباطنًا، وبرًا وبحرًا، معمورًا وغير معمور، أربعة وعشرون ألف ميل. قال: «وهي التي تقطعها الشمس بين نهارها وليلها».
وذكر أبو عبيد البكري (١) في كتاب «المسالك والممالك» (٢) أن حبيشًا المنجم ذكر عن خالد بن عبد الله أنه أخذ ارتفاع القطب لعبد الله المأمون ببرية ديار ربيعة وهي برية شيحان المقاربة لسنجار. فوجد مقدار درجةٍ من الفلك ستة وخمسين ميلًا من الأرض. فضرب العدد في ثلاثمائة وستين التي هي جملة درج الفلك بمجموعه،
стр. 115
فانتهى ذلك إلى أربعة وعشرين ألف ميل ومائة ميل وستين ميلًا. قال: «فهو دور كرة الأرض المحيطة بالبر والبحر».
فقطرها على هذا ستة آلاف ميل وأربعمائة ميل وأربعة وعشرون ميلًا ونصف ميل ونصف عشر ميل، بالتقريب.
قال: «والمعمور نصفُ هذا المحيط، من خط الاستواء إلى الشمال. ومنها العمران في الشمال يؤول في برطانية (١). فيكون ذلك تقدير الربع».
قال ابن الشاطر: «إِنَّ واجب الحساب، على ما ذكر، عشرون ألف ميل ومائة وستون ميلًا؛ وإنّ القطر يكون ستة آلاف وأربعمائة ميل وأربعة عشر ميلًا ونصف ميل مجبورًا».
قلت: والذي حُرِّر في زمن المأمون، لكل درجة، ستة وخمسون ميلًا وثلثا ميل. وبعض الذين حرروا ذلك رأوا أنه ستَّة وخمسون ميلًا، لا غير.
ولعل الأول أقرب؛ لأنّه قد يكون هذا الكسر أهمل في القياس. وعلى الأوّل الأكثر. وعليه عملنا في هذا الكتاب. وسيأتي في ذكر سواء الطريق إيضاحه، إن شاء الله في مكانه. ولم نعمل على ما حرر للمأمون دون ما حرَّره القدماء، إلا لأنه أقرب إلينا وأشبه بنا.
وكل فرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع مأموني. فالدرجة تسعة عشر فرسخًا إلا تُسع فرسخ. وهو الذي عليه عمل هذا الكتاب.
وأما على رأي القدماء، فتكون كلُّ درجة اثنين وعشرين فرسخًا وتُسْعَى فرسخ. وأما البريد، فكل أربعة فراسخ بريد.
وأما العمران من الأرض، فقال البكري (٢): تقدير الربع. وقد ذكرنا ما قاله آنفا. وقال آخرون: الربع. وقال آخرون: الثلث. وقال بعضهم: إن العمران من الأرض ما بين الثلث إلى الربع، أقل من الثلث وأكثر من الربع.
وقال شيخنا، فريد الدهر، ووارث العلم والحكمة، شمس الدين، أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني (٣)، أطال الله مدته! إنَّ العلامة قطب الدين
стр. 116
الشيرازي (١) قال له: إنه حزر دور المعمورة من الأرض. فكان اثني عشر ألف ميل مجبورة، قطرها أربعة آلاف ميل مجبورة، فتكون ألف فرسخ وثلاثمائة فرسخ مجبورة.
قال ابن الشاطر: «وفي الذي ذكره الشيرازي ما لم يفهم معناه. فإن كان أراد به ما:
стр. 117
بين أوّل المعمور وآخره، فهو غير موافق، ولا يُطلق عليه محيط؛ وإن كان أراد بالقطر ما بين خط الاستواء ونهاية المعمور في جهة الشمال، فهذا لا يقال له قطر ولا يفي المعمور بمقدار ما ذكره. ولا نسبة لما ذكر أنّه ذَرْعُ القُطر إلى ما ذكر أنّه دور المعمورة نسبة قطر الدائرة إلى محيطها». وقال: «وإذا فرضنا مبدأ العمارة خط الاستواء بخمسة عشر جزءًا إلى حدود خمسين جزءًا وثلث في الجهة الشمالية، كان نسبة المعمورة إلى باقي بسيط الأرض تقارب الثمن ونصف السُّدس. وإذا فرضنا إلى حدود ستة وستين جزءا كان نسبة المعمور إلى باقي البسيط يقارب الربع؛ لأن ما وراء السابع من الخراب يقارب ما قبل الأول من المعمور. ولا يكون أكثر من ذلك».
وقال الشريف (١): «إن بين خط الاستواء وبين كل واحد من القطبين، الجنوبي والشمالي، تسعين درجة. واستدارتها عرضا مثل ذلك.
إلا أن العمارة في الأرض بعد خط الاستواء أربع وستون درجة، والباقي من الأرض خلاء، لا عمارة فيه، لشدة البرد والجمود والخَلْق بجملته على الربع الشمالي من الأرض. والربع الجنوبي الذي هو فوق خط الاستواء غير مسكون ولا معمور، لشدّة الحرّ به، وممر الشمس (وهي أسفل فلكها) على سَمْته. فجفت مياهه وعدم حيوانه ونباته، لعدم الرطوبة».
قلت: وفيما ذكره الشريف في الانتهاء إلى أربع وستين درجة فقط، وإن كان الصحيح، نظر. فإنها في صورة لوح الرسم (٢) تتناهى إلى أكثر من ذلك، ويستكمل من خط الاستواء إلى نهاية الشمال سبعين درجة، سوى ما هو خارج عن خط الأقاليم، جنوبًا وشمالًا، على ما نذكره في مكانه. وإنما غالب الجنوب والشمال لا عمارة فيه: إذ لا يمكن سكنه.
ومن تأمل وضع العالم في لوح الرسم، رأى ذلك بالعيان: لخُلُو ما تحت القُطبين، الجنوبي والشمالي والخالي تحت الجنوبي أكثر بما لا يقاس. وهكذا في الجغرافية وضعه.
وقد ذكر أبو عبيد مبلغ طول النهار في الأقاليم السبعة، حتى انتهى إلى الإقليم السابع. ثم قال (٣): «وأما ما وراء هذا إلى آخر المعمور، فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد البرغر وأرض الترك إلى اللان، ثم يمرُّ على البُرْجان والصَّقالبة، وينتهي إلى بحر
стр. 118
المغرب، وهو خارج على الأقاليم السبعة». إنتهى كلام البكري. وسيأتي (إن شاء الله تعالى) مبسوطا في موضعه.
وإنما ذكره هنا للاستدلال على أن الشمال أكثر عمارة من الجنوب؛ لأننا وجدنا وراء الإقليم السابع عمارة ممتدة. وليس كذلك فيما وراء الإقليم الأول. اللهم إلا ما هو في قسم المشرق، وراء خط الاستواء، من الجزائر الممتدة في البحر، آخذةً إلى المحيط، أو ما هو في حكمها بالصين.
فأما قسم المغرب، فإنا لم نجد وراء الأوّل فيما يأخذ إلى جهة الجنوب عرضًا، وإلى البحر المحيط في نهاية المغرب طولًا، عمارة، بل ولا على خطه المستقيم، بل ولا وجدنا العمارة به إلا ما هو داخل خط الإقليم الأول إلى الإقليم الثاني.
وسنذكر ما وجدناه من العمارة في كل منهما على ما نبينه.
فأما ما وقع من العمارة في قسم المشرق، من وراء خط الاستواء الذي هو أوّل الإقليم الأول، فنقول: إنَّ صاحب الجغرافية (١) صوّر، في ما هو خارج عن خط الاستواء من مركز دائرة الأرض المسماة عند أهل هذا الشأن قبّة أرِينَ، جُزُرا عامرة مسكونة في البحر الهندي، من وراء سَرَنْديب في الجنوب، وهي متصلة بها.
وتقدير هذه الجُزر في العرض، عرض إقليم واحد ونصف إقليم تقريبا، خلف الإقليم الأول، زائدا على الأقاليم السبعة في جنوب القسم الشرقي. وعرض هذا المقدر بإقليم واحد ونصف إقليم من حيثُ يأخذ من قبّة أَرِينَ على خط الاستواء العرضي جنوبا محضا، ثلاثة أقسام: كل قسم مقدر بنصف إقليم.
عرض أولها، وهو المار مع خط الاستواء في خارجه ممتدا على جانب الإقليم الأول في غالب النصف الشرقي من قُبّة أرِينَ إلى جزيرة الجوهر في البحر المحيط، خمس درجات. وقد علم عليه في لوح الرسم هـ.
وعرض ثانيها، وهو الذي يليه عشر درجات لارتفاع رأس الحمل والميزان. وقد علَّم في لوح الرسم ى.
وعرض ثالثها، وهو الذي يليه، خمس عشرة درجة. وقد علَّم عليه في لوح الرسم يه.
стр. 119
وذكر بها من الجُزر العامرة: فلاي؛ وجزيرة القَمَر، وذكر أن طولها أربعة أشهر؛ ومنها سَرَنْدِيب، داخل خط الاستواء في الإقليم الأول مماسة له حيث هو من الطول من قبة أرينَ مائة وخمس وستون درجة. وقد علَّم عليه في لوح الرسم فكه (١).
كل ذلك بحاسب الجُمل.
وذكر في هذه الجزيرة، مما هو وراء خط الاستواء، مدنا. منها: حمران؛ ودهمي؛ ودافور؛ وديمي؛ وعما؛ ونخزلاتي؛ وتمكاد؛ ومريانا؛ وتياو؛ وموضع قدم آدم ﵇ (جنوبي سَرَنْدِيب، من وراء خط الاستواء)؛ وفزدرا؛ وسونيه؛ وكيماما وعيمي؛ ومحلاي؛ وملاي؛ وسمردي؛ يليهما جبل الذهب والحديد، قال إنهما به كير وأتونا ومعلا؛ وقنصورا؛ واسفيل. ثم جزيرة تعرف بالموجة، أم جزائر الصين. ثم جزيرة القشمير. ثم جزائر الواق واق؛ وجزيرة الدجال إلى جزيرة الجوهر، في البحر المحيط.
وصور، في البر المتصل من جهة الصين، برزخًا بين البحرين الهندي، حيث انعطف شرقي جزيرة الموجة أم جزائر الصين إلى الشمال، وبين البحر المحيط. وذلك البرزخ من ثلاثة أبحر في الشرق المحيط؛ وفي الجوف البحر الهندي حيث خرج؛ وفي الغرب؛ حيث انعطف. وبقي الشمال مكشوفا، متصل به هذا البرزخ بالصين. وذكر فيه عدة من المدن.
وأول ما نبدأ بما تغلغل إلى الجنوب، بعيدًا عن خط الاستواء، حيث هو من الطول في الجغرافية مائة وخمس وستون درجة، وقد علّم عليه في لوح الرسم قسه. ومائة وسبعون درجة وقد علم عليه في لوح الرسم قع. وأولها مدينة حميسة، ومدينة قيطغون، ومدينة شرما، ومدينة سرسه، ومدينة قلا، ومدينة خانفُو (وهي الخنسا على فرضة من البحر الهندي خرجت هناك في الصين ولم تمتد) مساحته لجزيرة الياقوت في المحيط. وقد سماها الشريف بجزيرة بسياره (٢).
وليست في لوح الرسم بجزيرة، ولكن كالجزيرة.
كل هذا خارج عن خط الاستواء.
وما وراء خط الاستواء (في القسم الغربي من قُبَّة أرين إلى البحر المحيط الغربي، مسامت الجزائر الخالدات، في جميع العرض إلى منتهى الجنوب) لا حظ له في العمارة.
стр. 120
وأما ما وقع من العمارة وراء الإقليم السابع (مما ليس في حساب السبعة الأقاليم، وهو الذي أشار إليه أبو عُبَيد، حين ذكر مبلغ طول النهار في الأقاليم السبعة، وقد نبهنا عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى مبسوطًا في موضعه، وتقديره في العرض نصف إقليم، ممتدا على جانب الإقليم السابع من أوّل المشرق إلى نهاية المغرب، وسكانه على ما نبينه) فأوّله من جهة الشرق قطعة معمورة بيأجوج ومأجوج، فيما هو داخل السدَّ؛ وبلاد سيسبان (وهي آخذة عرضا من هذا الجزء المقدر بنصف إقليم وراء الإقليم السابع حتى تقطعه، ثم تقطع الإقليم السابع جميعه، ثم بعض السادس)؛ وبلاد الروسية الثانية (وكلها خارجة عن الإقليم السابع في الجزء الذي يليه)؛ وبلاد أنكرية في هذا الجزء، داخلة إلى الإقليم السابع.
وعرض هذا الجزء خمس وسبعون درجة. وقد علَّم عليه في لوح الرسم عه. وفي بلوغ العمارة هذا الحدّ وتجاوز أربع وستين درجةً، نظر.
قالوا: فأما الروسية، فعامرة آهلة. وكذلك الأنكرية. وأما بلاد سيسبان، فقد كانت عامرة آهلة مسكونة، ثم خَرِبت من قديم، لإغارات يأجوج ومأجوج عليهم.
ومن تأمل لوح الرسم، رأى ذلك مُمَثَّلا لعينه في الإقليم السابع، ورأى خط الإقليم الأوّل خاليًا في القسم الغربي، والمعمور من داخله على فرقتي النيل: الفرقة الآخذة على بلاد السودان من الشرق إلى الغرب حتى يصب في البحر المحيط، والفرقة الآخذة على غربي الحبشة إلى شرقي النُّوبَة إلى مصر حتى يصب في البحر الشامي.
فعلمنا أن سبب عمارة ما وراء خط الاستواء من الجزر في القسم الشرقي، وما هو في حكمها، لاكتناف البحر الهندي لها، فرطب هواءها، وأنبط ماءها، وأزال جفاف أرضها. فنبت بها النبات وسكن الحيوان. ولم يقع في قسم القسم الغربي، وراء خط الاستواء، بحر يؤثر فيه هذا التأثير. فبقي على كيفية طبعه من اليبس والجفاف، لا يُمكن به نبات نبات ولا حياة حيوان.
ووجدنا ما هو وراء خط الإقليم السابع، قد أمكنت عمارته بالنبات والحيوان بكيفية طبعه، لا بسبب آخر من خارج.
فظهر حينئذ أنَّ الشمال أوفق لمزاج الحيوان. فكان أعمر من الجنوب، لشدة حر الجنوب على ما بيناه. وهو موافق لرأي الشريف.
стр. 121
قال الشريف (١): «لا يكون الحيوان والنبات أبدا، إلا حيث تكون المياه والرطوبات».
وقال البكري (٢): «وركب الله على الأرض جرم الشمس. لعلمه بالحكمة التي ينبغي أن يكون عليها تركيب العالم في فلك أخرج مركزه عن مركز الأرض بدرجتين ونصف من دَرَج فلك البروج. فلذلك اختلفت حركة الشمس. فمحا مِزاج جوهر الهواء المحيط بالناحية الجنوبية، فكان الجزء المعمور في الناحية الشمالية. إذ كان كل حيوان، بطبعه، أحمل للبرد منه للحرّ. ألا ترى أنه يتولّد في الماء من الحيوان ما لا يُحصى كثرة، وكذلك من النبات؛ ولا يكون في النار منه شيء، إلا الشاذ النادر، إن صح ذلك فيه. كما زعموا أنه يتكوّن في أفران الزجاجين ضرب من سام أبرص، وقد سماه أرسطو بالسُّرْفُوت وهي حُمْر الألوان، إذا خرجت عن النار، هلكت.
فوجب لهذه العلة أن يكون اسم الأقاليم السبعة وتحديدها في الجزء الشمالي من الأرض، كما ترى في لوح الدائرة (٣).
وقد ذكر صاحب جغرافية أنّ جملة المعمورة أربعة آلاف ميل وخمسمائة ميل وثلاثون ميلًا. وهذا أزيد مما حرّره الشيرازي بخمسمائة ميل وثلاثين ميلًا. ولعلّ هذه الزيادة هي بمعمور ما هو وراء خط الاستواء في القسم الشرقي؛ وما هو خارج الإقليم السابع مار معه. فإنَّ الشيرازي، والله أعلم، لم يحرّر إلا معمور الأقاليم السبعة خاصةً، وصاحب جغرافية ذكر المعمور كله. فكان هذا التفاوت كله.
قلت: ولا أدعي أن ما هو خارج عن الإقليم السابع متوغل في الشمال، خارج خروجا مباينا كلّيًّا. ولكنه خروج مماس مجاورٌ، حُكمُه حُكم ما هو على الخط. إذ لو كان خروجا مباينا، لكان إقليما ثامنا، وليس كذلك. إذ لا يمكن وجود نبات ولا حيوان لإفراط البرد والجمود، كما لا يمكن لإفراط الحر والينس.
والحكماء تشبه الأرض بجسدِ آدمي: التراب لحمه، والمياه دمه، والحجارة عظمه، والرياح أنفاسه، والبخاراتُ فَضَلاتُه؛ رأسه الصين، ووجهه الهند، وجيده ما وراء النهر، وصدره خراسان وما يليها، وقلبه العراق، ويداه الجنوب والشمال، وبطنه الشام، وسُرَّتُهُ جزيرة العرب، وعجزاه مصر والقسطنطينية، وفخذاه إفريقية ورومية،
стр. 122
ورجلاه بَرُّ العَدْوَة والأَنْدَلُسُ.
وليس هذا التشبيه بشيء.
قال الشريف (١): «ومع كون الأرض كرة، هي غير صادقة الاستدارة. منها منخفض ومرتفع. ولهذا قيل فيما انكشف: إنّه تضاريس. والبحر محيط بنصف الأرض إحاطة متصلة دائر بها كالمنطقة. لا يظهر منها إلا نصفها، وهو ما دارت عليه الشمس في قوس النهار. مثل بيضة مُغَرَّقة في ماء انكشف منها، وانغمر ما انغمر». وقد تقدم هذا التمثيل.
وقال شيخنا فريد الدهر، أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني، أمتع الله به «لا أمنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الأرض من جهتنا، منكشفا من الجهة الأخرى. وإذا لم أمنع أن يكون منكشفا من تلك الجهة، لا أمنع أن يكون به من الحيوان والنبات والمعادن مثل ما عندنا، أو من أنواع وأجناس أخرى» (٢).
والذي ظهر لنا من ذلك عقلًا ونقلًا، ذكرناه. وبالله التوفيق.
* * *
الفصل الثاني: في أسماء الأرض وصفاتها
قال الثعالبي (٣)،
стр. 123
في فقه اللغة (١): «إذا اتسعت الأرض، ولم يتخللها شجر أو خَمَر، فهي الفضاء، والبراز، والبراح؛ ثم الصحراء، والعراء؛ ثم الرهاء والجهراء.
فإذا كانت مستوية مع الاتساع، فهي: الخَبْت، والجدد؛ ثم الصحصح، والصَّرْدَح؛ ثم القاع، والقَرْقَر؛ ثم القرق، والصَّفْصَف.
فإذا كانت مع الاستواء والاتساع، بعيدة الأكتاف والأطراف، فهي، الشهب والخرق؛ ثم السَّبْسَب والسَّمَاق.
فإذا كانت مع الاتساع والاستواء، والبعد لا ماء فيها، فهي: الفَلَاةُ والمَهْمَه، ثم التنوفة والفيفاء؛ ثم النَّفْنَف والصَّرْمَاء.
فإذا كانت مع هذه الصفات، لا يهتدى فيها لطريق، فهي: اليَهمَاء.
فإذا كانت تُضلُّ سالكها، فهي: المُضِلَّة، والمتيهة.
فإذا لم يكن بها أعلام ولا معالِمُ، فهي: المَجْهَل، والهَوْجَل.
فإذا لم يكن بها أثر، فهي: الغُفْل.
فإذا كانت قفراء، فهي: القِيُّ.
فإذا كانت تُبيد سالكها، فهي: البيداء. (والمفازة كناية عنها).
فإذا لم يكن شيء من النبت، فهي: المَرْت والمليع.
فإذا لم يكن فيها شي، فهي: المرات والسُّبْرُوت والبَلْقَع.
فإذا كانت الأرض غليظة صُلْبة؛ فهي: الجَبُوب؛ ثم الجلد، ثم العزاز؛ ثم الصيداء؛ ثم الجُدْجُد.
стр. 124
فإذا كانت صلبة يابسة من غير حصى، فهي: الكلد؛ ثم الجعجاع.
فإذا كانت غليظة ذات حجارة ورمل، فهي: البرقة، والأبرق.
فإذا كانت ذات حصى، فهي: المَحْصَاة والمَحْصِيَّة.
فإذا كانت كثيرة الحصى، فهي: الأمعز والمعزاء.
فإذا اشتملت عليها كلّها حجارة سود، فهي: الحرة واللابة.
فإذا كانت ذات حجارة كأنّها السكاكين، فهي: الجزيز.
فإذا كانت الأرض مطمئِنَّةً، فهي: الجَوْف، والغائط؛ ثم الهجل، والهضم.
فإذا كانت مرتفعة، فهي: النَّجْد، والنَّشْزُ.
فإذا جمعت الأرض والارتفاع والصلابة والغلظ، فهي: المَتْن، والصَّمد؛ ثم القُفُّ، والفَدْفَد، والقَرْقَر.
فإذا كانت ارتفاعها مع اتساع، فهي: التفاع.
فإذا كان طولها في السماء مثل البيت وعرض ظهرها [نحو] عشرة أذرع، فهي:
التل؛ وأطول وأعرض منها: الرَّبْوَة، والرابية، والأكَمَة؛ ثم الزبية وهي التي لا يعلوها الماء. (وبها ضرب المثل، في قولهم: بلغ السيل الزبى)؛ ثم النَّجْوَة (وهي المكان الذي تظن أنه نجا بك)؛ ثم الصَّمَّان، (وهي الأرض الغليظة دون الجبل).
فإذا ارتفعت عن موضع السيل وانحدرت عن غلظ الجبل، فهي: الخَيْف.
فإذا كانت الأرض لينة، سهلة، من غير رمل، فهي: الرقاق (والبَرْث)؛ ثم الميثاء والدمية.
فإذا كانت طيبة التربة، كريمة المنبتِ بعيدة الأحساء والنزور، فهي: العذاة.
فإذا كانت مَخِيلَةَ النبت والخير، فهي: الأريضة.
فإذا كانت ظاهرةً، لا شجر فيها ولا شيء يختلط بها، فهي: القراح، والقرواح.
فإذا كانت مهيأة للزراعة، فهي: الحَقْل، والمَشارَة والدَّبْرَ.
[فإذا لم تُهَيَّأ للزراعة، فهي: بور].
فإذا لم يكن يصيبها المطر فهي: الفِل والجرز.
فإذا كانت غير ممطورة، وهي بين أرضَيْن ممطورتين، فهي: الخطيطة.
فإذا كانت ذات ندى ووَخامة، فهي: الغَمِقَةُ.
стр. 125
فإذا كانت ذات سباخ، فهي: السبخة.
فإذا كانت ذات وباء، فهي: الوبيئة والويثة [على مثال فَعِيلة وفعلة].
فإذا كانت كثيرة الشجر، فهي: الشَّجراء والشجرة.
فإذا كانت ذات حَيَّات، فهي: المُحَوَّاة.
فإذا كانت ذات سباع أو ذئاب، فهي: المُسبعة والمذئبة.
الفصل الثالث (١): في أسماء التراب وصفاته
تراب وجه الأرض يقال له البَوْغَاء.
والدقعاء، التراب الرخو الرقيق الذي كأنه ذريرة.
الثرى، التراب الندي [وهو كل تراب لا يصير طينا لازبا إذا بل].
[المور]، التراب الذي تمور به الرياح.
انهباء، التراب الذي تطيره الريح، فتراه على وجه الناس وجلودهم وثيابهم.
[يلرق لزوقا (عن ابن شميل)].
[الهابي، الذي دق وارتفع (عن الكسائي)].
السافياء، التراب الذي يذهب في الأرض مع الريح.
النبيئة التراب الذي يخرج من البشر عند حفرها.
الراهطاء والدماء، التراب الذي يخرجه اليربوع من جحره ويجمعه.
الجرثومة التراب الذي تجمعه النمل عند قريتها
العفاء، التراب الذي يُعفي الآثار. وكذلك العمر.
الرغام، التراب المختلط بالرمل.
السماد التراب الذي يُسمَّد به النبات. فإذا كان مع السرقين، فهو الدمال.
وإذا كان الطين حرًا يابسًا، فهو: الصلصال.
فإذا كان مطبوخًا، فهو: الفخار
فإذا كان علكا لاصقًا: فهو: اللارب.
فإذا غيره الماء وأفسده، فهو: الحمار
وقد نطق القرآن بهذه الأسماء الأربعة ..
стр. 126
فإذا كان رطبا، فهو: الثَّاطة والمُرْمُطَة [والطَّرَة].
فإذا كان رقيقًا، فهو: الرِّداغ.
فإذا كان تَرْتَطِم فيه الدواب، فهو: الوَحْل. وأشدّ منه، الردغة والرزعة وأشدّ منهما الورطة: تقع فيها الغنم فلا تَقْدِر على التخلّص منها. (ثم صارت مثلًا لكل شدّة يقع فيها الإنسان).
فإذا كان حُرًّا طَيِّبًا عَلِكا، وفيه خضرة، فهو: الغَضْراء.
فإذا كان مخلوطًا بالتبن، فهو: السَّيَاع.
فإذا جعل بين اللبن، فهو: الملاط.
الفصل الرابع (١): في أسماء الغبار وصفاته
النَّقْع والعكوب، الغبار الذي يثور من حوافر الخيل وأخفاف الإبل.
العجاجة، الغبار الذي تثيره الريح.
الرَّهَج والقَسْطَل، غُبار الحرب.
الخَيْضَعَة، غبار المعركة.
العثير، غبار الأقدام.
المنين، ما تقطع منه.
* * *
الفصل الخامس (٢): في أسماء الرمال وصفاتها
(ما استطال) من الرمل، يقال له: العداب.
الحبل، ما استطال منه.
اللبب، ما انحدر منه.
الحِقْف، ما اعْوَجَ منه.
الدعض، ما استدار منه.
стр. 127
العقدة، ما تعقد منه.
العَقَنْقَل، ما تراكم [وتراكب] منه.
السقط، ما جَعَل ينقطع ويتصل منه.
النُّهْبُورَة، ما أشرف منه.
التيهور، ما اطمأن منه.
الشقيقة، ما انقطع وغَلُظَ منه.
الكثيب والنقا، ما احدودَب وانهال منه.
العاقر، ما لا ينبت شيئًا منه.
الهدملة، ما كثر شجره منه.
الأوعس، ما سهل ولآن منه.
الرغام، ما لان منه، وليس بالذي يسيل من اليد.
الهَيام، ما لا يُتمالك أن يُمسك منه باليد، للينه.
الدكادك، ما التبد بالأرض منه.
العانك، ما تعقد منه، حتى لا يقدر البعير على المسير فيه.
والكثير من الرمل، يقال له: العَقَنْقَل.
فإذا نقص، فهو: كثيب.
فإذا نقص منه، فهو: عوكل.
فإذا نقص منه، فهو: سقط.
فإذا نقص منه، فهو: عَدَاب.
فإذا نقص منه، فهو: لبب.
وقال صاحب الغريب (١): «إذا كانت الرملة مجتمعة، فهي: العَوْكَلَة؛ فإذا انبسطت وطالت، فهي: الكثيب، فإذا انتقل الكثيب من موضع إلى آخر بالرياح، وبقي منه شيء رقيق، فهو: اللبب؛ فإن نقص، فهو العداب».
والله أعلم.
* * *
стр. 128
الفصل السادس: في أحوال الأرض
هذا فصل قصدنا إفراده، لنزيده وضوحًا، وسنذكره جملة وتفصيلًا، ونستطرد في ذلك ذكر الجبال، والأنهار والبحيرات والمساجد الثلاثة، ما يندرج معها، وذكر جُمَل من الآثار القديمة.
فنقول، وبالله التوفيق:
إنه لما كانت الأرض وما عليها من المركبات من الطبائع الأربع، وهي: التراب والماء، والنار، والهواء، نظرنا إلى تلك المركبات، فوجدنا ما غلب عليه عنصر الهواء (كالطير) فكان في الهواء مقرّه؛ وما غلب عليه عنصر الماء (كالسمك) فكان في الماء مقره. ووجدنا الطير، وإن طلب مركزه المركب منه أكثر أجزائه وهو الهواء، والسمك وإن طلب مركزه المركب منه أكثر أجزائه وهو الماء، لم نجد واحدًا منهما ولا شيئًا من الحيوان مطلقا يطلب النار ويُمَاسُّها (١)، إلا السَّمَنْدَر (٢) وهو نادر. ووجدناه يطلب الأرض ويُمَاسُّها كالطير إذا حطَّ إلى الأرض، والحوت إذا أوى بيته. فعلمنا حينئذ أنهما من لوازم الأرض.
فبالأولى أن يكون من لوازمها، ما غلب على عنصر التراب، كالإنسان. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] (٣).
فغلب حكمها على بقية العناصر، في خلق الإنسان، فقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ إشارة إلى التراب؛ وجعلها البداية والنهاية، قال: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ». ثُمَّ أَكَّد لها التغليب على بقية العناصر الثلاثة التي لا تقوم المركبات إلا بها، بقوله: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. فجعل منها النشأة الأولى في أوّل الخلق؛ والثانية في المعاد، وما بينهما، وهو: الموت.
فإن اعترض، معترض، بالسمندر وأنه يأوي النار، قلنا: هذا شاذ نادر. والشاد النادر لا حكمه.
وإذ قد تبين أن التراب في تركيب الإنسان أكثر، علمنا أنها مركزه: منها الميلاد، وإليها المعاد.
فعلمنا ضرورةً أن الأرض أم البشر. أخرجهم من بطونها، فكانوا كالولدان لها.
стр. 129
وقوت المولود ثدي الأم، وهو: ما أخرجَتْ لنا من نباتها.
فعلم حينئذ أن نوع الإنسان من لوازمها، بطلب مركزه منها: لما فيه من ثقل التركيب بها. إلا ترى أن النار ولو عُكِست، أبَتْ إلا طلب العُلُوّ: تطلب مركزها؛ والقربة المنفوخة التي قُسِرت بقاسِرٍ يدخلها الماء إذا أُطلقت، طَلَبَ الهواء المملوءة به العلو: يطلب مركزه؛ والماء لا يجري إلا من العالي إلى المنخفض من الأرض يطلب مركزه. وكذلك التراب، حيثُ رميت به الجوّ، ينحط إلى الأرض: يطلب مركزه.
فهكذا الإنسان: لا يطلب إلا مركزه، وهو التراب: إذا كان أكثر أجزائه من التراب وإلى هذا أشار الشريف بقوله (١): «والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل». وقد ذكرناه آنفا.
ولهذا لم يقدروا في المركبات وجود الاعتدال الكامل المتساوي في أجزاء التركيب: إذ لو كانت كذلك، لجذبتها العناصر الأربعة، جذبا متساويًا. فلم يكن له مركز خاص. وذلك محال.
وأقل أجزاء العناصر في الحيوان غالبًا، النار. ثم يتفاوت الحيوان في ذلك.
ولهذا لا تقوى [الحيوانات] على النار قُوَّتها على الماء والتراب والهواء. ثُمَّ بتفاوت الحيوان في ذلك، مَالَ كُلُّ إلى ما غلب على تركيبه. ولا يهاب الحيوان شيئًا يقتحمه، كما يهاب اقتحام النار. ولهذا كانت النار العذاب الموعود به: لمنافرة ما بينها وبين الحيوان، لقلة موجودها به في جزء التركيب - كما أشرنا إليه - والله يفعل ما شاء لاراد الأمره، ولا معقب لحكمه.
فلما كان الإنسان - بما غلب على تركيبه - أرضيًا ترابيًا، من الأرض مبدؤه، وإليها معاده؛ ثُمَّ منها عوده، كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ اضْطُرَّ إلى مركزه، واحتاج إلى الاضطراب في أرجاء الأرض، للكسب: إما للصيد، وهو أوّل رُتب المعاش؛ أو الزراعة، وهي ثاني المعاش؛ أو التجارة، وهي ثالث رتب المعاش، على ما يأتي بيانه. فلم يكن له غنى عن معرفة جهات الأرض، ليمتد فيها لأسباب معاشه، فيما ذكرناه أو غير ذلك، مما يتفرع منه أو يترتب عليه.
زعموا أنه لو وقع إنسان إلى برية يهماء (٢)، لا ساكن بها، لم يكن له دأب إلا
стр. 130
طلب سبب البقاء، بما يصيد منه ليأكل؛ فإذا أكل، طلب ما هو أزيد سببًا، فزرع؛ فإذا زرع، طلب ما هو أزيد سببا فتاجر. ثم تفرع معاشه، وتشعبت أسبابه، فاحتاج حينئذ إلى معرفة أجزاء الأرض وعوالمها، ليعرف أين كسبه، ومن أين معاشه، ولا يمكنه أن يقصد أرضا في بر ولا بحر، إلا بأعلام دالة عليها، كالنجوم اللائحة، والجبال الماثلة، والأنهار الجارية، والأهوية الهابة. وليس هذا موضع ذكرها. لكنا نذكرها، إن شاء الله تعالى، عند ذكر معرفة القبلة في كل أرض.
وإنَّما نذكر ههنا ما هو لائق به. وهو ما هو جُمْلِيٌّ من أحوال في الأرض لازمة لها، من بعضيّاتها المشهورة في جميع الأقطار: كالجبال العظيمة، والأنهار المتبحرة؛ لأن بمواقع تلك الجبال الشهيرة، والأنهار المعروفة، يُعرف موقع كل جهة من الأرض.
فأما البحار، فإننا قد أفردناها بذاتها. وسيأتي ذكرها في موضعه. ولم نذكرها هنا مع الأرض، كما نذكر الجبال والأنهار؛ لأنّ الجبال والأنهار من عالم الأرض. وأما البحار، فإنها عالم آخر، أكبر من عالم الأرض، بما لا نسبة بينهما. فوجب إفرادها بذاتها، إذ كانت كشيء آخر.
ونحن نقدم الجبال على الأنهار؛ لأنها أعلى أعلاما، وأثبت في مواضعها مقاما؛ وأكثرها على حالها، لا تتغير دواما.
[الجبال]
والذي نقول الآن: إن الجبال كلها متشعبة من الجبل المستدير بغالب معمور الأرض. وهو المسمى بجبل قاف، وهو أمّ الجبال، كلُّها تتشعب منه، فتتصل في موضع، وتنقطع في آخر، وهو كالدائرة، لا يعرف له أوّل على التحقيق، إذ كانت الحلقة المستديرة، لا يُعْرَف طَرَفاها، وإن لم تكن استدارته استدارةً كُرِيَّة، ولكنّها استدارة إحاطة، أو كالإحاطة.
فلما لم نقف له على أوّل على التحقيق، قدرنا له أوّلًا، وهو: كتف السد الجنوبي. ونُدِيرُهُ بالمعمور. يتصل في موضع اتصاله، وينقطع في موضع انقطاعه، إلى كتف السدّ الشمالي: حيث الفُرجة التي ساوى الإسكندر ذو القرنين فيها، كما قال تعالى ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ وأقام السدّ وعمل الباب على ما هو مرسوم في لوح الرسم.
ومجموع هذا الجبل - متصلة ومنقطعة في كل مكان، شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا هو جبل قاف. وهذا هو المستفيض على الألسنة، الطائر بين العالم، بما يعبر به عند كل منهم، على ما يقتضيه اختلاف الألسنة واللغات.
стр. 131
وقد زعم بعضهم أن أُمهات الجبال جبلان: خَرَجَ أحدهما من لدن البحر المحيط … في المغرب، وأخذ جنوبا؛ وخرج الآخر من لدن البحر الرومي، وأخذ شمالا؛ حتى تلاقيا عند السد. وسَمَّوا الجنوبي قافًا، وسَمَّوا الشمالي جبل قاقونًا. والأظهر - والله أعلم - أنه جبل واحد محيط بغالب بسيط المعمور، لا كما هو البحر، محيط بجميع كرة الأرض، وأنّه هو الذي تصدق عليه التسمية بجبل قاف في كل قطر ومكان؛ ولا يُعرف في الجنوب إلا بهذه التسمية، ويُعرف في الشمال بجبل قاقونا. وبهذا تزول شبهة من ظن أن كلا منهما غير الآخر. والله أعلم.
والذي نقول - وبالله التوفيق - إنّ هذا الجبل المحيط بغالب المعمور مبدؤه من كتف السد آخذا من وراء صنم الخطا المحجوج إليه، إلى شعبته الخارجة منه المعمول بها باب الصين، آخذًا على غربي صين الصين، ثُمَّ ينعطف على جنوبيه مستقيمًا في نهاية الشرق، على جانب البحر المحيط، مع الفُرجة المنفرجة بينه وبين البحر الهندي الداخلة، ثم ينقطع عند مُخْرَج البحر الهندي المحيط مع خط الاستواء، حيث الطول مائة وسبعون درجة (علم عليها في لوح الرسم قع بحساب الجُمَّل)، ثم يتصل من شُعبة البحر الهندي الملاقي لشعبة المحيط الخارجة على بحر الظلمات من المشرق، بجنوب كثير من وراء مُخْرَج البحر الهندي في الجنوب؛ وتبقى الظلمات بين هاتين الشُّعبتين: شُعبة المحيط الجائية على جنوب الظلمات شرقا بغرب، وشعبة البحر الهندي الجائية على الظلمات شرقا بغرب، حتى تتلاقى الشعبتان عند مُخْرَج هذا الجبل، كتفصيل السراويل. ثم ينفرج رأس البحرين المتلاقيين شُعبتين على مبدأ الجبل، ويبقى الجبل بينهما كأنه خارج من نفس الماء. ومبدأ هذا الجبل هنا وراء قبة أرين، عن شرقها. وبعده منها خمس عشرة درجة. وقد علَّم صاحب جغرافيا قبالة مبدأ هذا الجبل في القسم الشرقي طولًا. وذلك بعد أن انتهت درجات القسم الغربي عند قبة أرين إلى تسعين درجة، علّم عليها في لوح الرسم ص فكان هذا المقدار يه. وهو تفاوت ما بين العددين.
ويقال لهذا الجبل في أوّله: المُجَرَّد. ثُمَّ يمتد حتى ينتهي في القسم الغربي إلى طول خمس وستين درجة من أوّل المغرب. وقد علَّم عليها في لوح الرسم سه.
وهناك يتشعب من الجبل المذكور جبل القمر، وينصب منه النيل. ويقال: إنّ به أحجارا برّاقة كالفضة البيضاء، تتلألأ، تسمّى صَنْجَة الباهت: كلُّ من نظرها، ضحك والتصق بها، حتى يموت. وتسمى مغناطيس الناس. قال صاحب جغرافيا، وقد ذكره أرسطو في كتاب الأحجار.
стр. 132
وتتشعب منه شُعَب تسمّى آسيفي. يقال إنه مسكون، وإن أهله كالوحش. والله أعلم بصحة ذلك.
ثُمَّ ينفرج منه فُرجة، ويمر منه شُعب إلى نهاية المغرب في البحر المحيط، تسمى جبل وحشية: به سباع لها قرون طوال، لا تطاق.
وينعطف دون تلك الفُرجة من جبل قاف شُعَبٌ. منها شعبتان إلى خط الاستواء يكتنفان مجرى النيل من الشرق والغرب.
فالشرقي، يُعرف بجبل قاقولي، وينقطع عند خط الاستواء.
والغربي، يُعرف بأدمدمة. يجري عليه نيل السودان، المسمى في جغرافيا ببحر الدمادم. وينقطع تلقاء مجالات الحبشة ما بين مدينتي سمغرة وجيمي.
وراء هذه الشعبة، تمتد شعبة منه، هي الأم من الموضع المعروف فيه الجبل باسيفي المتقدّم الذكر إلى خط الاستواء، حيثُ هو الطول هناك عشرون درجة. وقد علم عليها لوح الرسم كـ.
ويُعرف هناك بجبل كرسقانة، وبه هناك وحوش ضارية، ثم ينتهي إلى البحر المحيط وينقطع دونه بفرجة مفروجة. وذلك وراء التكرور، عند مدينة قلتبو. ووراء هذا الجبل هناك سودان يقال لهم تمتم يأكلون الناس. وستأتي جملة من أخبارهم في موضعها، إن شاء الله تعالى.
ثُمَّ تتصل الأم من شاطيء البحر الشامي في شماله، شرقي رومة الكبرى، مساستا للشعبة المسماة أدمدمة المنقطعة بين سمغرة وجيمي لا تكاد تخطيها، حيث الطول خمس وثلاثون درجة علامتها في لوح الرسم له. ويقع منشأ اتصال هذه الأم في رسم خط العروض على ن. رسمها في لوح الرسم. وكذلك تقع شُعبتها أخذا في الجنوب إلى الخط المُعَلَّم عليه الأطوال في لوح الرسم،، عند أخذها ما بين سردائية وبلنسية على ب.
وتتناهى وصلة هذه الأم إلى البحر المحيط في نهاية الشمال، قبالة جزيرة برطانية وتبقى سوسية داخل الجبل. ثم تمتد هذه الأم بعد انقطاع الطيب وتنعطف مع انعطاف خرجة البحر المحيط في الغرب بشمال على الصقلب المسماة ببحر الأنقليشين (١) ممتدًا إلى غاية المشرق. ويسمّى هناك بجبل قاقونا، وتبقى وراءه البحرة الجامدة لشدة البرد. ثم ينعطف من الشمال المُشَرِّق جنوبا بتغريب إلى كتف السد
стр. 133
الشمالي. فيتلاقى هناك الطرفان. وبينهما في الفُرجة المنفرجة، ساوى الإسكندر بين الصَّدَفَيْن.
ونحن نذكر هنا ما في لوح الرسم من الجبال، ونقسمه إلى أربعة أقسام، تتجزأ بها المعمورة طولًا وعرضًا.
ففي العرض مما وراء خط الاستواء من المعمور المقدّر عرضه بإقليم ونصف إقليم مما أخذ له عرض لارتفاع الحمل والميزان وهو جزء مقدر بنصف إقليم فيكون ذلك لتمة لقدر إقليمين من وراء خط الاستواء حيث انتهى أخذ العرض هناك مما ابتدئ من قبة أرين جنوبا عشرين درجة، وقد علم عليها في لوح الرسم كـ إلى حيث نهاية المعمور وراء الروسية الثانية خارج الإقليم السابع في الجزء المقدر بنصف إقليم مارا مع الإقليم السابع من أوّل المشرق إلى آخر المغرب حيث انتهى.
اخذ العرض هناك إلى خمس وسبعين درجة - على ما قدمنا ذكره - وقد علَّم عليه في لوح الرسم عه قاطعًا في الطول على خط مستقيم من المشرق إلى المغرب يقع وسطه على خط العروض في جزء أخذ عرضه على خمس وثلاثين درجة وهو ما بين خوز وعبادان. وقد علَّم عليه في لوح الرسم له. ووقع هذا الخط في المشرق آخذًا على جنوب السد، مارا على جنوب كرمان إلى أن ينتهي إلى البحر الشامي حيث مُخْرَج الخليج القسطنطيني منه ما بين قبرس ورودس إلى آخر المغرب، وموقع هذا الخط على وسط الأقاليم السبعة المقسمة. فيكون على خط نصف الإقليم الرابع مقسومة عليه الأقاليم السبعة نصفين على جانبين. وموقع هذا الخط الوسط منها.
(وأما جبال مكة والمدينة، فإنا نذكرها بعد الأرباع، مفردة بذاتها، لتتوفر عليها المادة بإدرادها).
* * *
فالربع الأول
من هذه الأرباع المقسومة الآن، وهو الربع الشرقي الأخذ إلى الجنوب.
وبه الجبال في جزيرة القمر العظمى من المعمور الخارج عن خط الاستواء، جبل يعرف بجبل قدم آدم. يقال: إن آدم ﵇ أهبط عليه. وهو جنوبي جزيرة سرنديب.
ووراءه جبل كأنه باء محذوفة الذيل (بـ). ذكر صاحب جغرافيا في لوح الرسم أن أهله سود يأكلون الناس. تقع حذفة ذيله على خط الاستواء، على جزء بلغ طوله مائة
стр. 134
درجة وخمس درجات. وقد علَّم عليه في لوح الرسم مه من حساب الجمل.
ووراءه ثلاثة جبال منقطعة، صغارا. يتلو بعضها بعضا. أوّلها جبل، شرقي هذا الجبل عند قائمته الأولى المشبهة برأس ياء مُتَلَوّ كتلوّي الأرقم. في سفحه مدينة علما؛ ويليه من شرقيه الثاني وهو جبل آخذ على مدينتي ملاي وسمردي. ذكر صاحب جغرافيا أن الذهب والحديد به كثيران؛ ويليه من شرقيه الثالث، وهو: جبل هو أصغر الثلاثة، غربي مدينة معلا.
ثُمَّ ما هو داخل تحت خط الاستواء جبل كثير الشهرة، وهو المشهور في أواخره بجبل الديلم. ومنشؤه من البحر الهندي غربي المنيبار. يأخذ ممتدا إلى الشمال على وراب. في ذيله الغربي كابل. ثُمَّ يخرج إلى قسم هذا الربع الآخذ إلى الشمال. ويقع هناك على أصفهان، وتنتهي شُعبته على منبع نهر مكران، الماد إلى السند. وعليه من ذلك الميل في شرقيّه، المُحمَّديَّة. ذكرناها هنا علامةً لهذا الجبل. وإذا قد ذكرنا هذا الجبل بمجموعة هنا، لم يبق حاجة إلى ذكره في قسم هذا الربع.
ومن ذلك جبل أخذ على مستقيم هذا الخط الواقع وسط الأقاليم السبعة المُخْرَجة هذه الأرباع عليه. ويمتد هذا الجبل مُشرِّقا على تَلَوّ في أوّله، مارا إلى مسامتة باب الصين على جنوبيه. وهناك يتصل بالأم. وتمتد من شعبة آخذة في الجنوب إلى البحر الهندي مما وراء المعبر، مدينة ازهونة. وذلك جميعه خارج على الأم، منقولا من لوح الرسم.
والربع الثاني
من هذه الأرباع المقسومة الآن وهو الربع الغربي الآخذ إلى الجنوب.
به من الجبال تحت الأمّ الخارجة من شعبتي البحر المشبهة بتفصيل السراويل - المقدمة الذكر - ثلاثة جبال:
(الأول) منها وهو الشرقي جبل آخذ عن الأم على جانب فرجة بينهما؛ ممتدًا إلى خط الاستواء حتى وقع عليه وينقطع عنده. وتقع مدينة لقمرانه في ذيله على شرقيه، وبوشة في ذيله على غربيه.
ويليه (الثاني) على غربيه وهو جبل أخذ إلى مدينة نسويه. وينقطع هناك.
ويليه (الثالث) على غربيه وهو جبل يعرف بجبل حاقولي (١). ذكر صاحب جغرافيا
стр. 135
في لوح الرسم أنه معروف عند المسافرين. يأخذ على شرقي النيل حتى ينتهي إلى مدينة فرقوة (١) حيث آخر خرجة البحر الهندي. وقد نبهنا على ذكر هذا الجبل، عند وصفنا للأم المذكورة، وأشرنا إلى أن مخرج الأم يقع قبالته من شمالي البحر الشامي، على ما تقدم ذكره.
وعن يسرته جبل آخذ على شرقي النوبة.
ومن ذلك جبل يقع منه جنوبًا مع تغريب كثير كأنه «لا» معلقة بالخط المغربي.
ومن ذلك جبل آخر منقطع ما بين خاخة وجيمي.
ومن ذلك دونهما جبلان آخران أحدهما يأخذ على الواحات والآخر يأخذ وراءه غربي بحيرة نافرن، وشرقي بحيرة كوكورة.
ومن ذلك وراءه في غربيه جبل كأنه رأس صاد بالخط المغربي [ص] وسطه بطحاء سهلة، لا وصول إليها من كل جهة، إلا بعد صعود الجبل والنزول إليها جانبه الداخل. يجري منه النهر الواصل إلى القيروان المنتهي إلى البحر الشامي.
ويليه جبل يعرف باللماع كأنه فردة صولجان عليه حصن الملح وجَزُولة وتنصب منه أنهار إلى المحيط.
ومن ذلك جبل يأخذ بين فاس وسجلماسة وينصب منه نهر بين أسفى والمزمة حتى يصب في البحر المحيط، شرقي طنجة.
ومن ذلك جبل منقطع ينشأ في أواخر خط الاستواء غربا، حيث الطول من الغرب خمس عشرة درجة، علَّم عليها في لوح الرسم يه من حساب الجمل. ويأخذ جنوبًا إلى البحر المحيط.
ومن ذلك جبلان يعرفان بجبل كرسقانة وجبل وحشية. وقد تقدم ذكرهما. وذلك كله خارج عن الأم، منقول من لوح الرسم.
والربع الثالث
الغربي الآخذ إلى الشمال به من الجبال جبل آخر في جزيرة الأندلس، في جنوبيها من البحر الشامي ومن إشبيلية إلى بَطَلْيَوْس، وانصب منه نهران: أخذ أحدهما على إشبيلية مارا بينها وبين مالقة حتى صب في البحر الشامي، والثاني منهما أخذ على البيرة وصب في البحر المحيط.
стр. 136
وفي شرقيه جبل آخذ من قورة إلى وادي، آش عليه هيكل الزهرة، وانصب منه نهر مر على وادي آش شرقي غرناطة إلى قُرْطبة، وصب في البحر الشامي.
وفي شرقيه جبل خرج من البحر المحيط، من شمال مغربًا وأخذ مارا في الأندلس إلى بلنسية، وانتهى إلى البحر الشامي.
وهذه الجبال كلها وراء وصلة الأمّ الخارجة على شرقي رومة الكبرى.
ولولا مخرج الأم هنا، لما امتنع سبيل الأندلس في البر إلى بلاد القسطنطينية الكبرى واللآن والأص والصقلب، ولوصل منه إلى جميع الأرض، شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، من غير بحر حائل ولالُجٌ مانع. فلما لم يبق للأندلس سبيل إلا من البحر، بقيت كأنها داخلة هذا الجبل المحيط بالمعمور، وإن كان موقعه وراءه من غربيه.
ذكرنا هذا هنا لمقتضيه، إذ لم يمكن السكوت عنه.
ثم نعود إلى تتمة الجبال الواقعة في هذا الربع الثالث.
فمن ذلك جبل يأخذ على بحر بنطس (١) المتصل بالبحر الشامي، من شرقي هِرَقْلة ويمتد إلى أنطاكية وحلب ويمتد في الشأم على شمالي بعلبك ودمشق. ويحصر هذا الجبل البحر الشامي آخذًا معه إلى الجنوب، على فرجة بينهما تلك الفرجة هي موقع مدائن الروم وهي المسماة الآن ببلاد الروم، مثل: قونية وقيصرية وأنطاكية.
ومن ذلك جبل يمتد على ماردين وشَهْرَزُور وأخلاط. ينقطع ويتصل بجبل أَذَرْبِيجان. وتنصب منه أنهار كبيرة منها ما يصب في البحر الشامي، ومنها ما يصب في بحر بنطس، ومنها ما يصب في البحر الهندي، ومنها ما يصب في البحيرة البلاعة المقاربة للسد. ويتصل هذا عن فرجات بجبل طبرستان المارّ بين أذربيجان وغزنة. وكذلك يتصل به جبل طوس الأخذ بينها وبين جرجان، حيث يخرج خَطَّ أَخْذِ العروض.
ومن ذلك جبلان منقطعان وراء بحر بنطس، من شماله بشرق. أخذان على بحيرة الجارس عن شرقها وغربيها.
وذلك كله خارج عن الأم، منقولا من لوح الرسم.
والربع الرابع
من هذه الأرباع المقسومة، وهو الربع الآخذ إلى الشمال، وبه تمامها.
стр. 137
به من الجبال، جبل منقطع ما بين بلاد السند وبين بوار. وشمالي القموج (١) يجري نهر مكران (٢) حيث يقطع مدى الصحراء على ذيله ويخرج هناك.
ومن ذلك جبل ينزل به غُرْغُر النار (٣). به باب الصين.
ومن ذلك جبال الخطا المحيطة بها على باش بالق، وآل بالق، وخان بالق.
ومن ذلك جبل منقطع، كأنه صليبٌ ذَهَبَ أحدُ شُعبه. ومدينة ظفار في ذيله المغرب. وشعبته الخارجة تقع بلاد الياش (٤) في ذيلها.
ومن ذلك جبل منقطع مُتَلوّ كالأرقم، من غربي بلاد أسحرت إلى نهاية العمارة في الشمال. ومنه ينصب فرع نهر جيحون.
ومن ذلك جبل في صحراء القبجاق، آخذ على منعطف النهر المتصل بالبحيرة الجامدة من شدة البرد.
ومن ذلك جبل منقطع ينصب منه فرع إلى نهر أتيل (٥) في شرقي صحاري القبجاق آخذا بشرق مدينة أوتنا. ووراءها عبدة الشياطين على ما رسم صاحب جغرافية في لوح الرسم.
ومن ذلك شعبة آخذة من الأم إلى جنوب مُغَرّب، ينصب منه ماء إلى النهر المنتهي إلى البحيرة الجامدة.
ثم إنا نذكر هنا ما رأينا إفراده في هذا المكان، ليكون أوضح لبيانه، وأدلّ على مكانه. وهو الجبل الممتد على الشام، وجبال شهيرة بجزيرة العرب.
فأما الجبل الممتد على الشام
فإن أوله بالمشرق من الصين من البحر المحيط. فيقطع بلاد التتر على معادنها إلى أن يأتي فرغانة إلى جبال البتم الممتد بها نهر السعد إلى أن يصل الجبل إلى جيحون
стр. 138
فينقطع، ويمضي في وسطه بين شعبتين منه، وكأنه قُطِع ثُمَّ [وصل] في وسطه. ويستمر الجبل إلى الجوزجان ويأخذ على الطَّالَقَان إلى أعمال مَرْوِ الرُّوذ إلى طوس. فتكون جميع مدن طوس فيه. ويتصل به جبال أصبهان وشيراز إلى أن يصل إلى البحر الهندي. وينعطف هذا الجبل ويمتد إلى شَهْرَزُور إلى سُهْرَوَد. فيمُرُّ على جباله بسائر دجلة. ثم يتصل بجبل الجُودي، مَوْقِف سفينة نوح ﵇. ولا يزال هذا الجبل مستمرًا من أعمال آمد وميا فارقين حتى يمر بثغور حلب. ويُسمّى هناك جبل اللحام. ويستمر جبل اللكام إلى أن يُعَدّى الثغور فيُسمّى بهذا حتى يجاوز حمص فيُسمّى لبنان، ثم يمتد على الشام حتّى ينتهي إلى بحر القُلزم من جهة، ويتصل من الجهة الأخرى ويُسمّى المُقَطَّم. ثم يتشعب، وتتصل أواخر شعبه بنهاية المغرب.
ونحن وإن كنا قد ذكرنا هذا الجبل، كليه وجزئيه، مما تقدم على ما اقتضاه الإيضاح في موضعه على ما صُوِّرَ في لوح الرسم في أماكنه، ولكنا أردنا هنا اتصال لحمته ليعرف كيف هو بأسمائه في ما يمر عليه في الأرض من شرقها إلى مغربها.
فأما جبال مكة
فأعظمها وأحقها بالتقديم وإن بَعُدَ عن مكة مكانا جبل عرفات، موقف الحجيج الأعظم، وركن الحج الأكبر.
ومنها جبل أبي قبيس ولونه أدكن إلى البياض قليلا. وإنما قيل له أبو قبيس؛ لأن الحجر الأسود اقتبس منه. وقيل (١): هو اسم رجل من مذحج كان يُكَنّى أبا قبيس عُرفَ به، لأنه أوّل من بنى فيه كذا قال الزمخشري (٢).
стр. 139
وقال أبو القاسم السُّهَيْلي (١): عرف برجل من جُرهُم كان اسمه قبيس قد وشى بين عمرو بن مُضاض، وبين ابنة عمه مَيَّة، فنذرت أن لا تكلمه، وكان شديد الكلف بها، فحلف ليقتلن قبيسًا، فهرب منه في الجبل المعروف به، وانقطع خبره، فإما مات، وإما تردى، فسُمِّي الجبل أبا قبيس (٢).
وقال ابن عباس: هو أوّل جبل وضع على الأرض. رواه أبو عروبة، وأبو بكر بن أبي شيبة.
وقال الزمخشري: «كان يسمّى في الجاهلية الأمين؛ لأن الركن كان مستودعا فيه، عام الطوفان» (٣).
وفي أعلاه منار إبراهيم ﵇. وقد جاء في بعض الآثار أن ذلك المنار
стр. 140
على الموضع الذي نادى منه إبراهيم الخليل ﵊ بحج بيت الله الحرام. والأكثر أنه نادى من أعلى المقام. وفي أصله الصفا. ومنه يُصعد إليه من ناحية المسجد. ويُصعد إليه أيضا من شِعْب أجياد الصغير وأبو قبيس أحد الأخشبين. وهو أقرب الجبال إلى المسجد الحرام. وهو بإزاء الركن الأسود من الكعبة.
وجبل الخندمة (١) وهو على أبي قبيس من ناحية المشرق. وهو جبل أحمر محجر. فيه صخرة كبيرة شديدة البياض كأنها معلقة، تشبه الإنسان إذا نظرت إليها من بعيد. تبدو من المسجد من باب السهميين الصغير. وفي هذا الجبل تحصن أهل مكة، إذ أحاط بهم القرامطة، وقلعوا الحجر الأسود، وأخذوا الشمسة وجميع ما كان في الكعبة، إلى أن رده الله إلى موضعه على يد ولد الذي قلعه. وتحت هذا الجبل شعب علي بن أبي طالب ﵁.
والجبل الأبيض. الذي على الأبطح إلى باب المعلى يسمى عاضرة.
والجبل الآخر إلى الحجون ووجهه إلى قُعَيقِعان على قبر عبد الله بن الزبير.
والأخاشب (٢) والجباجب (٣) جبال مكة. وفيه الثنية، وهي العقبة. وعند أصله بقيع مكة. ومن هذا الجبل إلى الجبل الأبيض بنى المقتدر السور، وجعل له بابا من حديد وهو المعروف بباب مِنّى، وشعب المخصب.
وجبل قُعَيْقِعَان (٤). وهو يقابل أبا قُبَيْس من ناحية الشمال. وهو جبل أخضر يقابل من الكعبة ما بين الركن العراقي والميزاب. وهو حد أخشبي مكة.
وجبل أجياد (٥). إنما سمى بأجياد، لأن الله تعالى لما أذن لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد من البيت، أعطى كل واحد منهما كنزا من كنوزه. فأوحى الله إلى إسماعيل: «إني معطيك كنزا من كنوزي، لم أعطه لأحد قبلك. فأخرج فناد بالكنز. يأْتِكَ». قال فخرج إسماعيل - وما يدري ذلك الكنز، ولا يدري كيف الدعاء به - حتى أتى أجياد فألهم الله إسماعيل الدعاء بالجبل: يا خيل الله، أجيبي فلم يبق في بلاد العرب كلها فرس إلا أتاه وذلله الله له، وأمكنه من نواصيها. قال ابن عباس: فلذلك سمي ذلك الموضع بأجياد وكانت الخيل قبل ذلك كسائر الوحوش، فقال شاعر قصير
стр. 141
يرتجز بذلك (١): [من الطويل]
أبونا الذي لم تركب الخيل قبله … ولم يَدْرِ خلق قبله كيف تُرْكَبُ
وجبل ابن عمران (٢). وهو الجبل الأسود الذي بين أبي قبيس وأجياد. وهو خلفها. يظهر على بعد كأنه بينهما. يقابل من الكعبة الشق اليماني.
فهذه الجبال المحيطة بالمسجد الحرام.
ثم في العطف في آخر ذي طوى في طريق التنعيم جبل البكاء. وقربه على يسار المار إلى التنعيم، الحجر الذي قعد عنده رسول الله ﷺ مستريحًا عند إقباله من العُمرة. فَلانَ فيه موضع رأسه، حتى استند إليه. وهو مشهور يقعد الناس عنده، عند انصرافهم من العُمرة، وعند جبل البكاء تحته مما يلي الغرب.
قال الفاكهي (٣): وبمكة في فجاجها وشعابها من باب المسجد إلى منار مسجد التنعيم وجميعه نحو من مائة سقاية. وفي أصله مما يلي الشمال مياه، وكانت قديمًا بساتين. والوادي أسفل منها في المحجّة. كل ذلك على يمين المار إلى التنعيم.
وشامة وطفيل (٤). تحت الثنية السفلى غربي ذي طوى.
ومن ناحية الشرق في طريق منى.
جبل ثبير (٥). وهو جبل عظيم مرتفع أسود كثير الحجارة في عطف وادي إبراهيم ﵇ من يسار المار إلى منى.
قال السهيلي: «عرف برجل من هذيل مات فدفن به فعرف به الجبل».
وقال الزمخشري: «ثبيران جبلان مفترقان تصب بينهما أفاعِيَةٌ، وهي واد يصب من منى، يقال لأحدهما ثبير غَيْنا وللآخر ثبير الأعرج» (٦).
стр. 142
ثم جبل حراء (١). وهو على يسار المار إلى منى أيضًا. وهو الجبل الذي كان حُبِّبَ إلى رسول الله ﷺ الخلوة فيه، حتى أتاه الوحي. وليس فيه غار. إنما كان فيه موضع منهل شبيه بالحوض في أصل صخرة عظيمة في أعلى الجبل.
وجبل ثور (٢)، ليس في جبال مكة أعلى منه ولا أوعر. وهو خلف مكة على طريق مكة. يسمّى ثور أطحل. والغار في جانب منه، في أعلاه دون الثنية قليلا. وفيه نزل جبريل على النبي ﷺ والغار الذي اختفى فيه ﵇ مع أبي بكر صخرة واحدة مقببة، ومدخلها ضيق طوله خمسة أشبار إلا ثلثًا وعرضه في أوسع مكان فيه، شبر وأربع أصابع. وصفة الغار أنه مستطيل من ناحية الغرب إلى الشرق، وليس بغائص إلى أسفل. طوله ثلاثة وعشرون شبرًا، وعرضه تسعة أشبار إلا ثلثًا. وله باب ثان في آخره، من ناحية الشرق. وهو الذي فتحه جبريل ﵇ حين ضربه بجناحه إلى الصخرة، فانفتح هنالك باب طوله ستة أشبار وعرضه أربعة. ومنه خرج ﵇، يوم خرج إلى المدينة.
وأما جبال المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فأشهرها: جبل أحد: وهو جبل أحمر أعلاه دكدك، بينه وبين المدينة ميل وأفسح قليلًا، في شمالي المدينة، وفيه قال النبي ﷺ : «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ» (٣). وفي الحديث أنه يكون يوم القيامة أحد ركني باب الجنة (٤). ويعضده قوله ﷺ : «المرء مع من أحب» (٥). كذا قال السُّهَيْلي (٦).
وجبل سلع (٧). وهما أشهر الجبال هناك.
وجبل ثور: وغلط فيه بعضهم.
стр. 143
وجبل عير (١): والحرم ما بينه وبين أحد.
فهذه هي جميع الجبال الشهيرة، والأعلام الظاهرة في جميع المعمورة وما قاربها. لم نخل منها إلا بما لعل صاحب جغرافيا لم يُصَوِّره في لوح الرسم؛ وإن كان، فهو القليل. وفيما ذكرناه كفاية.
الأنهار المعروفة
وأما الأنهار المعروفة فنحن نذكر هنا ما في لوح الرسم من الأنهار ونقسمه على أربعة أقسام تتجزا بها المعمورة طولًا وعرضًا، كما ذكرناه فيما تقدم قبل ذكر الجبال. وبالله التوفيق.
فالربع الأول
من هذه الأرباع المقسومة الآن هو الربع الشرقي الآخذ إلى الجنوب. وبه من الأنهار ما يُذكر.
فمن ذلك في جزيرة القمر العظمى ثلاثة أنهار: شرقيها آخذ من قنطورا ومعلا.
ويليه ثانيها في غربيه ينصب من جبل قدم آدم على مدينة سيابا، ويأخذ مارا إلى مدينة قزدار. ويبحر هناك بحيرة في جنوبيها مدينة كيماما حيث محل السودان الذين يأكلون الناس.
ويليها ثالثها في غربيه، ويخرج من الجبل المشبه بياء محذوفة الذيل [ء]. يُطوّق بمدينة دَهْمَى، فتبقى مدينة دهمى بينه وبين البحر الهندي في جزيرة بينهما. يكون هو محيطا بها شرقًا وجنوبًا وغربًا. فتكون لذلك كالجزيرة ويتصل شمالها بالبحر الهندي. وتقع مدينة فورانة في غربيه حين يصب في البحر الهندي.
ومن ذلك نهر ينصب من جبل قاف عند وصلة الأم في شعبتي البحر المشبه بتفصيل السراويل. وينصب في الشعبة الجنوبية من تلك الشعبتين على مدى غير بعيد. وذلك جميعه غير منقول من لوح الرسم.
والربع الثاني
من هذه الأرباع المقسومة، وهو الغربي الآخذ إلى الجنوب.
стр. 144
وبه نهر ينصب من جبل قاف، مارًا في الشمال إلى خط الاستواء حتى ينصب في البحر الهندي شرقي قبة أرين.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل المارّ على غربي مدينة لقمرانية حتى ينصب عند خط الاستواء في البحر الهندي.
ومن ذلك نهر النيل: وهو النهر الأعظم الذي لا يعدله في عظيم نفعه شيء، لعظم ما عليه من البلاد وطوله في الأمم، وهو ينصب من جبل القمر، وقد قدمنا عند ذكر الجبال طرفًا فيه، وإن كان لا مقال يوفّيه؛ لأنه إحدى الكبر، وأُولى العبر؛ آية من آيات الله في أرضه وعجيبة لمن تأمل من خلقه ساقه الله تعالى إلى مصر وأحيا به بلدةً ميتا وسقاه أمة عظمى. وإن لم تكن هي المتفردة بنفعه، فإنها كالمتفردة به: لعظيم منفعتها منه وعميم مصلحتها به. يجيء إليها أحوج ما كانت إلى مجيئه، وينصرف أحوج ما كانت إلى انصرافه. وذلك تقدير العزيز العليم. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١).
[وفيه يقول القاضي الفاضل (٢): النيل المصري الذي يكسو الفضاء ثوبا فضّيَّا، ويُذْكِي في الأرض ماؤه سراجا من النور مُضِيَّا؛ ويتدافع تياره دافعا في صدر الجذب
стр. 145
بيد الخصب، وتُرضع أمهات خلجانه المزارع، فتأتي أبناؤها بالعصف والأب». وفيه يقول أيضا: «وأما النيل فقد امتدت أصابعه، وتكسرت بالموج أضالعه؛ ولا يُعرَفُ الآن بمصر قاطبة نهر سواه، ولا مَنْ يُرجى ويُخاف إلا إياه»] (١).
ونحن نذكر كيف هو، فنقول والله أعلم: إن النيل ينصب عشرة أنهار من جبل القمر المتقدّم الذكر. كل خمسة أنهار من شعبة. ثم تتبحّر تلك العشرة الأنهار في بحيرتين: كل خمسة أنهار تبحر بحيرة بذاتها. ثم يخرج من البحيرة الشرقية منها بحر لطيف يأخذ شرقًا على جبل قاقولي، ويمتد إلى مدن هناك، ثم يصب في البحر الهندي.
ثم يخرج من تينك البحيرتين ستة أنهار. من كل بحيرة ثلاثة أنهار. ثم تجتمع تلك الستة الأنهار في بحيرة متشعبة.
حدثني أقضى القضاة شرف الدين أبو الروح عيسى الزَّوَاوِي (٢)، أن الأمير أبا دبوس بن أبي العلى أبي دبوس (٣) ووالده آخر سلاطين بر العدوة من بني عبد المؤمن حدثه أنه وصل إلى هذه البحيرة في أيام هربه من بني عبد الحق، ملوك بني مرين القائمين الآن.
رجعنا إلى ذكر مجتمع تلك الأنهار الستة في تلك البحيرة وبعضهم يسميها:
البطيحة. فنقول وفي تلك البطيحة تضريسة جبل: يُفْرَق بها الماء نصفين.