يرتجز بذلك (١): [من الطويل]
أبونا الذي لم تركب الخيل قبله … ولم يَدْرِ خلق قبله كيف تُرْكَبُ
وجبل ابن عمران (٢). وهو الجبل الأسود الذي بين أبي قبيس وأجياد. وهو خلفها. يظهر على بعد كأنه بينهما. يقابل من الكعبة الشق اليماني.
فهذه الجبال المحيطة بالمسجد الحرام.
ثم في العطف في آخر ذي طوى في طريق التنعيم جبل البكاء. وقربه على يسار المار إلى التنعيم، الحجر الذي قعد عنده رسول الله ﷺ مستريحًا عند إقباله من العُمرة. فَلانَ فيه موضع رأسه، حتى استند إليه. وهو مشهور يقعد الناس عنده، عند انصرافهم من العُمرة، وعند جبل البكاء تحته مما يلي الغرب.
قال الفاكهي (٣): وبمكة في فجاجها وشعابها من باب المسجد إلى منار مسجد التنعيم وجميعه نحو من مائة سقاية. وفي أصله مما يلي الشمال مياه، وكانت قديمًا بساتين. والوادي أسفل منها في المحجّة. كل ذلك على يمين المار إلى التنعيم.
وشامة وطفيل (٤). تحت الثنية السفلى غربي ذي طوى.
ومن ناحية الشرق في طريق منى.
جبل ثبير (٥). وهو جبل عظيم مرتفع أسود كثير الحجارة في عطف وادي إبراهيم ﵇ من يسار المار إلى منى.
قال السهيلي: «عرف برجل من هذيل مات فدفن به فعرف به الجبل».
وقال الزمخشري: «ثبيران جبلان مفترقان تصب بينهما أفاعِيَةٌ، وهي واد يصب من منى، يقال لأحدهما ثبير غَيْنا وللآخر ثبير الأعرج» (٦).
стр. 142
ثم جبل حراء (١). وهو على يسار المار إلى منى أيضًا. وهو الجبل الذي كان حُبِّبَ إلى رسول الله ﷺ الخلوة فيه، حتى أتاه الوحي. وليس فيه غار. إنما كان فيه موضع منهل شبيه بالحوض في أصل صخرة عظيمة في أعلى الجبل.
وجبل ثور (٢)، ليس في جبال مكة أعلى منه ولا أوعر. وهو خلف مكة على طريق مكة. يسمّى ثور أطحل. والغار في جانب منه، في أعلاه دون الثنية قليلا. وفيه نزل جبريل على النبي ﷺ والغار الذي اختفى فيه ﵇ مع أبي بكر صخرة واحدة مقببة، ومدخلها ضيق طوله خمسة أشبار إلا ثلثًا وعرضه في أوسع مكان فيه، شبر وأربع أصابع. وصفة الغار أنه مستطيل من ناحية الغرب إلى الشرق، وليس بغائص إلى أسفل. طوله ثلاثة وعشرون شبرًا، وعرضه تسعة أشبار إلا ثلثًا. وله باب ثان في آخره، من ناحية الشرق. وهو الذي فتحه جبريل ﵇ حين ضربه بجناحه إلى الصخرة، فانفتح هنالك باب طوله ستة أشبار وعرضه أربعة. ومنه خرج ﵇، يوم خرج إلى المدينة.
وأما جبال المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فأشهرها: جبل أحد: وهو جبل أحمر أعلاه دكدك، بينه وبين المدينة ميل وأفسح قليلًا، في شمالي المدينة، وفيه قال النبي ﷺ : «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ» (٣). وفي الحديث أنه يكون يوم القيامة أحد ركني باب الجنة (٤). ويعضده قوله ﷺ : «المرء مع من أحب» (٥). كذا قال السُّهَيْلي (٦).
وجبل سلع (٧). وهما أشهر الجبال هناك.
وجبل ثور: وغلط فيه بعضهم.
стр. 143
وجبل عير (١): والحرم ما بينه وبين أحد.
فهذه هي جميع الجبال الشهيرة، والأعلام الظاهرة في جميع المعمورة وما قاربها. لم نخل منها إلا بما لعل صاحب جغرافيا لم يُصَوِّره في لوح الرسم؛ وإن كان، فهو القليل. وفيما ذكرناه كفاية.
الأنهار المعروفة
وأما الأنهار المعروفة فنحن نذكر هنا ما في لوح الرسم من الأنهار ونقسمه على أربعة أقسام تتجزا بها المعمورة طولًا وعرضًا، كما ذكرناه فيما تقدم قبل ذكر الجبال. وبالله التوفيق.
فالربع الأول
من هذه الأرباع المقسومة الآن هو الربع الشرقي الآخذ إلى الجنوب. وبه من الأنهار ما يُذكر.
فمن ذلك في جزيرة القمر العظمى ثلاثة أنهار: شرقيها آخذ من قنطورا ومعلا.
ويليه ثانيها في غربيه ينصب من جبل قدم آدم على مدينة سيابا، ويأخذ مارا إلى مدينة قزدار. ويبحر هناك بحيرة في جنوبيها مدينة كيماما حيث محل السودان الذين يأكلون الناس.
ويليها ثالثها في غربيه، ويخرج من الجبل المشبه بياء محذوفة الذيل [ء]. يُطوّق بمدينة دَهْمَى، فتبقى مدينة دهمى بينه وبين البحر الهندي في جزيرة بينهما. يكون هو محيطا بها شرقًا وجنوبًا وغربًا. فتكون لذلك كالجزيرة ويتصل شمالها بالبحر الهندي. وتقع مدينة فورانة في غربيه حين يصب في البحر الهندي.
ومن ذلك نهر ينصب من جبل قاف عند وصلة الأم في شعبتي البحر المشبه بتفصيل السراويل. وينصب في الشعبة الجنوبية من تلك الشعبتين على مدى غير بعيد. وذلك جميعه غير منقول من لوح الرسم.
والربع الثاني
من هذه الأرباع المقسومة، وهو الغربي الآخذ إلى الجنوب.
стр. 144
وبه نهر ينصب من جبل قاف، مارًا في الشمال إلى خط الاستواء حتى ينصب في البحر الهندي شرقي قبة أرين.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل المارّ على غربي مدينة لقمرانية حتى ينصب عند خط الاستواء في البحر الهندي.
ومن ذلك نهر النيل: وهو النهر الأعظم الذي لا يعدله في عظيم نفعه شيء، لعظم ما عليه من البلاد وطوله في الأمم، وهو ينصب من جبل القمر، وقد قدمنا عند ذكر الجبال طرفًا فيه، وإن كان لا مقال يوفّيه؛ لأنه إحدى الكبر، وأُولى العبر؛ آية من آيات الله في أرضه وعجيبة لمن تأمل من خلقه ساقه الله تعالى إلى مصر وأحيا به بلدةً ميتا وسقاه أمة عظمى. وإن لم تكن هي المتفردة بنفعه، فإنها كالمتفردة به: لعظيم منفعتها منه وعميم مصلحتها به. يجيء إليها أحوج ما كانت إلى مجيئه، وينصرف أحوج ما كانت إلى انصرافه. وذلك تقدير العزيز العليم. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١).
[وفيه يقول القاضي الفاضل (٢): النيل المصري الذي يكسو الفضاء ثوبا فضّيَّا، ويُذْكِي في الأرض ماؤه سراجا من النور مُضِيَّا؛ ويتدافع تياره دافعا في صدر الجذب
стр. 145
بيد الخصب، وتُرضع أمهات خلجانه المزارع، فتأتي أبناؤها بالعصف والأب». وفيه يقول أيضا: «وأما النيل فقد امتدت أصابعه، وتكسرت بالموج أضالعه؛ ولا يُعرَفُ الآن بمصر قاطبة نهر سواه، ولا مَنْ يُرجى ويُخاف إلا إياه»] (١).
ونحن نذكر كيف هو، فنقول والله أعلم: إن النيل ينصب عشرة أنهار من جبل القمر المتقدّم الذكر. كل خمسة أنهار من شعبة. ثم تتبحّر تلك العشرة الأنهار في بحيرتين: كل خمسة أنهار تبحر بحيرة بذاتها. ثم يخرج من البحيرة الشرقية منها بحر لطيف يأخذ شرقًا على جبل قاقولي، ويمتد إلى مدن هناك، ثم يصب في البحر الهندي.
ثم يخرج من تينك البحيرتين ستة أنهار. من كل بحيرة ثلاثة أنهار. ثم تجتمع تلك الستة الأنهار في بحيرة متشعبة.
حدثني أقضى القضاة شرف الدين أبو الروح عيسى الزَّوَاوِي (٢)، أن الأمير أبا دبوس بن أبي العلى أبي دبوس (٣) ووالده آخر سلاطين بر العدوة من بني عبد المؤمن حدثه أنه وصل إلى هذه البحيرة في أيام هربه من بني عبد الحق، ملوك بني مرين القائمين الآن.
رجعنا إلى ذكر مجتمع تلك الأنهار الستة في تلك البحيرة وبعضهم يسميها:
البطيحة. فنقول وفي تلك البطيحة تضريسة جبل: يُفْرَق بها الماء نصفين.
стр. 146
يخرج النصف الواحد من غربي البحيرة. وهذا النصف هو المعرف بنيل السودان (١). ويستقل نهرًا يسمّى بحر الدمادم. يأخذ مُغَرّبًا ما بين سمغرة وغانة، على جنوبي سمغرة وشمالي غانة. ثم ينعطف هناك منه فرقة ترجع جنوبا إلى غانة؛ ثم تمرّ على مدينة برنسة، ويأخذ تحت جبل في جنوبيها خارج عن خط الاستواء إلى رقيلة. ثم يتبحر في بحيرة هناك. وتستمر الفرقة الثانية مغربة إلى بلاد مالي والتكرور حتى تنصب في البحر المحيط، شمالي مدينة قَلبْتُو.
ويخرج النصف الآخر متشاملًا آخذًا على الشمال إلى شرقي مدينة جيمي. ثم يتشعب منه هناك شُعبة تأخذ شرقا إلى مدينة سحرتة. ثم ترجع جنوبًا. ثم تنعطف شرقًا بجنوب إلى مدينة سَحَرْتَة. ثم إلى مدينة مركة، منتهيا في العود هناك إلى خط الاستواء حيث الطول خمس وستون درجة علم عليها في لوح الرسم سه. ويبحر بحيرة هناك.
ويستمر عمود النيل من قبالة تلك الشعبة شرقي مدينة شيمي متشاملًا آخذًا على أطراف بلاد الحبش. ثم يتشامل على بلاد السودان إلى دنقلة، حتّى يرمي على الجنادل إلى أسوان إلى قوص، منحدرا يشقُّ بلاد الصعيد شقًّا، حتى يقابل قرية تعرف بدروة (٢) سربام. وقد تعرف الآن بدروة الشريف: نسبةً إلى الشريف ابن ثعلب (٣)، الثائر في الأيام الظاهرية الركنية بالصعيد، لمقامه بها.
ويتشعب منه في غربيه شعبة تسمّى المَنْهى تستقل نهرًا يصل إلى الفيوم، يقال إن يوسف ﵇ احتفره أيام توليه لأمور ملك مصر، وهو يعرف إلى الآن ببحر يوسف. وهو نهر لا ينقطع جريانه في وقت من أوقات السنة، بخلاف بقية ما يتشعب بالديار المصرية من خُلْجان النيل. فيسقي الفيوم عامة، سقيا دائما لا ينقطع. ثم يُبحر فاضل مائه في بحيرة هناك.
стр. 147
ومن العجب - وهو مما رأيته بعيني - أنه ينقطع ماؤه من فُوَّهَتِه أوان انقطاع المياه من خلجان الديار المصرية، ويندي دون فُوَّهَتِه، ثم يكون له بلل دون المكان المندي، ثم يجري جريًا ضعيفًا دون مكان البلل، ثم يستقل نهرًا جاريًا لا ينقطع إلا بالسفن.
ويتشعب منه أنهار، وتنقسم قسما تعم الفيوم لسقي قُرَاه ومزارعه وبساتينه وعامة أماكنه.
ثم نعود إلى ذكر عمود النيل الممتد: فنقول إنه من دَرْوة سربام حيث يتشعب المَنْهى يستمر في بقية الصعيد، يشقه شقًا إلى مدينة الفسطاط (وهي التي يسميها الآن عامة أهل مصر بمصر) (١) حتى يتعداها. ثم يتفرق فرقتين: تأخذ إحداهما على دمياط؛ والأخرى على رشيد. وعندهما انتهاء النيل، ويصب في البحر الشامي.
ومن مبدأ هبوطه من أسوان مارًا في الصعيد إلى أن تصب فرقتاه في البحر الشامي، تقسم منه البحار والأنهار، وتتشعب منه الْخُلُج والمساقي. تجري في زيادته، وتنقطع في نقصه.
وحدثني الشيخ الثبت سعيد الدُّكَّالِيُّ، وهو ممن أقام بمالي خمسًا وثلاثين سنة، مضطربًا في بلادها، مجتمعا بأهلها، قال: «المستفيض ببلاد السودان أن النيل في أصله ينحدر من جبال سودٍ تَبَانُ على بعد كأنّ عليها الغمائم. ثم يتفرّق نهرين: يصب أحدهما في البحر المحيط إلى جهة بحر الظلمة الجنوبي (٢)؛ والآخر يصل إلى مصر حتى يصب في البحر الشامي».
قال الشيخ سعيد الدُّكَّالِيُّ: «ولقد توكَّلتُ في أسفاري في الجنوب مع النيل.
فرأيته متفرّقا على سبعة أنهر، تدخل في صحراء منقطعة، ثم تجتمع تلك الأنهر السبعة، وتخرج من تلك الصحراء نهرًا واحدًا مجتمعًا. كلا الرؤيتين في بلاد السودان. ولم أره لما اجتمع بالصحراء؛ لأننا لم ندخلها، إذ لم يكن بنا حاجة إلى الدخول إليها».
قلت: والأقوال في أوّل مَجْرى النيل كثيرة. ذكر فيها المسعودي (٣) وغيره ما لا فائدة فيه.
والشائع على ألسنة الناس أن أحدًا ما وقف على أوّله بالمشاهدة. وجعل كل واحد منهم سببا لعدم الوقوف على حقيقة أوله.
стр. 148
فقال بعضهم: إنه انتهى أناس وصعدوا الجبل، فرأوا وراءه بحرا عجاجا، ماؤه أسود كالليل، يشقه نهر أبيض كالنهار يدخل الجبل من جنوبه ويخرج من شماله، ويتشعب على قبة هرمس المبنية هناك. وزعموا أنه هرمس الهرامسة، وهو المسمى بالمثلث بالحكمة (١). ويزعم بعضهم أنه إدريس ﵇. بلغ ذلك الموضع وبنى به قبة. قالوا: وسمى بالمثلث، لاجتماع الثلاثة له: النبوة، والحكمة، والملك.
وقال بعضهم: إن أناسا صعدوا الجبل، وبقي كلما تقدم منهم واحد، ضحك وصفق بيديه وألقى روحه إلى ما وراء الجبل. فخاف البقية أن يصيبهم مثل ذلك، فرجعوا.
وزعم بعضهم: أن أولئك إنما رأوا حجر الباهت. فبقي كل من رآه منهم، ضحك وتقدم إليه والتصق به، حتى مات.
وسيأتي إن شاء الله ما ذكره صاحب الجغرافيا عن أرسطو في خاصية هذا الحجر.
وقال بعضهم: إن ملكا من ملوك مصر الأول جهز أناسا للوقوف على أوّله. فانتهوا إلى جبال من نحاس، لما طلعت عليها الشمس وانعكست عليهم أشعتها، أحرقت غالبهم، فرجع البقية.
وقال بعضهم: إنهم انْتَهَوْا إلى جبال برّاقة لماعة كالبلور. فلما انعكست عليهم أشعة الشمس الواقعة عليها، أحرقتهم.
وقال بعضهم - وهو الصحيح - والله أعلم: إنه لتوغل منبعه في الخراب المنقطع من وراء خط الاستواء، تعذر السلوك إليه: لبعد المسافة وشدة الحر.
فإن قال قائل: فما منع قدماء الملوك، مع ولعهم بمعرفة أحوال البلاد وحقائق ما هي عليه، أن يجهزوا من يقف على حقيقة أوّله؟ قلنا له: وأي فائدة تفي بركوب هذا المهلك في أرض لا ينبت بها نبات ولا يعيش حيوان، ولا يعرف مقدار ما يستعد له المسافر، ولا ما يستظهر به الظهر (٢).
стр. 149
وإنما غالب ما يقال في هذا (والله أعلم) مما أظهره نظر العلم لا نظر العيان. والله من ورائهم محيط.
وإذا فرغنا من الكلام في النيل، فلنذكر بقية الأنهار الشهيرة الواقعة في هذا الربع الثاني. فنقول: ومن ذلك نهران ينصبان من الجبل المشبه برأس صاد بالخط المغربي [].
يأخذ أحدهما مشرقًا ويستدير في بحيرة بين كوكورة المذكورة وبين محالان جاي، شمالي كوكورة وجنوبي محالان جاي. ثم يخرج مشرقًا إلى بحيرة أخرى يتبحر بها غربي مدينة زافون. ثم يخرج متشاملا شمالا بغرب، على غربي أرض الملح السواخة. ثم تتشعب منه شعبة تأخذ جنوبا إلى مدينة أُوْذَغَسْت (١) وتستمر سائرة نهرا مادا إلى مدينة فاس. فيصب في البحر الشامي.
وثانيهما ينصب آخذًا إلى الشمال على مدينة القيروان إلى أن ينصب في البحر الشامي.
ومن ذلك نهر يخرج من الجبل الفاصل بين فاس وسجلماسة مارا بين أَسَفِي والمزمة حتّى يصب في البحر الشامي، شرقي طنجة.
ومن ذلك أنهار ثلاثة تنصب من الجبل المشبه بفردة صولجان: تجري من جنوب سجلماسة، واحدًا بعد واحد. وتصب الثلاثة مفرقة في البحر المحيط.
ومن ذلك نهر يصبُّ من الجبل المشبه بتعنيقة لا معلقة بالخط المغربي [] وراء خط الاستواء. يصب في المحيط. وقد تقدم ذكر بعض هذه الأنهار، في ضمن ذكر الجبال. وذلك جميعه منقول من خط الرسم.
والربع الثالث
من هذه الأرباع المقسومة وهو الغربي الآخذ إلى الشمال، به ما ذكر من الأنهار: فمن ذلك، مما هو بجزيرة الأندلس نهر إشبيلية، ينصب من الجبل الفاصل بينها وبين قُرْطَبَة، وينصب في البحر الشامي. وهو من أحسن الأنهار وأجلها، محفوف بالبساتين والدور والقصور. ومضت فيه - ايّامَ مُلك المسلمين لها - أوقات
стр. 150
مسرة ولهو. وحكى الفتح بن خاقان (١)، قال: «ركب عبد الجليل بن وهبون، وأبو الحسن غلام البكري (٢) من إشبيلية في ليلة أظلم من قلب الكافر، وأشدّ سوادًا من طرف الظبي النافر؛ ومعهما غلامٌ وضيءٌ قد أطلع وجهه البدر ليلة تمامه، على غصن بانٍ من قوامه؛ وبين أيديهم شمعتان قد أزْرَتا بنجوم السماء، ومزقتا رداء الظلماء، وموّهتا بذهب نورهما لجين الماء (٣). فقال عبد الجليل ارتجالا: [من المنسرح]
كأنما الشمعتانِ إِذْ سَمَتا … خَدا غُلام مُحسنِ الغَيَدِ
وفي حشا النهر من شُعاعِهما … طريق نار الهوى إلى كَبِدِي
وقال غلام البكري (٤): [من الكامل]
أَحْبِبْ بمنظرِ ليلة ليلاء … تُجنى بها اللذات فوق الماء
في زورق يزهى بغرة اغيد … يختالُ مثل البانةِ الغَيْناء
قَرَنَتْ يداه الشمعتين بوجهه … كالبدر بين النَّسرِ والجَوْزاءِ
والْتَاحَ (٥) فوق الماء ضوء منهما … كالبرق يخفق في غمام سماء
قلت: ومن هذا النهر أُخذت إشبيلية، فقال بعضهم «لَسَبَ (٦) إشبيلية عقربها، وساورها أرقهما». يريد بالعقرب شَرَفَها (٧) المطلّ، وهو عقربي الشكل، وبالأرقم
стр. 151
نهرها. قالوا: وهو من العجائب] (١).
بلا وحكى ابن ظافر (٢)، قال: ركب [الأستاذ] (٣) أبو محمد بن صارة [مع أصحاب له] (٤) في نهر إشبيلية في عَشِيّة سال أصيلها (٥) على لُجَيْن الماء عقيانا، وطارت زواريقها (٦) في سماء اللهو (٧) عِقْبانا (٨)؛ وأبدى نسيمها من الأمواج [والدارات سُررا وأعكانا؛ في زورق يجول جَوَلان الطرف، ويسود اسوداد الطرف] (٩). فقال بديهًا: [من الوافر]
تأمل حالنا والجو طلق … محياه، وقد طَفِلَ المَساء
وقد جالت بنا عذراء حُبلى … تجاذب مرطها ريح رُخاء
بنهر كالسجنجل كوثري … تُعبّس وجهها فيه السماء
стр. 152
ولما وقف عليها ابن خفاجة، استحسنها واستظرفها واستطابها. فقال يعارضها، على وزنها ورويها وطريقها (١): [من الوافر]
ألا يا حبذا ضَحِكُ الحُمَيَّا … بحانتها، وقد عَبَس المَساء!
وأدهم مِنْ جِيادِ الماء (٢) نَهْدٌ … تنازع حَبْلَهُ رِيحٌ رُخَاءُ!
إذا بدت الكواكب فيه غرقي … رأيت الأرض تجذبها (٣) السماء
بلا ونهر سَرَقُسْطة: وهو نهر جليل كبير متسع الجوانب.
وذكر ابن خاقان (٤) أنّ المستعين بن هود ركب هذا النهر يوما لتفقد بعض معاقله، المنتظمة بجيد ساحله وهو نهر غزر (٥) ماؤه وراق، وأزرى (٦) على نيل مصر (٧) ودجلة العراق (٨). وقد اكتنفته البساتين من جانبيه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس تنظر إليه (٩). هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح مائه وأرضه (١٠). وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الصفاوة بالغزاله. وقد أعدّوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف [حتى] حوت السماء. وأهلةُ الهالات طالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء (١١) كل طائرة كالشهاب. فلا ترى إلا صيودا كصيد (١٢) الصوارم، وقدود اللهاذم،
стр. 153
ومعاصم الأبكار النواعم. فقال الوزير أبو الفضل بن حسداي (١)، والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى قد استرق هواه، وارتجل: [من البسيط]
لله يوم أنيق واضح الغُرَرِ … مُفَضَّضٌ مُذْهَبُ الآصال والبُكَرِ!
كأنما الدهر لما ساء، أعتبنا … فيه بعتبي وأبدى صفح مُعتذر
نسير في زورق حَقَّ السَّفينُ بهِ … مِنْ جانبيه بمنظوم ومنتثر
مد الشراع به نشرًا على مَلِكِ … بد الأوائل في أيامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوى … علياءَ مُؤْتَمَن فِي هَدْيِ مُقتدر
تحوي السفينة منه أيةً عَجَبا … بحر تجمع حتى صار في نَهرِ
تُثارُ مِنْ قعره النينان (٢) مُصْعِدَةً … صيدا كما ظفر الغواص بالدرر
وللندامي بهِ عَبٌ ومُرْتَشَفٌ … كالراح (٣) تعذب في ورد و وفي صَدَرِ
والشرب في ود مولى خُلقه زَهَرٌ … يذكو، وغُرتُه (٤) أبهى من القمر
من ذلك نهر ثان ينصب من ذلك الجبل أيضًا. ينزل على مدينة البيرة، وينصب إلى المحيط.
ومن ذلك نهران ينصبان من الجبل الفاصل بين طليطلة ووادي آش، المبني بسفحه الجنوبي قبة الزُّهَرَة. يأخذ الأوّل منهما جنوبًا إلى قرطبة، وينصب في البحر الرومي. ويأخذ الثاني شمالًا بين بَطَلْيُوسَ وقُورة، ويصب في البحر المحيط.
ومن ذلك نهر ينصب وراء خليج البنادقة من وصلة الأم الخارجة من البحر الشامي، شرقي رومية الكبرى. يأخذ من هذا النهر غربًا بشمال على مدينة لبطيرة شمالي فَرَنْسِيَة. ويصب في البحر المحيط.
ومن ذلك نهر يصب من الجبل المحيط، حيث يسمّى بجبل قاقونا آخذًا شرقي مدينة سوسية إلى مدينة قسطنطينية العظمى. ويصب في البحر الرومي عندها.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل المحيط المذكور، شرقي هذا المصب، آخذًا على بلاد الصقلب، مارًا شرقي بلاد الجركس والماجار إلى أن ينتهي إلى مدينة قرم
стр. 154
وينصب في بحر بنطس (١).
ومن ذلك نهر ينصب من جبال همذان وخلاط من شمالي ماردين، آخذًا على شمالي ملطية، حتى يشق بين مدينتي شهر وقرمي. ويصب في البحر الشامي.
ومن ذلك نهر جيحان (٢): يخرج من بلاد الروم تحت حصن المُنَقَّب. يأخذ ما بين عين زربا وكَفَريثا. ثم يَمُدّ إلى المَصِّيصة ويصب في البحر الشامي.
ومن ذلك نهر سَيْحان (٣): يخرج من شماليه ويمر على أذَنَة (٤) ثم يصب في البحر الشامي.
ومن ذلك في نهاية الشمال عشرة أنهار: منها اثنان ينصبان من الجبل الأم المذكورة؛ وثمانية تنصب من الجبلين المكتنفين شرقًا وغربًا لبحيرة جارس، ينزل من كل واحد منهما أربعة أنهار. تنصب هذه العشرة الأنهار في هذه البحيرة المذكورة.
ومن ذلك أربعة أنهار تنصب من جبال الديلم:
ينزل الأول غربي أرجان.
ويليه الثاني ينزل من شرقيه.
ويليه الثالث ينزل من شرقي المسن.
ويليه الرابع ينزل من سابور. وتنصب الأربعة في البحر الهندي.
ومن ذلك نهر دجلة: يصبّ من جبال شهرزور وآمد. ويمتد بين آمد وميافارقين إلى الموصل. ثم يمدها الزابان: الزاب الأكبر والزاب الأصغر. وهما نهران كبيران. ثم يأخذ إلى تكريت غربي ديار بني شَيْبَان (تامرى وعُكْبَرا والدادان) إلى بغداد. ثم يتشعب ما بين بغداد والمدائن جنوبي بغداد وشمالي المدائن شعبة منه، تأخذ منه شرقًا محضًا. وهو المسمى بالنهروان. ثم يَمُدّ عمود دجلة مستقيمًا على الجنوب، ثم يتشعب منه بين النعمانية وجبل جَرْجَرَايَا جنوبي النعمانية؛ وشرقي جبل جرجرايا شعبة أخرى، تأخذ شرقًا محضًا، تمرّ بين حلوان وبَعْقُوبا. ثم يَمُدّ عمود دجلة إلى واسط. فإذا عداها
стр. 155
إلى سوادها، لاقاه الفرات هناك. ويجتمع الكلّ إليه نهرًا واحدًا، يمدّ إلى المَفْتَحِ. ويتشعب منه نهر مَعْقِل (١)، وهو النهر المشهور. وينصب بعضه إلى بطائح البصرة (٢). ويستدير باقيه بالمربد والأبلة شرقي البصرة. ثم يمد عمود دجلة مستقيمًا على الجنوب. ثم تتشعب منه شعبة أخرى صغيرة، تجيء على جنب الأبلة فتشق أرضها عرضًا، وتلاقي الشعبة المستديرة بها. ثم يمد عمود دجلة آخذًا جنوبًا إلى عبادان. ويصب هناك في البحر الهندي.
ومن ذلك نهر الفرات: يصب من جبال الروم، ويأخذ على ملطية إلى سميساط، إلى الرقة، إلى قرقيسيا، إلى الرحبة، إلى الدالية، إلى عانة، إلى هيت، إلى الأنبار. ثم تتشعب منه أنهار: منها نهر عيسى (٣)، ونهر صَرْصَر (٤)، ونهر المَلِك (٥)، ونهر صورا (٦)، ونهر الصَّراة (٧)، وهو المشهور، وإياه عنى الشاعر في شعره. بقوله: [من الكامل]
أو ما وجدتم في الصراة ملوحة … مما أرقرق في الفُراتِ دموعي؟
ثم يمتد عمود الفرات ويمر ما بين القصر (٨) وبين الكوفة على بابل، ويستدير منه شعب بخانقين؛ وتكون هي جزيرة بوسطه، ويصب ذلك الشعب من تحت خانقين (٩) في
стр. 156
بطائح الكوفة، ثم يأخذ عمود الفرات فوق خانِقِينَ من حيث استدار ذلك الشعب عليها مائلًا على الجنوب مشرقًا. ثم يتشعب منه شُعَب أُخر إلى بطائح البصرة، وينعطف عمود الفرات آخذًا شرقًا بشمال على وراب قليل إلى سواد واسط، ويلاقي هناك دجلة. ويجتمع عمودها هناك نهرًا واحدًا، حتى يصب غربي عبادان، في البحر الهندي.
ومن ذلك نهر الساجور (١): يصبُّ من جبال الروم آخذا شرقا حتى يُحاذي منبج، … ثم يصب في الفرات، ويتشعب منه شعبٌ، لولاها لم يُذكر الساجور. وهو نهر يسمّى قُويق، يمدّ من مغاربه إلى أن ينزل حلب، ويسقي الأرض والمزارع، ويتناهى إلى شرقي قنسرين، ويبحر هناك بحيرات لطيفة، وإنما ذكرناه لشهرة نهر قويق، ولهذا علمناه بالأحمر.
ومن ذلك نهر يعرف بالعاصي: يصبُّ من وراء نهر بعلبك، من منابع شتى في وطاءة أرض. قلتُ: من قرية تعرف باللبوة ومغارة الراهب. ثم يأخذ شمالًا مارًا حتى يقارب غربي حمص. فيصب هناك في بحيرة متوسطة في الاتساع. ثم يخرج منها ويمرّ غربي حمص إلى حماه إلى شيزر إلى أفَامِيَة. فيصب في بحيرة بها. ثم يخرج فيشق في جبال تعرف هناك الآن بجبال الغرب، إلى ديركوش، إلى بلاد يعرف بالإقليم. ثم ينزل العمقا إلى أنطاكية إلى السويدية. ويصب في البحر الشامي، حيث ينعطف هناك. وقد سمينا بعض هذه الأسماء بما يعرف بها الآن.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل الممتد على الشام شرقي طرابلس المستجدة (٢) البناء، حيث يسمّى الجبل هناك بلبنان. يجري من قرية تعرف الآن برشعين، فيدخل تحت قناطر معقودة جدّدها الابرنس (٣) حين غلبت الفرنج على طرابلس، فعرفت به. فيشق المدينة المستجدة ويصب في البحر الشامي.
ومن ذلك نهر بردا (٤): ويخرج من عين صحراء الزبداني بين بعلبك وبين دمشق. ثم يمده نهر يخرج من الجبل الممتد على الشام من مكان يعرف الآن بالفيجة (٥) تحت
стр. 157
حصن عزّتا ويمد إلى دمشق. وينقسم قبلها وبعدها أنهارا، يعم دورها وبساتينها، ويسقي بعض قراها ومزارعها، ثم يبحر فاضل مائه شمالي الغوطة في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر الأَرْدُنّ:/ بلا/ ولا يسمّى بهذا الاسم إلا حيث خرج من بحيرة طَبَرِيَّة. ويسمى الآن الشريعة ويشق وادي كنعان شقًا في الطول حتّى ينتهي إلى بحيرة زُغَر (وهي سَدُوم، دار قوم لوط، وتعرف الآن بالمنتنة)؛ والوادي بالغور. وله في كل مكان اسم بحسب ما يضاف إليه من مشاهير القرى التي فيه.
وأصل هذا النهر من مرج عيون والهرماس. وكلاهما تحت الشقيف وتل القاضي والملاحة، وهي عين بعيدة العمق جدًا، ونهر بانياس.
وتسمى هذه الأمواه كلها: الشريعة الشمالية. وترمي تحت جسر يعقوب وتجتمع في بحيرة طبرية. ثم تمدّ فتتلاقى هي والشريعة القبلية بقرية تعرف بالبقارية، ويأتيان جسر الصنيرة إلى الجسر العادلي، وهو تحت عقبة فيق (١)، قرب الدير الأسود، ثم تأتي جسر شامة المقارب لقرية المجامع. وتمد فيلاقيها نهر الزرقاء، دون دامية. ثم تمدّ فترمي في البحيرة المنتنة.
وسنذكر أصل الشريعة الشمالية. وهو من دير الهُوَيْر والجولان واليرموك ووادي الأشعري والفوّار والمدان، مع ما ينضاف إلى ذلك من ينابيع. ويتحصل من البلاد المرتفعة، ويجتمع تحت حمّة جَدَن (٢). وهي تحت فيق، وعليها قبو معقود ببناء خشن طويل. وبه أحواض. يقال إن كل حوض لعلة من العلل يبرئها، بإذن الله، إذا استحم منه العليل بها. قالوا: ولم تزل على هذا حتّى أتى بعض قدماء الحكماء فهدم القبو والأحواض وجمع الماء كله إلى مجرى واحد، إلا فرعين تركهما: أحدهما لمن به ريح، والثاني لمن به جَرَبٌ. والماء الغَمر لسائر الأسقام وماء هذه الحمة عذب. وآثار الأبنية باقية.
الربع الرابع
من هذه الأرباع المقسومة، وهو الشرقي الآخذ إلى الشمال، وبه ما يذكر من الأنهار: فمن ذلك نهران يصبان من الجبل المشبّه بصليب ذَهَبَ أحد شعبه.
ينصب أحدهما من جنوبي هذا الجبل واقعا شرقي مدينة طغان الواقعة في شمال
стр. 158
هذا الجبل بغرب. يمر بين طغان وتركستان مغربا، حتّى يصب في بحيرة خلاط.
والنهر الثاني منهما ينصب من شرقي هذا النهر الأوّل وعلى سمته. يمتد بنهر، ثم يتشعب على شعبتين: الشعبة الجنوبية منهما تأخذ شمالي مدينة طغورا مشرقًا على قصر الدهال المقارب لبلاد كنغد، ثم ينعطف آخذًا إلى الجنوب يشق بلاد الهند حتى يصب في البحر الهندي، شرقي كوام والشعبة الثانية منهما تأتي جنوبي الأرض المحفورة، على ما قيل، حتى تصب في البحيرة البلاعة.
ومن ذلك نهر أثيل: وهو المركب عليه مدينة السراى. ومخرجه من عين تنبع في ذيل جبل قاقونا، ثم يقتبل الجنوب آخذًا بغرب في صحارى القبجاق على شمالي معادن الفضة، حتى يصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهران ببلاد الخطا، نازلان من الجبل الغربي من جبال المحيط بها. يأخذ الشمالي منهما مشرقًا ويُبحّر جنوبي خان بالق. ثم يمتد مشرقًا بجنوب حتّى ينتهي إلى المالق والآخر ينتهي إلى باش مالق. ينتهي عندها.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل الواقع فيه باب الصين ينزل على قراقرم، ويأخذ مشرقا على بلاد الهياطلة حتى يصب في بحيرة السودان هناك.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل الممتد من وراء العوج. ينزل من شرقيه على مدينة قلنبر. ويبحر في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر يسمّى نهر الطيب: يخرج من قشمير السفلى.
ومن ذلك نهر ينزل من الجبل، شمالي السُّدّ حتّى يصبّ في بلاد عبدة الشياطين، في بحيرة هناك، تسمى بحيرة الشياطين.
ومن ذلك نهر جيحون (١): ينزل من جبل قاقونا. وتمدّه أنهار من جبال تمده فيمتد حتى يخرج من هذا الربع إلى الربع الغربي القسيم له فيصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر سيحون (٢): الآخذ على بلاد فرغانة ويمده نهر الشاش ويخرج حائط عبد الله بن حميد حتّى يصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر السُّغد (٣): ينصب من جبال البتم، وينتهي إلى بُخَارا، ويبـ، ويبحر في بحيرة هناك.
стр. 159
ومن ذلك نهر مكران (١): ينصب من جبل الديلم فيمتد آخذًا على مدينة المحمدية. على كرمان إلى بلاد السند.
ومن ذلك نهر عماس: في بلاد الترك.
ومن ذلك الأنهار العشرة. الآخذة منها خمسة تجري من شعبة منقطعة من الجبل المحيط متصلة بالبحر المحيط، وتمده أنهار من جبال النوشادر الواقعة شرقي الصين حتى يصب في نهر حمدان، ثم يمتدّ الجميع نهرًا واحدًا حتى يصب في المحيط.
ومن ذلك نهر حمدان الأعظم: وهو ينزل من جبال أرموية ونانوس على مدينة اطراغا، ويبحر هناك. ثم يمد مشرقًا إلى مدينة لوقر. وينعطف في الصين حتى تلاقيه هناك الأنهار العشرة، أعني المتقدمة الذكر، دون خط الاستواء في أوائل الإقليم الأول. يقال إنه يصب به نهر كل المنصب من الصين الداخل. ويمتد الجميع نهرًا واحدًا موغلًا في الفرجة الداخلة في الصين من البحر المحيط والبحر الهندي، إلى وراء خط الاستواء. ثم يصب هناك في البحر المحيط.
ومن ذلك نهران: أحدهما نهر الكُر (٢) والآخر نهر الرَّس: يصبان من جبل الديلم يسمى جبل قالبولا، ويجيء الكر على تفليس، ويلاقي الرَّس نهر ينزل من سبلان بين ترزند ووزنان، ثم يصب الكر جنوبي شروان، ويصب الرس غربيه. كلاهما يصبان في بحيرة طبرستان.
ومن ذلك نهر يسمّى الآن قراصو: وهو اسم باللغة التركية أي الماء الأسود يأتي من شروان وشَمَاخِي ويسكب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر آخر يسمى أرس: يأتي على شرقي المكان المسمى الآن صحراء بيلسوان. ويصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك - على ما قيل - نهران ينزلان من الجبل المحيط ويسقيان بلاد يأجوج ومأجوج. ينزل أحدهما جنوبي السد، والآخر من شماليه. وهكذا صوّره صاحب جغرافيا في لوح الرسم.
فهذه هي جميع الأنهار المشتهرة في جميع المعمورة وما قاربها. ولم نُخلّ منها إلا بما لعل صاحب جغرافيا لم يصوّره في لوح الرسم. وإن كان، فهو القليل. وفيما ذكرناه كفاية.
стр. 160
البحيرات المشهورة
ثم نحن نذكر ما في معمورة الأرض من البحيرات المشهورة، ونحن نقسمها على البحيرات المشهورة نصفين: نصفا شرقيًا ونصفًا غربيًا.
فالنصف الأول هو الشرقي فيه ما يذكر من البحيرات:
فمن ذلك بحيرة كيماما. بجزيرة القمر الخارجة عن خط الاستواء. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة اطراغا بالصين. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة سَرَنْك بالهند. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة السوكران ببلاد الهياطلة، شرقي قراقرم بشمال. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة بخارا. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة خوارزم. وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة تهامة. يصب بها نهر اتكش في بلاد الترك.
ومن ذلك بحيرة زَرَه ببلاد سجستان. وهي ملح.
وذلك على ما نقل في لوح الرسم.
والنصف الثاني وهو الغربي، به من البحيرات ما يذكره:
فمن ذلك بحيرات التيل الثلاثة.
أعلاها بحيرتان، حيث تنصب في أوّله؛ ثم البحيرة الكبرى التي دونهما ونسميها البطيحة.
ثم بحيرة الفيوم (١) ذكرناها هنا لأنها من النيل من الفرع الآخذ من نيل السودان خلف بلاد غانة. وهي عذبة.
ثم بحيرة الفيوم ذكرناها هنا لأنها من النيل أيضا. وهي عذبة. ولم ننبه على أن هاتين البحيرتين عذبتان مع كونهما من النيل إلا لنعلم أن أرضهما لم تغير ماءهما ولا أفسدت طعمهما.
ومن ذلك يخيرة زاقون. يبحر بها النهر المنصب من الجبل المشبه بتعنيقة (٢) [ل] بالخط المغربي.
стр. 161
ومن ذلك بحيرة بين قصر عيسى وبين كوكورة؛ وبحيرة بين كوكورة ومجالات جاي.
ومن ذلك بحيرتان عند بنزرت من بلاد إفريقية: إحداهما ملح، والأخرى عذبة.
تجري العذبة في الشتاء ستة أشهر، وتسكب في البحيرة الملح فلا يعذب ماؤها ثم تنقطع. وتجري البحيرة الملح ستة أشهر أخرى تمام السنة، وتسكب في العذبة فلا تملح. وبها أنواع من الحيتان يخرج كل شهر من الشهور العربية نوع منها. فإذا فرغ الشهر، ذهب ذلك وجاء غيره، ثم لا يوجد من نوع الحوت الذي كان في الشهر الماضي شيء ألبتة إلى مدة ذلك الشهر من السنة الآتية. وحكى لي ذلك المغاربة.
فسبحان من بيده الأمر كله!
ومن ذلك بحيرتان بأقصى المغرب: إحداهما على مقربة من قصر ابن عبد الكريم في غاية الاتساع. بوسطها جزيرة دورها مقدار ثمانية عشر ميلا وتسمى بأبي سلهام. تمدها أودية تنحدر من جبال غمارة. وفي تلك الجزيرة يأوي عرب ذلك الموضع بذخائرهم ورغي بهائمهم.
والأخرى بأزغان شمالي مكناسة. تمدّها أنهار تنحدر من جبال أزرو جنوبي مكناسة. وليس لمياههما منفذ.
ومن ذلك بحيرة أبزو، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة الإسكندرية، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة تنس (١)، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة جارش، بالشمال وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة طبرية، وهي عذبة.
وبها الحَمَّة المعروفة بحمام طبرية، وللناس فيها أكاذيب، وهي صورة تنور مثل تنور الكلس تكون سعته نحو عشرة أذرع تقريبا. يخرج منه ماء يدير حجري رحى. مهما وضع فيه احترق لإفراط حرارته. وقد استخرج منه جدول في عرض الجبل يمتد نحو ألف ذراع تقريبا، لتقل ببعد المدى حرارته. ثم يأتي ببيتين مسقوفين - وسقوفهما بالحجر أحدهما لاستحمام الرجال والآخر لاستحمام النساء والحمة ماؤها مملوح مكبرت.
ومن ذلك بحيرة زُغَر. وهي المخسوف بها، وهي المنتنة.
стр. 162
ومن ذلك بحيرة دمشق، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة حمص، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة أفامية، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة أنطاكية، وهي عذبة، وتعرف ببحيرة يغرا، وهي متوسطة المقدار.
ومن ذلك بطائح العراق: اثنتان بالبصرة، وواحدة بالكوفة. الجملة ثلاث بحيرات عذبة.
ومن ذلك بحيرة خلاط، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة أيودان، وهي ملح.
وذلك منقول من لوح الرسم، أو محقق بالسؤال، وإن حصل في بعضه إخلال. وفيما أتينا به غنى عما سواه. وبعض الشيء في هذا الباب استدراك، إذ المراد بذلك ما يستدل على الأرض بأعلامها الظاهرة. وفي الدليل الواحد كفاية.
وإذا انتهينا إلى هنا نذكر رمل الهبير؛ لأنه مما هو ممتد في الأرض. فكان من أعلامها المشهورة المشهودة في الآفاق.
قال صاحب كتاب «معرفة أشكال الأرض»: (١) «وأما الرمل الهبير، فطوله من وراء جبلي طيئ إلى أن يتصل مشرقا بالبحر. ويمضي من وراء جبلي طيء إلى أرض مصر، ثم إلى بلد النوبة. ويمتد إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر. ومنه عرق يضرب من القادسية إلى البحرين، فيعبر البحرين، فيمر على مشارق خوزستان وفارس إلى أن يرد سجستان. ويمر مشرقا إلى مرو، وآخذا على جيحون في برية خوارزم. ويأخذ في بلاد الخَرْلَخِيَّة (٢) إلى بلد الصين والبحر المحيط في جهة المشرق. وهو على ما وصفته وسقته من المحيط بالمشرق إلى المحيط بالمغرب. وفيه منه جبال عظام لا تُتَوَكَّل ولا تُرتقى. وبعضه في أرض سهلة ينتقل من مكان إلى مكان. ومنه أصفر لين اللمس، وأحمر قانيء، وأزرق سماوي، وأسود حالك، وأكحل مُشبَّع كالنيل (٣)، وأبيض كالثلج. وبعضه يحكي الغبار نعومةً، وبعضه خشن جريش اللمس».
стр. 163
ونحن نبين كلّ شيء بحسب ما يمكننا من الطاقة والاجتهاد. وفوق كل ذي علم عليم!
* * *
الآثار البينة في أقطار الأرض
ثم إنا نحن نعقب ذلك بذكر جمل من الآثار البينة في أقطار الأرض ما جرت مجرى الأعلام، وقامت في الاستدلال مقام ما قدمنا ذكره من الجبال والأنهار والرمل والبحيرات. وسنذكرها مبينة. وبالله التوفيق (١).
فنبدأ بذكر المساجد الثلاثة: المسجد الحرام؛ ومسجد النبي ﷺ ؛ والمسجد الأقصى.
وهي التي تُشدّ إليها الرحال، وتُجِدّ إليها الركائب الترحال، تسري إليها سُرى السحائب في المحال، وتسمو والكواكب غَرْقى سُمُوَّ حَباب الماء حالا على حال.
روى أبو سعيد الخدري عن النبي ( ﷺ ) أنه قال: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس». رواه الإمام أحمد (٢).
ويتبع كل مسجد منها بما تعلق بذيل أستاره، وتألق بإشراق نوره وإسفاره، مما ضمه نطاق سوره، وأفيض عليه بركة سوره، [إلى غير ذلك من آثار، ومواطن تُجدّ الدموع فيها النثار]. (٣)
وأول ما نبدأ به:
ذكر الكعبة
البيت الحرام: أول بيت وضع للناس، ورفع على قديم الأساس. بني مثالا للبيت المعمور، ودُعِي إليه كل مأمور. وأذن إبراهيم (صلوات الله عليه) إليه بالحج؛ ودعا إليه الناس، فأتَوْه من كل فج. حَجَّته الملائكة قبل آدم، وجاءته وعهده ما تقادم. ويقال: إنه لم يبق نبي حتى حجه. ويعد عدة أنبياء دفنوا في الحجر منه. ولم تزل شعائره مكرمة، ومشاعره محترمة. عظم في الجاهلية والإسلام، وحُرّم من حيثُ بُنيت الأعلام. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤). وهو البيت المحجوج المحجوب،
стр. 164
والمقصود بالزيارة قصد الوجوب. وبه الحجر الأسود الذي هو يمين الله في أرضه، [والشاهد لمن حجّ وقبله بأداء فرضه. سماء الدعاء، وحَرَمُ تحريم الدماء. يأمن به الحمام ساكنا، ومَنْ دَخَلَه كان آمنا] (١).
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (٢).
وعن أبي ذر الغفاري. قال: «قلت يا رسول الله: أيُّ مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. رواه البخاري، وأبو عروبة وزاد: وأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد» (٣).
قال ابن جرير الطبري (٤): اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (٥) فقال بعضهم: تأويله «إن أوّل بيت وضع للناس يُعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين للذي ببكة». قالوا: وليس هو أوّل بيت وضع في الأرض، لأنه قد كان قبله بيوت كثيرة. ثم أسند هذا القول عن عليّ بن أبي طالب والحسن ومَطَر وسعيد (وأظنه ابن جبير) ثم قال: وقال آخرون: بل هو أول بيت وضع للناس. واختلف هؤلاء في صفة وضعه أوَّلَ. فقال بعضهم: خلقه قبل الأرض، ثم دحيت الأرض من تحته. وأسند هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان عرشه على الماء على زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته. ونحوه عن مجاهد وقتادة والسُّدِّيّ. وقال آخرون: موضع الكعبة موضع أوّل بيت وضعه الله في الأرض. وأسند عن قتادة قال: ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم. وحين أُهبط قال الله: أُهبط. معك بيتي يُطاف به كما يُطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعدة من المؤمنين. حتّى إذا كان زمن الطوفان، رفعه الله وطهره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض. فصار معمورا في السماء. ثم إن إبراهيم تتبع منه أثرا بعد ذلك، فبناه على أساس قديم كان قبله. وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي ببَكَة﴾ يعني للبيت الذي ببكة.
стр. 165
قال الزمخشري (١): وهو عَلَم للبلد الحرام. ومكة وبكة لغتان. وقيل: مكة البلد، وبكة موضع المسجد. وقيل: بكة موضع البيت، ومكة ما حوله. وقيل: بكة البيتُ والمسجد، ومكة الحرم كله.
وقال عطاء بن أبي رباح: وُجّه آدم إلى بكة حين استوحش. فشكا ذلك إلى الله في دعائه. فلما انتهى إلى بكة، أنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة. فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتّى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة. حتى بعث الله إبراهيم فبناه فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (٢) رواه أبو عروبة.
وروى أبو الوليد الأزرقي (٣) بسنده عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: «إن الله ﵎ بعث ملائكة، فقال: ابنوا لي بناءً في الأرض تمثال البيت وقدره. وأمر الله من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. قال: وكان هذا قبل خلق آدم ﵇. والله أعلم!
وقيل: إن آدم أوّل من بناها. وقيل شيث بن آدم. وكانت قبل بنائه خيمةً من ياقوتة حمراء، يطوف بها آدم».
وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال (٤): ذكر لنا أن قواعد البيت من حراء؛ وذكر لنا أن البيت من خمسة أجبل: حراء ولبنان والجودي وطور سينا وطورزَيْتا.
وقال ابن جُرَيحٌ: بُني أساس البيت من خمسة أجبل. (فذكر مثله).
وحكى السُّهَيْلي (٥) أن الملائكة كانت تأتي إبراهيم ﵇ بالحجارة. وقيل رفعت الكعبة في الطوفان وأودع الحجر الأسود أبا قبيس. وبقي موضعها ربوةً، حجها هود وصالح. فيقال إن يعرب قال لهود: ألا تبنيه؟ قال إنما يبنيه نبي يتخذه الله خليلا. ولما بناه إبراهيم دلته عليه السكينة. وكانت تنزل عليه كالحَجَفة.
стр. 166
وقال الأزرقي (١): لما بنى إبراهيم ﵇ الكعبة، جعل طول بنائها في السماء تسعة أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعًا، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعًا. وكانت غير مسقوفة. ثم بنتها قريش في الجاهلية. فزادت في طولها في السماء تسعة أذرع. فصار ارتفاعها في الهواء ثمانية عشر ذراعا. ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرا، تركوها في الحجر.
ولم تزل كذلك حتى كان زمن عبد الله بن الزبير، فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وزاد ارتفاعها في الهواء تسعة أذرع. فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا. ثم بناها الحجاج بن يوسف الثقفي، فلم يغير ارتفاعها. ونقض الحجر وأعاده كما كان في الجاهلية.
واعلم أن الكعبة بنيت في الدهر خمس مرات (٢):
إحداهنّ: بناء الملائكة أو آدم أو شيث، على ما تقدم.
الثانية: بناء إبراهيم.
الثالثة: بناء قريش. والسبب في ذلك أن الكعبة استهدّمت، فكانت فوق القامة. فأرادوا تعليتها. وكان بابها لاصقًا بالأرض في عهد إبراهيم وعهد جُرْهُم إلى أن بنتها قريش. فقال أبو حذيفة بن المغيرة يا قوم ارفعوا باب الكعبة، حتى لا يدخلها أحد إلا بسلم! فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم. فإن جاء أحد ممن تكرهونه رميتم به فسقط وصار نكالا لمن يراه. فرفعت بابها، وجعلت لها سقفا، ولم يكن لها سقف. وزادت ارتفاعها، كما تقدّم. وكان عمر النبي ( ﷺ ) إذ ذاك خمسًا وعشرين سنة، وقيل خمسًا وثلاثين. فحضر البناء وكان ينقل الحجارة معهم، كما ثبت في الصحيح. وتنافست قريش فيمن يضع الحجر الأسود موضعه من الركن. ثم رضوا بأن يضعه النبي ﷺ .
الرابعة: بناء عبد الله بن الزبير. والسبب في ذلك على ما ذكر السهيلي، أن امرأة أرادت أن تُجمّر الكعبة، فطارت شررة من المجمرة في أستارها. فاحترقت. وقيل طارت شررة من أبي قبيس فوقعت في أستار الكعبة، فاحترقت فشاور ابن الزبير من حضره في هدمها. فهابوا ذلك، وقالوا: نرى أن يُصلح ما وهى منها ولا تُهدم. فقال: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها.
стр. 167
فهدمها حتى أفضى إلى قواعد إبراهيم، فأمرهم أن يزيدوا في الحفر، فحركوا حجرًا منها، فرأوا تحته نارا وهَوْلًا أفزعهم، فبنوا على القواعد.
وفي الخبر أنه سترها وقت حفر القواعد فطاف الناس بتلك الستارة. ولم تخل من طائف. حتى لقد ذُكر أن يوم قتل ابن الزبير، اشتد الحرب وشغل الناس حينئذ، فلم ير طائف يطوف بها إلا جَمَلٌ. وتمم بناءها وألصق بابها الأرض. وعمل لها خَلْفًا أي بابا من ورائها وأدخل الحجر فيها. وذلك لأن خالته عائشة ﵂ حدثته أن رسول الله ﷺ قال: ألم تَرَيْ أن قومَكِ قصرت بهم النفقة حين بنوا الكعبة، فاقتصروا على قواعد إبراهيم. ثم قال: لولا حدّثان قومك بالجاهلية، لهدمتها وجعلتُ لها خَلْفًا، وألصقت بابها الأرض، وأدخلتُ فيها الحِجْر. فقال ابن الزبير: فليس بنا عجز عن النفقة. فبناها على مقتضى حديث عائشة.
وحكى أبو الوليد الأزرقي أنه لما عزم على هدمها، خرج أهل مكة إلى مِنّى. فقاموا بها ثلاثا خوفا أن ينزل عليهم عذاب لهدمها. فأمر ابن الزبير بهدمها. فما اجترأ على ذلك أحد. فعلاها بنفسه وأخذ المِعْوَل وجعل يهدمها ويرمي أحجارها. فلما رأوا أنه لا يصيبه شيء، صعدوا وهدموا. فلما تم بناؤها، خلقها من داخلها وخارجها، من أعلاها إلى أسفلها، وكساها القَبَاطِيّ. وقال: مَنْ كانت لي عليه طاعة، فليخرج فليعتمر من التنعيم، ومَن قدر أن ينحر بَدَنَةً فليفعل، ومَن لم يقدر فليذبح شاة، ومن لم يقدر عليها فليتصدق بوسعه وخرج ابن الزبير ماشيا، وخرج الناس مشاة. فاعتمروا من التنعيم، شكرًا الله تعالى. فلم يُرَ يوم أكثر عتيقًا وبَدَنَةً منحورة وشاة مذبوحة وصدقةً من ذلك اليوم. ونحر ابن الزبير مائة بدنة.
قال السُّهَيْليّ: ولما قام عبد الملك بن مروان في الخلافة، قال: لسنا من تخليط أبي حبيب بشيء (يعني عبد الله بن الزبير). فهدمها وأعادها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ ل له إلا في ارتفاعها. ثم جاءه الحارث بن أبي ربيعة المخزومي ومعه رجل آخر، فحدّثاه عن عائشة عن رسول الله ﷺ بالحديث المتقدم، فندم وجعل ينكت بِمخْصَرَة في يده الأرض، ويقول: «وَدَدْتُ أَني تركت أبا خُبَيْب، وما تحمّل من ذلك».
وتولى البناء - في زمن عبد الملك بن مروان - الحجاج بن يوسف الثقفي. وهو البناء الخامس الموجود الآن.
[والذي هدمه الحجاج هو الزيادة وحدها. وأعاد الركنين، وسد الباب الذي فتحه ابن الزبير. وسده بين إلى الآن. وجعل في الحجر من البيت دون سبعة أذرع. وعلامة
стр. 168
ذلك في داخل الحجر لوحان من مرمر منقوشان متقابلان في الجانبين. وصار عرض وجهها، وهو الذي فيه الباب، أربعة وعشرين ذراعًا] (١).
وقيل إن الكعبة بنيت مرتين آخرين، غير الخمس.
إحداهما بناء العمالقة بعد إبراهيم، والثانية بناء جُرْهُم بعد العمالقة.
قال السهيلي (٢): إنما كان ذلك إصلاحا لما وهى منه؛ لأن السيل كان قد صدع حائطه. وكانت الكعبة بعد إبراهيم ﵇ مع العمالقة وجُرْهُم إلى أن انقرضوا. وخَلَفَتهم فيها قريش بعد استيلائهم على الحرم؛ لكثرتهم بعد القلة، وعزهم بعد الذلة. وكان أوّل من جدد بناءها، بعد إبراهيم، قُصَيُّ بن كلاب وسقفها بخشب الدَّوْم وجريد النخل.
وروى الطبراني (٣) عن أبي سعيد الخدري - مرفوعًا - أن أوّل من جدد الكعبة بعد كلاب بن مرة، قُصَيٌّ.
وحكى السُّهَيْلي (٤) أن أوّل من اتخذ للكعبة غَلَقًا تُبَّعٌ. ثم ضرب لها عبد المطلب بابا من حديد، وهي الأسياف القَلْعية التي كانت مع الغَزَالَيْنِ الذهب. وهو ما استخرجه عبد المطلب من بئر زمزم لما احتفرها بعد ما طمها الحارث بن مُضَاضَ، لما أخرج الله جُرهم من مكة بسبب إحداثهم في الحَرَم واستخفافهم بالحرم وبَغْي بعضهم على بعض. فتغوّر ماء زمزم. وعمد الحارث إلى ما كان عنده من مال الكعبة وفيه غزالان من ذهب وأسياف قَلْعية، كان ساسان أهداها إلى الكعبة، وقيل سابور. وجاء تحت الليل ودفن ذلك في زمزم، وعفى عليها. ولم تزل دارسةً حتى حفرها عبد المطلب واستخرج ذلك كما هو مذكور في موضعه.
واتخذ عبد المطلب من الغزالين المذكورين حلية للكعبة. فهو أول ذهب حليت به الكعبة.
فلما جاء الإسلام وآلت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك، بعث إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله القسري بستة وثلاثين ألف دينار. فضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى الميزاب، وعلى الأساطين التي في جوفها، وعلى
стр. 169
الأركان، وهو أول من ذهب البيت في الإسلام.
وذكر السُّهَيْلي (١) أن الذي عمله الوليد هو ما كان من مائدة سليمان بن داود ﵉ من ذهب وفضة، حمل إليه من طليطلة، من جزيرة الأندلس. وكانت لها أطواق من زبرجد وياقوت. وكانت قد احتملت على بغل قوي، فتفسخ تحتها.
ثم لما آلت الخلافة إلى الأمين، رفع إليه أنّ الذهب الذي عمله الوليد قد رَقَّ. فأرسل إلى عامله على ضواحي مكة سالم بن الجراح بثمانية عشر ألف دينار ليضربها صفائح على باب الكعبة. فقلع ما كان على الباب من الصفائح وزيد عليها ثمانية عشر ألف دينار. وضَرَب الصفائح والمسامير وحَلْقَتي الباب والعتبة. فالذي كان عليه من الذهب ثلاثة وثلاثون ألف مثقال.
قلت: ثم جدد الباب الشريف في الأيام الزاهرة الملكية الناصرية سقى الله عهدها. عُمِل بمصر مُصَفّحًا بالفضة. وأنا كتبتُ نسخة ما كُتب عليه. وجُهز به برس بغا الناصري.
قال الأزرقي (٢): وعمل الوليد بن عبد الملك الرخام الأبيض والأخضر والأحمر في جوفها فوزر به جدرانها، وفرشها بالرخام. فجميع ما في الكعبة من الرخام هو من عمل الوليد. وهو أوّل من فرشها بالرخام وأزر به جدرانها.
قلتُ: ثم تقلع غالب ذلك. وغالب ترخيمها وما فيها الآن من آثار المظفر يوسف بن عمر بن رسول (٣)، صاحب اليمن. واسمه في الرخام داخل الكعبة، حيث
стр. 170
يُصلِّي المُصلِّي، بين العمودين تجاه وجهه في الجدار المتصل بالركن اليماني.
واختلف أهل السير في أوّل من كسا الكعبة الديباج.
فقال ابن إسحق (١): هو الحجاج بن يوسف. وقال ابن بكار: هو عبد الله بن الزبير.
وقال الماوردي: أوّل من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب. أخذ لطيمة تحمل البز، وأخذ فيها أنماطا، فعلقها على الكعبة.
وذكر جماعة - منهم الدار قطني - أن نُتَيْلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب كانت قد أضلت العباس صغيرا. فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج.
وحكى الأزرقي (٢) أن معاوية كسا الكعبة الديباج. قال: وكانت تُكسى يوم عاشوراء. ثم إن معاوية كساها مرتين.
ثم كساها المأمون ثلاث مرات (٣). فكان يكسوها الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان.
وهذا الأبيض ابتدأه المأمون سنة ست ومائتين حين قالوا له: الديباج الأحمر يتخرق قبل الكسوة الثانية. فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة. فقالوا: الديباج الأبيض. ففعله.
قلت: وهي الآن تكسى في العام مرةً واحدةً في وقت الموسم. وتحمل إليها الكسوة من الخزانة السلطانية بالديار المصرية، صحبة الركب. فيتولّى ذلك أمراء الركب. ويحضرون بأنفسهم فتُكسى، ويأخذ الأشراف وبنو شيبة الكسوة العتيقة ويقتسمونها. ويأخذون في كل قطعة منها أوفر الأعواض. وتحمل إلى سائر البلاد للبركة.
стр. 171
[وعهدي بصاحب اليمن يبعث إليها كسوة، فتلبس تحت الكسوة المصرية. وهما سوداوان من الحرير الأسود، بكتابة بيضاء، فيها آيات جاءت في القرآن في ذكر الكعبة] (١).
ولما حججت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، صعدتُ أنا وأمراء الركب المصري لتلبيس الكعبة الشريفة، حتى كنا على سطحها. فرأيته مبلطا بالمرمر والرخام الأبيض. ومن جوانبه جُدُرٌ قصار فيها حلق لمرابط الستور، تُجرّ فيها الكسوة بحبال، ثم تُربط في تلك الحلق.
وأنا أحمد الله، إذ بيدي توليتُ خلع الكسوة العتيقة عنها، وتلبيسها الكسوة الجديدة.
وحُمِلَت الكسوة العتيقة في تلك السنة إلى السلطان بمصر، لتُجَهَّز إلى السلطان أبي الحسن المريني (٢) مع ما يُجهَّز عوض هدية بعثها في هذه السنة، صحبة مريم زوجة أبيه وعريف السُّوَيْدي وجماعة من أكابر دولته. وعُوّض بنو شيبة والأشراف عنها من بيت المال بمصر.
والعادة جارية أن تغسل الكعبة المعظمة بماء زمزم في السابع والعشرين من ذي القعدة، وتُشمَّر ستورها. وتُلَبَّس يوم الأضحى، وتغسل بماء الورد عند عود الركب من مِنِّى، أوانَ مُنصَرَمهم وكلُّ ذلك حضرته في هذه السنة وتوليته بيدي. ولله الحمد!
وأما أوّل من كسا الكعبة مطلقًا:
فحكى الأزرقي (٣) عن ابن جُرَيج أن تُبَّعًا أوّلُ مَنْ كسا الكعبة كسوة كاملة. أُرِيَ في المنام أن يكسوها. فكساها الأنطاعَ. ثم أُري أن يكسوها الوصائل.
стр. 172
فكساها. وهي ثيابُ حِبَرةٍ من عَصْب ثم كساها الناس بعده في الجاهلية.
قال السهيلي (١): ويُروى أن تُبَّعًا لما كساها المسوح والأنطاع، انتفض البيت.
فزال ذلك عنه حين كساها الخَصَف، وهي ثياب غلاظ فلما كساها الملاء والوصائل (وهي ثياب موصلة من ثياب اليمن واحدتها وصيلة)، قبلته. ذكره قاسم في «الدلائل».
وروى الأزرقي (٢) بأسانيد متفرقة، أن النبي ﷺ كسا الكعبة. ثم كساها أبو بكر.
وكساها عمر من بيت المال القباطي. وكساها عثمان، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير، ومن بعدهم.
وقال تبع لما كسا البيت (٣): [من الخفيف]
وكسونا البيتَ الَّذِي حَرَّمَ … اللهُ مُلاءً مُعَضَّدا وبرودا
فأقمنا بهِ مِنَ الشهرِ عَشْرًا … وجعلنا لِبَابِهِ إقليدا
ونَحَرْنا بِالشِّعبِ سِتَّةَ أَلْفِ … فترى الناس نحوهن وُرُودا
ثُمَّ سِرْنا عنه نوم سهيلا … فرفَعْنا لواءنا مَعْقُودا
وأما صفة الكعبة (٤):
فاعلم أن الكعبة، البيت الحرامَ، مُرَبَّعةُ البنيان في وسط المسجد. ارتفاعها من الأرض سبعة وعشرون ذراعا؛ وعرض الجدار، وجِهْتُها الآن، أربعة وعشرون ذراعا، وهو الذي فيه بابها؛ وعرض مؤخرها مثل ذلك؛ وعرض جدارها الذي يلي اليمن - وهو فيما بين الركن اليماني والركن العراقي، وهو الذي فيه الحجر الأسود - عشرون ذراعا. وإلى وسط هذا الجدار كان يصلي النبي ﷺ قبله هجرته إلى المدينة. وعرض جدارها الذي يلي الشام، وهو الذي فيما بين الركن الشامي والركن الغربي، أحد وعشرون ذراعا؛ وميزاب الكعبة على وسطه يسكب في الحجر. ومن أصل هذا الجدار إلى أقصى الجدار ستة عشر ذراعا.
وعرض باب الحجر الشامي خمسة أذرع إلا شيء يسير؛ وعرض بابه الغربي ستة أذرع إلا شيء يسير؛ وجدار الحجر مدوّر من بابه الشامي إلى بابه الغربي، كالطيلسان.
стр. 173
وعرضه ذراع؛ وارتفاعه من الأرض أربعة أشبار.
والحجر الأسود، في الركن العراقي المقابل لزمزم. هو [على] سبعة أشبار من الأرض.
وباب الكعبة على أربعة أذرع من الأرض؛ وعلوّه ستة أذرع؛ وعرضه أربعة أذرع. وما بين الباب والحجر الأسود أربعة أذرع. ويسمى ذلك الموضع المُلْتَزَم؛ لأن رسول الله ﷺ حين فرغ من طوافه التزمه ودعا فيه، ثم التفت فرأى عمر، فقال (١): «هاهنا تُسكب العبرات».
ومن الباب إلى مُصَلّى آدم ﵇ حين فرغ من طوافه وأنزل الله عليه التوبة، وهو موضع الخلوق، ومن إزاز الكعبة، أرجح من سبعة أذرع. وكان هناك موضع مقام إبراهيم ﷺ .
وصلى النبي ﷺ عنده حين فرغ من طوافه ركعتين وأنزل الله تعالى عليه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. (٢) ثم نقله إلى الموضع الذي هو فيه الآن. وذلك على عشرين ذراعا من الكعبة؛ لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، أو يترك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف حين كثر الناس، وليدور الصف حول الكعبة، ويرى الإمام من وجهه. ثم حمله السيل في أيام عمر وأخرجه من المسجد. فأمر عمر بردّه إلى موضعه الذي وضعه فيه رسول الله ﷺ .
وبين موضع الخلوق - وهو مصلّى آدم ﵇ وبين الركن الشامي ثمانية أذرع.
ومن الركن الشامي إلى اللوح المرمر المنقوش في الحجر الذي بنى هناك ابن الزبير ركن البيت (وهو على قواعد إبراهيم ﵇ تسعة أذرع.
وفيما بين الحجر إلى مقام إبراهيم خمسة وعشرون ذراعا ويسمى ذلك الحطيم، لأنه يحطم الذنوب أي يسقطها؛ وقيل: لأنه حُطم من البيت؛ وقيل: لأن من حلف هناك كاذبا انحطم دينه ودنياه.
وما بين الركن العراقي (وهو الذي فيه الحجر الأسود) إلى مصلى النبي ﷺ قبل هجرته إلى المدينة عشرة أذرع. وكان يستقبل بيت المقدس، ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. ولهذا لم يبن توجهه إلى بيت المقدس إلا لما هاجر إلى المدينة.
стр. 174
وبين الركن اليماني وبين الباب المسدود في ظهر الكعبة أربعة أذرع. ويسمى ذلك الموضع المستجار من الذنوب. وعَرْض الباب خمسة أذرع، وارتفاعه سبعة أذرع. وبينه وبين الركن الغربي ثلاثة عشر ذراعًا.
وبين الركن الغربي وآخر قواعد إبراهيم وهناك اللوح المرمر المنقوش - أزيد من سبعة أذرع. وإلى هناك بنى ابن الزبير.
وقد قدمنا أن ارتفاع الكعبة في الهواء سبعة وعشرون ذراعًا.
وأما صفة المسجد الحرام المحيط بالكعبة فنقول: قد ذكر الأزرقي والماوردي والسُّهَيْلي (١) وغيرهم، وفي كلام بعضهم زيادة على بعض:
كان المسجد الحرام، أعني المحيط بالكعبة فناءً لها وفضاء للطائفين. ولم يكن له على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به. فضيق الناس على الكعبة وألصقوا دورهم بها. وكانت الدور مُحْدِقة بالكعبة. وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية. فلما استخلف عمر، وكثر الناس، قال: «لا بد لبيت الله من فناء! وإنكم دخلتم عليهم ولم يدخل عليكم». فوسع المسجد واشترى تلك الدور وهدمها وزادها في المسجد.
واتخذ للمسجد جدارا قصيرا، دون القامة. وكانت القناديل توضع عليه. وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام.
ثم لما استخلف عثمان، ابتاع منازل ووسعه بها. وبنى الأروقة للمسجد، فيما ذكر الأزرقي والماوَرْدِيّ وغيرهما إن ابن الزبير زاد في المسجد زيادة كثيرة. واشترى دورا، من جملتها بعض دار الأزرق، اشترى ذلك البعض ببضعة عشر ألف دينار. وجعل فيها عمدا من الرخام.
ثم عمره عبد الملك بن مروان؛ ولم يزد فيه، لكن رفع جداره، وجلب إليه السوارى في البحر إلى جُدَّة؛ وسقفه بالساج. وعمره عمارة حسنة.
ثم وسع ابنه الوليد وحمل إليه أعمدة الحجارة والرخام.
ثم زاد فيه المنصور، وجعل فيه أعمدة الرخام.
стр. 175
وزاد فيه المهدي مرتين: إحداهما سنة ستين ومائة، والثانية سنة سبع وستين ومائة وفيها تُوُفِّي المهدي واستقر بناؤه إلى الآن.
وأما الرواق فنقول: إن له سقفين، أحدهما فوق الآخر؛ وبينهما فرجة قدر الذراعين، أو نحوهما فأما الأعلى منه، فسطوحه فرش مسقف بالدوم اليماني وأما الأسفل منهما، فهو مسقوف بالساج، مزخرف بالذهب.
وعدد أساطينه وذلك من الرخام والحجر الأبيض، سوى ما جُدّد في دار الندوة وسوق الحنطة أربعمائة وأربع وثمانون أسطوانة بين كل أسطوانتين ستة أذرع: منها في الجانب الشرقي الذي يلي المسعى مائة أسطوانة وثلاث أساطين؛ وفي الجانب الشمالي مما يلي الصفا مائة أسطوانة وإحدى وأربعون أسطوانة؛ وفي الجانب الغربي مائة أسطوانة وخمس أساطين؛ وفي الجانب الشامي الذي فيه دار الندوة مائة وخمس وثلاثون أسطوانة.
وفي وسط هذا الشق أو نحوه الذي يلي المسجد سارية خمس أساطين: ذكر أنها كانت ليهودية فسامها النبي ﷺ فيها، فأبَتْ بيعها إلا بوزنها ذهبا؛ ففعل النبي ﷺ ذلك، فوضعت في ميزان، ووضع مثقال واحد فرجح المثقال ببركة رسول الله ﷺ .
ومنها على باب المسجد اثنتان وعشرون؛ ومن ناحية المسجد ست؛ ومن ناحية الوادي والصفا عشر؛ ومن ناحية بني جُمَح أربعٌ؛ ومن ناحية دار الندوة اثنتان.
وفي دار الندوة سوى ما ذكرناه سبع وستون أسطوانة بالحجارة مبيضة، وطول كلّ أسطوانة منها عشرة أذرع، وتدويرها ثلاثة أذرع، وذَرْع ما بين كل أسطوانتين ستة أذرع ونصف.
وعدد طاقاته وهي الحنايا المعقودة على الأساطين أربعمائة طاق وثمان وتسعون طاقا، سوى ما في دار الندوة.
وذرع المسجد الحرام من باب بني جُمح إلى باب العباس، الذي عند العلم الأخضر، ويعرف بباب بني هاشم، أربعمائة ذراع وأربعة أذرع؛ وعَرْضه ما بين دار الندوة إلى باب الصفا ثلثمائة ذراع وأربعة أذرع.
وذرع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقيّ الذي يلي المسعى مائتا ذراع وثلاثة عشر ذراعًا؛ ومن وسط جدار الكعبة الغربي إلى جدار المسجد الغربي الذي
стр. 176
يلي بني جُمَح مائة ذراع وتسعة وتسعون ذراعًا؛ ومن وسط جدار الكعبة الجنوبي إلى جدار المسجد الذي يلي الوادي مائة ذراع وأحد وأربعون ذراعًا؛ ومن وسط جدار الكعبة الشمالي الذي يلي الحجر إلى جدار المسجد الذي يلي الندوة مائة ذراع وتسعة وثلاثون ذراعًا؛ ومن ركن الكعبة العراقي، ويقال له الشامي، إلى المنارة التي تلي المَرْوَة مائتا ذراع وأربعة وستون ذراعًا؛ ومن ركن الكعبة الشامي ويقال له الغربي إلى المنارة التي تلي باب بني سهم وهو باب العُمرة مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعًا؛ ومن الركن اليماني إلى المنارة التي تلي أجياد الكبرى وبين الحزورة مائتا ذراع وثمانية أذرع؛ ومن الركن الأسود إلى المنارة مستمرةً تَلى المسعى والوادي من ناحية الصفا مائتا ذراع وثمانية وعشرون ذراعًا.
وارتفاع جداره في السماء مما يلي المسعى ثمانية عشر ذراعًا؛ ومما يلي الوادي والصفا اثنان وعشرون ذراعًا؛ ومما يلي بني جُمح اثنان وعشرون ذراعًا؛ ومما يلي دار الندوة سبعة عشر ذراعًا ونصف.
وعدد شُرفاته من داخله وخارجه، أربعمائة وخمس وتسعون شرافة. هذا من خارجه وعددها من داخله أربعمائة وثمان وتسعون شُرَّافة فجميعها ألف شرافة إلا سبع شرافات.
واعلم أن المسجد الحرام يطلق ويراد به عين الكعبة، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١). إذ لم يقل أحد من المسلمين بالاكتفاء بالتوجه إلى استقبال المسجد المحيط بالكعبة. وهذا هو أصل حقيقة اللفظ، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ﴾ (٢) وبقوله لما سأله أبو ذر عن أوّل مسجد وُضِعَ أَوَّلَ، قال (٣): «المسجد الحرام».
وقد يُطلق المسجد الحرام ويراد به المسجد المحيط بالكعبة. وهو الغالب في الاستعمال على وجه التغليب المجازي، كما في قوله ﷺ (٤): «صلاة في مسجدي هذا خير من أَلْفِ صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام». وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى
стр. 177
بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. (١). على قول من روى أنه كان نائمًا في المسجد المحيط بالكعبة.
وقد يُطلق المسجد الحرام ويراد به مكة أو الحرم بكماله، على قول من يقول: إن المراد بالمسجد الحرام مكة؛ لأنه ﷺ كان نائمًا في بيت أم هانئ لما أُسْرِي به، وكما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢). على قول من يقول: إن المراد الحرم الخارج عن مكة بكماله.
وهذا كله على وجه التغليب المجازي. ولا ريب فيه. وإلا يلزم الاشتراك في موضوع المسجد الحرام. والمجاز أولى منه. والله أعلم.
ومما يشتمل عليه المسجد الحرام بئر زمزم وهي سُقْيَا إسماعيل، وهَزْمةُ رُوح القدس جبريل؛ طعام طعم، وشفاء سقم، لا تنزف ولا تُذَم، ولا يتوجه إليها ذم؛ لقية عبد المطلب، ودليل سودده ولا كذب. وفي الحديث (٣): «ماء زمزم لما شرب له».
قال السُّهَيْلي (٤): كانت زمزم سُقْيًا إسماعيل بن إبراهيم. فَجَرَها له روح القدس بعقبه. وفي ذلك إشارة إلى أنها لعقب إسماعيل، وراثه، وهو محمد وأُمته ﷺ . والقصة في ذلك معروفة.
وتلخيصها أن إبراهيم ﵇ لما احتمل إسماعيل وأُمَّه هاجَرَ إلى مكة، احتمل معه لهما قربة ماء ومزود تمر. وتركهما بمكة وعاد فلما فرغ التمر والماء عطش إسماعيل، وهو صغير، وجعل ينشغ للموت، جعلت هاجر تسعى من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، لترى أحدًا. حتى سمعت صوتًا عند الصبي.
فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غوث. ثم جاءت الصبي. فإذا الماء ينبع من تحت خده. فجعلت تغرف بيديها، وتجعل في القربة. وسيأتي بعد ذلك له خبر. قال النبي ﷺ لو تركته لكان عينا (أو قال: نهرًا معينًا).
قال الحربي (٥): سميت زمزم بزمزمة الماء، وهي صوته.
стр. 178
وقال المسعودي (١): سميت زمزم؛ لأن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول، فتزمزم عندها. والزمزمة صوت تُخرِجه الفرس من خياشيمها، عند شرب الماء. وأنشد المسعودي: [من السريع]
زمزمت الفرس على زمزم … وذاك في سالفها الأقدم
وذكر البرقي (٢) عن ابن عباس: أنها سميت زمزم؛ لأنها زُمَّت بالتراب، لئلا يسيح الماء يمينا وشمالا؛ ولو تركت لساحت على الأرض، حتى تملأ كل شيء.
وقد ذكرنا طم الحارث بن مضاض إيَّاها. ولم تزل دارسة، حتّى أُرِي عبد المطلب أن احفُرْ طِيبَةَ. فسُمِّيت طيبة، لأنها للطيبين والطيبات، من ولد إبراهيم وإسماعيل وقيل له: احفُرْ بَرَّة. وقيل: احفر المضنونة، ضَنَنْتُ بها على الناس إلا عليك. ودلّ عليها بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، وأنها بين الفرث والدم، وعند قرية النمل.
وروي أنه لما قام ليحفرها، رأى ما رُسِم له من قرية النمل ونقرة الغراب، ولم ير الفرث والدم. فبينا هو كذلك، ندّت بقرة لجازرها، فلم يدركها حتى دخلت المسجد الحرام، فنحرها في الموضع الذي رُسِم له. فسال هناك الفرث والدم. فحفر عبد المطلب حيث رسم له.
стр. 179
وقيل لعبد المطلب في صفتها: إنها لا تنزف أبدًا. وهذا برهان عظيم؛ لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط. وقد وقع فيها حبشي فنُزِحَتْ من أجله. فوجدوا ماءها يثور من ثلاث أعين: أقواها وأكثرها ماءً عين من ناحية الحجر الأسود. رواه الدارقطني. وروى الدارقطني أيضًا مسندًا عن النبي: «من شرب من ماء زمزم، فليتضلع، فإنه فرق ما بيننا وبين المنافقين. لا يستطيعون أن يتضلّعوا منها». أو كما قال. وروي عن النبي ﷺ أنه قال (١): «ماء زمزم لما شرب له».
وروي أن أبا ذر تقوّت من مائها ثلاثين بين يوم وليلة. فسمن حتى تكسرت عُكَنه (٢).
وذكر الزهري (٣) في سيره أن عبد المطلب اتخذ حوضا لزمزم يستقي منه. وكان يُخَرَّب بالليل، حسدًا له. فلما غمه ذلك، قيل له في النوم: «قل: لا أُحِلُّها لمغتسل، وهي لشارب حِلَّ وبل. وقد كُفِيتَهم». فلما أصبح قال: نعم. وكان بعد من أرادها بمكروه، رُمي بداء في جسده، حتى انتهوا عنه (٤).
الصفا والمروة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٥).
فَرْقَدَا الأرض، وجارا البيت الحرام، وطوبى لمن وقف عليهما، وسعى بينهما أو إليهما. وسنذكر ما هما، فنقول:
أما الصفا فحجر أزرق عظيمٌ في أصل جبل أبي قُبَيْس، قد كُسر دَرَج إلى آخر موضع الوقوف. وأكثر ما ينتهي الناس منها إلى اثنتي عشرة درجة أو نحوها.
وأما المروة فحجر عظيم إلى أصل جبل متصل بجبل قُعَيْقِعَانَ: كأنه قد انقسم على جزأين، وبقيت بينهما فرجة، يبين منها دَرَج عليها إلى آخر الوقوف.
«وذَرْع ما بين الصفا والمروة، وهو المسعى سبعمائة ذراع وثمانون ذراعًا».
من الصفا إلى الميل الأخضر المائل في ركن المسجد على الوادي مائة وثمانون ذراعًا.
стр. 180
«وذَرْعُ ما بين الحجر الأسود والصفا مائتا ذراع واثنان وستون ذراعًا».
ومن الميل الأصفر إلى الميل الأخضر الذي بإزاء دار جعفر بن العباس، وهو موضع الهرولة، مائة وخمس وعشرون ذراعًا.
ومن الميل الثاني إلى المروة أربعمائة وخمس وسبعون ذراعًا.
فجميع ما بين الصفا والمروة سبعمائة وثمانون ذراعًا.
* * *
دار الندوة
قال الماوردي (١): لم تكن مكة ذات منازل. وكانت قريش، بعد جُرْهُم والعمالقة، ينتجعون جبالها وأوديتها. ولا يخرجون من حَرَمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها، وتخصيصها بالحرم لحلولهم فيه. ويرون أن ذلك يكون لهم بسببه شأن. وكان كلما كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة، قوي أملهم وعلموا أنهم سيقدمون على العرب. وكان فضلاؤهم يتخيلون أن ذلك لرياسة في الدين وتأسيسًا لنبوّة ستكون. فأوّل من ألهم ذلك منهم كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة. وكان يخطبهم فيه، ويذكر لهم أمر نبينا ﷺ .
ثم انتقلت الرياسة إلى قُصَيّ بن كلاب، فبنى بمكة دار الندوة ليحكم فيها بين قريش؛ ثم صارت لتَشَاوُرِهم وعَقْدِ الألوية في حروبهم. وكانت هذه الدار، لا ينكح رجل من قريش ولا امرأة إلا فيها؛ ولا يُعقد لواء الحرب لهم ولا لغيرهم إلا فيها، ولا يُعذر غلام إلا فيها، ولا تُدَرَّع جارية من قريش إلا فيها: يُشق عليها درعها ثم تُدرّع وينطلق بها إلى أهلها؛ ولا تخرج عِيرٌ من قريش ويرحلون إلا منها، ولا يقدمون إلا نزلوا فيها.
قال الكلبي (٢): «وكانت أوّلَ دار بنيت بمكة، ثم تتابع الناس فَبَنُوا الدور. كلما قربوا من الإسلام ازدادوا قوة وكثرة عدد حتى دانت لهم العرب».
قال الماوردي (٣): صارت بعد قصيّ لابنه عبد الدار. فابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وجعلها دار الإمارة.