وهصروه هصرة؛ فإذا البلد قائم على عروشه بل طريح على نعوشه، قد محيت سلة دنانيره من الدور فما يتعامل بالسكن فيه أهل الغرور، وصار كل مذبح في الكنيسة مربطًا، وكل مصعد من قله مهبطًا، وكل مسقط رأس بالحقيقة لرأس مسقطًا».
وفيه يقول أيضًا: ومما فتحه الله على سلطاننا بلاد الكرك، وما أدراك ما هو، قلعة كانت على الإسلام أية مضرة، بل كانت لكعبة الإسلام زادها الله شرفًا أية صره. وإن نعم الله لأكثر من أن يقصر لها حديثًا، وأن الله قد أعشى ليل الشرك نهار الإسلام بطلبه حثيثًا (١)، وما أشك في أن أهل الحرم الشريف مع الرماة رماة بسهام الأسحار ومجاهدون، وبالمجاورة ما خرجوا ولا بعدًا عن البيكاد، ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٢).
والشَّوْبَكُ
المنسوب إليه الكرك مدينة صغيرة (٣) أكثر في البر دخولًا منها وانحرافًا إلى التغريب في القبلة عنها. ذات أكواب من جداول الأنهار موضوعة، وسرر من مقاعد الأبراج مرفوعة وفاكهة، كما قال الله تعالى في الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة (٤).
قلت: والشوبك فتح وقت فتوح الكرك بعد أن دام الحصار سنتين على الكرك، وأقطعهما الملك الناصر لأخيه الملك العادل ولم يزالا في يده حتى أعطاهما لولده الملك المعظم عيسى، فصرف إليهما العناية حتى ترك الكرك مدينة تعنى بنفسها وزادها تحصينًا وتحسينًا، وجلب إلى الشوبك غرائب الأشجار حتى تركها تضاهى دمشق في روائها وتدفق مائها، وتزيد بطيب هوائها.
قلت: وذكر ابن جرير كورة الجبال فقال: وقد أحدثت بها مدينة تسمى الكرك. وقال البلاذري في كتاب «فتوح البلدان»: مدينة هذه الكورة العرندل (٥).
стр. 1157
وأما أعمال الكرك فهي أربعة:
«زغر» وهي مدينة قديمة حارة متصلة بالبادية وبها نبل جيد (١)
و «معان» وكانت مدينة قديمة خربت هي وعملها.
و «مؤتة» وهي باقية ووقعتها معروفة، وبها قبر جعفر بن أبي طالب، ﵇.
و «الشوبك» وهو محدث كما ذكرنا.
وغزة
وهي مدينة (٢) بين مصر ودمشق بها دفن هاشم بن عبد مناف، وبها ولد الشافعي، ﵀.
وهي مبنية بالحجر والكلس، موثقة البناء على نشز عال على نحو ميل عن البحر الشامي. ذات هواء صحيح، وماء مصرف هاضم لا يستلذ، وشرب أهلها من الآبار، ولها مجمع للمطر يدوم به ماء الشتاء لكنه يستقل ولها فواكه كثيرة أجلها العنب والتين. وبها مارستان بناه هذا السلطان أثابه الله، أحوج ما كانت المارة إليه في مكانه. وبها من المدارس والترب ما ازدانت به.
وهي نيابة جليلة، وبها طائفة من العسكر والعرب والتركمان، وهي آخذة من البر والبحر بجانبيها متصلة بتيه بني إسرائيل، في قبليها موضع زرع وماشية، وموضع مجمع حاضرة وبادية، وقرارية أهلها عشران بعضهم عدو لبعض، لولا مهابة الدولة لما خمدت فيها نار ولا ألم فيها بالجفون غرار. لا يطمئن فيها ساكن ولا يستقر ظاهر ولا باطن.
ومما استجد مضافًا إلى هذه المملكة فهي البلاد الجهانية، ومحل النيابة بها مدينة «إياس» وهي الآن عامرة آهلة وكذلك «كاروه» و «اسفندكار» ونصف «المصيصة» لأن الذي استقر للمسلمين هو كل ما هو إلى هذه الجهة الشامية من جهان ونصف إذنه منه ونصفها الآخر قاطع جهان من جهة الأرمن فهو لهم. وأما ما خربه المسلمون وبقي عمله لهم فهو الهارونية وحميص وتل حمدون والنقير، وكل ذلك من دون جهان إلى الشام. وكذلك مما استجد قلعة جعبر وهي شرقي الفرات. وقلعة درنده وهي قاطع بهنسي إلى الروم.
فهذه جملة هذه المملكة.
стр. 1158
فائدة جليلة تتعلق بذكر غزة:
قالوا: يجوز أن يكون اسمها مأخوذًا من الغز، والغز الشذق وهما غزان، سميت بذلك لأنها في فم الشام مما يلي شقه البحري. أو يكون مأخوذًا من قول العرب: أغزت البقرة فهي مغز إذا عسر حملها، سميت بذلك لعسر السير إليها على الناس والدواب للرمل المتاخم لها. وتعرف في القديم بغزة هاشم، سميت بهاشم بن عبد مناف (١)، جد رسول الله ﷺ ، وإليها كانت رحلة قريش - وهي إحدى الرحلتين المذكورة في القرآن (٢) رحلة الشتاء والصيف، وهي الصيفية منهما - وكان عليها حصن منيع قد بقيت منه بقية إلى الآن هدمته قيس لما جاء إليها بعض قبائل اليمن. وفيها يقول أبو عامر السلمي في قصيدته المسماة بالذاهية، وهي ثلاث مائة بيت، يهجو بها اليمن ويذكر مثالبهم من القرآن والأخبار ويذكر مناقب قريش: [من الوافر]
ونحن الموقدون على حروري … ونحن لحصن غَزَّةَ هادمونا
وفي غزة هاشم بن عبد مناف، وكانوا أربعة أخوة: هاشم هذا وقبره بغزة، ثم مات بعد أخوه عبد شمس وقبره بمكة بالحجون، ثم مات بعدهما أخوهما نوفل بطريق العراق بموضع يقال له سلمان: وقبره هناك، ثم مات بعده أخوه المطلب بأرض اليمن في موضع يقال له: ردمان وقبره هناك. فهؤلاء بنو عبد مناف الأربعة.
تتمة في ذكر سبب سفرهم الموجب لموت من مات منهم غريبًا.
اتفقوا على أنه كان لعبد مناف خمسة بنين وهم سادة قريش كلها: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس وأبو عمرو، وكان يقال لهاشم والمطلب البدران، ولنوفل وعبد شمس الأزهران. وأبو عمرو مات صبيًا فلم يكن له خبر مع إخوته وكانت العرب وقريش كلها تسمى بني عبد مناف هؤلاء الأربعة «قداح النضار» لشرفهم وجمالهم وبهائهم. وكانت قريش كثيرة التجارة، إلا أنهم كانوا لا يخرجون من مكة والحجاز، وكانت الأعاجم تأتيهم بالبضائع فيشترون منهم ويبيعون لهم، فأقاموا على ذلك زمانًا طويلًا حتى ركب هاشم بن عبد مناف فخرج إلى الشام فنزل بقيصر، ملك الروم، واسم هاشم يومئذ عمرو العلا، فكان يذبح كل يوم شاة، ويصنع جفنة ثريد ويجعل اللحم عليها أوصالًا ويدعو من حوله فيأكلون معه. وكان هاشم من أحسن الناس وجهًا وأكرمهم أخلاقًا، فقيل لقيصر: ها هنا رجل من قريش
стр. 1159
يهشم الخبز ويصب عليه المرق ويجعل عليه اللحم، وإنما كانت العجم تجعل المرق في صحاف واللحم في المرق ويأتدمون بذلك، ولم يكونوا رأوا الثريد فسمي هاشم «بهشيم الثريد». وفيه يقول شاعرهم بمكة (١): [من الكامل]
عمرو العلا هَشَمَ الثريد لقومه … ورجال مكة مُسْنَّتُونَ عِجاف
وهو أول من فعله من العرب والعجم. فدعاه قيصر، فلما رآه وكلمه أعجبه إعجابًا عظيمًا، فقال له هاشم: أيها الملك إن لي قومًا هم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابًا تؤمنهم فيه على أنفسهم وما معهم من المال والبضائع وغير ذلك، فإنهم يقدمون عليك بما تستظرفه من أدم الحجاز وثمره وغير ذلك مما يصير إليهم ولا يبلغك من طرف البلاد. فأمر أن يكتب له كتاب جامع للعرب، وأخذه هاشم وسار فصار كلما جاء حيًا من أحياء العرب على طريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافًا - والإيلاف أن يأمنوا عندهم وفي ارضهم على أنفسهم وأموالهم - وأخذ هاشم الإيلاف من جميع القبائل ممن بينه وبين الشام حتى قدم مكة فأتاهم بشيء لم يأتهم بمثله أحد قط، فسروا بذلك سرورًا عظيمًا، وخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يحوطهم ويؤمنهم ويجمع بينهم وبين رؤساء العرب في جميع طريقهم حتى ورد بهم الشام فأحلهم غزة. ومات هاشم في ذلك السفر فدفن بغزة.
ثم خرج أخوه المطلب إلى اليمن ففعل كفعل هاشم بالشام وأخذ من ملوك اليمن عهدًا لمن يجيء ويسافر إليهم من قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن يمر به من العرب حتى أتى مكة، كما فعل هاشم، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف وكان يسمى «الفيض» لكرمه. وهلك المطلب بردمان من أرض اليمن في سفرة سافرها.
وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة فأخذ منه كتابًا وعهدًا لمن يجيء من قريش ورجع يأخذ الإيلاف من كل من مر به من العرب من بلاد الحبشة إلى أن أتى مكة - كما فعل هاشم والمطلب - فمات بمكة وقبره بالحجون، وكان أكبر من هاشم.
وخرج نوفل بن عبد مناف - وكان أصغر إخوته - إلى العراق فأخذ عهدًا من كسرى، ثم عاد يأخذ الإيلاف إلى أن أتى مكة. ثم رجع تاجرًا إلى العراق، فمات بسلمان في طريق العراق.
стр. 1160
تنبيه: البيت المقدم ذكره اختلف فيه، واصح الروايات أنه لابن الزبعرى (١). والزبعرى في اللغة القصير الأذن الكثير شعر الأذنين والرأس وفيه قصر وغلظ - وهو من قصيدة له في هاشم وإخوته على إقواء في البيت الأخير منها وهي: [من الكامل]
يا أيها الرجل المحوّل رحله … هَلًا مَررت بآل عبد مناف
هَبلتك أمك لو مررت بدارهم … لحموك من جُوعٍ ومن إقراف
المطعمون إذا الرياح تناوحت … والظاعنون لرحلة الإيلاف
والآخذون العهد من ألفافها … والناهشون لمقدم الأصناف
عمرو العُلا هَشَّم الثريد لقومِهِ … ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عِجاف
[الرملة]
قلت: وهذه خاتمة في ذكر الرملة (٢)، جر الكلام إليها قربها من غزة. يقال: إن الذي أحدثها سليمان بن عبد الملك بن مروان، وإن مدينة فلسطين كانت قبلها له، وإن سليمان وليها من قبل أبيه وهو صبي، وكان معه من قبل أبيه من يدبره ويشير عليه، والاسم في الإمارة لسليمان. وكان إلى جانب كنيسة لد بستان حسن العمارة مليح الموضع كثير الفواكه، وكان سليمان كثيرًا ما يستحسنه ويجلس فيه ويستطيبه، فقال يومًا للشيخ الذي يرجع إلى رأيه - وكان يسمى رجاء بن حيوه -: أحب أن تشتري لي هذا البستان حتى أبني فيه من الأبنية ما يصلح لمثلنا.
وكان البستان للقسيس الذي يتولى أمر الكنيسة، فأحضره رجاء وقال له ذلك، فقال: سمعًا وطاعة أحضرني القاضي والشهود حتى أشهد على نفسي بذل وأفرغ منه الساعة، فأحضرهم وحضر القسيس فقال لهم جميعًا: ألستم تعلمون أن هذا البستان لي وفي ملكي ويدي لا مانع لي ولا معارض لي فيه؟ فقال له القاضي والشهود: نعم، يريدون بذلك تصحيح الملك ليصح البيع. فقال لهم: اشهدوا الآن أني قد حبسته على الكنيسة حبسًا بتًا نعاييلا [كذا] لا رجعة لي فيه ولا مثنوية فيه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فسقط في أيديهم وتم مكره وعظم ذلك على من حضر، وهم سليمان بقتله فمنعه من ذلك رجاء ورفق به وشاغله وقال له: سر بنا
стр. 1161
نتفرج ونبرم أمرًا يكون فيه هلاك الكنيسة وغيرها، فركب وأمر سليمان أن لا يتبعهما أحد. فلما فصلا من لد رأيا بيتًا من الشعر مضروبًا على ربوة من الأرض - هي الآن موضع المصلى - وكان الحر قد اشتد فقال له رجاء اعدل بنا إلى هذا البيت لننظر من به ونريح فيه إلى أن يبرد النهار، فقربا من البيت وسلما على من فيه، وهما لا يريان أحدًا، فبرزت لهما امرأة ذات برقع ردت عليهما¬ السلام بأحسن رد ولفظ، وسألتهما النزول عندها بلسان فصيح وعزم صحيح، فنزلا وسألتهما أن يتخففا ويستريحا عندها وأعجبهما فعلها، ونسي سليمان أمر البستان إعجابًا بكرمها وعقلها وسألاها عن اسمها فقالت: رملة وعرفتهما أن لها بعلًا في ماشية اسمه لد وعرضت عليهما الغداء واللبن وقالت: عندي اللبن الحلو واللبن الحامض والخبز الحار والبارد؛ لأن إيثاري يخالف إيثار بعلي في الطعام وأنا أعد له ما يؤثر وأعد لنفسي ما أشتهيه، وقدمت لهما من كل شيء من ذلك وثردت لهما وقد ذهلا من حسنها وجمالها وأدبها وحسن فعلها في جميع ما تحاوله، وأقسمت عليهما ليأكلان وقالت: لو جاز لي أن أكل معكما لفعلت والطعام يدعو الكرام إلى نفسه، فأكلا ونظرا إلى ما حول البيت من الشجر والضياع وغير ذلك، فاستحسنا الموضع وإشرافه على ما حوله من العمارة فقال رجاء لسليمان: لو أمرت ببناء دير هاهنا للنصارى ومسجد للمسلمين، وأمرت في النداء بالناس: من أحب أن يكون في حمى من المسلمين والنصارى فليبن دارًا إلى جنب مسجده وديره لصارت مدينة ولتعطلت الكنيسة بالدير، وهذا الموضع أحسن من موضع لد وأعلا ففعل ذلك.
وتبادر الناس من كل أوب من المسلمين والنصارى يخطون المنازل والقصور على قدر هممهم ونعمهم. وكان سليمان خط مسجدًا صغيرًا ودارًا للإمارة لطيفة، فقال له رجاء: غير هذا؛ فإنها ستكون مدينة عظيمة فخط جامعًا كبيرًا ودارًا واسعة، وهو هذا الجامع وهذه الدار المعروفة بدار الإمارة.
ثم إن سليمان أراد هدم الكنيسة وأخذ رخامها وعمدها للجامع فراجعه رجاء عند ذلك وبعث إلى عبد الملك يخبره بما فعل القسيس من غدره ومكره، وما فعلاه من بناء المدينة والجامع. فكتب عبد الملك إلى ملك الروم - وكان الإسلام في ذلك الوقت ظاهرًا على الروم - فأنفذ ملك الروم إلى عبد الملك من دله على موضع أخرج منه عمدًا لم ير مثلها في الاعتدال والحسن، وأخرج معها رخامًا منشورًا وغير منشور
стр. 1162
ما كفى الجامع وفضل عنه، يقال: إنه كان في ضيعة من الداروم غزة - يقال لها: عمودا. وكان أكثر ما نال النصارى من ذلك أن ملك الروم ألزمهم نقل العمد والرخام من عمودا إلى الجامع. وسميت المدينة الرملة - باسم المرأة المقدم ذكرها - وأحسن سليمان إليها وإلى بَعْلِها (١).
* * *
стр. 1163
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيّدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد:
فهذا هو السفر الرابع من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وهو مختص بممالك اليمن والحبشة والسودان وإفريقيا والمغرب والأندلس وقبائل العرب.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على مخطوطة أحمد الثالث - طوبقوسراي - استانبول رقم ٢/ ٢٧٩٧ ص ٤٦٢ - ٥٧٠، وهي تتمة الجزء الثاني وتمام الجزء الثالث برقم ٣/ ٢٧٩٧ (ص ١ - ٥٧) وهو خاص بالباب الخامس عشر فقط.
وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي، والملك المؤيد شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة.
والتي قام بنشرها مصورة العلامة الدكتور فؤاد سزكين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الاتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
وقد نشر هذا السفر على هيئة أقسام متفرقة وبفترات متفاوتة، ومن قبل ناشرين ومحققين عدة:
١ - نشرة الأستاذ أيمن فؤاد سيد للقسم الخاص بمملكة اليمن، وتضم الأبواب
стр. 1164
٧ - ١١ من المسالك، طبعة دار الاعتصام - القاهرة ١٩٧٤. ثم أعيد طبعها ضمن (ممالك مصر والشام والحجاز واليمن) للمحقق نفسه من قبل المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة ١٩٨٥.
٢ - نشرة العلامة حسن حسني عبد الوهاب للقسم الخاص بإفريقية والمغرب والأندلس، وتضم الأبواب ١٢ - ١٤ من المسالك، وقد نشرت بعنوان (وصف إفريقيا والمغرب والأندلس) أواسط القرن الثامن للهجرة، في مجلة البدر التي يصدرها مؤسسو الجامعة الزيتونية بتونس مج ٢/¬ ع ٦ - ٨ ص ١ - ٥٠ ثم طبعت مستقلة تحت العنوان نفسه.
وقد تفضل مشكورًا الأستاذ الحاج الحبيب اللمسي صاحب دار الغرب الإسلامي ببيروت بتزويدي بصورة منها.
٣ - نشرة السيدة دورتيا كرافولسكي للقسم الخاص بقبائل العرب في القرنين السابع والثامن الهجريين، وتضم الباب الخامس عشر من المسالك، طبعة المركز الإسلامي للبحوث - بيروت ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٥ م.
وتمتاز هذه بنشرة باعتمادها على نسخة آيا صوفيا المرقمة ٣٤١٧ ونسخة بودليانا - أكسفورد برقم ٢٨٨ مع سعة معرفة المحققة بالتاريخ والتراث الإسلاميين.
وقد تفضل مشكورًا أستاذي العلامة الدكتور محمد رضوان السيد عميد معهد الدراسات الإسلامية العليا ببيروت بتزويدي بنسخة منها.
وقد أفدت من هذه النشرات في تقويم النص، وتصحيح بعض الكلمات وضبطها، والإفادة من بعض الهوامش بما يتعلق في كل قسم من أقسامها بعد مراجعة مصادرها التي اعتمد عليها المحققون.
هذا ما استطعت تقديمه، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه، والله من وراء القصد.
وهو حسبي ونعم الوكيل.
جمهورية العراق - الكوفة.
كامل سلمان الجبوري
стр. 1165
الباب السَّابعُ: في مملكة اليمن
وفيه فصلان:
الفَصْلُ الأَوَّلُ: فيما بيد أولاد رسول.
الفَصْلُ الثَّاني: فيما بيد الأَشراف.
[في مملكة اليمن]
واليَمَنُ إِقلِيمٌ مُتَّسِعٌ، وله ذكرٌ قديمٌ. ذكر البكري أن عَرْضَه ستَّ عشرة مرحلة، وطوله عشرون مرحلة (١)، المرحلة ستة فراسخ. وهو كرسي مَلِكِ التَّبَابِعَة من حِمْيَر، وبه كانت سبأ، وفيه كانت بِلْقِيسُ وعَرْشُها المذكور في القرآن الكريم (٢). وحدوده من القبْلَةِ: الموضع المعروف بطَلْحَةِ المَلِكِ (٣)، ومن الغرب: حاء، وحكم. ومن الشرق: حضْرَمَوْتُ، ومن الجنوب عَدَنُ.
وهو يشتمل على عدة بلادٍ وقِلَاعٍ وحُصُونٍ حصينة. ولكن مُدُنه يفصل البر ما بين بعضها عن بعض (٤).
وبلادها مختلفة: نُجُودٌ وتِهَائِمُ. فالنُّجُودُ باردةُ الهواءِ طَيِّبةُ المَسْكَنِ (٥). والتَّهَائِمُ حارة شديدة الحرّ (٦).
стр. 1166
وقاعدةُ الملك بها: «تعز» (١) و «زبيد» (٢) وتُعزّ من النُجود مبينةً على
جبلٍ شاهق، وزبيد من التهائم مبنية في وطاءة.
واليمنُ مَفرِقُ المُلك، بعضُه بيدِ الشُرفاء المطِيعين لإمامِ الزَّيْدِيَّةِ لا يطيعونَ إلّا لأئمتهم القائمين منهم إمامٌ بعد إمام. وقاعدَةُ مملكتِه «صنعاء» (٣) وبعضُه بيدِ أكرادٍ عُصاةٍ على ملوكِ اليمن. وبعضه بأيدي عربٍ لا تطيّع. وهذا الكلامُ جَمليًا فَلْنَتكلّم عنها تفصيلًا.
* * *
الفصل الأول: فيما بيدِ أولادِ رَسُول
فأما (٤) معظم اليمن فمعَ تَعزَ وزَبيد، وصاحبهما هو المشار إليهِ إذا قيلَ: صاحِبُ اليمن. وأخبرني بجملةِ ما أذكرُ من أحوالها: أبو جعفر أحمد بن محمد المقدسِيُّ عُرِفَ بابنِ غانم (٥)، وكان من كُتّابِ الإنشاءِ بمصرَ ودمشق، ثم دخل اليمنَ وخدمَ بها صاحبها
стр. 1167
إذ ذاك الملك المؤيد داود بن عمر (١) ﵀، في كتابة الإنشاء واختص به. وأبو محمد عبد الباقي بن عبد المجيد اليمني الكاتب (٢)، وجملة ما أذكره عنهما.
ولأُمَيِّزَ الآن قول كل واحد منهما على التخصيص وهو:
أن صاحب اليمن يُصَيْفُ بتَعِزّ، ويُشَتِّي بزَبِيد. وتَعِزّ بلد كثير الماء باردُ الهواء، كثيرُ الفاكهة من العنب والرمان والسفرجل والتفاح والخوخ والتوت والموز والبطيخ الأخضر والأصفر، ويوجد به كثير من أنواع الفاكهة وإن كان قليل المقدار. فأما الموز والليمون والأُتْرُجُ وما يناسبه فكثير إلى غاية (٣). ويوجد بها كثيرٌ من الرياحين والزُّهُورُ خلا البنفسج واللينوفر. وربما احتاج ساكنها إلى لبس الفراء في بعض أحيانها.
وأما «زَبِيدُ» فإنها شديدة الحرّ لا يَرِدُ ماؤها ولا هواؤها، وهي أَوْسَعُ رقعة وأكثر بناءً، ولها نَهرٌ جارٌ بظاهرها. وأما مساكن المُلكِ فِيهما فنهايةٌ في العظمة وفُرُشُ الرخام والسقوف المدهونة (٤).
وأخصاء الملك بها الخُصْيَان، هم خاصته المقربون، وهو متوفرٌ في غالب وقته على
стр. 1168
لَذَّاته والمُتعة في قصوره بِجواريِهِ وقِيانه. وله أَرْبَاب دَولة ووظَائف، ينحو في أموره مَنْحَى صاحب مِصْر. يَتَسَمَّع أخباره ويحاول اقْتِفَاء آثاره في أحواله، وأوضاع دَولته، غير أنه لا يصل إلى هذه الغاية، ولا تَخْفَى عليه تلك الرَّأْية، لِقُصُور مَدَد بلادِهِ وقِلَّة عَدَد أجناده (١).
أخبرني أَقْضَى القضاة أبو الربيع سليمان بن محمد ابن قاضي القضاة الصدر سليمان الحنفي، وكان قد توجّه إلى اليمن وخَدَم في ديوان الجيش به: أَنّ مَجْموع جُنْد اليمن ما يَبْلُغ أَلْفَي فَارس، ويَنصاف إليهم من العرب الداخلين في طاعته مثلهم. وأَرَاني جَرِيدَتَهُ الموضُوعة لذلك فوقَفْت على بعضها وضاف وقتي عن الاستيعاب، وهي تَشْهَد بما قال (٢).
وصَاحِب هذه المملكة أَبَدًا يَرْغَبُ في الغرباء ويُحْسِن تَلَقِّيهم غاية الإحسان، ويَسْتَخدِمهُم فيما يناسب كُلًا منهم، ويتفقَّدهم في كل وقت بما يأخُذ به قلوبهم ويُوِطِّنهم عنده (٣).
وغالِب جُنده من الغرباء (٤)، وإذا دَعَت حاجةٌ أَحَد من جُنده وغِلمانِهِ وأهل خِدمته أجمعين إلى شيء وإن قَلَّ، كتب إليه قِصَّة يسأله حاجته فيها، فيُوقّع عليها بخَطِّهِ بإجابته إلى ما سأله أو إلى بعض ما سأله على ما يراه (٥).
وهو قليل التَّصَدّي لإقامة رسوم المَوَاكِب والخِدمة والاجتماع بولاة الأمور ببابه، فإذا احتاج أَحَد منهم إلى مراجعته في أَمْر، كتب إليه قِصَّة يستأمره فيها، فيكتب عليها بخَطِّه ما يراه، وكذلك إذا رُفِعَت إليه قِصَص المظالم هو الذي يكتب عليها بخَطِّه مما فيه إنصاف الشاكي (٦).
ورأيت علامة والد هذا السلطان القائم بها الآن على توقيع وهو على المُصْطَلَح المصري مماثله (٧).
الشَّاكِرُ للهِ على نعمائهِ داود
ولصاحب هذه المملكة البساتين والمُنْتَزَهات الحسنة، يَتَعَهَّدها في الأحيان،
стр. 1169
ويقيم بها للتنزه بها. وهذا الملك لا ينزل في أسفاره إلا في قُصُورٍ مَبْنِيَّةٍ له في منازل معروفة من بلاده، فحيث نزل في منزلة وَجَدَ بها قصرًا مبنيًا ينزل به (١).
وباليمن الخيل العراب الفائقة، والبغال نوعان: سُروجية للركوب، وحَبَشِيَّةٌ للأحمال، وبها الجمال والحمير وأنواع الدَّوَابِّ من البَقَر والغنم والطير من الإوز والدجاج والحَمَام وغير ذلك (٢).
وهي بلاد رَخِيَّةٌ كثيرة الحبوب، وأقَلُّ حبوبها القمح والشعير، وأكثرها الأَرُزُّ والذُرة والسُّمسُم (٣). وبها العَسَلُ الكثير وأنواع المُقْل، ووقودها السَّليط وهو السِّيرَجُ ولا يوجد بها الزيت والزيتون إلا إن جُلِبَ من الشام.
واليمن جميعه كثير الأمطار، ولا تنشأ به السُّحُب، ويُمطِرُ المطرُ من وقت الزوال إلى آخِرِيَّاتِ النهار، هذا وقت إمطارها في الغَالِبِ (٤) [وأكثر مطره في آخِرِيَّاتِ الربيع إلى وسط الصيف، وهو إلى الحرِّ أمْيَلُ]. وبها الأنهار الجارية، والمُروُج الفَيْحُ، والأشجار المتكاثفة في بعض أماكنها. ولها ارتفاع صالحٌ من الأموال، وغالب أموالها من موجات التُّجَار الواصلين من الهند ومصر والحبشة، مع ما لها من دخل البلاد (٥).
وأما الإمرة بها فقد تُطلق على من ليس بأمير. وأما الإمرة الحقيقية التي تُرفَعُ بها الأعلام [وتضرب لها الكُوسَاتُ] (٦) فإنها لِمَنْ قَلَّ، ورُبَّما أنه لا يتعدَّى عِدَّةَ الأمراء بها عشرة نفر (٧).
وباليمن أرباب وظائف من النائب، والوزير، والحاجب، وكاتب السر، وكاتب الجيش، وديوان المال، وبها وظائف الشاذ والولاية، على ما قدَّمنا ذكره من أنه يتشبه بالأحوال المصرية (٨).
وباليمن «عَدَن» (٩) وهي من أعظم المراسي بها، وتكاد تكون ثالثة تعز وزَبِيدٌ في
стр. 1170
الذكر ولها قلعة [حصينة مبنية،] (١) السمُدان المشهورة بالمنعة العظيمة وبها قلعة. وهي خزانة مال ملوك هذا الإقليم.
وصاحب اليمن يُهادي صاحب مصر ويُداريه لمكان إمكان التسلط عليه من البحر والبرّ الحجازي. وقد كان مُلكها الآن الملكُ المجاهد علي بن داود (٢)، بعد موت أبيه المؤيد، نَجمَ عليه كثيرٌ من أهله من جَأذبة رداء المُلك وتَنازعه في سلطانه، وأعان الناجم عليه كثيرٌ من مماليك أبيه وعَسْكر اليمن وأهله، فأرْسَل إلى صاحب مصر السلطان الملك الناصر أبي المعالي محمد بن قلاوون وَصِيّة كتبها الملك المؤيّد، صاحب اليمن، قبل موته تتضمن أنه أوْصَى إلى السلطان الملك الناصر، صاحب مصر، على ولده المجاهد عليّ، وبَعَث يترامى عليه ويَستمد الإعانة منه، فجهّز إليه عسكرًا منعه من عدوه الناجم عليه ومكّن له في اليمن وبسط يده فيه (٣)، ثم عاد العسكر المصري. وإن لم يكن هذا موضع هذا ولكنّا ذكرناه تنبيهًا على تَمَكّن صاحب مصر من اليمن إذا قصده.
ثم نعود إلى ما كُنّا بصدده فنقول: إن صاحب اليمن لا يزالُ من الشريف الإمام الزيدي، صاحب صنعاء، على مباينة تارةً يكونُ بينهما عهد، وتارةً يُنبَذُ العهد بينهما (٤)، لأن الإمام الزيدي له قوةٌ في مكانه ومنعةٌ من أعوانه. ولو استقل مجموع اليمن لِملِكٍ
стр. 1171
واحد كَبُرَ محلُّه وعَظُمَ قدرُه في الممالك الجليلة.
ولا تزال ملوك اليمن تَستَجلِبُ من مصر والشام طوائف من أرباب الصناعات لقلة وجودهم باليمن.
وليس باليمن «أسواق» مرضية دائمة، إنما بها يوم من الجمعة (١) تَجْلِبُ فيه الأجلاب، وتخرُج أرباب الصناعات والبضائع بضائعهم على اختلافها، وتقام في ذلك اليوم الأسواق ويُباع ويُشترى، فمن أعوزه شيء في وسط الجمعة لا يكاد يجده، إلا المأكل، فإنها دائمة كغيرها من البلاد. والمعمولات من المأكل في أسواقها للبيع قليلة، بل من أراد شيئًا عمله لنفسه.
فأما «زِيُّ ملكهم» وعامة الجُنْد بها فأقبية إسلامية، ضيقة الأكمام، مُزَنَّدة على اليد، ومناطق، وعلى رؤوسهم تخافيف لانس، ودلاكش وهي أخفاف من القماش الحرير الأَطْلَسِ والعَتَّابِي وغير ذلك (٢).
وقد وقَعَتْ وَحشة بين هذا المجاهد وبين بعض أمرائه وهو: عَلِيُّ بن عمر بن يوسف الشَّهَابِي، فجاء إلى مصر وأقام بها وهو بهذا الزِّيِّ، خلا الدلْكش، فإنه قَلَعَهُ ولبسَ الخُفَّ المعتاد، وهو يحضر الموكب السلطاني بمصر على هذا الزِّيِّ إلى الآن (٣).
وحدثني الحكيم الفاضل صلاح الدين أبو عبد الله محمد بن البرهان (٤)، وكان الملك المؤيد صاحب سلطانها الآن قد طَلَبَه من مصر واستدعاه وأَعْذَبَ ماءه ومَرْعاه وأقام لديه حينًا من الدهر بين جَنّات ونهر متنقلًا معه في ممالكه متوّقلًا على شرفات مالكه، قال: اليمن، أميل إلى الحر، وهو كثير المطر في آخريات الربيع، إلى وسط الصيف، قال: ولقد أَقَمْتُ مدة بـ «عَدَن» وهي مدينة مجلوب إليها كلّ شيء حتى الماء، ويحتاج المقيم بها إلى كلفة في النفقات لارتفاع الأسعار بها في المأكل والمشارب، ويحتاج المقيم بها إلى ما يَتَبَرَّدُ به في اليوم مَرّات إبّانَ قوة الحر (٥).
стр. 1172
وإليها مَجْمَع الرُّفّاق، وموضع سَفَر الآفاق يُحِيط بها من الصِّين والهند والسِّنْدِ والعِراق وعُمان والبحرين ومصر والرَّنْج والحَبَشَة، ولا يَخْلُو أسبوعٌ بها من عِدَّة تُجّار وسفن وواردين وبضائع شَتَّى ومتاجر، والمُقيمُ بها في مكاسب وافرة، وتَجائِر مُربحة، ولا يُبالي بما يَغْرمه بالنسبة إلى الفائدة، ولا يُفَكِّر في سوء المقام لكثرة الأموال النامية (١).
قال: ولَحِظَ المراكب عليها وإقلاعها مواسم مشهودة، وإذا أراد ناخُوذَةٌ (٢) مركب فيها السفر إلى جهة أقام عَلَمَهُ بَرَئِكَ (٣) خاصٌّ له، فَعَلِمَ التجار وتسامع الناس ويَقَعُ الاهتمام بالرحيل ويُسْرِعُ التُّجّارُ في نقل أمتعتهم، وحولهم العبيد بالقماش السِّري والأسلحة النافعة، وتُنْصَبُ على شاطئ البحر الأسواق، ويَخْرُجُ أهل عَدَن للفُرْجة عليهم (٤).
قال الحكيم بن البرهان: وأمَّا «ظُفار» (٥) فهي لأولاد الملك الواثق، ابن عم صاحب اليمن (٦)، وهم وإن أُطلِقَ عليهم اسم الملك نُوّابٌ له (٧).
وظفار أَقْصَدُ إلى الهند من عدن، وهي على جَوْنٍ خارجٍ من البحر، تُنْقَلُ البضائع
стр. 1173
في زوارق صغار فيه تقطع ذلك الجون، ثمّ توَسَّقُ ذلك في السَّفائن (١).
قال الحكيم صلاح الدين محمد بن البرهان: واسم اليمن أكبر، لا تُعَدُّ في بلاد الخصب بلاده (٢). وغالب دخله مما يؤخذ من التُّجَّار والجِلَّابَةِ بَرًّا وبحرًا.
ومملكة بني رَسُول السواحل وما جاورها، ولهذا كانت مملكتهم أكثر مالًا من مملكة الشرفاء بصنعاء وما والاها (٣) على ما يأتي ذكره في مكانه.
قال: وشِعَارُ هذا السلطان وَرْدَةٌ حمراء في أرض بيضاء. قلت: ورأيت أنا السَّنْجَق اليمنى، وقد رُفِعَ في جبل عرفات سنة ثمانٍ وثلاثين وسبعمائة، وهو أبيض وفيه ورداتٍ حُمرٍ كثيرةٍ (٤).
قال: وإنما تجتمع لهم الأموال لقِلَّة الكُلف في الخَرْج والمصاريف التي تَذهَبُ في سَعَة النفقات والتكاليف؛ ولأن الهند يُمِدُّهم بمراكبه، ويواصلهم ببضائعه (٥).
وسألته عما بها من الفواكه، فذكر غالبًا ما يوجد بمصر، غير أنه بالغ في وصف السُّفَرْجَل بها.
وقال: إنَّ القمح يوجد ولكنه يغلو، واللحوم رخيصة (٦). ويُعْمل بها السكر والصابون ولكنهما ليسا كما بمصر والشام.
قال: ولأهل اليمن سياداتٍ بينهم محفوظة، وسعاداتٍ عندهم ملحوظة، ولأكابرها حظٌّ من رفاهية العيش والتَّنَعُّم والتفنُّن في المآكل، يُطْبَخُ في بيت الرجل منهم عِدَّةُ ألوان، ويُعمل فيها بالسكر والقلوب، وتُطَيَّبُ أوانيها بالعِطْر والبَخُورِ، وتكون له الحاشِيَةُ والغاشِيَةُ، وفي بيته العَدَدُ الصَّالِحُ من الإماء، وعلى بابه جملةٌ من العبيد والخَدَم والخُصْيَان من الهند والحُبُوشِ. ولهم الدِّيارَاتُ الجليلة، والمباني الأنيقة، إلا الرُّخَام ودهانُ الذهب واللآزورد فإن هذا من خواص السلطان لايشاركه فيها مشارك من الرعايا ولامن الأعيان، وإنما فُرِشَ دورهم بالخَوافيّ وما يجري مجراه (٧).
[بستان الثَّعْبَات]
قال: ولسلطانهم بستانٌ يعرف بالثَّعْبَات يطلع إليه ويقيم فيه أيَّامًا للنُّزهة به، فيه
стр. 1174
قُبَّةٌ مَلوكيةٌ وَمَقْعدٌ سُلطانيٌّ فَرْشهُما وأَزَرهُما رَخامٌ مُلوَّنٌ. وبها عُمُدٌ قليلةُ المِثلِ، يجري فيها الماءُ من تبعاتٍ تملأُ العينَ حُسنًا، والأذنَ طَربًا بِصفاءِ صفيرها وطيب خريرها وترى شبابيكهُما على أشجارٍ قدْ نُقلتْ إليهِ من كلِّ مكانٍ تجمعُ بين فواكه الشام والهند.
ولا يقفُ ناظرٌ على بستانٍ أحسنَ منهُ جمعًا، ولا أجمعَ حسنًا ولا أتمَّ صورةً ولا معنى (١)، يهزُّ معاطفَ روحهِ الصبا كأنهُ في اليمنِ من بقايا سبا.
[كتابةُ الإنشاء]
قال ابن البرهان: وأما كُتَّابُ الإنشاء عنده، فإنه لا يجمعهم رئيسٌ يرأسُ عليهم يقرأ ما يرد على السلطان ويُجاوبُ عنه، ويتلقى المراسم ويُنَفِّذُها. وإنما السلطان إذا دَعَتْ حاجتهُ إلى كتابة كُتُبٍ، بعثَ إلى كلِّ منهم ما يكتبه. فإذا كتب الكاتبُ ما يُرسَمُ لهُ بهِ بعثهُ على يدِ أحدِ الخصيانِ وقَدَّمهُ إلى السلطانِ فَعَلِمَ عليهِ ونفَّذهُ (٢).
قال ابن البرهان: وملوكُ اليمنِ أوقاتهم مقصورةٌ على لِذَّاتهم، والخلوة مع خُصياهم وخاصَّتِهِم من النُّدماء والمُطربين، ولا يكادُ السلطانُ يُرى، بل ولا يسمعُ أحدٌ من أهلِ اليمنِ له على الحقيقةِ خبرًا (٣)، معَ شِدَّةِ ضبطِهم لبلادهم ومن فيها، واحترازهم على طرقها برًا وبحرًا من كلِّ جهةٍ، فلا يخفى داخلٌ يدخلُ إليها ولا خارجٌ منها. ولِلتُّجَّارِ عندهم وَضْعٌ جليلٌ؛ لأنَّ غالبَ مُتَحصَّلاتِ اليمنِ منهم وبسببهم، كما قَدَّمنا ذكرهُ (٤).
قلت: ولقد كان الملكُ المُظفَّرُ (٥)، ثمَّ ولدهُ الملكُ المؤيَّدُ - رحمهما الله تعالى -
стр. 1175
مَقْصُودِينَ مِنْ آفاقِ الأرْضِ، قُلْ أنْ يَبْقَى مُجِيدٌ في صَنْعَةٍ مِنَ الصَّنائِعِ إِلَّا وَيَصْنَعَ شَيْئًا على اسمهِ، ويُجِيدَ فيهِ بِحَسَبِ الطاقَةِ، ثُمَّ يُجَهِّزَهُ إِليهِ أوْ يَقْصِدَهُ بِهِ وَيُقَدِّمَهُ إِليهِ مِنْ يَدِهِ، فيَقْبَلَ عَلَيْهِ وَيَتَقَبَّلَ مِنْهُ، ويُحْسِنَ نُزْلَهُ، ويُسْنَى جائِزتَهُ، ثُمَّ إِنْ أَقامَ في بابِهِ، أقَامَ مُكْرَمًا مُحْتَرَمًا، أوْ عَادَ مَحْبُوبًا مَجْبُورًا. ولَهُمَا وَلَعٌ بِحُبِّ الغُرَباءِ وكَرَمٍ مُتَّسِعٍ في الحَياءِ يَجْزِلونَ مِنْ نَعْمِهِمُ العَطايا، ويُثْقِلُونَ بِكَرَمِهِمُ المَطايا. ولَقَدْ قَصَدَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ وحَصَلَ لَهُمْ البِرُّ والإيناسُ (١)، ثُمَّ يَتَنَوَّعُ لَهُمْ مِنَ الكَرامَةِ ما أَسْنَاهم أنْ يَنْفُذُوا بسُلْطانٍ، وأَسْلاهُمْ عَنِ الأوْطَانِ، فَحَمَدُوا بالنجاحِ آمَالًا، ووَرَدُوا أَخْفافًا وصَدَرُوا ثِقالًا.
وكانَ مِنْ عادَتِهما، (رَحِمَهُما الله)، أنْ لا يَسْمَحا بعَوْدِ غَرِيبٍ، ولا يَصْفَحا عَنْ هذا عنْ بَعيدٍ ولا قَرِيبٍ قَصْدًا لِعِمارَةِ اليَمَنِ بإِنارَةِ آفاقِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ، إِلَّا مَنْ قَدِمَ لديهما القولُ بأنَّهُ أتاهُما راحلًا لا مُقِيمًا وزائِرًا لا مُسْتَدِيمًا، فإنهما كانا لا يُكَلِّفانِهِ مُقامًا لديهما ولا دوامًا في النزولِ عليهما، بل يَجْزِلانِ رِفادتَهُ ويَحْمَلانِ إعادَتَهُ (٢).
وأما مَنْ جاءَ إِليهما بِنِيَّةِ مُقيمٍ وأقامَ لديهما على أنَّهُ لا يَرِيمُ، فإنّهما يرفعانِ مَجْدَهُ ويُوَسِّعانِ رِفْدَهُ ويُجْرِيانِ عَليهِ الأَدْوَارَ وإِليهِ السَّحابَ المَدادَ، ويُخْلِيانِ لَهُ دارًا ويُخْليانِ مملوؤا لهُ بِصُفُوفِ الخَدَمِ حِدَادًا (٣)، فإذا أرادَ الارتحالَ عَنْ دارِهِما مُكِنَاهُ مِنَ العَوْدِ كما جاهِما وخرجَ عنهما على أسوإ حالٍ، مَسْلُوبًا بما استفادَ عَنْدهما مِنْ نِعْمَةٍ ومالٍ، عقابًا لَهُ على مُفارَقَتِهِ لأَبوابِهما، لا يُخَلِّلا بما جادتْ بِهِ بوادرُ سحابهما.
وحكى لي غير واحد ممن قصدهما على أنه يقيم ثم فارقهما على هذا الحال
стр. 1176
الذميم من حالاته بكل أعجوبة ما وجد (١)، ثم فارقه من نعمهما الموهوبة المسلوبة.
قلت: ولقد كانا يبعثان إلى مصر والشام والعراق من يتلقَّط لهما محاسن الوجود وأحاسِن الموجود، فلا يَبْقَى طُرْفَةٌ من الظَّرْف إلاَّ اشتريت لهما، ولا من مجيد في شيء من الأشياء إلاَّ استميل إليهما، ورُغِبَ في الكثير حتى يقصد حضرتهما ويقيم عندهما، وقلَّ من يعود عنهما.
ومن وجد الإحسان مقيدًا تقيدًا
قلت: وصاحب اليمن لا عَدُوَّ له، لأنه محجوب ببحر زاخر وبرٌّ منقطع من كل جهة، والمسالمة بينه وبينهم، فهو لهذا قريرُ العين، خالي البال، لا يُهِمُّهُ إلاَّ صَيْدٌ، ولا يُهَيِّجُهُ إلاَّ بَلْبَالٌ (٢).
الفصل الثاني فيما بِيَدِ الأَشْرافِ
قد تقدَّم القول على من قام باليمن من أهل هذا البيت الشريف (٣) وهم إلى الآن وأمرهم على ما كان. وأوَّلُ قائم منهم الإمام يحيى «الهادي» ابن الحُسَيْن الزَّاهِد ابن أبي محمد القاسم الرَّسِّي بن إبراهيم طَبَاطَبَا بن إسماعيل الدِّيبَاج بن إبراهيم الغَمْر بن الحسن المُثَنَّى بن السيد أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم ورحمته وبركاته (٤). قام بهذه الدَّعْوَةِ في اليمن وأعْلَنَ مناديه بالإمامة ورَفَعَ بيته وشيَّدَ له الدعامة، واستجاب الخَلْقُ لندائه، وصَلَّوْا بصلاته وآمنوا على دُعائه، وقام منهم مقامًا محمودًا، وأثّر فيهم من الصلاح أثرًا مشهودًا.
وفي ذلك يقول (٥): [من الطويل]
стр. 1177
بني حَسَنٍ إِني نَهَضْتُ بِثَأْرِكُمْ … وَثَأْرِ كِتَابِ اللَّهِ وَالحَقِّ وَالسُّنَنِ
وَصَيَّرْتُ نَفْسِي لِلْحَوادِثِ عُرْضَةً … وَغِبْتُ عَنِ الإِخْوانِ وَالْأَهْلِ وَالْوَطَنْ
وأكثر ما أطاعت له في اليمن النجود وانقادت إلى حكمه ودانت له ولإمامته واجتهدت على استمرار أمره واستدامته.
وَقَامَ بَعْدَ الْهادِي وَلَدُهُ الْمُرْتَضَى (١) وَتَمَّتْ لَهُ الْبَيْعَةُ، ثُمَّ اضْطَرَبَ أَمْرُهُ، وَاضْطَرَّ إِلَى تَجْرِيدِ السَّيْفِ، وَقَاتَلَهُ النَّاسُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ (٢): [مِنَ الرَّمَلِ]
كَدَّرَ الْوِرْدَ عَلَيْنَا بِالصَّدْرِ … فَعَلَ مَنْ بَدَّلَ حَقًَّا وَكَفَرْ
أَيُّهَا الْأَمَّةُ عُودِي لِلْهُدَى … وَدَعِي عَنْكِ أَحادِيثَ الْبَشَرْ
عَدْمَتْني الْبِيضُ وَالشُّمُرُ مَعًا … وَتَبَدَّلْتُ رُقَادًَا بِسَهَرْ
لَأَجُرِّنَّ عَلَى أَعْدَائِنَا … نَارَ حَرْبٍ بِضِرَامٍ وَشَرَرْ
كان ﵀ خطيبا شاعرا ذا مقال يستنفر ناظما وناثرا.
قال صاحب «التبيين في أنساب الطالبيين»: وهم الآن الأئمة باليمن.
قلت: وحدثني الشيخ شهاب الدين أبو جعفر أحمد بن غانم، أنه في عوده من اليمن - فارا من صاحب اليمن - نزل بحماهم وترح إلى كنف نغماهم فالحقه إمامهم القائم بظلله الظليل وأتحفه بفضله الجزيل، وأرشفه على ظمأ زلالا، وأنصفه من الأيام منة وإفضالا، ووصله بمال وأوصله إلى أحسن مآل. قال: وهو في منعة منيعة، وذروة رفيعة، «دار ملكه صنعاء»، ولرعاياه من حياطة الله به استرعاء. قال: وهو بنفسه يؤمهم ويخطب، ويركب في نحو ثلاثة آلاف فارس، وأما عسكره من الرجالة فخلق جم، وأمم تموج كاليم (٣).
وحدثني الشيخ تاج الدين أبو محمد عبد الباقي بن عبد المجيد اليمني، عن ما هو عليه هذا الإمام في يومه من الأمر المطاع حتى لا يخرج أحد منهم له عن نص، ولايشاركه فيما يتميز به (٤)، ويختص، مع القوة في مباينته لصاحب اليمن لا يخافه ولا يرجوه، والإهمال له فلا يستجيب له ولا يدعوه، مع أنه لا يزال صاحب اليمن، يرعى جانبه وتعقد بينهما العقود، وتكتب الهدن، وتوثق المواثيق، وتشترط الشروط (٥).
стр. 1178
قلت: وقد أتى آت إلى الأبواب السلطانية الشريفة، زَعَمَ أَنه مُرسلٌ من حضرة هذا الإمام، وحدثني كثيرًا من تفاصيل أحوالهم من التَّشدّد في الدين، وإقامة الحق والعمل والالتزام بموجبه. وأن الأئمة في هذا البيت أهل علم يتوارثه لإمام عن إمام وقائم بعد قائم (١). هذه جملة من أحوالهم ذكرناها.
وأما «صنعاء» (٢) فدار ملكهم فقد تقدم في هذا الكتاب من أحوالها ما يغني عن إعادته هنا.
وهي قاعدة مُلك اليمن في قديم الزمان، وأوقاتها كلها على مناسبة الاعتدال، لِذِيذَة الهواء كثيرة الفواكه يقع بها الأمطار (٣)، والبرد يكاد يجمد الجسد، وهي تشبه في اليمن بَعْلَبَكَ في الشام لتمامها الحُسْن وحُسْنهَا التّمام (٤).
وسألت الفاضل تاج الدين عبد الباقي اليماني عما يعلمه من أحوال الأئمة بهذه المملكة، فكتب إليَّ أنه ما يعلم تفاصيل أحوالهم إذ هم كالبادية.
قال: وأئمة الزيديين كثيرون (٥)، والمشهور منهم: المؤيد بالله، والمنصور بالله، والمهدي بالله، والمطهر يحيى بن حمزة. قال: ويحيى بن حمزة هو الذي كان آخرًا على عهد الملك المؤيد داود بن يوسف صاحب اليمن (٦)، وكاتب الهُدنة تكون بينهما (٧).
قال: وابتداء دولة الزيديين كانت في أواخر دولة بني العباس، قال: وأظنها من
стр. 1179
المستضيء (١). قال: ولهؤلاء دعوة بالجَيلان، وهي كَيلان، ولهم دعاة هناك يُجيبون لهم الزَّكاوات من تلك البلاد ومن يُجيب داعِيَهم فيها.
قال: وهم من أولاد زَيد بن الحسن بن الحسن المُثَنّى، قال: وشيعتهم كثيرة وأئمتهم لا يَحْتَجِبُونَ ولا يُحْتَجَبُونَ، ولا يَرَوْنَ التفخيم والتعظيم، الإمام كواحد من شيعته: في مأكله ومَشْرَبِهِ ومَلْبَسِه، وقيامه وقعوده، وركوبه ونزوله، وعامة أموره، يَجْلِسُ ويُجالس، ويَعُودُ المرضى، ويُصَلِّى بالناس على الجنائز، ويُشَيِّعُ الموتى، ويَحْضُرُ دَفْنَ بعضِهم (٢).
قال: وشيعته لهم في إمامهم حُسْنُ اعتقادهم وهم يَسْتَشْفُونَ بدعائه، ويَمُرُّونَ يَدَهُ على مرضاهم، ويَسْتَسْقُونَ المطر إذا أجدبوا به، قال: وهم يبالغون في ذلك مُبالَغَهم العظيمة (٣).
سَألته فهل لهذه الدعوة حقيقة؟ قال: هذه أقوالهم التي تَبْلُغُنا عنهم وتَصل إلينا من نحوهم وما أجزم.
قلت: ولا يُكْبِرُ لإمام هذه سيرته - في التواضُع لله، وحُسْنُ المعاملة لخَلْقِه، وهو مِنْ ذلك الأصل الطاهر والعُنصُر الطيِّب - أن يُجاب دُعاؤُهُ ويَتَقَبَّلُ منه (٤).
وحدَّثني الحكيم الفاضل صلاح الدين محمد بن البرهان: أن اليمن تنقسم إلى قسمين: سَواحِل وجبال. فالسواحل بها لبنى رسول، والجبال كلُّها أو غالبها للأشراف، وهي أقلُّ دُخلًا من السواحل لَمَدَد البحر لتلك واتصال سبيلها منه، وانقطاع المَدَد عن هذه البلاد لانقطاع سبيلها من كل جهة (٥).
وحدَّثني أبو جعفر بن غانم، أن بلاد الشُّرَفاء هؤلاء متصلة ببلاد السَّرَاة، إلى الطائف، إلى مكة المعظمة (٦)، وأنها طريقة التي سلكها في عَوْدِهِ من اليمن.
قال: وهي جبالٌ شامخة عَليَّة، ذاتُ عيون دافقة ومياه جارية، على قُرى متصلة، الواحدة إلى جانب الأخرى، وليست لواحدَة تَعَلُّقٌ بالأخرى، لكلِّ واحدة أهلٌ يَرجع
стр. 1180
أمرهم إلى كبيرهم، لا يضمهم مُلكُ ملك ولا يجمعهم حُكْمُ سلطان، ولا تخلو قرية منها من أشجار وغُرُوس ذوات فواكه أكثرها العنب واللوز، ولها، زروع أكثرها الشعير، ولأهلها ماشية أعْوَزَتْهَا الزَّرائب وضاقت بها الحظائر (١).
قال: وأهلها أهل سلامة وخير وتمسك بالشريعة ووقوف معها، يعضون على دينهم بالنواجذ، ويُقْرُونَ كلَّ من يمرُّ بهم، ويُضيفونه مدة مقامه حتى يفارقهم. قال: وإذا ذبحوا لضيْفهم شاة، قدَّموا له جميع لحمها ورأسها وأكارعها وكُرْشها وكبْدها وقَلْبها، يأكل ما يأكل ويحمل ما يحمل (٢).
قال: وأهل هذه البلاد لا يفارق أحد منهم قريته مسافرًا إلى الأخرى إلا برفيق يسترفقه منها ليخْفِرَه، وإلا فلا يأمن أولئك لعداوة بينهم وتفرق ذات بين (٣).
ثم نعود إلى تتمة الكلام في مملكة الأشراف فنقول، وبالله التوفيق: إنها تشتمل على عدة حصون منيعة وبلاد مُخصِّبة مُرتعَة، وقبائل عرب وحلفاء وأفراد في طاعة هؤلاء الشرفاء ولأمراء مكة ميل كلي إليهم لقرابتهم بهم، لتَمذْهَبِهِم بمذهبهم (٤).
والإمام في هذه البلاد يعتقد في نفسه ويَعْتقد أشياعه فيه أنه إمام معصوم مفترض الطاعة، تنعقد به عندهم الجمعة والجماعة، ويَرَوْن أنَّ جميع ملوك الأرض وسلاطين الأقطار تلزمهم طاعته ومتابعته حتى خلفاء بني العباس، وأن جميع مَنْ مات منهم مات عاصيًا بترك متابعته ومبايعته. وهم يزعمون ويُزْعَمُ لهم أن سيكون لهم دولة يدال بها بين الأمم، وتملك بها منتهى الهمم لا تهجع لها سيوف ولا تخضع صفوف. وفي رأيهم أن الإمام الحُجَّة المنتظر في آخر الزمان منهم (٥).
وزي هذا الإمام وأتباعه زي العرب في لباسهم والعمامة والحَنَك (٦).
ويقال في الأذان عندهم «حي على خير العمل» (٧)، ولا يظهر أحد منهم عندهم بسبب، ولا يُبْغَضُ على ما هو رأي الزيدية.
حدَّثني مَنْ أقام بينهم مدة صالحة: أنهم أهل نجدة وبأس، وشجاعة ورأي، غير أن عددهم قليل، وسلاحهم ليس بكثير: لضيق أيديهم، وقلة دخل بلادهم (٨).
قال: ولقد فارقتهم، في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وهم لا يشكون أنه قد آن
стр. 1181
أوان ظهورهم، وحان حِينُ مُلكِهم، ولهم رعايا تختلف إلى البلاد، وتجتمع بمن هو على رأيهم، يتربّصون ضَعْفَ الدول في أقطار الأرض (١).
وحدّثني شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري بن الزّملكاني (٢)، ﵀، عند عودته من قضاء حلب عن رجل كان بها وأنه مات وترك صندوقين كبيرين مختومين، فظُنَّ أن فيهما مالًا، ففتحا فلم يوجد فيهما سوى كتب من أئمة هذه الجهة ونسخ أجوبة عنها، منها ما هو إليه ومنه، ومنها ما كان إلى قدماء آبائه وأسلافه ومنهم. فسألته كيف كانت وما الذي كان مضمونها؟
فقال: أما كيف؟ فعلى نحو طريقة السَّلَف: من فلان أمير المؤمنين. وأمَّا الوقت إلى فلان أو لفلان، أما بعد فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأُعْلِمُك بكذا وكذا. وكذلك نسخ الأجوبة وتبدأ باسم الإمام على عادة السَّلَف لانقص فيها ولا زيادة سوى قوله: وإمامُ الوقت. وأما مضمونها فمختلف ومداره على استعلام الأخبار عامة، وأحوال الشيعة خاصة، والسؤال عن أناس منهم، وأنه قد وَرَدَ كتاب فلان وأُعيد جواب فلان عن أناس ما يُعرف مَنْ هم؟ بكنايات موضوعة، وفي بعضها حديث الخمس وذكر وصوله أو التقاضي به.
قال: وَوَجَدْتُ في بعضها في هذا المعنى ما هذه عبارته وهي: «لا تؤخروا مدد من هنا من إخوانكم من المؤمنين في هذه البلاد الشاسعة، وهو حق لله فيه تزكية أموالكم ومُدَد إخوانكم من الضُّعفاء واتَّقوا الله و ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ
стр. 1182
عَلَيْكُم مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ (١)
فسألته عمّا صنعوا بتلك الكتب؟
فقال: عرّفت الأمير أرغون (٢)، نائب السلطان بها، فقال: اغسلوها، فَغُسِلَتْ (٣). هذا ما انتهى إلينا من أخبارهم.
* * *
стр. 1183
الباب الثامن: في ممالك المسلمين بالحبشة
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول: في أوفات.
الفصل الثاني: في دوارو.
الفصل الثالث: في أرابيني.
الفصل الرابع: في هدية. الفصل الخامس: في شرخا.
الفصل السادس: في بالي.
الفصل السابع: في دارة.
стр. 1184
الباب الثامن: في ممالك المسلمين بالحبشة
وهذه الممالك السبعة بأيدي سبعة ملوك وهي ضعيفة البناء، قليلة الغناء، لضعف تركيب أهلها، وقلّة محصول البلاد، وتسلّط ملك ملوك الحبشة وصاحب أمحرة عليهم مع ما بينهم من عداوة الدين، ومباينة النصارى والمسلمين. ومع هذا فكلمتهم متفرقة، وذات بينهم فاسدة.
وقد حكى لي الشيخ عبد الزيلعي (١) وجماعة من فقهاء هذه البلاد: أن هؤلاء الملوك السبعة لو اتفقت كلمتهم واجتمعت ذات بينهم قدروا على المدافعة أو التماسك، ولكنهم ما هم عليه من الضعف وافتراق الكلمة بينهم تنافس، ومنهم من يترامي إلى صاحب أمحرة ويميل إليه بالطباع.
وهؤلاء مع الذلّة والمسكنة عليهم لصاحب أمحرة قطائع محرزة تحمل في كلّ سنة، وهي من القماش الحرير والكتان ما يجلب إليهم من مصر واليمن والعراق.
وقد كان الفقيه عبد الله الزيلعي قد سعى في الأبواب السلطانية بمصر عند وصول رسل صاحب أمحرة إليها في تنجيز كتاب البطريَرك إليه بكف أذيته عن بلاده من المسلمين وأخذ حريمهم، ورسم له بذلك، وكتب البطريَرك كتابًا بليغًا شافيًا، فيه معنى الإنكار لهذه الأفعال، وإنه حرم هذا على من يفعله بعبارات أجاد فيها في هذا دلالة على الحال. وسنذكر أمورهم مفصلة في موضعها.
قال لي الشيخ الصالح عبد المؤمن (٢): "إن طولها برًا وبحرًا خاصًا بها نحو
стр. 1185
شهران، وعرضها ممتد أكثر من هذا، لكن الغالب في عرضه مقر. وأما مقدار العمارة فهو ثلاثة وأربعون يومًا عرضًا.
وبهذه الممالك السبعة الجوامع والمساجد والمؤذن، وتقام بها الخطب والجمع والجماعات وعند أهلها محافظة على الدين لا تعرف عندهم مدرسة ولاخانقاه ولا رباط ولا زاوية، وليست لهم إبل.
وهي بلاد حارة ليست بمائلة إلى الاعتدال، وألوان أهلها إلى الصفار وليست شعورهم في غاية التغلغل كأهل مملكة مالي وما معها وما يليها من جنوب المغرب، وفطنتهم آنية، وفطرتهم أذكى، وفيهم الزهاد والأبرار، وهذه البلاد هي التي يقال لها بمصر والشام بلاد الزيلع، وإنما الزيلع قرية بالبحر من قراها، وجزيرة من جزائرها، وإنما غلب عليها اسمها، وبيوتهم من طين وأحجار وأخشاب مسقفة جملونات وقباب، وليست بذوات أسوار، ولالها فخامة بناء، وقد أوردنا هذا على جهة الإجمال.
ونحن نذكر ذلك فصلًا إن شاء الله تعالى.
الفصل الأول: في أوقات (١)
حدثني الفقيه عبد الله الزيلعي ومن معه من الفقهاء: أنَّ مملكة أوقات طولها خمسة عشر يومًا، وعرضها عشرون يومًا بالسير المعتاد، وكلها عامرة آهلة بقرى متصلة، وبها نهر «جار»، وهو أقرب أخواتها إلى الديار المصرية وإلى السواحل المسامتة لليمن.
وهي أوسع هذه الممالك أرضًا والإجلاب إليها أكثر لقربها من البلاد، وملكها يحكم على الزيلع، والزيلع اسم ميناء التجار الواردين إليها، وهو في وقتنا اليوم شافعي المذهب وغالبها شافعية.
وعسكرها خمسة عشر ألفًا من الفرسان، ويتبعهم عشرون ألفًا أو أزيد من الرجالة، وهم يركبون الخيل عرايا بلا سروج، وإنَّما يوطئون لهم بجلود مرعز حتى
стр. 1186
الملك، وخيلهم عراب، وفي غالب الأوقات ركوبهم البغال.
والملك عندهم أو المير يعدُّ من حشمته إذا ركب بغلة يردف خلفه غلامه على كفل البغلة.
وأما إذا ركب فرسًا فإنه لا يردف أحدًا عليه.
ويسمّى الملك عندهم فاط، والملك يعتصب على رأسه بعصابة من حرير تدور بدائر رأسه، ويبقى وسط الرأس مكشوفًا.
وأما الأمراء والجند فتعتصب رؤوسهم بعصائب من قطن على مثل هذا الوضع ولا يعتصب بالحرير إلا الملك، وقلّ من يلبس منهم قميصًا أو ثوبًا مخيّطًا، وإنما يتّزرون وزرات، وتلبس طائفة أرباب السيوف منهم سراويلات.
وأما الفقهاء فتلْبس العمائم وعامة الناس تلبس كوافي بيضًا طباقات، ومن الفقهاء وأرباب النعم من يلبس القمصان وإلا فالجمهور الغالب المؤزرات كل واحد بوزرّتين، واحدة على كتفه متوشّحًا بها، والأخرى في وسطه. وكلامهم بالحبشية وبالعربية.
ومما يعدّه أهل هذه المملكة من الحشمة، أنّ الملك أو الأمير إذا مشى يتوكًّا على رجلين من خاصته. والملك يجلس على كرسي حديد مطعّم علوّه أربعة أذرع، ويجلس أكابر الأمراء حوله على كراسي أخفض من كرسيه، وبقية الأمراء وقوف. ويحمل رجلان على رأسه السلاح، وإذا ركب يحمل على رأسه جتَر (١) حرير، فإن كان الملك راكب بغلة كان حامل الجتر رديفه، والجتر بيده وقدّامه حجّاب ونقباء تطرد الناس، وتضرب قدّامه السبابّة والبوقات من خشب اسمه (بنبو) المعمول منه في اليد، وفي رؤوسها قرون بقر ويدقّ معها الوطواط، وهي طبول معلّقة في رقاب الرجال، ويكون قدّام الجميع بوق اسمه الجبناء وهو ملوي من قرون الوحش عندهم اسمه عجيزين من نوع بقر الوحش يكون طوله ثلاثة أذرع محروقًا من علوه يسمع من قريب نصف نهار، فيعلم الناس ركوب الملك فيتبادر إليه من له عادة الركوب معه ويتنحّى عن طريقه من يحبّ أن يتنحّى وعنده قضاة وفقهاء، وليس فيهم بارع العلم، والملك يتصدّى للحكم بين الناس ويقصد الإنصاف.
وفي مملكته مدن أمهات وهي، بقلزره، وكلجور، وسيمتق، وسوا، وعدل، وجبا، ولاو.
стр. 1187
وأكثر قتال هذه المملكة بالحراب وفيهم الرماة بالنشاب، وأقواتهم القمح والذرة والطافي، وهو حب دقيق إلى غاية أكبر من الخردل، وهو أحمر اللون لهم منه قوت.
وعندهم الأبقار والأغنام كثيرة جدًا وكذلك السمن والعسل، وأما المعز فقليلة عندهم وأسعارهم رخية، وكيلهم يسمى الرابعة، وهذا الكيل مقداره ويبة مصرية، ورطلهم إثنتا عشرة أوقية، وزن الأوقية عشرة دراهم بصنجة مصر.
وعندهم من قصب السكر مقدار صالح، ويخرج منه القند، ويعمل قطعًا صغارًا.
وعندهم الموز والجُمّيز والأترج والليمون، وقليل من النارج والرمان الحامض والمشمش والتوت الأسود، والعنب الأسود - وهو والتوت قليلان -.
وعندهم تين بري وخوخ بري، ولكنهم لا يأكلون التين، ولهم فواكه أخرى لا تعرف بمصر والشام والعراق فمنها، شجر اسمه كشياذ يخرج ثمره أحمر صفة البلح، وهو حلو ماوي، وشجر يعرف لمويه يخرج ثمره أسود صفة البلح طعمه مر ماوي، ومنها شجر يسمى كوسي يخرج ثمره مدورًا شديد الإستدارة كالبرقوق ولونه أصفر خلوي كلون المشمش، وهو مر ماوي، ومنها شجر طانة يخرج ثمره أصفر من البسر وفي وسطه شبيه النتوى، وهو حلو صادق الحلاوة، ومنها شجر اسمه أوجات - بفتح الواو والجيم - تخرج ثمرته أكبر من حب الفلفل، وطعمه شبيه به في الحرافة مع بعض حلاوة، ومنها شجر اسمه جات - وهذه الجيم الموحدة نطقهم بها بين الجيم والشين - لاثمر له، وإنما المأكول قلوبه وهو يزيد في الذكاء ويذكر الناس ويفرج ويقلل الأكل والنوم والجماع، وكلهم يأكلونه ويرغبون في أكله وخصوصًا طلبة العلم منهم ومن يريد الإشتغال أو من يؤثر دوام السهر لسفر يسافره أو لحرفة يعملها، وعنايتهم به شبيهة بعناية أهل الهند بالتنبول، وإن لم يكن هذا شبه ذلك، وحاشا ما يقال عن تلك الأفعال المحمودة من مشابهة هذا لما يدل عليه من زيادة تحقيقه بما يورثه من قلة النوم والأكل والجماع.
ولقد أعجبني ما حكاه بعض هؤلاء الفقهاء المخبرين نيابة عن الملك المؤيد داود صاحب اليمن ﵀ قال: سافر بعض المسلمين من أهل بلاد الحبشة إلى اليمن واتصل بالملك المؤيد وصار من خاصته، فمنّاه يومًا فتمنى عليه قلوب شجر الأوجات فبعث من نقل إليه منها وغرست باليمن فأنجبت، فلما أن اقتطاف قلوبها سأله الملك المؤيد مما يفيد فوصف له ما يحدث عنها، فلما قال له: إنها تقلل الأكل والنوم والجماع، قال له الملك المؤيد: وأي لذة في الدنيا سوى هذا والله لا آكله فإني ما أنفق
стр. 1188
الأموال إلا على الثلاثة الأشياء فكيف أستعمل ما يحول بيني وبين لذاتي منها.
ويزرع عندهم اللوبيا والخردل والباذنجان والبطيخ الأخضر والخيار والقرع والكرنب (١). وتطلع عندهم الملوخيا برية، وكذلك الشمار والصعتر.
ويجلب إليهم الذهب من داموت وسحام وهما بلاد معادن بالحبشة، وتساوي الأوقية منه من ثمانين درهما إلى مائة وعشرين درهما على قدر جودة الذهب وردائته بقدر ما يخالطه من التراب وكثرته، والطيب من الذهب يسمى سرا.
وعندهم الدجاج الدواجن، ولهم كثير رغبة في أكلها استقذارا لها لأكلها من القمامات والزبل.
وعندهم جواميس برية تصاد - كما ذكر في بلاد مالي -، وبها من أنواع الوحش، البقر والخمر والغزال والنعام والمها والإبل والكركدن والفهد والأسد والضبعة العرجاء تسمى عندهم مرغفيف، ويصاد عندهم دجاج الحبش المعروف، ويؤكل ويستطاب لحمه ويفاخر فيه.
وليس لأمراء هذا الملك ولأجنده إقطاعات عليه ولانقود، وإنما لهم الدواب الكثيرة السليمة، ومن شاء منهم زرع واشتغل ولايعارض.
ولهذا الملك سماط عام ممدود، بل له سماط له ولخاصته، ولكنه يفرق في بعض الأحيان على أمرائه بقرا عوضا عن أكلهم على السماط، وأكثر ما يعطي الأمير الكبير منهم مائتي بقرة.
وليس بأوقاف ولا بلادها دار ضرب ولاسكة، ومعاملتهم بدنانير مصر ودراهمها مما يدخل مع التجار إلى بلادهم.
الفصل الثاني: في دوارو
حدثني هؤلاء الفقهاء المتقدمون - في الفصل قبله - أن هذه المملكة طولها خمسة أيام، وعرضها يومان وهي على هذا الضيق ذات عسكر جم نظير عسكر أوفات في الفارس والراجل، وزيهم مثل زيهم في اللبس والركوب والهيأة سووى أن ملكها لا يحمل على رأسه جتر [أ] ولا يتوكأ الأكابر بها مثل الملك والأمراء على الأيدي، وأقواتهم والموجودات عندهم من الحبوب والفواكه والخيول والدواب من نسبة ما تقدم إلا أنهم حنفية المذهب ومعاملتهم بالحديد وتسمى الواحدة من تلك الحدائد حكنة - بفتح الحاء
стр. 1189
المهملة وضم الكاف والنون - وهي في طول الإبرة، ولكنها أعرض من الإبرة تكون نحو عرض ثلاث إبر، وما لها سعر تضبط به، وإنّما تباع البقرة الجيد بخمسة آلاف حكمة، ويباع الرأس الغنم الجيد بثلاثة آلاف حكمة.
وهذه المملكة مجاورة لأوفات.
الفصل الثالث: في أرابيني
حدثني هؤلاء الفقهاء أيضًا: أن هذه المملكة مربعة على شكل التربيع، طولها أربعة أيام وعرضها كذلك، وعسكرها يقارب عشرة آلاف فارس. وأمّا الرجالة فكثيرة جدًا، وأهلها حنفية، وهي على دوارو، وزي أهلها زي أهل دوارو في كل شيء، والموجودات التي عندهم من الحبوب والفواكه والبقول والدواب وغير ذلك مثل دوارو ومعاملتهم بالحكمة كما تقدّم.
الفصل الرابع: في هدية
حدثني أيضًا هؤلاء الفقهاء: أنّ صاحب هدية أقوى أخوانه من ملوك هذه الممالك السبعة، وأكثر خيلًا ورجالًا، وأشدّ بأسًا على ضيق بلاده عن مقدار أوفات.
وهذه البلاد طولها ثمانية أيام، وعرضها تسعة أيام، ولملكها من العسكر نحو أربعين ألف فارس غير الرجالة؛ فإنّهم خلق كثير مثل الفرسان مرتين أو أكثر.
وهم في زيهم ومعاملتهم وما يوجد عندهم من الحبوب والفواكه والبقول مثل أربيني ودواره. وبلاد هدية تلي أرابيني، وإلى مدينة تجلب الخدام من بلاد الكفار.
حدثني الحاج فرح القوي التاجر: أنّ صاحب أمحرة يمنع من خصي العبيد، وينكر هذا ويشدّد فيه، وإنما السراق تقصد مدينة اسمها وشلو - بفتح الواو والشين المعجمة واللام - وأهلها همج لادين عندهم فيخصي بها العبيد، ولا يقدم على هذا في جميع بلاد الحبشة سواهم وكذلك التجار إذا اشتروا العبيد وخرجوا بهم يعرجون إلى وشلو ليخصوهم بها، لأجل الزيادة في الثمن.
ثم يحمل كل من خصي إلى مدينة هدية فتعاد عليهم الموسى مرة ثانية لينفتح مجرى البول؛ لأنه يكون قد اشتد عند الخصي بأيقع.
ثم إنهم يعالجون بهدية إلى أن يبرأوا؛ لأن أهل وشلو ليس لهم معرفة
стр. 1190
بالعلاج، فسألت الفوي: لأي شيء يختص بهذا هدية دون بقية أخواتها؟، فقال: لأنها أقرب هذه البلاد إلى وشلو، وقد صار لأهلها دربة في علاج هؤلاء، وقال: ومع هذا فالذي يموت منهم أكثر من الذي يعيش وأضر ما عليهم حملهم بلا معالجة من مكان إلى مكان ولو عولجوا في مكان خصيصهم كان أصلح لهم، ولولا حملهم إلى مكان يعالجون به ما سلم، والله أعلم أحد منهم.
وأهلها حنفية المذهب.
الفصل الخامس: في شرخا
حدثني هؤلاء الفقهاء: أنّ هذه المملكة طولها ثلاثة أيام وعرضها أربعة أيام وعسكرها ثلاثة آلاف فارس ورجاله مثلها مرتين وأكثر.
وهي كأخواتها دوارو وأرابيني في بقية أحوالها من الزي والمعاملة والحبوب والفواكه والبقول وسائر مالهم وما عليهم، وهي تلي هدية وأهلها حنفية المذهب.
الفصل السادس: في بالي
حدثني هؤلاء الفقهاء: أنّ هذه المملكة طولها عشرون يومًا، وعرضها ستة أيام، وعسكرها ثمانية عشر ألف فارس، والرجالة بها كثير عددهم. وأهلها مثل باقي أخواتها في جميع زيهم وأحوالهم وأقواتهم، والموجودات عندهم، ولكنها أكثر خصبًا، وأطيب سكنًا، وأبرد هواء وماء، ولكنّهم لايتعاملون بالنقود مثل أوفات ولا بالحكنة مثل بقية ما تقدم، ولكن بالأعواض مثل البقر والغنم والقماش.
وهي تلي شرخا. وأهلها حنفية المذهب.
الفصل السابع: في دارة
حدثني هؤلاء الفقهاء: أنّ طولها ثلاثة أيام، وعرضها مثلها، وهي أضعف أخواتها حالًا، وأقلها خيلًا ورجالًا، وعسكرها لا يزيد على ألفي فارس ومثلهم رجالة.
وهم في بقية أحوالهم وأحوالها مثل أخواتها ومعاملتها بالأعواض مثل بالي، وهي تليها. وأهلها حنفية المذهب.
هذه جملة ما علمنا من أحوال هذه المملكة المسلمة في بلاد الحبشة والمملكة منهم في بيوت محفوظة إلا بالي اليوم؛ فإنّ الملك بها صار إلى رجل ليس من
стр. 1191
أهل بيت الملك تقرب إلى صاحب أمحرة حتى وُلاَّء مملكة بالي، فاستقل ملكًا بها ولايالي، وقد ولي بالي.
ومن أهل بيت الملك بها رجال أكفّاء، والأرض لله يورثها من يشاء، وجميع ملوك هذه الممالك، وإن توارثوها لا تستقل منهم بملك إلا من أقامه صاحب أمحرة.
وإذا مات الملك منهم ومن أهله رجال قصدوا جميعهم صاحب أمحرة وبذلوا المقدرة في التقرب إليه، فيختار منهم رجلًا يوليه، فإذا ولاه سمع البقية وأطاعوا؛ لأنّ الأمر له فيهم، وهم كالنواب له.
ومع هذا فإن جميع ملوك هؤلاء الملوك تعظم مكان صاحب أوفات وتنقاد له بالمعاضدة في بعض الأوقات.
والطريق إلى هذه البلاد من مصر شعبة من الطريق العظمى للأخذه إلى أمحرة وسائر بلاد الحبشة.
وتجار هذه البلاد الحبشية، وتجار هذه البلاد ناصع وسواكن ودهلك وليس بها مملكة مشهورة، ولالها أخبار مذكورة. وكلها مسلمون قائمون وأرضها أصعب مسلكًا لكثرة جبالها الشامخة وعظم أشجارها واشتباكها بعضها ببعض حتى إنه إذا أراد ملكها الخروج إلى جهة من جهاتها يتقدمه قوم مرصدون إصلاح طرقها بالآلات لقطع أشجارها، ويطلقون فيها نارًا لحريقها.
وأولئك القوم كثير عددهم ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنساني؛ لأنهم أجبر بني حام، وأخبر بالتوغل في القتال والاقتحام، وطول زمانهم مسافرون، وفي صيد وحش البر راغبون.
ومما يدل على قوة جنانهم أنهم لا يلبسون، ولا يلبسون خيلهم عند القتال شيئًا.
والمشهور عنهم مع مالهم من الشجاعة يقبلون الحسب ويصفحون عن الجرائم، والمصطلح بينهم: أن من رمى سلاحه في القتال يحرمون قتاله، والمجرم يتحسب بير القادر عليه فيتجاوز عن ذنبه.
وقيل فيهم خلة حسنة أيضًا أنهم يوجبون الغريب، ويكرمون الضيف، ويحقق ذلك إكرام النجاشي قريشًا عندما هاجروا إليه، ويقال: إنه قلّ أن يوجد عندهم رياء.
والصديق عندهم لا ينقض عهدًا لصديقه، وإذا تعاهدوا أكدوا المحبة وأظهروها، وإذا تباغضوا أعلنوا المباينة وأجهروها غالبًا يوجَدون أذكياء أقوياء الحدس، لهم علوم وصناعات بهم خصيصة.
стр. 1192
ومع كونهم جنسًا واحدًا ينطقون بألسنة شتّى تزيد على خمسين لسانًا وقلم قراءتهم واحد - وهو الحبشي - يكتب من اليمين إلى الشمال، عدّته ستّة عشر حرفًا، لكل حرف سبعة فروع. وبالجملة من ذلك مائة واثنان وثمانون حرفًا خارجًا عن حروف أُخر مستقلّة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المعدودة المتقدّم ذكرها مضبوط بحركات نحوية متّصلة به لا منفصلة عنه.
وهي بلاد تنقسم عندهم أقاليم كما تنقسم الديار المصرية والبلاد الشامية أعمالًا وصفقات وممالك الإسلام المتقدّمة الذكر في ذلك.
«ذكر بلاد الحبشة»
ونحن نذكر ها هنا جملة حال بلاد الحبشة مسلمها وكافرها.
قيل: إنَّ أول بلادهم من الجهة الشرقية المماثلة إلى بعض الجهة الشمالية بحر الهند واليمن، وفيها يمر البحر الحلو المسمّى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر المحروسة.
والجهة الغربية إلى بلاد التكرور مما يلي جهة اليمن وأولها مفازة تسمّى وادي بركة، قيل: يتوصّل منه إلى إقليم يسمّى سحرت، ويسمّى قديمًا تكراي. وكانت مدينة المملكة بهذا الإقليم في ذلك الزمان تسمّى أخشرِم، وبلغة أخرى من لغاتهم، وتسمّى أيضًا زفرتا. وكان النجاشي الأقدم بها ملكًا على جميع البلاد ثم إقليم أمحرة وهو الذي به الآن مدينة المملكة وتسمّى بلغتهم مرعدي. ثم إقليم شاوه، ثم إقليم داموت، ثم إقليم لامان، ثم إقليم السيهو، ثم إقليم الزنج، ثم إقليم عدل الأمراء، ثم إقليم حماسا، ثم إقليم باريا، ثم إقليم الطراز الإسلامي الداخلية في جملة جميع «البلاد الحبشية» وملوكه سبعة كما تقدّم تفصيلها إقليمًا إقليمًا.
وكل إقليم من هذه الأقاليم له ملك وجيوش - كما تقدّم أيضًا ذكره -.
وقيل إنَّهم كلهم تحت سلطان ملكهم الأكبر المسمّى بلغتهم الحطي، ومعناه السلطان. وهذا الإسم موضوع لكلّ من يُقام عليهم ملكًا كبيرًا.
وإسم الملك المقام عليهم الآن عمد سيون، وتأويله: ركن صهيون، وهي بيعة قديمة البناء بالإسكندرية معظّمة عندهم يعبدون الله فيها.
وقيل: إنَّه من الشجاعة على أوفر قسم، وإنَّه حسن السلوك عادل في رعيته، يتفقّد مساكنها.
وقيل: إنَّ تحت يده من الملوك تسعة وتسعون ملكًا، وهو لهم تمام المائة في
стр. 1193
الأقاليم المذكورة، والأقاليم المجهولة أسماؤها؛ لأنها كثيرة العدد غير مشهورة ولامعلومة.
وقيل: إن الحبشى - المذكور - وجيشه لهم خيام ينقلونها معهم في السرحات والأسفار، وإذا جلس يجلس حول كرسيه أمراء مملكته وكبراؤها على كراسي حديد منها ما هو مطعم بالذهب، ومنها ما هو ساذج على قدر مراتبهم.
والملك - المذكور - قيل: إنه مع ماله من نفاد الأمر يتثبت في أحكامه حتى يتبين.
فأما لباس أهل البلاد المذكورة في الشتاء فهو لباسهم في الصيف، الخواص منهم والأجناد قماش حرير وأبراد هندية، وما شاكل ذلك، والعوام ثياب قطن منسوج غير مخيط لكل نفس ثوبان واحد لشد وسطه وآخر يلتحف به، وكذلك الخواص منهم في الحرير والأبراد يشدون ويلتحفون بمنسوج غير مخيط.
وسلاح المقاتلين منهم القسي والنبال الشبيهة بالنشاب والسيوف والمزاريق والحراب، ومنهم من يقاتل بالسيوف وأتراس طوال وقصار وغالب سلاحهم مزاريق تشبه الحراب الطوال، ومنهم من يرمي عن قوس طويل يشبه قوس القطن بالنبال، وهي سهام قصار.
وقيل: إن نبال المقاتلين من أجناد الطراز الإسلامي أكبر ولهم أبواق من خشب القرنا المجوف، ومن قرون البقر المجوفة.
ومأكلهم شحوم البقر والماعز وبعض شحوم الضأن، ومشروبهم اللبن البقري، وفي ضعفهم يتداوون باللبن المضاف بالماء وسمن البقر.
وعندهم نبات يسمى جات يتناولونه لتجويد الفهم وتقوية الحفظ، وهو أشجار صغار وكبار تمرية تشبه قلوب شجر النارنج - وقد تقدم ذكره -.
وغالب أهل البلاد المذكورة يتعاملون مقايضة بالأغنام والأبقار والحبوب وغير ذلك إلا في خمسة أقاليم من الطراز الإسلامي وهي، إقليم مدينة أوفات يتعاملون بالذهب والفضة، وإقليم دوارو، وإقليم آرينى، وإقليم شرخا، وإقليم هدية يتعاملون بشيء يسمى عندهم الحكنة وهي حديد مضروب كالإبر الطوال كل ثلاثة آلاف بالعدد قيمتها درهم واحد.
وكل البلاد المذكورة والطراز الإسلامي يزرعون على الأمطار في السنة مرتين ويتحصل لهم مغلان.
والزمان الذي يحصل فيه المغل الأول يأتي فيه مطر ثان يزرع عليه المغل الثاني،
стр. 1194
والمطر الواقع من زمن الشتاء يسمى بل، والمطر الواقع في زمن الصيف يسمى كرم - بلُغة الزيَالعةِ. -
وأخبرني البطريرك بنيامين فيما حكى لي في كتابه عنهم: أنّه عند نزول الأمطار الكثيرة تقع صواعق وأضاف زراعاتهم الغَبطيَة القَمحَ والشَعيرَ والحِمّصَ والعَدَسَ والبسلَا والذُرةَ وبعضَ الباقلاء وحبوبٍ أخرَ غير ذلكَ منها حَبٌّ يسمى قُبانَهُلولَ يستعمِلونَه قوتًا كالقمح.
أما القمح فحَبّه كالحنطةِ المألوفة ولونه كالقمح الشامي يباع منه في الطراز الإسلامي بالدرهم الواحد تقدير حِمل بَغلٍ، والشعير ليس لهُ قيمة وحَبُّهُ أكبر مقدارًا من حبّه بالديار المصرية، ومنه ضرب يسمى طَمحه والحمص إلى الحمرة ما هو والباقلاء عزيزُ الوجودِ في أكثرِ البلادِ ولا يفتقرُ إليهِ دوابهم في العلف؛ لأنَّ الأرضَ كثيرةُ المياهِ والمراعي وعندهم حبُّ يسمى - بلغتهم - طافي، وحبُّهُ بمقدار الخردل، ولونه إلى الحمرةِ ومكسرهُ إلى السوادِ يتخذونَ منهُ خبزًا، وهو يميل إلى القمح.
وعندهم ببعض الأقاليمِ حبٌّ يسمى ألس، وهو يشبه القمحَ ولكنّه بقشرين فينزعونَ قشورهُ بالهرس كالأرزّ، ويتخذونَ منهُ طعامًا ينوبُ عن القمح.
وليس عندهم من أصنافِ المقائثِ إلا القرع. وفي بعض الأقاليمِ بطيخٌ صغير، وبزر الكتان، وحبّ الرشاد، واللفت والفجل، ومن البقولِ أيضًا الثوم والبصل والكزبرة الخضراء، وأشجارهم البستانية العنبُ الأسودُ وهو قليلٌ والتين الوزيري، وأصنافُ الحوامضِ خلَا النارنجِ والموزِ ورياحينُهم الريحانُ والقرنفلُ ونباتٌ أيضًا يسمى بعتران، وعندهم الياسمين البرّي، ولكنهُ غيرُ مشمومٍ لهم.
ومن أشجارهم: الزيتونُ والصنوبر، والجُمَّيز، وفي بعض بلادهم الأبنوسُ وهو كثيرُ الأشجار، والمقلُ أيضًا ببعضِ الأقاليمِ، وكذلكَ أشجارُ القنا، وهي صنفان:
أحدهما صامت، والآخر أجوف.
وبالطراز الإسلامي: قصب السكر كثيرٌ جدًا ويتخذونَ منه القند، وذكرَ أنَّ الذي يوجد عندهم من المعادنِ معدنُ الذهبِ والحديدِ.
وذكر السيد الشريف عزّ الدين التاجر: أنّ في بعض بلادهم يوجدُ معدنُ الفضة، وعندهم من ذواتِ الأربعِ الخيلِ والبقرِ والغنمِ والبغالِ وما أشبه ذلك، وأغنامهم تشبهُ أغنام عيذاب واليمن، ووحوشهم البرّية، الأسدُ، والنمرُ، والفهدُ، والفيلُ، والغزالُ وحمر الوحشِ، وبقر الوحشِ، وحمر الوحش، والزرافةُ، والقردةُ، ووحوش أخرَ كثيرة.
стр. 1195
وعندهم من الطيور الجوية والأهلية والمائية:
أما الجوية فهي، الصقور الكثيرة والنسور البيض والسود وأمثالها والغربان، والحجل وسائر طير الواجب، والسّمان، والحمام والعصافير والبزاة وغير ذلك مما لم يوجد بالديار المصرية.
وأما الأهلية والبرية، فدجاج الحبش وأمثاله، والمائية فالبط ودجاج أيضًا يخرج من بركة ماء في إقليم هدية الإسلامي.
قال الشيخ جمال الدين عبد الزيلعي: إنَّ العين المذكورة يتولّد منها دجاج يأكلونه ويأكلون من لحوم الطير الحمام والعصفور وغراب الزرع والدجاج البري والحجل. والسمك، عندهم منه ما يشبه البوري، ومنها ما يشبه الثعبان، والذي يشبه الثعبان يطول إلى مقدار ذراعين ونصف ويغلظ إلى مقدار كبار الخشب، ويطلع من بحرهم التمساح وفرس البحر.
وأمّا عسل النحل فكثير في جميع البلاد يتربّى في الجبال، ويأخذون منه العسل والشمع من غير حجر عليه، ومنه ما له خلايا خشب منقورة، وعسلهم مختلف الألوان بحسب المرعى.
ومساكنهم غالبها أخصاص وجملونات خلا المدن الكبار فإنّها مبنية بالحجر وأواني طعامهم فخار مدهون أسود. وحمّامهم الاغتسال بالماء البارد، وبعضهم يتخذونه حارًا. ووقودهم الشمع ومصابيحهم وقودها بشحوم البقر؛ لأنَّ الزيت الطيب يجلب إليهم ويدهن للرجال والنساء منهم بالسمن.
ومصاغهم الذهب والفضة والنحاس والرصاص على قدر تمثال السعر. هذا ما نقلته الثقات عنهم.
ومع ما هم عليه من بيعة البلاد وكثرة الخلق والأجناد يفتقرون إلى العناية والملاحظة من صاحب مصر؛ لأنَّ المطران الذي هو حاكم شريعتهم في جميع بلادهم النصرانية لا يُقام إلاّ من الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية حيث تخرج الأوامر السلطانية من مصر لبطريرك النصارى اليعاقبة بإرسال مطران إليهم، وذلك بعد سؤال ملك الحبشة المسمّى بالحظى - بلغتهم - وإرسال رسله وهداياه. وهم يدعون أنهم يحفظون مجاري النيل المنحدر إلى مصر ويساعدون على إصلاح سلوكه تقريبًا لصاحب مصر.