أهل بيت الملك تقرب إلى صاحب أمحرة حتى وُلاَّء مملكة بالي، فاستقل ملكًا بها ولايالي، وقد ولي بالي.
ومن أهل بيت الملك بها رجال أكفّاء، والأرض لله يورثها من يشاء، وجميع ملوك هذه الممالك، وإن توارثوها لا تستقل منهم بملك إلا من أقامه صاحب أمحرة.
وإذا مات الملك منهم ومن أهله رجال قصدوا جميعهم صاحب أمحرة وبذلوا المقدرة في التقرب إليه، فيختار منهم رجلًا يوليه، فإذا ولاه سمع البقية وأطاعوا؛ لأنّ الأمر له فيهم، وهم كالنواب له.
ومع هذا فإن جميع ملوك هؤلاء الملوك تعظم مكان صاحب أوفات وتنقاد له بالمعاضدة في بعض الأوقات.
والطريق إلى هذه البلاد من مصر شعبة من الطريق العظمى للأخذه إلى أمحرة وسائر بلاد الحبشة.
وتجار هذه البلاد الحبشية، وتجار هذه البلاد ناصع وسواكن ودهلك وليس بها مملكة مشهورة، ولالها أخبار مذكورة. وكلها مسلمون قائمون وأرضها أصعب مسلكًا لكثرة جبالها الشامخة وعظم أشجارها واشتباكها بعضها ببعض حتى إنه إذا أراد ملكها الخروج إلى جهة من جهاتها يتقدمه قوم مرصدون إصلاح طرقها بالآلات لقطع أشجارها، ويطلقون فيها نارًا لحريقها.
وأولئك القوم كثير عددهم ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنساني؛ لأنهم أجبر بني حام، وأخبر بالتوغل في القتال والاقتحام، وطول زمانهم مسافرون، وفي صيد وحش البر راغبون.
ومما يدل على قوة جنانهم أنهم لا يلبسون، ولا يلبسون خيلهم عند القتال شيئًا.
والمشهور عنهم مع مالهم من الشجاعة يقبلون الحسب ويصفحون عن الجرائم، والمصطلح بينهم: أن من رمى سلاحه في القتال يحرمون قتاله، والمجرم يتحسب بير القادر عليه فيتجاوز عن ذنبه.
وقيل فيهم خلة حسنة أيضًا أنهم يوجبون الغريب، ويكرمون الضيف، ويحقق ذلك إكرام النجاشي قريشًا عندما هاجروا إليه، ويقال: إنه قلّ أن يوجد عندهم رياء.
والصديق عندهم لا ينقض عهدًا لصديقه، وإذا تعاهدوا أكدوا المحبة وأظهروها، وإذا تباغضوا أعلنوا المباينة وأجهروها غالبًا يوجَدون أذكياء أقوياء الحدس، لهم علوم وصناعات بهم خصيصة.
стр. 1192
ومع كونهم جنسًا واحدًا ينطقون بألسنة شتّى تزيد على خمسين لسانًا وقلم قراءتهم واحد - وهو الحبشي - يكتب من اليمين إلى الشمال، عدّته ستّة عشر حرفًا، لكل حرف سبعة فروع. وبالجملة من ذلك مائة واثنان وثمانون حرفًا خارجًا عن حروف أُخر مستقلّة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المعدودة المتقدّم ذكرها مضبوط بحركات نحوية متّصلة به لا منفصلة عنه.
وهي بلاد تنقسم عندهم أقاليم كما تنقسم الديار المصرية والبلاد الشامية أعمالًا وصفقات وممالك الإسلام المتقدّمة الذكر في ذلك.
«ذكر بلاد الحبشة»
ونحن نذكر ها هنا جملة حال بلاد الحبشة مسلمها وكافرها.
قيل: إنَّ أول بلادهم من الجهة الشرقية المماثلة إلى بعض الجهة الشمالية بحر الهند واليمن، وفيها يمر البحر الحلو المسمّى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر المحروسة.
والجهة الغربية إلى بلاد التكرور مما يلي جهة اليمن وأولها مفازة تسمّى وادي بركة، قيل: يتوصّل منه إلى إقليم يسمّى سحرت، ويسمّى قديمًا تكراي. وكانت مدينة المملكة بهذا الإقليم في ذلك الزمان تسمّى أخشرِم، وبلغة أخرى من لغاتهم، وتسمّى أيضًا زفرتا. وكان النجاشي الأقدم بها ملكًا على جميع البلاد ثم إقليم أمحرة وهو الذي به الآن مدينة المملكة وتسمّى بلغتهم مرعدي. ثم إقليم شاوه، ثم إقليم داموت، ثم إقليم لامان، ثم إقليم السيهو، ثم إقليم الزنج، ثم إقليم عدل الأمراء، ثم إقليم حماسا، ثم إقليم باريا، ثم إقليم الطراز الإسلامي الداخلية في جملة جميع «البلاد الحبشية» وملوكه سبعة كما تقدّم تفصيلها إقليمًا إقليمًا.
وكل إقليم من هذه الأقاليم له ملك وجيوش - كما تقدّم أيضًا ذكره -.
وقيل إنَّهم كلهم تحت سلطان ملكهم الأكبر المسمّى بلغتهم الحطي، ومعناه السلطان. وهذا الإسم موضوع لكلّ من يُقام عليهم ملكًا كبيرًا.
وإسم الملك المقام عليهم الآن عمد سيون، وتأويله: ركن صهيون، وهي بيعة قديمة البناء بالإسكندرية معظّمة عندهم يعبدون الله فيها.
وقيل: إنَّه من الشجاعة على أوفر قسم، وإنَّه حسن السلوك عادل في رعيته، يتفقّد مساكنها.
وقيل: إنَّ تحت يده من الملوك تسعة وتسعون ملكًا، وهو لهم تمام المائة في
стр. 1193
الأقاليم المذكورة، والأقاليم المجهولة أسماؤها؛ لأنها كثيرة العدد غير مشهورة ولامعلومة.
وقيل: إن الحبشى - المذكور - وجيشه لهم خيام ينقلونها معهم في السرحات والأسفار، وإذا جلس يجلس حول كرسيه أمراء مملكته وكبراؤها على كراسي حديد منها ما هو مطعم بالذهب، ومنها ما هو ساذج على قدر مراتبهم.
والملك - المذكور - قيل: إنه مع ماله من نفاد الأمر يتثبت في أحكامه حتى يتبين.
فأما لباس أهل البلاد المذكورة في الشتاء فهو لباسهم في الصيف، الخواص منهم والأجناد قماش حرير وأبراد هندية، وما شاكل ذلك، والعوام ثياب قطن منسوج غير مخيط لكل نفس ثوبان واحد لشد وسطه وآخر يلتحف به، وكذلك الخواص منهم في الحرير والأبراد يشدون ويلتحفون بمنسوج غير مخيط.
وسلاح المقاتلين منهم القسي والنبال الشبيهة بالنشاب والسيوف والمزاريق والحراب، ومنهم من يقاتل بالسيوف وأتراس طوال وقصار وغالب سلاحهم مزاريق تشبه الحراب الطوال، ومنهم من يرمي عن قوس طويل يشبه قوس القطن بالنبال، وهي سهام قصار.
وقيل: إن نبال المقاتلين من أجناد الطراز الإسلامي أكبر ولهم أبواق من خشب القرنا المجوف، ومن قرون البقر المجوفة.
ومأكلهم شحوم البقر والماعز وبعض شحوم الضأن، ومشروبهم اللبن البقري، وفي ضعفهم يتداوون باللبن المضاف بالماء وسمن البقر.
وعندهم نبات يسمى جات يتناولونه لتجويد الفهم وتقوية الحفظ، وهو أشجار صغار وكبار تمرية تشبه قلوب شجر النارنج - وقد تقدم ذكره -.
وغالب أهل البلاد المذكورة يتعاملون مقايضة بالأغنام والأبقار والحبوب وغير ذلك إلا في خمسة أقاليم من الطراز الإسلامي وهي، إقليم مدينة أوفات يتعاملون بالذهب والفضة، وإقليم دوارو، وإقليم آرينى، وإقليم شرخا، وإقليم هدية يتعاملون بشيء يسمى عندهم الحكنة وهي حديد مضروب كالإبر الطوال كل ثلاثة آلاف بالعدد قيمتها درهم واحد.
وكل البلاد المذكورة والطراز الإسلامي يزرعون على الأمطار في السنة مرتين ويتحصل لهم مغلان.
والزمان الذي يحصل فيه المغل الأول يأتي فيه مطر ثان يزرع عليه المغل الثاني،
стр. 1194
والمطر الواقع من زمن الشتاء يسمى بل، والمطر الواقع في زمن الصيف يسمى كرم - بلُغة الزيَالعةِ. -
وأخبرني البطريرك بنيامين فيما حكى لي في كتابه عنهم: أنّه عند نزول الأمطار الكثيرة تقع صواعق وأضاف زراعاتهم الغَبطيَة القَمحَ والشَعيرَ والحِمّصَ والعَدَسَ والبسلَا والذُرةَ وبعضَ الباقلاء وحبوبٍ أخرَ غير ذلكَ منها حَبٌّ يسمى قُبانَهُلولَ يستعمِلونَه قوتًا كالقمح.
أما القمح فحَبّه كالحنطةِ المألوفة ولونه كالقمح الشامي يباع منه في الطراز الإسلامي بالدرهم الواحد تقدير حِمل بَغلٍ، والشعير ليس لهُ قيمة وحَبُّهُ أكبر مقدارًا من حبّه بالديار المصرية، ومنه ضرب يسمى طَمحه والحمص إلى الحمرة ما هو والباقلاء عزيزُ الوجودِ في أكثرِ البلادِ ولا يفتقرُ إليهِ دوابهم في العلف؛ لأنَّ الأرضَ كثيرةُ المياهِ والمراعي وعندهم حبُّ يسمى - بلغتهم - طافي، وحبُّهُ بمقدار الخردل، ولونه إلى الحمرةِ ومكسرهُ إلى السوادِ يتخذونَ منهُ خبزًا، وهو يميل إلى القمح.
وعندهم ببعض الأقاليمِ حبٌّ يسمى ألس، وهو يشبه القمحَ ولكنّه بقشرين فينزعونَ قشورهُ بالهرس كالأرزّ، ويتخذونَ منهُ طعامًا ينوبُ عن القمح.
وليس عندهم من أصنافِ المقائثِ إلا القرع. وفي بعض الأقاليمِ بطيخٌ صغير، وبزر الكتان، وحبّ الرشاد، واللفت والفجل، ومن البقولِ أيضًا الثوم والبصل والكزبرة الخضراء، وأشجارهم البستانية العنبُ الأسودُ وهو قليلٌ والتين الوزيري، وأصنافُ الحوامضِ خلَا النارنجِ والموزِ ورياحينُهم الريحانُ والقرنفلُ ونباتٌ أيضًا يسمى بعتران، وعندهم الياسمين البرّي، ولكنهُ غيرُ مشمومٍ لهم.
ومن أشجارهم: الزيتونُ والصنوبر، والجُمَّيز، وفي بعض بلادهم الأبنوسُ وهو كثيرُ الأشجار، والمقلُ أيضًا ببعضِ الأقاليمِ، وكذلكَ أشجارُ القنا، وهي صنفان:
أحدهما صامت، والآخر أجوف.
وبالطراز الإسلامي: قصب السكر كثيرٌ جدًا ويتخذونَ منه القند، وذكرَ أنَّ الذي يوجد عندهم من المعادنِ معدنُ الذهبِ والحديدِ.
وذكر السيد الشريف عزّ الدين التاجر: أنّ في بعض بلادهم يوجدُ معدنُ الفضة، وعندهم من ذواتِ الأربعِ الخيلِ والبقرِ والغنمِ والبغالِ وما أشبه ذلك، وأغنامهم تشبهُ أغنام عيذاب واليمن، ووحوشهم البرّية، الأسدُ، والنمرُ، والفهدُ، والفيلُ، والغزالُ وحمر الوحشِ، وبقر الوحشِ، وحمر الوحش، والزرافةُ، والقردةُ، ووحوش أخرَ كثيرة.
стр. 1195
وعندهم من الطيور الجوية والأهلية والمائية:
أما الجوية فهي، الصقور الكثيرة والنسور البيض والسود وأمثالها والغربان، والحجل وسائر طير الواجب، والسّمان، والحمام والعصافير والبزاة وغير ذلك مما لم يوجد بالديار المصرية.
وأما الأهلية والبرية، فدجاج الحبش وأمثاله، والمائية فالبط ودجاج أيضًا يخرج من بركة ماء في إقليم هدية الإسلامي.
قال الشيخ جمال الدين عبد الزيلعي: إنَّ العين المذكورة يتولّد منها دجاج يأكلونه ويأكلون من لحوم الطير الحمام والعصفور وغراب الزرع والدجاج البري والحجل. والسمك، عندهم منه ما يشبه البوري، ومنها ما يشبه الثعبان، والذي يشبه الثعبان يطول إلى مقدار ذراعين ونصف ويغلظ إلى مقدار كبار الخشب، ويطلع من بحرهم التمساح وفرس البحر.
وأمّا عسل النحل فكثير في جميع البلاد يتربّى في الجبال، ويأخذون منه العسل والشمع من غير حجر عليه، ومنه ما له خلايا خشب منقورة، وعسلهم مختلف الألوان بحسب المرعى.
ومساكنهم غالبها أخصاص وجملونات خلا المدن الكبار فإنّها مبنية بالحجر وأواني طعامهم فخار مدهون أسود. وحمّامهم الاغتسال بالماء البارد، وبعضهم يتخذونه حارًا. ووقودهم الشمع ومصابيحهم وقودها بشحوم البقر؛ لأنَّ الزيت الطيب يجلب إليهم ويدهن للرجال والنساء منهم بالسمن.
ومصاغهم الذهب والفضة والنحاس والرصاص على قدر تمثال السعر. هذا ما نقلته الثقات عنهم.
ومع ما هم عليه من بيعة البلاد وكثرة الخلق والأجناد يفتقرون إلى العناية والملاحظة من صاحب مصر؛ لأنَّ المطران الذي هو حاكم شريعتهم في جميع بلادهم النصرانية لا يُقام إلاّ من الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية حيث تخرج الأوامر السلطانية من مصر لبطريرك النصارى اليعاقبة بإرسال مطران إليهم، وذلك بعد سؤال ملك الحبشة المسمّى بالحظى - بلغتهم - وإرسال رسله وهداياه. وهم يدعون أنهم يحفظون مجاري النيل المنحدر إلى مصر ويساعدون على إصلاح سلوكه تقريبًا لصاحب مصر.
стр. 1196
وإنّما المشهودُ منهم والمعروفُ عنهم من الصدقِ والأمانةِ، فهو مشهورٌ. ولذلك يختارُ صاحبُ إقامتهم أمناءَ على الحريمِ والأولادِ والأرواحِ والأموالِ، وكذلك بعضُ التجارِ الكراميةِ، وذوي الأموالِ يجعلونهم على حفظِ أموالِهم وتجاراتِهم وبضائعِهم الثمينةِ ومكاسبِهم الجليلةِ في قريبِ بلادٍ وبعيدِها، وطويلِ المسافاتِ وقصيرِها. وهذا ما وصلني من أخبارهم، واللهُ أعلمُ بالحقِّ وعندهم وعندهم العلمُ الصدقُ.
* * *
стр. 1197
الباب التاسع: في ممالك مسلمي السودان على
ضفة النيل إلى مصر
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في الكانم.
الفصل الثاني: في النوبة.
الفصل الأول: في الكانم
مستقل بينه وبين بلاد مالي مسافة بعيدة جدًا، قاعدة ملكه بلدة اسمها جيمي مبدأ مملكته من جهة مصر بلدة اسمها زلا، وآخرها طولًا بلدة يقال لها كاكا، وبينهما نحو ثلاثة أشهر وعسكرهم يتلثمون.
وملكهم على حقارة سلطانه، وسوء بقعة مكانه في غاية لا تدرك من الكبرياء يمسح برأسه عنان السماء مع ضعف أجناد، وقلة متحصّل بلاد محجوب لا يراه أحد إلا في يوم العيدين يرى بكرة وعند العصر، وفي سائر السنة لا يكلّمه أحد ولو كان أميرًا إلا من وراء حجاب.
وربما كان فيهم من أخذ في التعليم، ونظر من الأدب نظرة النجوم، فقال: إني سقيم، فما زال يداوي علل فهمه، ويداري جامح علمه حتى تشرق عليه أشعتها ويطرز بديباجه أمتعتها.
غالب عيشهم الآن الأرز والقمح والذرة، وببلادهم التين والليمون واللفت والباذنجان والرطب.
وأخبرني أبو عبد الله الشالجي: أنه أخبره الشيخ الصالح المنقطع عثمان الكاغي - وهو من أقارب ملوكها -: أن الأرز ينبت عندهم من غير بذر أصلًا، وهو ثقة.
قال الشلالجي: وسألت عن ذلك غيره، فأخبرني بصحة ذلك، ويتعاملون بقماش ينسج عندهم اسمه دندي، طول كل ثوب عشرة أذرع يشترون من ربع ذراع فأكثر.
ويتعاملون أيضًا بالودع والخرز والنحاس المكسور والورق ولكنه جميعه يسعر بذلك القماش.
стр. 1198
وذكر ابن سعيد: أَنَّ في جنوبيها شعارًا وصحاري فيها أَشخاصٌ تُؤذي بني آدم، ولايلحقها الفارس، وهي أقرب الحيوانات إلى الشكل الآدمي.
وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الملك المراكشي في كتابه المعجم المسمى «بالتكملة» أبا إسحاق إبراهيم الكانمي الأديب الشاعر (١) وحكى عنه، أنه قال:
يظهر ببلاد الكانم بالقرب منها أمام الماشي في الليل شبيه قلل نار تضيء، فإذا مشى ليلحقها بعدت عنه، ولو جرى إليها لايصل إليها بل لا تزال أمامه وربّما رماها بحجر فأصابها فيتشظّى منها شرارات.
نقل لي هذا على ما رآه في «التكملة» محمد السلاجي.
قال ابن سعيد: وإنَّ بها يقطينًا تَعظم اليقطينة إلى أن يصنع منها مركب يصير فيه في النيل. قال: وهذا مستفيض والعهدة على الحاكي.
وهذه البلاد بين إفريقية وبرقة ممتدة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط، وهي بلاد قحط وشظف وسوء مزاج، مسئول عليها وأحوالها وأحوال أهلها خشنة.
وأوّل من بثّ الإسلام فيها الهادي العثماني، ادّعى أنه من ولد عثمان بن عفان ﵁ وصارت بعده لليزنيين من بني ذي يزن.
والعدل قائم في بلادهم، ومذهبهم مذهب الإمام مالك ﵁ وهم ذوو اختصار في اللباس، يأنسون في الدين، وقد بنوا بفُسطاط مصر مدرسة للمالكية ووفودهم تنزل بها.
الفصل الثاني: في النوبة
تلي مصر في نهاية جنوبها على ضفتي النيل الجاري إلى مصر، وقاعدتها دنقلة ومدنها أشبه بالقرى، والضياع من المدن قليلة الخير والخصب، يابسة الهواء، ولذلك زهد فيها بنو أيوب في مدة السلطان صلاح الدين لما تجهز أخوه شمس الدولة (٢)
стр. 1199
لأَخْذِها فعدل عن اليمن؛ لأنهم خافوا من الشهيد نور الدين محمود بن زنكي أن يقصدهم إلى مصر، وينتزع المملكة من أيديهم، فأَرادوا فتح بلاد من ورائهم تكون ملجأ لهم فقصدوا النوبة، فلما رأَوها بلادًا لا تصلح لمثلهم عدلوا إلى اليمن.
وأَديان هذه البلاد دين النصرانية، وملكهم كأَنه واحد من العامة، ومن بلادهم لقمان الحكيم، وقد ذكره البيهقي في مفاخر النوبة.
ثم سكن مدينة أَيْلَة مع اليهود، ورحل إلى بيت المقدس، ورأَى أنبياء بني إسرائيل، وجالس داود ﵇.
قال ابن سعيد: رآه يصوغ الحديد، ويصنع منه حلقًا ولا يعرف ما يؤول إليه أمره، فصحبه على ذلك سنة ولم يسأَله عما يصنعه إلى أن كمل داود الدرع ولبسها، فقال لقمان: درع حصينة ليوم قتال كفيتني عيني مؤونة لساني الصمت حكمة، وقليل فاعله.
قال: ومنها ذو النون المصري، أبو الفيض، ثوبان بن إبراهيم (١). كان أبوه عبدًا نوبيًا - وقد تقدم ذكره في الفقراء -
стр. 1200
وقال صاحب «كتاب الأبرار» ومما سمع منه: [من الطويل]
أموتُ وما ماتَتْ إليكَ صَبَابَتِي … ولا قُضِيَتْ مِنْ صِدْقِ حُبَّك أَوْطَاري
وأنتَ مُنى سُؤْلِي وغَايَةُ مَقْصَدِي … ومَوضِعُ شَكْوَائِي ومَكْنُونُ أَسْرَاري
وخدمه رجل على أن يعلمه اسم الله الأعظم فمطله زمانًا، ثم أمره أن يحمل من عنده طبقًا مغطى إلى شخص بالفسطاط، فلما حمله استخفه، فقال: لأبصرن ما فيه فكشفه فخرجت منه فارة فاغتاظ، فقال: ضحك علي ذو النون، فرجع إليه مغضبًا، فلما رآه ذو النون تبسم، وقال: يامجنون ائتمنتك على فأرة فخنتني فكيف أتمنتك على اسم الله الأعظم، قم عني فلا أراك بعدها.
وقيل له المصري؛ لأنه سكن مصر ومات بها وقبره بالقرافة - رحمه الله تعالى.
وملكها - الآن - مسلم من أولاد كنز الدولة، وهؤلاء أولاد الكنز أهل بيت ثارت لهم - فيما تقدم - ثوائر مرات، ولا يملك بها الآن بها ملك إلا من الأبواب السلطانية بمصر.
وعلى ملوك دنقلة حمل مقرر لصاحب مصر، وهذه الأتاوة لا ذهب فيها ولا فضة، بل هي عدد من العبيد والإماء والحراب والوحش النوبية.
وحدثني غير واحد ممن دخل بلاد النوبة: أن دنقلة مدينة ممتدة على النيل وأهلها في شظف من العيش على أنهم أصلح من كثير ممن سواهم من السودان، وبها مسجد جامع تأوي إليه الغرباء وتجيء رسل الملك إليهم تستدعيهم إليه فإذا جاءوا أضافوهم ووفرهم وكرمهم هو وامرأته، وأكبر إعطياتهم إما عبد وجارية، وإما أكثر أعطياتهم فهي دكاديك، وهي أكيسة غلاظ غالبها سود.
وللحوم والألبان والسمك عندهم كثيرة والحبوب قليلة إلا الذرة وأفخر أطبختهم ما يعمل باللوبياء في مرق اللحم ويشرد، ويصف اللحم واللوبيا، على وجه الثريد، ويعمل اللوبيا بورقها وعرفها. ولهم إنهماك على السكر بالمزر، ولهم ميل شديد إلى الطرب.
وحدثني أحمد بن المعظمي وكان قد دخل مع أبيه إلى هذه البلاد وما وراءها في الرسلية مرات -: أن ملوك السودان يتخذون كلابًا معلمة تنام على التخوت حولهم، وهي كالحراس لهم. والنوبة لهم قتال وبأسهم بينهم على ضعف قواهم وبأسهم.
* * *
стр. 1201
الباب العاشر: في مملكة مالي وما معها
اعلم أَنَّ هذه المملكة في جنوب نهاية الغرب متصلة بالبحر المحيط، قاعدة الملك بها مدينة «بيتي».
وهذه المملكة شديدة الحرّ، قشفة المعيشة، قليلة أنواع الأقوات، وأهلها طوال في غاية السواء وتفلغل الشعور. وغالب طول أهلها من سوقهم لا من هياكل أبدانهم.
ملكها الآن اسمه سليمان - أخو السلطان موسى - منسى بيده ما كان قد جمعه أخوه مما فتحه من بلاد السودان، وأضافه إلى يد الإسلام، وبنى به المساجد والجوامع والمؤاذن وأقام به الجمع والجماعات والأذان وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك ﵁ وبقي بها سلطان المسلمين، وتفقه في الدين.
وصاحب هذه المملكة هو المعروف عند أهل مصر بملك التكرور، ولو سمع هذا أنف منه، لأَنَّ التكرور إنما هو إقليم من أقاليم مملكته، والأحبُّ إليه أن يقال: صاحب مالي؛ لأنه الإقليم الأكبر، وهو به أشهر.
وهذا الملك هو أعظم ملوك السودان المسلمين وأوسعهم بلادًا وأكثرهم عسكرًا، وأشدهم بأسًا، وأعظمهم مالًا، وأحسنهم حالًا، وأقهرهم للأعداء، وأقدرهم على إفاضة النعماء.
والذي تشتمل عليه هذه المملكة من الأقاليم: غانة، وزافون، وترنكا، وتكرور، وسنغانة، وبانبقوا، وزرنطابنا، وبيبترا، ودومورا، وزاغا، وكابرا، وبراغوري، وكوكو - وسكان كوكو قبائل يرتان - وإقليم مالي الذي به قاعدة الملك مدينة بيتي.
وكل هذه الأقاليم مضافة إليه والاسم المطلق عليه في هذه الأقاليم كلها مالي قاعدة أقاليم هذه المملكة ذوات المدن والقرى والأعمال أربعة عشر إقليمًا.
حدَّثني الشيخ الثقة الثبت أبو عثمان سعيد الدكالي - وهو ممن سكن مدينة بيتي خمسة وثلاثين سنة واضطرب في هذه المملكة -: أنها هي مربعة طولها أربعة أشهر وأزيد، وعرضها مثل ذلك تقع جنوب مراكش ودواخل بر العدوة، جنوبًا بغرب إلى المحيط، وطولها من مولي إلى طورو - وهي على المحيط - جميعها مسكونة إلا ما قل.
وأنّ في طاعة سلطان هذه المملكة بلاد مغزارة التبر يحملون إليه التبر في كل
стр. 1202
سنة، وهم كفار همج، ولو شاء أخذهم، ولكن ملوك هذه المملكة قد جربوا أنه ما فتح منهم أحد مدينة من مدن الذهب وفشا بها الإسلام ونطق بها داعي الأذان إلا قل بها وجود الذهب، ثم يتلاشى حتى يُعدم. ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار وأنه لما فتح هذا عندهم على التجريب أبقوا بلاد التبر بأيدي أهلها الكفار ورضوا منهم ببذل الطاعة وحمول قرّرت عليهم.
وليس في مملكة صاحب هذه المملكة من يطلق عليه اسم ملك إلا صاحب غانة، وهو كالنائب له، وإن كان ملكًا.
وفي شمال بلاد مالي قبائل من البربر بيض تحت حكم سلطانها، وهم نيتصر، و نيتفراس، وممدوسة، ولمتونة، ولهم أشياخ تحكم عليهم إلا لينتصر فإنهم يتداولهم ملوك منهم تحت حكم صاحب مالي، وكذلك في طاعته قوم من الكفار.
ومنهم من يأكل لحوم بني آدم، ومنهم من أسلم، ومنهم من هو باق على هذا، وقد ذكر هذا في موضعه.
ومدينة بيتي ممتدة طولًا وعرضًا تكون طول بريد تقريبًا، وعرضها كذلك لا يحيط بها سور وأكثرها متفرقة.
وللملك عدة قصور يستدير بها سور محيط بها، وفرع من النيل يستدير بهذه المدينة من جهاتها الأربع، وفي بعضها يخاض ويمشي فيه عند قلة الماء، وفي بعضها لا يعبر إلا بالمراكب.
وبناء هذه المدينة بإياد من الطين مثل جدران بساتين دمشق، وهو أنه يبني تقدير نصف ذراع بالطين، ثم يترك حتى يجف ثم يبني عليه مثله هكذا حتى يتناهى. وسقوفها بالأخشاب والقصب، وغالب سقوفها قباب أو جملونات كالأقباء. وأرضها تراب مرمل، وشرب أهلها من ماء النيل وآبار محتفرة، وجميع هذه البلاد مصخرة مجبلة، وجبالها ذوات أشجار برية متشتبكة غليظة السوق إلى غاية تكون منها الشجرة الواحدة تظل خمسمائة فارس.
وغالب أقواتهم الأرز والفوني، وهو دق مزغّب يدرس فيخرج منه شبيه حب الخردل أو أصغر، وهو أبيض يعمل ثم يطحن ثم يعجن ويؤكل. وعندهم الحنطة وهي قليلة، والذرة وفيها لهم قوت وعليق خيلهم، وطعم دوابهم.
وعندهم الخيل من نوع الأكاديش التترية، والبغال كلها صغار المقادير جدًا، وكذلك كل دوابهم من البقر والغنم، والخمر ليس يوجد منها إلا ذميم الخلق صغير الجثة. ويزرع عندهم شيء اسمه القافي، وهو عروق رقاق تدفن في الأرض فتزكو حتى
стр. 1203
تصير غلاظًا طعمها شبيه بالقلقاس لكنه ألذّ من القلقاس، وهو يزرع في الخلا، فإن أطْلع الملكُ على أن أحدًا سرق شيئًا منه قطع رأسه وعلّق مكان مقطعه. هذه سُنّة عندهم يتوارثها كابر عن كابر لا ترخّصها مسامحة، ولا تنفع فيها شفاعة.
ويزرع عندهم اللوبياء والقرع واللفت والبصل والثوم والباذنجان والكرنب، ولكن الباذنجان والكرنب قليل عندهم، وتطلع الملوخية بريّة.
وعندهم من الفواكه البستانيّة: الجُمّيز - وهو كثير عندهم - وتطلع عندهم أشجار بريّة ذوات ثمار مأكولة مستطابة فيها شجر يُسمى نادموت يحمل مثل القواديس في كبرها، وفي داخلها شبيه دقيق الحنطة ساطع البياض مُرّ لذيذ، ويُعمل منه إذا جفّ في الحنّاء فيسوّده مثل النوشادر، وهو يدخر عندهم للأكل والخضاب.
ومنها شجر يُسمى زيزور تخرج ثمرته مثل قرون الخروب يخرج منه شبيه بدقيق الترمس حلو لذيذ الطعم، وله نوى.
ومنها شجر يُسمى شومي يحمل شبيه السفرجل طعمه لذيذ يشبه طعم الموز، وله نوى شبيه بغضروف العظم يأكله بعضهم معه، وشجر اسمه فاريتي يحمل شبيه الليمون وطعمه شبيه بطعم الكمثرى بداخله نوى ملحم، يُؤخذ ذلك النوى وهو طري ويُطحن فيخرج منه شبيه بالسمن ويجمد مثله تبيض به البيوت وتوقد منه السُّرُج والقناديل، ويعمل منه صابون. وإذا أُريد أن يُؤكل ذلك الدهن يحرق بتدبير، وصورة تدبيره: أن يُوضع على نار ليّنة ويُغطّى ويُترك إلى أن يقوى غليانه ويبقى الذي يُدبّره يُشارفه مشارقة في إختباره ويرضعه بالماء قليلًا قليلًا مرات، وهو مغطّى محترز عليه أن يتناهى على قدر القوّة ثم يُترك حتّى يبرد ويُستعمل في المأكل كالسمن، ومتى فُوجيء بكشف الغطاء فار وطار وتصاعد إلى السقف وربما انعقد منه نار فأحرقت المكان، وربما زاد فأحرقت البلد.
وهذا الدن يخرق كل جلد وُضع فيه ولا يحمله إلا ظروف القرع. ويُوجد بها من الثمرات البريّة ما هو شبيه بكل الفواكه البستانية على اختلاف أنواعها، ولكنها حريفة لا تستطاب ولا يأكلها إلا السودان، وهي قوت كبير لهم.
وعندهم الملح موجود بخلاف الجوانيين والمسامتين بسجلماسة وما وراءها. وفي صحاريهم الجواميس بريّة تُصاد كالوحوش صورة صيدهم لها أنهم يحملون من بطونها الصغار وما يربى عندهم في البيوت، فإذا أرادوا صيد الجواميس أخرجوا واحدًا منها إلى موضع الجواميس لتراه وتفصده وتتآلف به للجنسيّة التي هي علّة الصخر، فإذا
стр. 1204
تألفت بها رموها بنشاب مسموم عندهم ثم يقطعون مواضع السم - وهو موضع الرمية - وما حوله ثم يؤكل باقيه.
وأغنامهم ومعزهم لا مرعى لها، وإنما هي جلالات على القمامات والمزابل، وتلد الواحدة من المعز في بطن واحد سبعة وثمانية.
وبصهاريهم أنواع الوحوش من الحُمُر والبقر والغزلان والنعام وما يجري مجراها والفيلة والأساد والنمور وكلها لا تؤذي إلا من تعرض لها، وربما مرّ الرجل بها إلى جانبها فلا تعترضه ما لم يهيجها.
وعندهم وحش يسمى تُرْمِي - بضم التاء المثناة والراء المهملة وتشديد الميم - ولا يكون إلا خنثى له ذكر وفرج مولد بين الذئاب والضباع.
قال الشيخ سعيد الدكالي: وقد رأيته - يعني وهو خنثى - قدر الذئب متى وجد في الليل آدميًا صغيرًا أو مراهقًا خطفه وأكله. فأما بالنهار فلا يؤذي ولا له إقدام على الرجل التمام، وهو ينعر كنُعار الثور إذا أراد النطاح، وهو ينبش الموتى ويأكلهم، وأسنانه كأسنَان التمساح - مصفحة ذكر في أنثى.
وفي مجرى النيل عندهم تماسيح كبار هائلة المقادير، يوجد منها ما يكون طوله عشرة أذرع وأزيد.
قال الدكالي: وصيد منها تمساح وضع في قلبه رمح طوله عشرة أشبار ومرارته سمّ، وهي تحمل إلى خزانة ملكهم.
قال: والفيل يصاد في بلاد الكفار المجاورة لهم بالسحر حقيقة لا مجازًا، والسحر بهذه البلاد كلها كثير إلى غاية وخصوصًا ببلاد غانة، وفي كل وقت يتحاكم عند ملكهم بسببه، ويقال: إنَّ فلانًا قتل بالسحر أخي أو ولدي أو بنتي أو أختي ويحكم على القاتل بالقصاص ويقتل الساحر.
وسلطان هذه المملكة يجلس في قصره على مصطبة كبيرة تسمى عندهم بنبى - بالباء الموحدة والنون والباء الموحدة - على دكَّة كبيرة من إبنوس كالتخت، يكون قدر المجلس العظيم المتسع، عليها أنياب الفيلة في جميع جوانبها الناب إلى الناب.
وعنده سلاحه من ذهب كلُّه: سيف ومزراق وتركاش وقوس ونشاب وعليه سراويل كبير مفصل من نحو عشرين نصفية لا يلبس مثله أحد، ويقف خلفه نحو ثلاثين مملوكًا من الترك وغيرهم ممن يبتاع له من مصر بيد واحد منهم جتر حرير عليه قبة وطائر من ذهب، والطائر صفة بازي يحمل على يساره، وأُمراؤه جلوس حوله من تحته سماطين يمينًا ويسارًا، ثم دونهم أعيان من فرسان عسكره جلوس، وبين يديه شخص.
стр. 1205
يغني له، وهو سيافه، وآخر سفير بينه وبين الناس يسمى الشاعر، وحولهم أناس بأيديهم طبول يدقون بها، وبين يديه أناس يرقصون وهو يتفرج عليهم ويضحك منهم، وخلفه صنجقان منشوران، وقدامه فرسان مشدودان محصلان لركوبه متى شاء.
ومن عطس في مجلسه ضرب ضربًا مؤلمًا، ولا يسامح أحدًا في هذا، وإنّما إذا جاءت واحدًا منهم عطسة انبطح على الأرض وعطس حتى لا يعلم به. وأما الملك فإنه إذا عطس ضرب الحاضرون بأيديهم على صدورهم.
ولباسهم عمائم تحبك مثل العرب وقمماشهم بياض من ثياب قطن يزرع عندهم وينسج في نهاية الرفع واللطف يسمى الكميصيا، ومنهم شبيه بزي المغاربة جباب ودراريع بلا تفريج، ويلبس أبطالهم الفرسان أساور ذهب فمن زادت فروسيته لبس معها أطواقًا من ذهب، فإن زادت لبس معها خلاخل ذهب، وكلما زادت فروسية الفارس منهم لبسه الملك سراويلًا متسعًا، وكلما زادت فروسية البطل منهم يزيد في كبر سراويله. وصفة سراويلاتهم ضيق أكمام الساقين وسعة السرج.
ويمتاز الملك في زيه بأنه يرخى له عذبة من بين يديه يكون سراويله من عشرين نصفية لا يتجاسر على لبس هذا أحد غيره.
وملوك هذه المملكة يجلب إليها الخيل العراب وتبذل الأثمان الكثيرة فيها.
ومقدار عسكره مائة ألف نفر منهم نحو عشرة آلاف فارس فرسان خيالة وسائرهم رجالة لا خيل لهم ولا مراكب، والجمال والمراكب عندهم موجودة ولا يعرف بها ركوب والشعير معدوم عندهم بالجملة الكافية لا ينبت عندهم البتة.
ولأمراء هذا الملك وجنده إقطاعات وإنعامات من أكابرهم من يبلغ ماله على الملك في كل سنة خمسين ألف مثقال من الذهب ويتقدّمهم بالخيل والقماش وهمته كلها في تحميل زيهم، وتصمير مدنه. ولا يدخل أحد دار هذا الملك إلا حافيًا كائنًا من كان فمن لم يخلع نعليه ساهيًا كان أو عامدًا قتل بلاعفو، وإذا قدم القادم على هذا الملك من أمرائه أو غيرهم أوقفه قدامه زمانًا ثم يوءميء القادم بيده اليمنى مثل من يضرب الجوك ببلاد توران وإيران فإذا أنعم على أحد بإنعام أو وعده بجميل أو شكره على فعل تهرغ ذلك المنعم عليه بين يديه من أول المكان إلى آخره، فلما وصل إلى آخره أخذ غلمان ذلك المنعم عليه، أو من هو من أصحابه من رماد يكون موضوعًا في أواخر مجلس الملك معدًا هناك دائمًا لأجل مثل هذا فيذر في راس المنعم عليه، ثم يعود يتمرغ إلى أن يصل بين يدي الملك، ويضرب جوكًا آخر بيده - كما تقدم - ثم يقوم.
وأما صورة هذا المشبه بضرب الجوك: أن يرفع الرجل يده اليمنى إلى قريب أذنه
стр. 1206
ثم يضعها، وفي قائمة منتصبة وتلقيها بيده اليسرى فوق فخذه، واليد اليسرى مبسوطة الكف لتلقي مرفق اليمنى مبسوطة الكف مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط يماس شحمة الأذن.
وأهل هذه المملكة يركبون بالسروج العربية، وهم في غالب أحوالهم كأنهم منهم، ولكنهم يبدون في الركوب بالرجل اليمنى خلاف الناس جميعًا.
ومن عاداتهم أن لا يدفن عندهم ميت إلا إذا كان ذا قدر وحشمة، وإلا فكلُّ من سوى هؤلاء ممن لاقدر له. والفقراء والغرباء فإنه يرمى رميًا في الفلاة مثل ما ترمى باقي الميتات.
وهي بلاد يسرع فيها فساد المدخورات وخصوصًا السمن فإنه ينتن ويجيف في يومين.
قلتُ: وليس هذا بغريب؛ لأن أغنامهم جلّالات تأكل القمامات والمزابل.
وبلادهم شديدة الحر، سريعة التحليل.
وملك هذه المملكة إذا قدم من سفر يحمل على رأسه الجتر راكب، وينشر على رأسه علم ويضرب قدامه الطبول والطباناير والبوقات بقرون لهم فيها صناعة محكمة ومن عاداته إذا عاد إليه أحد ممن ندبه في شغل أو مهم يسأله عن كل ما تم له من حال من حين مفارقته له إلى حين عوده مفصلًا. والشكاوى والمظالم تنتهي إلى هذا الملك فيفصلها بنفسه. وفي الغالب لايكتب شيئًا بل أمره بالقول غالبًا، وله قضاة وكتّاب ودواوين. هذا ما حدثني به الدكالي.
وحكى لي الأمير أبو الحسن علي بن أمير حاجب: أنه كان كثير الاجتماع بالسلطان موسى ملك هذه البلاد لما قدم مصر حاجًا، وكان هو نازلًا بالقرافة، وابن أمير حاجب والي مصر والقرافة إذ ذاك، واتحدثت بينهم الصحبة، وأن هذا السلطان موسى حدثه بكثير من أحواله وأحوال بلاده ومن يجاوره من أمم السودان.
فقل: ومما حدثني به: أن بلاده متسعة اتساعًا كبيرًا، وهي متصلة بالبحر المحيط، فتح بها بسيفه وجنده أربع وعشرين مدينة ذوات أعمال وقرى وضياع، وهي كثيرة الدواب من البقر والغنم والمعز والخيل والبغال وأنواع الطير الدواجن كالأوز والحمام والدجاج، وأن أهل بلاده عدد كثيره وجم غفير، وهو بالنسبة إلى من جاورهم من أمم السودان المتوغلين في الجنوب كالشامة البيضاء في البقرة السوداء، وفي مهادنته أهل منابت الذهب، وله عليهم القطيعة. قال، فسألته: كيف نبات الذهب؟ فقال: يوجد على نوعين. نوع في زمن الربيع عقب الأمطار ينبت في الصحراء، وله
стр. 1207
وورق شبيه بالنخيل أصوله التبر، والنوع الآخر يوجد في جميع السنة في أماكن معروفة على ضفاف مجاري النيل فيحفر هناك حفائر فتوجد أصول الذهب: كالحجارة والحصى فيؤخذ وكلاهما هو المسمى بالتبر، والأول أفحل في العيار، وأفضل في القيمة.
قال: وحدثني السلطان موسى: أَنَّ الذهب حمى له يجمع له متحصله كالقطيعة إلّا ما يأخذه أهل تلك البلاد منه على سبيل السرقة.
قلت: والذي قاله الدكالي، إنه إنما يهادي بشيء منه كالمصانعة ويتكسب عليهم في المبيعات؛ لأن بلادهم لاشيء بها. وقول الدكالي أثبت.
قال ابن أمير حاجب: وشعار هذا السلطان أصفر في أرض حمراء تنشر عليه الأعلام حيث يركب، وهي ألوية كبار جدًا، وخدمة القادم عليه، والمنعم عليه أن يكشف مقدم رأسه ويضرب بيده اليمنى جوكًا إلى الأرض نحو ما يعمل التتار فإذا احتاج إلى أكثر من هذه الخدمة تمرغ بين يديه.
قال ابن أمير حاجب: وأنا رأيت هذا بالمشاهدة والعيان.
قال: ومن عادة هذا السلطان أنه لا يأكل بحضور أحد من الناس كائنًا من كان بل يأكل دائمًا وحده بمفرده، ومن عادة أهل مملكته أنه إذا نشأ لأحد منهم بنت حسناء قدمها له أمة موطوءة فيملكها بغير تزويج مثل ما ملكت اليمين مع ظهور الإسلام بينهم ومذهبهم بمذهب المالكية.
قال ابن أمير حاجب: هذا مع كون هذا السلطان موسى كان متدينًا محافظًا على الصلاة والقراءة والذكر.
قال: فقلت له: إِنَّ مثل هذا لا يجوز ولا يحل لمسلم شرعًا ولا عقلًا، فقال: ولا للمملوك، فقلت: ولا للمملوك، وسل العلماء؟. فقال: والله ما كنت أعلم وقد تركت هذا ورجعت رجوعًا كليًا عنه.
قال ابن أمير حاجب: ورأيت هذا السلطان موسى محبًا للخير وأهله، وترك مملكته واستناب بها ولده محمدًا وهاجر إلى الله ورسوله فأدى فريضة الحج فزار النبي ﷺ وعاد إلى بلاده على أنه يقرر لابنه الملك ويتركه له بالكلية، ويعود إلى مكة المعظمة، ويقيم مجاورًا بها فأتاه أجله - رحمه الله تعالى -.
قال ابن أمير حاجب، وسألته: إن كان له أعداء بينهم حروب وقتال؟، فقال:
نعم، لنا عدو شديد هم في السودان كالتتار لكم، وبينهم وبين التتار مناسبة من جهات
стр. 1208
منها أنهم وساع الوجوه، فطس الأنوف، ولنا ولهم وقائع، ولهم بأس شديد بإصابة رميهم بالنشاب، وبيننا وبينهم نوب والحروب تارات.
قلت: وقد ذكر ابن سعيد في المغرب طائفة الدمام الذين خرجوا على أصناف السودان فأهلكوا بلادهم وهم يشبهون بالتتّر. وكان خروج الفريقين في عصر واحد. انتهى كلامه في هذا المعنى.
قال ابن أمير حاجب، سألت السلطان موسى: كيف انتقلت إليه المملكة؟، فقال: نحن أهل بيت نتوارث الملك. وكان الذي قبلي لا يصدق أنَّ البحر المحيط لا يمكن الوقوف على آخره، وأحبّ الوقوف على هذا، وولع به فجهّز مئين مراكب مملوءة من الرجال وأمثالها مملوءة من الذهب والماء والزاد ما يكفيهم سنين، وقال للمسافرين فيها: لا ترجعوا حتى تبلغوا نهايته، وتنفذ أزوادكم ومأوكم فساروا وطالت مدة غيبتهم ولا يرجع منهم أحد حتى مضت مدة طويلة، ثم عاد مركب واحد منها، فسألنا كبيرهم عما كان من أثرهم وخبرهم؟، فقال: تعلم أيها السلطان أنا سرنا زمانًا طويلًا حتى عرض في لجة البحر وادٍ له جرية قوية، وكنت آخر تلك المراكب، فأمّا تلك المراكب فإنّها تقدمت فلما صارت في ذلك المكان ما عادت ولا بانت ولا عرفنا ما جرى لها، وأما أنا فرجعت من مكاني. ولم أدخل ذلك الوادي، قال: فأنكر عليه.
قال: ثم إنّ ذلك السلطان أعدّ ألفي مركب ألفًا له، وللرجال استصحبهم معه وألفًا للزاد والماء.
ثم استخلفني وركب بمن معه في البحر المحيط، وسافر فيه، وكان آخر العهد به، وبجميع من معه، واستقلّ لي الملك.
قال ابن أمير حاجب: ولقد كان هذا السلطان مدّة مقامه بمصر قبل توجّه إلى الحجاز الشريف وبعده على نمط واحد في العبادة والتوجه إلى الله كأنه بين يديه لكثرة حضوره. وكان هو ومن معه على مثل هذا مع حسن الزي في الملبس والسكينة والوقار. وكان كريمًا جوادًا، كثير الصدقة والبر خرج من بلده بمائة وسق جمل من الذهب أنفقها في حجته على القبائل بطريقه من بلاده إلى مصر، ثم بمصر، ثم من مصر إلى الحجاز الشريف في التوجه والعود حتى احتاج إلى القرض فاستدان على ذمته من التجّار بمكاسب كثيرة وافرة جعلها لهم، بحيث حصل لهم ثلاثمائة دينار سبعمائة دينار ربحًا، ثم بعثها إليهم بالراجع.
قال ابن أمير حاجب: وبعث لي خمسمائة مثقال ذهبًا على سبيل الافتقاد.
وأخبرني ابن أمير حاجب: أن المعاملة في بلاد التكرور بالودع، وأنّ التجّار أكثر
стр. 1209
ما تجلب إليهم الودع وتستفيد به فائدة جليلة، إنتهى كلام ابن أمير حاجب.
قال: وقد كان بلغني أول قدومي مصر وإقامتي بها حديث وصول هذا السلطان موسى حاجًا، ورأيت أهل مصر لهجين بذكر ما رآه من سعة إنفاقهم، فسألت الأمير أبا العباس أحمد بن الجاكي المهمندار ﵀ عليه - عنه فذكر ما كان عليه هذا السلطان من سعة الحال والمروءة والديانة؟.
وقال: لما خرجتُ لملقاه_ أعني من جهة السلطان الأعظم الملك الناصر_ أكرمني إكرامًا بليغًا وعاملني بأجمل الآداب، ولكنه كان لا يحدثني إلا بترجمان مع إجادة معرفته للتكلم باللسان العربي.
ثم إنه قدم للخزانة السلطانية جملًا كثيرة من المذهب المعدني الذي لم يصنع غير ذلك وحاولته أن يطلع للقلعة ويجتمع بالسلطان فأبى علي وامتنع، وقال: أنا جئتُ لأحج لا لشيء آخر وما أريد أخلط حجي بغيره، وشرع في الاحتجاج بهذا، وأنا أفهم أنه يرى الحضور نقصًا عليه لما يضطر إليه من تقبيل الأرض واليد، وبقيت أحاوله وهو يتعلل ويعتذر، والمراسم السلطانية تتقاضاني في إحضاره، فما زلت به حتى وافق، فلما حضر إلى حضرة السلطان قلنا له: قبل الأرض؟!، فتوقف وأبى إباءً ظاهرًا، وقال: كيف يجوز هذا؟ فأسر إليه رجل عاقل كان معه كلامًا لا نعلمه، فقال: أنا أسجد لله الذي خلقني وفطرني ثم سجد، وتقدّم إلى السلطان فقام له بعض القيام وأكرمه وأجلسه إلى جانبه وتحدثا حديثًا طويلًا.
ثم خرج السلطان موسى وبعث إليه السلطان بعدة من الخلع الكاملة له ولأصحابه: ولكل من حضر معه وخيلًا مسرّجة ملجمة، ولأعيان من معه، وكانت خلعته طرد وحش مقصب كثير بسنجاب مقندس مطرز بزركش على مقترح إسكندري، وكلوته زركش وكلاليب ذهب، وشاش مجرور رقم خليفتي، ومنطقة ذهب مرصعة، وسيف محلى ومنديل مذهب جزّ وأعلام وفرسين مسرجين ملجمين بمراكب ثقل محلاة وأجرى عليه الأتراك والإقامات الوافرة مدة مقامه، فلما أن أوان الحج بعث إليه دراهم كثيرة وجمال وهجن خاص كاملات الأكوار والعدد لمراكبه وأتباع لأصحابه ومن حضر معه، وأزواد جمة، وركّز له العليق في الطرق، ورسم لأمراء الركب بإكرامه واحترامه.
ثم لما عاد تلقيته وأنزلته واستمر على علوفاته وإنزاله وأرسل إلى السلطان متبركًا من هدايا الحجاز الشريف فقبله السلطان منه وبعث إليه بالخلع الكوامل له ولأصحابه والألطاف والتوابي من البز الإسكندري والأمتعة الفاخرة، ثم عاد إلى بلاده.
قال المهمندار: ولقد أفاض هذا الرجل بمصر فيض الإحسان لم يدع أميرًا مقربًا ولارب وظيفة سلطانية حتى وصله بجملة من الذهب، ولقد كسب أهل مصر عليه وعلى
стр. 1210
أصحابه في البيع والشراء والأخذ والعطاء ما لا يُحصر وبذلوا الذهب حتى أهانوا - في مصر - قدره وأرخصوا سعره.
قلت: ولقد صدق المهمندار فإنه حكى مثل هذا غير واحد. ولما مات المهمندار وجد الديوان فيما خلفه آلافًا من الذهب المعدني مما أعطاه له باقيًا على حاله في ترابه لم يصنع.
وحدَّثني خَلْقٌ من تجار مصر والقاهرة عما حصل لهم من المكاسب والربح عليهم، فإنَّ الرجل منهم كان يشتري القميص أو الثوب والإزار وغير ذلك بخمسة دنانير وهو لا يساوي دينارًا واحدًا، وكانوا في غاية السلامة الصدر والطمأنينة تجوز عليهم مهما جوَّز عليهم، ويأخذون كل قول يقال لهم بالقبول والصدق ثم ساءت ظنونهم بأهل مصر غاية الإساءة لما ظهر لهم من غشهم لهم في كل قول وفي تراجمهم المفرط عليهم، وفي أثمان ما يباع عليهم من الأطعمة والسلع حتى لو رأوا اليوم أكبر أئمة العلم والدين، وقال لهم: إنه مصري امتهنوه، وأساءوا به الظنَّ لما رأوا من سوء معاملتهم لهم.
وحدثني مهنا بن عبد الباقي العجرمي الدليل: أنه كان في صحبة السلطان موسى لما حجَّ وأنه أفاض على الحجيج وأهل الحرمين سجال الإحسان. وكان في غاية التجمّل وحسن الظن في سفره هو ومن معه وتصدّق بمال كثير.
قال: ونابني منه نحو مائتي مثقال من الذهب، وأعطى رفاقي جُمَلًا أخرى وبالغ مهنا في وصف ما رآه منه من الكرم وسعة النفس ورفاهية الحال.
قلت: ولقد كان الذهب مرتفع السعر بمصر إلى أن جاؤوا إليها في تلك السنة كان المثقال لا ينزل عن خمسة وعشرين درهمًا وما زاد عليها، فمن يومئذ نزلت قيمته، ورخص سعره واستمر على الرخص إلى الآن لا يتعدّى المثقال اثني عشرة درهمًا وما دونها، هذا من مدة تقارب إثنتي عشرة سنة إلى الآن لكثرة ما جلبوا من الذهب إلى مصر وأنفقوه بها.
قلت: ولقد جاء كتاب من هذا السلطان إلى الحضرة السلطانية بمصر وهو بالخط المغربي في ورق عريض السطر إلى جانب السطر، وهو يمسك فيه ناموسًا لنفسه مع مراعاة قوانين الأدب، كتبه على يد بعض خواصه ممن جاء يحجُّ ومضمونه السلام والوصية بحامله وجهز معه على سبيل الهدية خمسة آلاف مثقال من الذهب.
وبلاد مالي وغانة - وما معها - يسلك إليهما من غربي صعيد مصر على الواحات في برٍّ مقفّر تسكنه طوائف من العرب، ثم من البربر إلى عمران يتوصل منه إلى مالي وغانه، وهي مسامتة بجبال البربر في جنوب مراكش وما يليها في قفار طويلة وصحار ممتدة موحشة.
стр. 1211
وحدثني الفقيه العلامة أبو الروح عيسى الزواوي، قال: حدثني السلطان موسى: أن طول مملَكته نحو سنة، وبمثل هذا أخبرني عنه ابن أمير حاجب.
وأما ما قاله الدكالي - فقد تقدم ذكره - وهو أنها أربعة أشهر طولًا في مثلها عرضًا.
وقول الدكالي أثبت؛ لأن موسى منسي ربما عظم شأن ملكه.
قال الزواوي: قال لي هذا السلطان موسى: إن عنده في مدينة اسمها تكرا معدن النحاس الأحمر تجلب منه القضبان إلى مدينة بيتي.
وقال: ليس في مملكتي شيء يعكس سوى هذا النحاس المعدني الذي يجلب، فإنه خاصة لاغير، ونحن نبعثه إلى بلاد السودان الكفار نبيعه وزن مثقال بثلثي وزنه ذهبًا فنبيع كل مائة مثقال من النحاس بستة وستين مثقالًا من الذهب وثلثي مثقال.
قال، وقال لي: إنّ عنده أممًا من الكفّار في مملَكته، وهو لايأخذ منهم الجزية، وإنما يستعملهم في استخراج الذهب من معادنه.
وقال لي: إن معادن الذهب تحفر الحورة عمق قامة أو ما يقاربها فيوجد الذهب في جنباتها وربما يوجد مجتمعًا في سفل تلك الحفائر ومُلك هذه المملَكة في جهاد دائم وغزو ملازم لمن جاوره من كفّار السودان، وهم أمم لايستوعبهم الزمان.
قال لي الدكالي: وأهل هذه المملَكة كثير فيهم السحر والسم، ولهم عناية بهما، وتدقيق فيهما، وعندهم حشائش وحيوانات يركبون منهما السموم القتّالة، ولاسيما من نوع السمك يوجد عندهم، ومرارات التماسيح فإنها سموم لادواء لها.
وحدثني الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن الصائغ الأموي، قال:
حدثني الوزير أبو عبد الله محمد بن زاغنو من أهل بلدنا المرية بالأندلس - وهو ثقة من الفقهاء العلماء - قال: ركبت في مركب لتجارة لي مع جملة تجار من فم الأيالة وهو مدخل البحر المحيط قاصدين بعض بلاد العدوة، فلعبت بنا الريح وتقاذفت الأمواج إلى أن عدينا المكان المقصود، وتمادى بنا الحال إلى أن عجزنا عن الإرساء إلى البر، ولم تزل على هذا تتغلغل في المحيط إلى الجنوب إلى أن دفعنا في ظلمات ممتدة إذا أخرج الإنسان بها يده لم يكد يراها، وأيقنا بالهلاك لوقوعنا في الظلمات، ثم لطف الله بسكون الريح فداربنا المركب ورفقنا به وقصدنا جهة البر إلى أن وصلنا إلى البر وأرسينا به وخرجنا نطلب الخلاص لأنفسنا فرأينا أعلام مدينة فقصدناها فوجدنا بها أمة من السودان لما رأونا بيضًا عجبوا منا واعتقدوا أنا صبغنا جسومنا بالبياض فضحكوا جلودنا بالليف، فلما ظهر لهم أنها خلقة بقي كل واحد منهم يتعجب ويتحدثون بذلك بعضهم مع بعض فأقمنا عندهم فوجدنا غالب أكلهم لحوم الثعابين والحيات، وهي
стр. 1212
كثيرة في أرضهم جدًا يتصيدونها ويأكلون لحومها، ليس بأرضهم نبات ولا مرعى فأقمنا عندهم مدة حتى خرج منهم ناس إلى بلاد مجاورة لهم في بعض أشغالهم فخرجنا معهم، ثم تنقلنا من مكان إلى مكان إلى أن وصلنا إلى برّ العدوة.
وحدثني أبو عبد الله بن الصائغ: أنّ الملح معدوم في داخل بلاد السودان فمن الناس من يغرّر ويوصل به إلى أناس منه يبدلون نظير كل صبرة ملح مثله من الذهب.
قال: وحدثني أنّ من أمم السودان الداخلة بل يظهر لهم بل إذا جاؤوا وصنعوا الملح ثم غابوا فيصنع السودان إزاء الذهب، فإذا أخذ التجار الذهب أخذوا هم الملح.
وحكى لي عيسى الزواوي، قال: حدثت أنّ رجلًا دخل بملح ووصل إلى مدينة من مدن كفار السودان فأهديت إلى ملكها شيئًا من الملح فقبله وبعث إليّ بجاريتين من أحسن السودان صورة.
ثم حضرت عنده بعد أيام، فقال: بعثنا إليك بتلك الجاريتين فاذبحهما، وكلاهما؛ لأنّ لحمهما أطيب مما يوكل عندنا، فلأيّ شيءٍ ما ذبحتهما؟، فقلت: ما يحلّ هذا عندنا، فقال: فأي شيء تأكل؟، قلت: لحم البقر والغنم، فبعث ببقر وغنم.
قال: وحدثت أيضًا أنّ في بلاد هؤلاء السودان جبلًا عاليًا لا يمكن الصعود إليه، به أنواع من الفواكه والثمار ولاسبيل لهم إليها إلا بما ألقت إليهم الرياح مما يتساقط من أوراقها وثمارها.
قلت: ولم يذكر هذا عن بلاد الكفّار، وإن كان ليس من شرطنا، لكنّي ذكرته لغرابته وزيادة فائدة؛ ولأنه يتعلق ببلاد السودان. وأما ما أقوله: فإنه قد كثر القول عمّن يأكل من السودان لحوم الناس، وهم الذين بلادهم متوغلة في غاية الجنوب، ومنهم من الزنج.
قال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: وقد ذكرنا الزنج ونزعها ثناياها، قال:
سألت مباركًا الزنجي الفشكار، فقلت: لم تنزع الزنج ثناياها؟
قال: سألت عن ذلك ولم يجد ناس منهم أسنانهم،
فقال: أما أصحاب التجديد فللقتال والنهش؛ لأنهم يأكلون لحوم الناس، ومتى حارب ملك ملكًا فأخذه قتيلًا أو أسيرًا فأكله، وكذلك إذا حارب بعضهم بعضًا أكل الغالب منهم المغلوب، وأما أصحاب القلاع فإنهم نظروا إلى مقادم أفواه الغنم فكرهوا أن تشبه مقادم أفواههم مقادم أفواه الغنم.
* * *
стр. 1213
الباب الحادي عشر: في مملكة جبال البربر
وبلاد السودان أيضا مثلثة: ثلاثة ملوك مستقلون مسلمون بيض من البربر، سلطان أمير، وسلطان دموسة، وسلطان دامكة.
هؤلاء الملوك الثلاثة البيض ملك أمير ودموسة ودامكة ثلاثتهم ملوك مسلمون في جنوب الغرب بين بر العدوة مملكة السلطان أبي الحسن، وبين بلاد مالي وما معهما، وكل واحد منهم ملك مستقل بنفسه لا يحكم أحد منهم على الآخر وأكبرهم ملك أمير.
وهم بربر زيهم نحو زي المغاربة دراريع إلا أنها أضيق وعمائم بأحناك. وركوبهم الإبل، ولاخيل عندهم ولا للمديني عليهم حكم ولا لصاحب مالي. وعيشهم عيش أهل البر من اللحوم والألبان. والحبوب قليلة عندهم.
وحدثني الشيخ سعيد الدكالي: أنه مر بهم في بعض أسفاره ولم يقم عندهم، وهم في قلة أقوات.
وحدثني الزواوي: أن لهؤلاء البربر جبالا عامرة كثيرة الفواكه.
وقال: أن كلما بأيدي هؤلاء الثلاثة يجيء قدر نصف ما لملك مالي أو أرجح بقليل، وإنما ذلك أكثر دخلا لقربه من بلاد الكفار، وبها منابت الذهب، وهو قاهر عليهم، ودخله كثير بهذا السبب وبكثرة ما يبيع بمملكته من السلع وما يكتسبه في الغزوات من بلاد الكفار بخلاف هؤلاء فإن بلادهم جدبة ولا يد تمتد لهم إلى كسب.
وغالب أرزاقهم من دوابهم ودون هؤلاء مما بينهم وبين مراكش جبال الصامدة، وهم خلق لا يعد، وأمم لا تحصى.
وهم يفخرون بالشجاعة والكرم وفيهم أعيان الكرماء، وبهم تظل سواكب الدماء، وقد كانوا لا يدينون لسلطان من سلاطين العدوة، ولا يقدر أحد من ملوكها يقتل لهم في غارب ولا ذروة، وقد وصلت الآن إلينا الأخبار بأنهم قد دانوا للسلطان أبي الحسن صاحب بر العدوة الآن، وقد دخلوا تحت ذيل طاعته، وتقرب كل منهم إليه بما فيه وبما في قدر استطاعته على أنهم لا يملكون لأحد قيادهم، ولا يسلمون إليه بلادهم، وهم معه على كل حال بين صحة واعتلال، وهذا ما انتهى إلينا من أخبارهم.
* * *
стр. 1214
الباب الثاني عشر: في مملكة إفريقية
هي مملكة عظيمة، ولها شهرة عظيمة صحيحة الهواء، عذبة الماء، وسيعة المدى كانت في أول منشأ الدولة الفاطمية، ومقر ملكهم طلعت بها شمسهم من المغرب، وظهرت آية المتعجب.
ثم صارت إلى بني باديس واستقلُّوا بأعبائها، وامتدت لهم فيها أيام قضوا بهيبتها، وبلغوا أمنيتها.
ثم كانت في أيام جدود ملوكها الآن ذات عزٍّ وسلطان امتدت بها مهابة الأمير أبي زكريا (١) وادَّعى بها ابنه المستنصر الخلافة لما غلب على السبعة الملوك المنازليين
стр. 1215
له من الفرنج، ولم يخرج بنفسه إلى لقائهم، وإنما اكتفى بإخراج سبعة قواد نازلوهم، ونصبوا محلاتهم بإزاء محلاتهم (١)، وليس هذا مما نحن بصدده.
[حدود إفريقية:]
وإفريقية اسم الإقليم، وقاعدة الملك بها مدينة (تونس) وأضيف إليها مملكة بجاية ومملكة تدلس، يكون طولها خمسة وثلاثين يومًا، وعرضها عشرين يومًا. وطولها من تدلس إلى حدود برقة، ومملكة طرابلس أول مدنها مما يلي برقة، وتدلس آخر مدنها مما يلي الغرب الأوسط، وحدّها من الجنوب الصحراء الفاصلة بينها وبين بلاد جناوة المسكونة بأمم من السودان. ومن الشرق آخر حدود طرابلس وهي داخلة في المحدود.
ومن الشمال البحر الشامي، ومن الغرب آخر حدود تدلس المجاورة لجزائر بني مزغنة آخر عمالة صاحب بر العدوة، وملوكها الآن من بني أبي حفص أحد العشرة أصحاب محمد بن تومرت أصحاب الغرب.
[النقود والمكاييل:]
وحدثني الشيخ العالم زكي الدين أبو عبد الله محمد بن القوبع القرشي التونسي (٢)
стр. 1216
أنها بلاد خصب تزرع على الأمطار، ومعاملتها من الدراهم نوعان: أحدهما يسمى القديم، والآخر الجديد، ووزنهما واحد ولكن نقد الجديد خالص ونقد القديم مغشوش بالنحاس للمعاملة، وإذا قيل درهم ولم يميز يراد به العتيق وتفاوت ما بينه وبين الجديد أن كل عشرة عتيق بثمانية جدد (١). وفي مصطلحهم أن كل عشرة دراهم من العتيق دينار. وهذا الدينار هو دينار مسمى لا حقيقة له كالدائج بإيران، والجيشي بمصر.
وورطُها ست عشرة أوقية، ووزن الأوقية إحدى وعشرون درهمًا من دراهمها، والكيل اثنان: قفيز وصحفة. فأما القفيز فهو ستة عشر ويبة، كل ويبة اثنا عشر مدًا قرويًا يقارب المد النبوي، وهي ثمانية بالكيل الحفصي، والحفصي هو كيل قرره ملوكها الحفصيون آباء ملكها الآن وأما الصحفة فهي عشر صحاف كل صحفة اثنا عشر مُدًّا بالحفصي: نحو مُدّ ونصف من المقدم ذكره.
وأوْسَط الأسعار بها في الغالب من أوقاتها كل قفيز بخمسين درهمًا (٢) من العين، والشعير دون ذلك.
[نباتات إفريقية:]
والموجودُ بها من الحبوب: القمح، والشعير، والحمص، والفول، والعدس، والذرة، والدخن، والجلبان، والبسلَة - وتسمى بإفريقية البسيم - وأما الأرز فمجلوب إليها. وبها من الفواكه: العنب، والتين وكلاهما على أنواع، والرمان الحلو والمر والحامض، والسفرجل، والتفاح، والكمثرى، والعناب، والزعرور، والخوخ أنواع، والمشمش أنواع، والتوت الأبيض والأسود المسمى بالفرصاد، والعين، والقراسيا (٣) والزيتون. والأترج، والليمون، والليّم، والنارنج وأما الجوز فقليل، وكذلك النخل،
стр. 1217
وأما الفستق والبندق فلايوجد، وكذلك الموز، وبها فاكهة أخرى تسمى «مَصْعَ» دون الجوزة المقشورة الصغيرة وأكبر من البندقة يجيء في زمان الشتاء وطعمه بين الحموضة والقبض شبيه بطعم السفرجل ولونه بين الحمرة والصفرة وله نوى وهو يُقطف من شجرة فجأ، ثم يُلبس ويُثقل ويُدْفَقُ كما يعمل بالموز فينضج حينئذٍ ويؤكل.
قلت: وهذا ذكره ابن وحشية في كتاب «الفلاحة النبطية».
وأما قصب السكر فيوجد منه ما قل بها ولايعتصر. وبها البطيخ الأصفر على أنواع، والبطيخ الأخضر ولكنه قليل ويسمى بها خاصة، وبالغرب عامة الدّلاع، وبها الخيار والقثاء، واللوبيا، واللفت، والباذنجان، والقرنيط، والكرنب، والبقلة اليمانية واسمها بليدس، والرجلة، والخس، والهندبا على أنواع، وسائر البقول، والملوخيا ولكنها قليلة، وبها الهيلون (١) والصعتر، والثمار بريّة كلها، وبها من الرياحين: الآس، والورد ومعظمه أبيض، والياسمين، والنرجس، والنيلوفر الأصفر، والترنجان، والمنثور، والمرزنجوش (٢)، والبنفسج، والسوسن، والزعفران، والحبق، والنمام (٣).
[حيوانات إفريقية:]
وبها من الدواب: الخيل العراب المشابهة لخيل برقة، والإبل، والبغال، والحمير والبقر، والغنم، والمعز، وبها الإوز ولكنه قليل. وأنواع الصيد من الكركي - ويسمى عندهم الغرنوق - وكذلك الوحش بها: الخمر الوحشية، والبقر، والنعام، والغزال، وغير ذلك. وغالب سعر لحم الضأن كل رطل إفريقي بدرهم عتيق. وبقية اللحوم دونه في القيمة، وفي الربيع يكثر ويرخص غير هذا رخصًا كثيرًا. والدجاجة الجيدة بدرهمين جديدين وأحوالها مقاربة للديار المصرية في مثل هذا لقرب المجاورة.
[مدن إفريقية:]
وأما مدنها الكبار: فالقاعدة تونس، والمشرقيات على الساحل: سوسة، والمهدية، وصفاقس، وقصر زياد، وقابس، والمغربيات على الساحل: بنزرت، وبلد العناب - وهي بونة - والقل، وجيجل، وبجاية، وتازرروت، وآزرفون، وتدلس، وقبلي
стр. 1218
تونس إلى الجنوب: القيروان، وجنوبيها بلاد الجريد وأمّها توزر، وبقربها تفيوس (١) وهي بلاد ذات نخيل وزيتون، وحامة البهاليل بين توزر وتونس، على طريق القيروان فقصة ذات نخيل وزيتون، وبغربي توزر على نصف يوم منها نقطة. وغربي تونس، بعيدًا من البحر: باجة على يومين منها. وبالقرب منها خولان على نهر بجرْدَة. وفي جنوبيهما بغربي تونس: جامعة. وتبرسق، وكسرة، وبالقرب من ذلك مما يلي الغرب: الأربس، وشقّبنارية، وفي القرب منها مما يلي الغرب: آبه وهي قصور مجتمعة نحو مائة وخمسين قصرًا، وبالقرب منها على مسيرة يوم: قلعة سنان وهي قصر لا يعرف على وجه الأرض أحصن منه، على رأس جبل منقطع عن سائر الجبال ليس في رأسها ماء إلا المطر، بها خمس مراحل نقر في حجر، وهو جبل عال يقصر سهم العقّار عن الوصول إليه، ويرتقي إليها من سُلَّم نُقِر في حجر طوله مائة وتسعون درجة، وبأسفلها قصبة بها عين ماء، وبها فواكه وأثمار.
ومن عمالتها قسنطينة وهي بلد كبير متحضِّرة في غاية الحصانة والمنعة.
[مدينة تونس:]
فأما (تونس) فهي قاعدة الملك، ثم تليها بجاية قاعدة ملك ثانية.
وهي مدينة مسوّرة في وِطَاء من الأرض بسفح جبل يعرف بأم عمرو، ويستدير بها خندق حصين وثلاثة أرباض كبيرة من جهاتها، وأرضها سباخ، وبها قصبة - وهي القلعة في مصطلح المغاربة - هي سكن السلطان، وجميع بناء تونس بالحجر والآجر، مسقوفة بالأخشاب وتُفْرَش ديار أكابرها بالرخام. ومنذ خلا الأندلس من أهله وأووا إلى جناح ملوكها مصر وأقاليمها ونوعوا بها الغِراس فكثُرت منتزهاتها وامتد بسيط بساتينها على بحيرة من البحر الشامي خارجة إلى شرقيها من فم ضيق.
قال أبو عبيد البكري (٢): دورها أربعة وعشرون ميلًا في وسطها جزيرة يقال لها
стр. 1219
(شكلة) لساكن بها يركب إليها السلطان ويقطع في المراكب إليها زمن الربيع ويضرب أخبيته بها ويقيم للتنزه فيها أيامًا ثم يعود على أنه لا ماء فيها ولامرعى ولكن لما تشرف عليه من البساتين المستديرة بتلك البحيرة وما فيها من الجواسق المشرقة ومنظر البحر …
[مدارس تونس:]
وبتونس ثلاث مدارس: الشماعية، والمعرضية، ومدرسة الهواء (١).
وبها الحمامات والأسواق الجليلة، ويعمل بها القماش الإفريقي، وهو ثياب رفيع من القطن والكتان معًا، ومن الكتان وحده، وثيابها أمتع من النصافي البغدادي وأحسن، وهو أجل كساوي المغرب.
وللسلطان بستانان أحدهما ملاصق لرياض البلد اسمه (رأس الطابية) والآخر بعيد من البساتين اسمه (أبو فهر) بينه وبين البلد نحو ثلاثة أميال. والماء مساق إليهما
стр. 1220
من ساقية زغوان من جبل بعده يوما من تونس، ويدخل القصبة منه فرع، وليس لأهل تونس شرب إلا من الآبار، أحدهما (بئر طبيان) وبالبيوت صهاريج تجمع مياه الأمطار لغسل القماش وغير ذلك.
[التعريف ببجاية:]
وأما (بجاية) فهي مدينة قديمة مسورة أضيف إلى جانبها ربض أدير عليه سور ضام لنطاق المدينة فصارا به كالشيء الواحد، والربض في وِطاءة، والمدينة القديمة المتصلة به في سفح جبل، يدخل إليها جون من البحر الشامي يعبر بالمركب إليها، وبها عينان اثنتان من الماء، أحداهما كبيرة منها شرب أهل البلد، ولها نهر جار على نحو ميلين منها تحف به البساتين ليس إلا أن يَصُبَّ في البحر الشامي، وبضيفتيه للسلطان بستانان متقابلان شرقًا وغربًا: الشرقي يسمى (الرفيع) والغربي يسمى (البديع) هما مكان فرجته ومحل نزهته، وفيهما يقول محمد بن محمد المكودي الفاسي بديها حين راهما: [من الكامل]
هَذَا البَدِيعُ كَمَا رَأَيتُ بَدِيعُ … وَكَذَا الرَّفِيعُ كَمَا عَهِدتُ رَفِيعُ
هذي معاهِدُ كُلُّها مَعْشُوقَةٌ … وَالحُسْنُ فِيهَا كُلُّه مَجمُوعُ
وهي ثانية تونس في الرتبة والحال، وجميع المعاملات والموجودات والأحوال.
ولبجاية حصانة عظيمة ومنعة، ولها رفق كثير بمدخل السفن إليها من البحر.
وبقية مدن إفريقية جميعها ممنعة ممدنة ذوات جوامع، ومساجد، وحمامات، وطواحين، وأسواق، وديارات سرية، لكنها عاطلة من حلى البر والمعروف لا يكاد يوجد بها مدرسة ولاخانقاه ولازاوية ولارِبَاط ولا مارستانات إلا فاس ومراكش وإن لم يبلغا أدنى رتب أمثالهما ولا تعلقا بأذيالها، على أن الذي بمراكش أجود وسيأتي ذكرهما في موضعه.
[جلوس السلطان للمظالم:]
وحدثني أقضى القضاة أبو الروح عيسى الزواوي: أن أبواب ملوك إفريقية كبيرة، فإذا جلس سلطانها جلس حوله ثلاثة للرأي والمشورة، ويجلس دونهم عشرة من أكابر أشياخه، وقد يكون هؤلاء الثلاثة من العشرة المذكورين، وبعد هؤلاء خمسون نفرًا، فإذا أمر السلطان بأمر بلغه وزير الجند لآخر واقف وراءه ويبلغه الآخر لآخر إلى أن يسمع الأمر السلطاني من خارج الباب لنقل أناس كما ذكرنا، ويقف جماعة تسمى بالواقفين بأيديهم السيوف حوله وهم دون الخمسين المذكورين في الرتبة.
стр. 1221
[نظام ركوبه للسفر:]
وأما ركوبه إلى صلاة العيدين أو إلى سفر فهو على ما يذكر: يركب السلطان ويمشي إلى جنبه رجلان مقلدان سيفين رجالة إلى جانبه، ويمسك أحدهما بركابه اليمين والآخر بركابه اليسار ويليهما جماعة رجالة من أكابر دولته مثل الثلاثة أصحاب الرأي والعشرة الذين يلونهم، ومن يجري هذا المجرى من أعيان الجند وتسمى هذه الجماعة (إيربان) يمشون حوله بالسيوف وبأيديهم عكاكيز.
قال الزواوي: وربما مشى في هؤلاء قاضي الجماعة، وهو عندهم قاضي القضاة، وقدام هؤلاء الجماعة المشائين نفر كثير من أقارب السلطان بسيوف ومزاريق ويسمون بالمشائين، وقدامهما جماعة (جفاوة) [وهم عبيد سود بأيديهم حراب في رؤوسها رايات من حرير، وزي هؤلاء العبيد المسمين جناوة لبس جباب بيض مقلدين بالسيوف بأيديهم هذه الحراب]، وقدامهم عبيد المخزن وهو اسم لعوام البلد، ينادى فيهم ليلة العيد أو ركوب السلطان للسفر، فيخرج أهل كل صناعة وتبيت بظاهر البلد، فإذا أصبح مشوا قدام جفا وة وبأيديهم الدرق والسيوف ومعهم العلم الأبيض المسمى عندهم (العلم المنصور) محمولًا بيد فارس، وأهل الأسواق المسمين بعبيد المخزن حوله كما ذكرنا.
وعلى يمين السلطان فارس وعلى يساره فارس هما من أكابر أشياخه من العشرة المقدم ذكرهم.
وخلف السلطان فارس إليه أمور الأعلام والصناجق يقال له: (صاحب العلامات) مثل أمير العلم، ووراءه أعلام القبائل، ولكل قبيلة في علمها ما تمتاز به من الكتابة والكتابة: «لا إله إلا الله»، أو «الملك لله» أو ما يناسبهما، ووراء الأعلام الطبول والبوقات وأصحاب النفير، وخلفهم فرسان يعرفون (بمحركي الساقة) بأيديهم عصي يرتبون الناس، وهؤلاء هم بمنزلة النقباء. وخلف هؤلاء العسكر والدند، والفارس الذي على يمين السلطان إليه أمر دق الطبول يقول: دق فلان! باسم كبير الطبالة.
[خروجه في العيدين:]
ويخرج السلطان لصلاة العيدين من طريق ويعود من آخر، وهذا هو زي ملوك هذه المملكة وترتيبهم في الخروج للعيدين والأسفار، لا يزال من حول السلطان ممن ذكرنا أنهم يمشون بقدر ساعة ثم يركبون، ويطوف بالسلطان جماعة يقرؤون جزءًا من القرآن الكريم، ثم يقف السلطان ويدعو ويؤمن وزير الجند على دعائه، ويؤمن الناس
стр. 1222
على تأمينه، ويجد السلطان والناس السير، فإذا كانوا في فضاء كان مشيهم على هذا الترتيب، [فإذا ضاق بهم الطريق مشوا كيف جاء على غير ترتيب]، إلا أن السلطان لا يتقدم عليه جنده، فإذا قربوا من المنزلة وقف السلطان ودعا وأمن على دعائه كما تقدم.
وأعلام هذا السلطان التي تحمل له سبعة أعلام: التي تحمل وراءه الأوسط أبيض، وإلى جانبه أحمر، وأصفر، وأخضر.
قال العلامة أبو عبد الله محمد بن القويع: ولا أتحقق كيف ترتيبها.
[خروجه لصلاة الجمعة:]
وقد ذكر ابن سعيد (١): أن شعار سلطان إفريقية يوم الجمعة لا يجتمع بأحد بل يخرج عندما ينادي المنادي ويشق رحبة قصره ما بين خواص من المماليك الأتراك، فعند ما يعاينونه ينادون: سلام عليكم! نداء عاليًا على صوت واحد يسمعه من يكون بالمسجد الجامع، ثم يتقدمه وزير الجند بين يديه في ساباط يخرج هناك للجامع عليه باب مذهب سلطاني، والوزير لايخرج معه من هذا الباب بل يسبق فيفتح الباب، ويخرج السلطان منه وحده، ويقوم له جماعة الواقفين من أعيان الدولة ولا يقوم له في الجامع غيرهم، وليس له مقصورة مخصوصة، فإذا انفصل عن الصلاة قعد في قبة كبيرة له
стр. 1223
في صدر الرحبة وحضر عنده أقاربه، ثم يدخل قصره.
[في خروجه لقصره:]
قال: وربما خرج إلى بستان له من أعظم ما تهممت ببنيانه الملوك، واحتفلت بغرسة السلاطين (١)، ويخرج في نحو مائتي فارس من شباب أرباب دولته يعرفون (بالصبيان) يوصلونه إلى البستان ويرجعون، ويبقى وزراؤه نوابًا له وهم ثلاثة: وزير الجند وهو بمثابة الحاجب بمصر، ووزير المال وهو المسمى صاحب الأشغال، ووزير الفضل وهو كاتب السرّ. ومهما تجدد عند كل واحد منهم أمر يطالعه بالمكاتبات بما يتعلق بشغله المنوط به ويجاوبهم بما يراه.
стр. 1224
قلت: وركوبه إلى البستان في زقاق من قصبته محجوب بالحيطان لا يراه فيه أحد.
والمشهور أن سلطانها الآن قليل الركوب فإذا ركب إلى هذا البستان لا يكون معه إلا جواريه وخدمه.
قال ابن سعيد: ويوم السبت مخصوص عنده لأن يقعد في القبة الكبيرة يعني بقصبته، ويحضر عنده أعيان دولته وأقاربه والأشياخ، والجانب الأيمن لأقاربه والأيسر للأشياخ، وبين يديه: وزير الجند، ووزير المال، وصاحب الشرطة، والمحتسب، وصاحب كتب المظالم -.
قلت: وهو الموقع على القصص.
قال: ويقرأ يعني قصص المظالم الكاتب المعين بما وقع إليه ويرد إلى وظيفة القصة المتعلقة بوظيفته وينفذ الباقي.
قلت: والمشهور على ألسنة التونسيين أن سلطانهم (١) كثير الاحتجاب بخلاف سلفه، قليل الاعتناء بالنظر في مصالح أهل دولته ورعاياه، مقتصر على لذاته مع ما هو عليه من الشجاعة والإقدام وإباء النفس، ويحكى عنه في أوائل طلبه للملك ومنازعة الثوار عليه ما أقرت له به الأبطال، وقرت بزلزاله الجبال، ويدل على قوله فعله وعلى فعله قوله (٢): [من البسيط]
стр. 1225
انظر إلينا ترانا ما بنا دهش … وكيف يطرق أسد الغابة الدهش
لا تعرف الحادث المرهوب أنفسنا … فإننا بارتكاب الموت ننتعش
نسقي أحبتنا من صرف خمْرتنا … في طول ليلتنا حتى بدا الغبش
من كفّ ظبي سقاني من مدامته … لترتوي عطشًا فازداد بي العطش
كأن وجنتها من حُمْرة شفقٍ … وشعرها غسقٌ بالجسم مفترش
فالقوس حاجبها والسهم مقلتها … وإن قررت فإنّ السالف الحنش
فانظر ما نطق به أول هذه الأبيات من إقدامه، ثم ما جذبته إليه دواعي النفس من ذكر حبيبه ومدامه. وأما ما هو ممحض بوصف شجاعته وجلده فهو قوله: [من الطويل]
مواطننا في دهرهنّ عجائبُ … وأزمانُنا لم تعد عنها الغرائبُ
مواطنُ لم تحكِ التواريخُ مثلها … ولا حدَّثتْ عنها الليالي الذواهِبُ
وأدل على ما فيها فعله قوله في الاعتذار عن هزيمة لاقى بها كل عظيمة:
ومن قاتل الصفين وامتَاز مانعًا … وقد نهلتْ منه الظبى فهو غالبُ
قال هذه الأبيات التي هي من قصيدة طويلة عقيب وقعة جرت بينه وبين قواد السلطان ابن تاشفين عبد الرحمن صاحب تلمسان قرب قلعة سنان وثبت لملاقاة عدوه ثباتًا كبيرًا وقد انهزم كل جنده حتى جرح ثلاث جراحات، وأخذ له ولدان من أولاده وحظاياه فقال هذه الأبيات ومدح في آخرها سلطان المغرب وذكر فيها بعثه ولده أبا زكريا يحيى في البحر لاستنجاده فمد له للمساعدة ساعدًا، وسدّد لأعدائه سهمًا قاعدًا، ولما أخذت أولاده صبا إليهم واشتاقهم وقال يتسلى بعدهم وفراقهم: [من الطويل]
ظَمِئْتُ في دَموعي للفراقِ بحُورُ … وأُجّجَ ما بينَ الضلوعِ سعيرُ
وفارقتُ قلبي يومَ فارقتُ صِبيتي … فللهِ أحياءٌ خلتْ وقصورُ
وقلتُ له ياقلبُ صبرًا فقالَ لي … حَنانَيكَ إني نَحوهُنَّ أسيرُ
عسى الله يدني للمحبين أُوبةً … فتشفي قلوبٌ منهمُ وصدورُ
وكم من قصيّ الدار أمسى بحزنه … فأعقبه عند الصباح سرورُ
ثم لجأ إلى بلد العناب ثم بجاية وبعث ولده كما ذكر إلى أبي سعيد عثمان والد سلطانها الآن يستصرخ به، فطلع إلى قريب تلمسان لنصرته ثم رد لمرض عرض له وأوصى ولده السلطان أبا الحسن الآتي ذكره في خبر بر العدوة بإتمام ما بدأ به من نجدتهم. ثم إن صاحب إفريقية بعث الشيخ العارف أبا الهادي إلى صاحب تلمسان
стр. 1226
فأعاد إليه أبيه أحمد وعمر ومربيته لاعب، وأما الخطايا فأبت له نفسه استردادهن. وهذه الواقعة من الأسباب في أخذ صاحب بر العدوة لتلمسان وسيأتي هذا في مكانه. وهذه فائدة جاءت عرضًا في هذا التأليف وإن لم تكن من شأنه.
ونعود إلى ما كنا فيه من ذكر قصص الظلمات.
[المكاتبات الرسمية:]
قال ابن سعيد: والذي يتولى إبلاغ الظلمات إلى هذا السلطان يسمى (صاحب الرقاعات) يأخذ براءات المتظلمين - أي قصصهم - ويعرضها ويخرج بجوابها.
قلت: وهذا بمثابة الدوادار (١).
قال ابن سعيد في المغرب: وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن القوبع فيما حدثني به: إن هذا السلطان لايعلم على شيء يكتبه عنه وإنما يعلم عنه صاحب العلامة الكبرى.
قال ابن القوبع: في الغالب يكون صاحب العلامة الكبرى كاتب السر، وهذا في الأمور الكبار، والعلامة «الحمد لله والشكر لله»، وأما ما دون هذا فإنما تكون الكتابة فيه عن وزير الجند يكتب عليه صاحب العلامة الصغرى اسم وزير الجند (٢)، ومن خاصية كتب هذا السلطان أن تكتب في ورق أصفر، وأما ما يكتب عن وزير الجند ففي غير الأصفر، ومن عادة المغاربة كلهم أن لا تطول كتبهم ولا تبعد بين سطورهم كما جرت به العادة في مصر والشام وإيران.
стр. 1227
ترتيب الجند:
وسألت الإمام أبا عبد الله بن القويع عن طبقات الجند في هذه المملكة ومبلغ أرزاقهم في ديوانه فقال: هؤلاء على ما قدره لهم المهدي يعني مهديهم محمد بن تومرت، وهكذا كان عبد المؤمن وأبناؤه لما كان لهم المغرب، ليس لهم أمراء ولا أتباع يطلب بعدتهم كعدة الأمراء بمصر، وإنما لهم أشياخ من أعيانهم لاعدة لهم ولاجند، ولا المرء منهم إلا بنفسه، وإنما هم أعيان الجماعة ممن يحضر عند سلطانهم الرأي والمشورة.
قلت: وقد تقدم القول عليهم، قال: ولكل طائفة (مروار) وهو كبير لهم يتولى النظر في أحوالهم.
وأما الجند فهم من الموحدين والأندلسيين ومن قبائل العرب وقليل ممن هرب وأقام عندهم من مصر، والفرنج هم خاصة السلطان يقال لهم (العلوج) لا يُطمئن إلا إليهم.
[أرزاق الجند:]
وأما أرزاقهم فإن أعظم بركاتهم - يعني أرزاقهم - التي هي بمعنى الإقطاعات بمصر، وهو لجماعة الموحدين، والسلطان يأخذ معهم كواحد منهم سواء، وهذه البركات تفرق أربع مرات في كل سنة: في عيد الفطر تفرقة، وفي عيد الأضحى تفرقة، وفي ربيع الأول المبارك تفرقة، وفي رجب تفرقة، ولا يصيب كل واحد من الموحدين في كل تفرقة من هذه التفريقات الأربع إلا أربعين دينارًا مسماة فتكون بثلاثمائة درهم عتيقة، ولا كابر هؤلاء من هذه البركات أراض مطلقة تحرث وتزرع لهم أو تحكر ويكون لهم عشر ما يطلع منها.
[طبقات الجند:]
قال القاضي أبو القاسم بن بنون: طبقات الجند بإفريقية، أشياخ كبار، وأشياخ صغار، ثم الوقافون، ثم عامة الجند، فأما البركات فهي ما ذكر وأما مقدار ما لكل واحد فحرت عشرة أزواج بقرا. والزوج هو محرت أربع من البقر؛ لأن الزوج بشعبتين، والشعبة رأسان من البقر.
قلت: وهذه الشعبة هي المسامة في بلد دمشق بالفدان، فيكون جملة ما لكل واحد من أهل هذه الطبقة العالية في كل سنة مائة وعشرين دينارًا مسماة، عنها ألف ومائتا درهم مغربية، عنها من نقد مصر والشام ستمائة وخمسة وسبعون درهمًا،
стр. 1228
وما يتَحَصَّل من مثل عشرين فدانًا، لعله لا يكون بأكثر من مثلها، فيكون تقدير جملة مال لهذا الرجل الكبير في الدولة في كل سنة ألف وثلاثمائة وعشرة دراهم، وهذا بمنزلة أحد أمراء الألوف بمصر والشام والنوبين أمير التومان بإيران.
قال: وأما الأشياخ الصغار فلهم مع ذلك البركات لكل واحد مُحَرّث خمسة أزواج من البقر.
[إحسانات الجند:]
قال: ولعامة الأشياخ الكبار والصغار والوَقّافين والجند شيء آخر يفرقه السلطان عليهم يسمى المواساة وشيء آخر يسمى الإحسان. فأما المواساة فهي غَلَّة تفرق عليهم عند تحصيل الغلال التي تتحصل في المخازن، وأما الإحسان فمبلغ يفرق عليهم، وكلاهما من السنة إلى السنة.
قال: وهذه المواساة والإحسان ليست مضبوطة بقدر مخصوص بل على قدر ما يراه السلطان وبحسب أقدار الناس، وإنما هو شيء يجمل الجميع ويتفاوت مقدار العطايا بينهم.
قال: وأما القبائل ومزاويرهم فمما يناسب هذا ولكني لا أحزره.
قال ابن القويع: والجند الغرباء يتميزون في العطيات على الموحدين.
[وَظِيفة الوَقّافِين:]
وسألته عن حقيقة معنى الوقافين ما هم؟، فقال: هؤلاء لهم خاصية بالسلطان، يسكنون معه في القصبة - يعني القلعة - وهم طبقتان: وقافون كبار، ووقافون صغار، وهؤلاء كلهم يقفون بين يديه في أوقات جلوسه إذا جلس للناس، وهم بمنزلة الأمراء الخاصكية بمصر.
وقال لي القاضي ابو القاسم بن بنون: إن سلاطين إفريقية ليس يخلعون على من يولونه وظيفة مثل ما يعمل في مصر، وإنما إذا أرادوا أن يخلعوا على أحد لأمر ما يكسونه، والكسوة هو قماش يعطى للإنسان تفاصيل غير مفصلة يتصرف فيها كيف أراد.
[المُرتبات:]
وسألت الإمام أبا عبد الله بن القويع عن أرزاق القضاة والوزراء والكُتّاب فقال: ليست بطائلة. وأما وزير الجند فهو مثل واحد من الأشياخ. قال ابن بنون: ومبلغ ما
стр. 1229
لقاضي الجماعة فهو خمسة عشر دينارًا مسمى في كل شهر، وكان له معها عليق لبغلته فقطع العليق، وما أعرف غير هذا، وعلى هذا فقس.
[أهل الرتب:]
وسألت ابن القوبع عن أرباب الوظائف ما هم؟ فقال: شيخ الموحدين كأنه نائب، ويسمى الشيخ المعظم، وهو يتولى عرض الموحدين وأمورهم. وأما الوزير فليس له كثير أمر ولا وضع ولسائر الوظائف إلا الأسماء.
[إحصاء الجيش:]
قال أبو عبد الله بن القوبع: وعدة العسكر لعلها لا تبلغ عشرة آلاف فارس، وأما العرب أهل البادية فعدد جم، ولهم إقطاعات كثيرة، وشوكتهم قوية، ومنهم من يخرج مع السلطان إذا استدعاهم القائم بسلطنتها الآن، فأما قبله فقل ما كان يسكن شغَبهم أو يسكن أبيهم، لانتظام أمر هذا السلطان، وما طبع عليه من الشجاعة والاعتمادِهِ بالسلطان أبي الحسن المريني صاحب بر العدوة منذ تزوج بنته أبو الحسن (١) فثبت بنيانه، ونفذ سلطانه، وسيأتي من ذكره في موضعه ما فيه دلالة.
[لباس السلطان:]
وأما زي صاحب إفريقية القائم الآن في لبسه فهو: عمامة ليست بمفرطة في الكبر تحنك وعذبة صغير وحجاب، ولا يلبس هو ولا عامة أشياخه وجنده خفًا إلا في السفر، وغالب لبسه ولبس أكابر أشياخه من قماش يسمى (السفساري) يعمل عندهم من حرير وقطن أو حرير وصوف أما أبيض أو أحمر أو أخضر، وقماش يعرف بالحريري وهو صوف رفيع جدًا، وقماش يعرف بالتلمساني مما يعمل بتلمسان وهو نوعان: مختم وغير مختم، منها صوف خالص ومنها صوف وحرير.
وقال ابن بنون: والسلطان يمتاز بلبس الخز ولونه لون الخضرة والسواد، قال:
стр. 1230
وهذا اللون هو المسمى (بالجوزي) و (بالغبار) وبالنفطي.
قال ابن سعيد: وهو مما يخرج من البحر بصفاقس، وأنا رأيته كيف يخرج: يغوص الغواصون في البحر، فيخرجون كمائم شبيهة بالبصل بأعناق في أعلاها زُؤْبَرة فتنتشر في الشمس، فتنفتح تلك الكمائم الشبيهة بالبصل عن وبر، فيمشط ويخرج صفوه ويغزل ويعمل منه طعمة لقيام حرير، وينسج منه ثياب مختمة وغير مختمة، وهو أفخر ثياب السلطنة بتونس. ويبلغ ثمن الثوب مائتي دينار من دنانيرهم المسماة فيكون ثمنه ألف درهم من نقد مصر والشام.
قلت: ولقد رأيت هذا القماش على بعض أكابر الكتاب بدمشق، ثم رأيته على بعض سَفَلَةِ الكتاب بمصر وهذا المسمى بمصر والشام بوبر السمك.
[لباس أهل الرتب:]
وأما لباس الأشياخ، والدواوين، والوقافين، والجند، والقضاة، والوزراء، والكُتّاب، وعامة الناس، فعلى زي واحد، لا تكاد تتفاوت العمائم والجُباب، ولا يمتاز الأشياخ والوقافون والجند إلا بشيء واحد لا يكاد يظهر ولا يبين، وهو صغر العمائم وضيق القماش.
ولبس أهل افريقية من الجوخ ومن الثياب الصوف ومن الأكسية ومن الثياب القطن، فمن لبس غير هذا مما يجلب من طرائف الإسكندرية والعراق كان نادرًا شاذًا.
قلت: وقد ذكر ابن سعيد في المغرب جملة من ترتيب سلاطين إفريقية زمان سلطانها عبد الواحد بن أبي حفص (١) مما أذكره هنا؛ لأنه ليس بالعهد من قدم، والسلطان القائم الآن من أبناء ذلك السلطان، ولو تغيرت الأحوال ما تغيرت فهي ما زالت بالجملة، فلهذا نذكر ما ذكره ابن سعيد. قال وقد ذكر عبد الرحمن بن أبي حفص ما معناه: