فأعاد إليه أبيه أحمد وعمر ومربيته لاعب، وأما الخطايا فأبت له نفسه استردادهن. وهذه الواقعة من الأسباب في أخذ صاحب بر العدوة لتلمسان وسيأتي هذا في مكانه. وهذه فائدة جاءت عرضًا في هذا التأليف وإن لم تكن من شأنه.
ونعود إلى ما كنا فيه من ذكر قصص الظلمات.
[المكاتبات الرسمية:]
قال ابن سعيد: والذي يتولى إبلاغ الظلمات إلى هذا السلطان يسمى (صاحب الرقاعات) يأخذ براءات المتظلمين - أي قصصهم - ويعرضها ويخرج بجوابها.
قلت: وهذا بمثابة الدوادار (١).
قال ابن سعيد في المغرب: وقال العلامة أبو عبد الله محمد بن القوبع فيما حدثني به: إن هذا السلطان لايعلم على شيء يكتبه عنه وإنما يعلم عنه صاحب العلامة الكبرى.
قال ابن القوبع: في الغالب يكون صاحب العلامة الكبرى كاتب السر، وهذا في الأمور الكبار، والعلامة «الحمد لله والشكر لله»، وأما ما دون هذا فإنما تكون الكتابة فيه عن وزير الجند يكتب عليه صاحب العلامة الصغرى اسم وزير الجند (٢)، ومن خاصية كتب هذا السلطان أن تكتب في ورق أصفر، وأما ما يكتب عن وزير الجند ففي غير الأصفر، ومن عادة المغاربة كلهم أن لا تطول كتبهم ولا تبعد بين سطورهم كما جرت به العادة في مصر والشام وإيران.
стр. 1227
ترتيب الجند:
وسألت الإمام أبا عبد الله بن القويع عن طبقات الجند في هذه المملكة ومبلغ أرزاقهم في ديوانه فقال: هؤلاء على ما قدره لهم المهدي يعني مهديهم محمد بن تومرت، وهكذا كان عبد المؤمن وأبناؤه لما كان لهم المغرب، ليس لهم أمراء ولا أتباع يطلب بعدتهم كعدة الأمراء بمصر، وإنما لهم أشياخ من أعيانهم لاعدة لهم ولاجند، ولا المرء منهم إلا بنفسه، وإنما هم أعيان الجماعة ممن يحضر عند سلطانهم الرأي والمشورة.
قلت: وقد تقدم القول عليهم، قال: ولكل طائفة (مروار) وهو كبير لهم يتولى النظر في أحوالهم.
وأما الجند فهم من الموحدين والأندلسيين ومن قبائل العرب وقليل ممن هرب وأقام عندهم من مصر، والفرنج هم خاصة السلطان يقال لهم (العلوج) لا يُطمئن إلا إليهم.
[أرزاق الجند:]
وأما أرزاقهم فإن أعظم بركاتهم - يعني أرزاقهم - التي هي بمعنى الإقطاعات بمصر، وهو لجماعة الموحدين، والسلطان يأخذ معهم كواحد منهم سواء، وهذه البركات تفرق أربع مرات في كل سنة: في عيد الفطر تفرقة، وفي عيد الأضحى تفرقة، وفي ربيع الأول المبارك تفرقة، وفي رجب تفرقة، ولا يصيب كل واحد من الموحدين في كل تفرقة من هذه التفريقات الأربع إلا أربعين دينارًا مسماة فتكون بثلاثمائة درهم عتيقة، ولا كابر هؤلاء من هذه البركات أراض مطلقة تحرث وتزرع لهم أو تحكر ويكون لهم عشر ما يطلع منها.
[طبقات الجند:]
قال القاضي أبو القاسم بن بنون: طبقات الجند بإفريقية، أشياخ كبار، وأشياخ صغار، ثم الوقافون، ثم عامة الجند، فأما البركات فهي ما ذكر وأما مقدار ما لكل واحد فحرت عشرة أزواج بقرا. والزوج هو محرت أربع من البقر؛ لأن الزوج بشعبتين، والشعبة رأسان من البقر.
قلت: وهذه الشعبة هي المسامة في بلد دمشق بالفدان، فيكون جملة ما لكل واحد من أهل هذه الطبقة العالية في كل سنة مائة وعشرين دينارًا مسماة، عنها ألف ومائتا درهم مغربية، عنها من نقد مصر والشام ستمائة وخمسة وسبعون درهمًا،
стр. 1228
وما يتَحَصَّل من مثل عشرين فدانًا، لعله لا يكون بأكثر من مثلها، فيكون تقدير جملة مال لهذا الرجل الكبير في الدولة في كل سنة ألف وثلاثمائة وعشرة دراهم، وهذا بمنزلة أحد أمراء الألوف بمصر والشام والنوبين أمير التومان بإيران.
قال: وأما الأشياخ الصغار فلهم مع ذلك البركات لكل واحد مُحَرّث خمسة أزواج من البقر.
[إحسانات الجند:]
قال: ولعامة الأشياخ الكبار والصغار والوَقّافين والجند شيء آخر يفرقه السلطان عليهم يسمى المواساة وشيء آخر يسمى الإحسان. فأما المواساة فهي غَلَّة تفرق عليهم عند تحصيل الغلال التي تتحصل في المخازن، وأما الإحسان فمبلغ يفرق عليهم، وكلاهما من السنة إلى السنة.
قال: وهذه المواساة والإحسان ليست مضبوطة بقدر مخصوص بل على قدر ما يراه السلطان وبحسب أقدار الناس، وإنما هو شيء يجمل الجميع ويتفاوت مقدار العطايا بينهم.
قال: وأما القبائل ومزاويرهم فمما يناسب هذا ولكني لا أحزره.
قال ابن القويع: والجند الغرباء يتميزون في العطيات على الموحدين.
[وَظِيفة الوَقّافِين:]
وسألته عن حقيقة معنى الوقافين ما هم؟، فقال: هؤلاء لهم خاصية بالسلطان، يسكنون معه في القصبة - يعني القلعة - وهم طبقتان: وقافون كبار، ووقافون صغار، وهؤلاء كلهم يقفون بين يديه في أوقات جلوسه إذا جلس للناس، وهم بمنزلة الأمراء الخاصكية بمصر.
وقال لي القاضي ابو القاسم بن بنون: إن سلاطين إفريقية ليس يخلعون على من يولونه وظيفة مثل ما يعمل في مصر، وإنما إذا أرادوا أن يخلعوا على أحد لأمر ما يكسونه، والكسوة هو قماش يعطى للإنسان تفاصيل غير مفصلة يتصرف فيها كيف أراد.
[المُرتبات:]
وسألت الإمام أبا عبد الله بن القويع عن أرزاق القضاة والوزراء والكُتّاب فقال: ليست بطائلة. وأما وزير الجند فهو مثل واحد من الأشياخ. قال ابن بنون: ومبلغ ما
стр. 1229
لقاضي الجماعة فهو خمسة عشر دينارًا مسمى في كل شهر، وكان له معها عليق لبغلته فقطع العليق، وما أعرف غير هذا، وعلى هذا فقس.
[أهل الرتب:]
وسألت ابن القوبع عن أرباب الوظائف ما هم؟ فقال: شيخ الموحدين كأنه نائب، ويسمى الشيخ المعظم، وهو يتولى عرض الموحدين وأمورهم. وأما الوزير فليس له كثير أمر ولا وضع ولسائر الوظائف إلا الأسماء.
[إحصاء الجيش:]
قال أبو عبد الله بن القوبع: وعدة العسكر لعلها لا تبلغ عشرة آلاف فارس، وأما العرب أهل البادية فعدد جم، ولهم إقطاعات كثيرة، وشوكتهم قوية، ومنهم من يخرج مع السلطان إذا استدعاهم القائم بسلطنتها الآن، فأما قبله فقل ما كان يسكن شغَبهم أو يسكن أبيهم، لانتظام أمر هذا السلطان، وما طبع عليه من الشجاعة والاعتمادِهِ بالسلطان أبي الحسن المريني صاحب بر العدوة منذ تزوج بنته أبو الحسن (١) فثبت بنيانه، ونفذ سلطانه، وسيأتي من ذكره في موضعه ما فيه دلالة.
[لباس السلطان:]
وأما زي صاحب إفريقية القائم الآن في لبسه فهو: عمامة ليست بمفرطة في الكبر تحنك وعذبة صغير وحجاب، ولا يلبس هو ولا عامة أشياخه وجنده خفًا إلا في السفر، وغالب لبسه ولبس أكابر أشياخه من قماش يسمى (السفساري) يعمل عندهم من حرير وقطن أو حرير وصوف أما أبيض أو أحمر أو أخضر، وقماش يعرف بالحريري وهو صوف رفيع جدًا، وقماش يعرف بالتلمساني مما يعمل بتلمسان وهو نوعان: مختم وغير مختم، منها صوف خالص ومنها صوف وحرير.
وقال ابن بنون: والسلطان يمتاز بلبس الخز ولونه لون الخضرة والسواد، قال:
стр. 1230
وهذا اللون هو المسمى (بالجوزي) و (بالغبار) وبالنفطي.
قال ابن سعيد: وهو مما يخرج من البحر بصفاقس، وأنا رأيته كيف يخرج: يغوص الغواصون في البحر، فيخرجون كمائم شبيهة بالبصل بأعناق في أعلاها زُؤْبَرة فتنتشر في الشمس، فتنفتح تلك الكمائم الشبيهة بالبصل عن وبر، فيمشط ويخرج صفوه ويغزل ويعمل منه طعمة لقيام حرير، وينسج منه ثياب مختمة وغير مختمة، وهو أفخر ثياب السلطنة بتونس. ويبلغ ثمن الثوب مائتي دينار من دنانيرهم المسماة فيكون ثمنه ألف درهم من نقد مصر والشام.
قلت: ولقد رأيت هذا القماش على بعض أكابر الكتاب بدمشق، ثم رأيته على بعض سَفَلَةِ الكتاب بمصر وهذا المسمى بمصر والشام بوبر السمك.
[لباس أهل الرتب:]
وأما لباس الأشياخ، والدواوين، والوقافين، والجند، والقضاة، والوزراء، والكُتّاب، وعامة الناس، فعلى زي واحد، لا تكاد تتفاوت العمائم والجُباب، ولا يمتاز الأشياخ والوقافون والجند إلا بشيء واحد لا يكاد يظهر ولا يبين، وهو صغر العمائم وضيق القماش.
ولبس أهل افريقية من الجوخ ومن الثياب الصوف ومن الأكسية ومن الثياب القطن، فمن لبس غير هذا مما يجلب من طرائف الإسكندرية والعراق كان نادرًا شاذًا.
قلت: وقد ذكر ابن سعيد في المغرب جملة من ترتيب سلاطين إفريقية زمان سلطانها عبد الواحد بن أبي حفص (١) مما أذكره هنا؛ لأنه ليس بالعهد من قدم، والسلطان القائم الآن من أبناء ذلك السلطان، ولو تغيرت الأحوال ما تغيرت فهي ما زالت بالجملة، فلهذا نذكر ما ذكره ابن سعيد. قال وقد ذكر عبد الرحمن بن أبي حفص ما معناه:
стр. 1231
أنه كان يجلس في يوم السبت لمطالعة ما يقرأ عليه من قصص المتظلمين السائلين حتى من شكا إليه الغربة، سأل عنه فإن كان مشكور السيرة أطلق له الصداق وأجرى عليه رزقًا.
[لباس أبي زكرياء الأول]:
وذكر في ترجمة ولده أبي زكرياء بن عبد الواحد أنه يلبس الثياب الصوف الرفيعة ذوات الألوان البديعة، وأكثر ما يلبس المختم الممتزج من الحرير والصوف، وكماه طويلان من غير كثرة طول ضيقان من غير أن يكونا مزندين، ثيابه دون شد نطاق إلا أن يكون في الحرب فإنه يشد المنطقة، ويلبس الأقبية، وله طيلسان من صوف في غاية اللطافة كأنه شرب يتردى به ولا يضعه على رأسه، وله عمامة كبيرة من صوف أو كتان وفيها طراز من حرير، ولا يعمم أحد من أهل دولته على قدرها في الكبر، قد اختصت به وبأقاربه، وليس له أخفاف في الحاضرة، ولكنه يلبسها في السفر، وله عذبة خلف أذنه اليسرى، وهذه العذبة مخصوصة به.
[أجناس الجند]:
وجنده مختلفو الأجناس: فمنهم الموحدون الذين أسسوا له الدولة، يعني من أصحاب مهديهم ابن تومرت.
قال: ومن قبائل (زناتة) المنضافين إليهم أصناف مشهورون بالفروسية، وجموع من (الُغزِ) القدماء الذين هاجروا إلى المغرب في مدة بني عبد المؤمن (١)، ونحو ألف فارس من المماليك الأتراك أتبعوا من مصر، وجميع الجموع من الأندلس والغرب.
[هيأة الملك الرسمية]:
وقاعدته في مدينة مملكته - يعني تونس - أنه يخرج باكرًا كل يوم إلى موضع يعرف بالمدرسة، ويبعث خادمًا صغيرًا يستدعي وزير الجند من موضعه المعين له، فيدخل عليه رافعًا صوته بسلام عليكم من بعد، من غير أن يومئء برأسه، ولا يقوم له السلطان،
стр. 1232
ويجلس بين يديه، ويسأله السلطان عما يتعلق بأمور الجند والحروب، ثم يأمره باستدعاء من يريده من أشياخ الجند أو العرب أو من له تعلق بوزير الجند، ثم يأمر باستدعاء وزير المال - وهو المعروف بصاحب الأشغال - فيأتي معه ويُسلمَان جميعًا من بعد على السلطان وإن كان قد تقدم سلام وزير الجند ولكنه عادة الدخول إليه، فيتقدم وزير المال إلى بين يدي السلطان، ويتأخر وزير الجند إلى مكان لا يسمع فيه حديثهما، ثم يخرج وزير المال ويستدعي من يتعلق به، ثم يحضر صاحب الطعام بطعام الجند ويعرضه على وزيرهم لئلا يكون فيه تقصير، ثم يقوم السلطان من المدرسة إلى موضع مخصوص، ويستدعي وزير الفضل - يعني كاتب السر - ويسأله عن الكتب الواردة من البلاد، وعما تحتاج إليه خزانة الكتب (١) وعما تجدد في الحضرة وفي البلاد مما يتعلق بأرباب العلم وسائر فنون الفضل والقضاة (٢)، ويأمره باستدعاء من يخصه من الكتاب،
стр. 1233
ويملي عليهم وزير الفضل ما أمر بكتابته ويعلم عليه وزير الفضل بخطه، والعلامة هي أن يكتب بعد «بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله» اسم السلطان. وفي ذلك المجلس يستدعي السلطان من شاء من العلماء والفضلاء ويتحاضرون محاضرة خفيفة، وإن كان وزير الفضل قد رفع قصيدة لشاعر وافد أو مرتب في معنى استجد، أمر السلطان بقراءتها عليه إن لم يأمر بحضور الشاعر فينشدها قائما أو قاعدا على ما يؤهل له، ويتكلم السلطان مع وزير الفضل ومن يحضر في ذلك ويوقع على كل قصيدة بما يراه (١).
قال ابن سعيد: وقواعد الشعراء أن ينشدوا بين يديه في الأعياد والخروج إلى الأسفار أو القدوم منها.
قلت: ومواضع مما ذكره ابن سعيد قد تقدم شيء منها، وإنما ذكرناه هنا لاتصاله شيئا بشيء، وليؤكد بعضه بعضا، وليعلم في بعض ما بينهما مقدار التفاوت مما تغير مع قرب الزمان، واقتفاء الولد آثار الوالد، وكيف يكون مقدار التفاوت في ما تغير بدخول دول الأعداء بعد الأعداء وبعد الزمان.
[لطف أهل إفريقية:]
قلت: وهؤلاء ملوك الموحدين لم يزالوا منذ ملكوا ممدوحين، تصغى إلى المديح مسامعهم، وتهتز به أنديتهم ومجامعهم، ومنهم من له النظم الفائق، والنثر الفائق.
ولأهل إفريقية لطف أخلاق وشمائل بالنسبة إلى أهل بر العدوة وسائر بلاد المغرب، وما ذاك إلا بمجاورتهم لمصر وقربهم من أهلها ومخالطتهم لهم ولمن سكنها
стр. 1234
من أهل أشبيلية، وهم من هم! خفةُ روح، وحلاوةٌ نادرة، وهم على كل حال أهل انطباع، وكرمِ طباع، وسأذكرُ لهم عنوان قولهم.
[البريد الحفصي:]
وأما اتصالُ الأخبار بين السلطان ونوابه، فإنه إذا كتب الكتابَ يجهزُ مع من يقع الاختيارُ على تجهيزه من نوعِ النقباء والوصفان، وهم عبيدُ السلطان، ويركبُ ذلك المجهزُ على بغلٍ إما أن يكونَ له ملكًا أو يستعيره من اصحابه، ويسافرُ عليه إلى الجهة المجهزةِ لها، فإذا عيَّ بغله في مكانٍ تركه عند الوالي بذلك المكانِ وأخذ منه بغلًا عوضه يعيره الوالي له أو يسخرهُ من الرعايا لركوبه إلى أن يبلغَ جهة قصده إلى أن يعود. ووالي المدينةِ هو المسمى عندهم بالحافظِ والمحتسب بها، فإذا تجددَ عندهم أمرٌ أعلموا به وزيرَ الجند.
[وصف سبخة الجريد:]
ومن عجائبِ افريقية ما حدثني به القاضي أبو الروحِ عيسى الزواوي وأبو عبد الله السلالجي قالا: إنَّ بين توزر قاعدةَ بلادِ الجريد وبين بشرى من بلادِ نفزاوة سبخة (١) عظيمةٌ آخذةٌ في الجنوبِ إلى الصحراءِ المجهولةِ المسالكِ، وفي وسطِ هذه السبخةِ مع طرفها الشمالي طريقٌ سالمٌ للمارةِ يسلكها من يطلبُ السرعةَ لقربِ مداها مع المخاطرةِ في سلوكها لأنها طريقٌ قليلةُ العرضِ ضربها الله طريقًا يبسًا في وسطِ تلك السبخةِ، من
стр. 1235
خرجت رجله عنها ولو قيد شبر واحد نزلت قدمه وهوى في تلك السبخة وغاص فيها إلى أن يذهب فلا يبين له أثر ولا يعرف له خبر، ورفيقه إلى جانبه يراه وهو نازل ولا يقدر أن ينفعه ولا يمد يده إليه خوفًا أن يغوص معه، وهي مهلك عظيم، سباخ من ملح لآماء فيه، كم خرج فيها عن تلك الجادة إنسان وفرس وجمل فهلك؟! وعلى جنبتي هذه الطريق أعلام منصوبة من الخشب يمنة ويسرة والطريق بينهما، ولولاها لهلكت المارة من الجهال بها.
قال السلالجي: وسمعت أن هذه الأعلام نصبها هناك أبو إبراهيم إسحاق بن غانية الميورقي الثائر على الموحدين بإفريقية (١).
وقال لي الزواوي: وفي هذه الطريق ضرر آخر على السفار، وهو أنه أي من وضع إناء ماء حلو على الأرض صار مرآةً ذعافًا لوقته وساعته، وإنما إذا احتاج المسافر في تلك الطريق أن يضع إناءه يعمل تحته شيئًا يحول بينه وبين الأرض، قال: وطول هذه المسافة أكثر من نصف نهار، مقداره من الطريق الأخرى السالكة في العمران يوم وليلة.
قال الزواوي: وفي وسط هذه الطريق الآخذة في السبخة فرجة يستريح فيها بالقعود السفار. قال: وأنا سلكتها ورأيت هذا كله فيها بالمشاهدة والعيان.
قال السلالجي: نحن جئنا على أطراف هذه السبخة ولم ندخلها خوفًا منها.
وقال الزواوي: والمشهور بين أهل تلك البلاد كلها أن الصحراء التي في جنوب هذه السبخة ما سلكت ولا تسلك ولا يقدر أحد على سلوكها.
وحكي لي السلالجي: أن أهل الجريد يتحدثون فيما بينهم أن رفقة كبيرة وقع أهلها في هذه السبخة فلم يطلع منهم أحد ولاعاد منهم ولا عنهم مخبر.
قال أبو عبد الله السلالجي: ووقفت في تونس على شرح القصيدة الشقراطيسية الشهيرة البديعة وتخميسها وشارحها القاضي الإمام أبو عبد الله محمد بن علي التوزري المصري، ورأيته قد تكلّم في أوائلها عند ذكر ناظم هذه القصيدة وتعرّضه لموطنه ومسقط رأسه، وهي شقراطيس، وهي في غالب ظني - على ما ذكر - من إقليم الجريد.
ثم أخرّ كلامه إلى ذكر توزر ومدحها وأثنى عليها، وذكر هذه السبخة والصحراء التي تليها، وقال: إن مدينة النحاس بما ممايلي هذه السبخة.
стр. 1236
قال السلَالَجيّ: وقفت على أوّل مجلدة من هذا الشرح، وهو يكون في أربع مجلدات كبارًا بمدينة تونس استعرته من بعض فضلاء أهل توزر لمطالعته. وشارح هذه القصيدة ناقل هذه الحكاية أيضًا، وهو مشهور ثقة مأمون معروف من أهل العلم المشاركين في كلّ علم، وله تصانيف كثيرة في الفقه والأدب. قلتُ: وهذه القصيدة الشقراطيسية في المديح الشريف النبويّ - زاده الله شرفًا - وأوّلها: [من البسيط]
الحمدُ لله منا باعث الرسلِ … هَدَى بِأَحمدَ منا أحمدُ السُّبلِ
* * *
стр. 1237
الباب الثالث عشر: في مملكة برّ العدوة
هو الآن مجموع لسلطان واحد وفيه ثلاث ممالك: فاس وهي أعظمها، ومملكة تلمسان، ومملكة سبتة مع ما أضيف إليه من الأندلس على ما يأتي ذكره. وبلاد بر العدوة بلاد خصيبة ذات زرع وفواكه.
قال ابن سعيد: وبرّ العدوة في الثالث والرابع، ثم قال: والإقليم الثالث صاحب سفك الدماء والحسد والحقد والغل وما يتبع ذلك.
ثم قال، وأنا أقول: والإقليم الثالث وإن كثر فيه الأحكام المريّخية على زعمهم، فإنّ للمغرب الأقصى من ذلك الحظ الوافر ولاسيما في جهة سوس وجبال درن فما قَتَلَ الإنسان عندهم إلاّ كعصفور، وكم قُتِل قتيل على كلمة، وبالقتل يفتخرون.
ثم قال ابن سعيد: وأنا أقول: إنّ الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط والمخافقة وقلّة التغاضي والتهوّر والمفاتنة، وليس البخل إلاّ في أرادلهم، وفي كثير من أغنيائهم سماحة مفرطة ومفاخرة بإطعام الطعام والاعتناء بالمؤمّل والقاصد، ولكن الأوقاف عندهم على عِظَمِهِ سَلْطَنَةُ بني عبد المؤمن والمرابطين قبلهم قليلة لا يَقُولُونَ بها ولا يرون الصدقة على صحيح سويّ ولا بنيان المدارس، وقد بنى المتأخرون بها ما قلّ.
قال أبو عبد الله محمد بن محمد السلالجيّ: إنّ بمدينة فاس أربع مدارس وخانقاه واحدة.
قلت: وكان الأليق بهمة أهل تلك الممالك مع أصالتهم في الدين وتمسكهم بسببه المتين لو عمّروا المدارس لنشر العلم ويتوفّرُ الطالب على النفقة ولا تنقسم أفكاره وتتشعب في طلب المعاش والإكتساب، فيقلّ تحصيلهم.
وأقول: فالأمر - على ما ذكره ابن سعيد - الآن في قلّة الأوقاف والمدارس عندهم، وفي جمهورهم البخل، وسوء الخلق إلاّ الرؤساء، فإنّ الرئيس في كلّ أفق مطبوع على الرئاسة أو منطبع بها له أتباع يحتاج يبسط لهم خلقه ويده، وأن لا يتجنبه من لا يعرفه، وينفر عنه من يعرفه.
وقال ابن سعيد: والمغرب الأقصى قليل الصواعق والزلازل.
قلت: ومكان السلطان من برّ العدوة هو بفاس الجديدة المسماة بالبيضاء
стр. 1238
وتسمى القصر، وهو عالي البناء بزيادة رفعة على نشز ولا ربوة، وتُسمّى ذو قبابٍ عليةٍ ضخمة لآئقة بالملوك، وغُرف مرتفعة، ورفارف علوية ومجالس سلطانية، وبداخله القبةُ المعروفة بقُبة الرضا، وهي قُبة عظيمة الارتفاع خارقة الاتساع وقدّامها بركة ممتدّة بها مركب لاتساعها وكبرها وخلفها بركة أخرى مثلها بها مركب آخر لاتساعها وكبرها ومساحة المركبين واحدة والقُبة العظمى بينهما.
وفي نهاية كل بركة قبة لطيفة المقدار، وفي جميع جُدر القباب شبابيك مطلة والبستان حافّ بالجميع، وهو بستان جليل منوع بصنوف الأشجار والغراس على اختلافها.
ويجري الماء إلى قصر السلطان من مكان يُعرف بأساليس على بعد نصف نهار أو أقل مرفوعًا في قناةٍ على قناطر مبنيةٍ إليها، واصطبلاته إلى جوانب قصره.
لا يسكن معه في قصوره إلاّ حريمه وفتيانه وهم الخدم الخصيان، ويبيت حوله في ظاهر قصره طائفة من الفرنج، وأُناس يعرفون بالعدويين بمنزلة النقباء ووصْفان السلطان والبوابين، ولا ينازله في قصره أحد من الأشياخ ولامن الجند ولا الغرباء، ومرجع ملوك بني مرين سلاطين بر العدوة في زناتة، وكذلك مرجع بني عبد الواد سلاطين تلمسان.
فأما بنو مرين فمُلوكهم في بني عبد الحق، ومن قبائلهم، بنو عسكر، وبنو وطاس، وبنو أتكسن، وبنو يابان، وبنو أتنالفت، وبنو بزنت، وبنو برليان.
وأما أتباعهم فهم الحسم، وبنو فودود مع ما ينضاف إلى هؤلاء من الأفراد الأنجاد ممن له فروسية وشجاعة، وهم كثير جدًا فيدخلون في سلك وصفان السلطان، أو وصفان أشياخ هذه القبائل المذكورة، وهم بنو مرين غير هؤلاء الأفراد الذين كانوا مع بني عبد الواد مغراوة، وهم أفخاذ كثيرة، وبنو راشد، وبنو يوجين، وبنو مليكس، وبنو سدويكش.
ومن بني يوجين بنو عبد القوي، ومن بني عبد القوي من كان قد تقلب ومَلك حتى قهرهم بنو عبد الواد وملكوا عليهم واتخذوهم أعوانًا، وقد صار هذا الكلّ لهذا السلطان جُندًا مع من كان معه من قبائله، ومن جملة عساكره قبائل من العرب كثيرة منهم بنو حسان، والعاصم، وبنو جابر، والحلوط، ورباح، وسويد، والشّبانات، وبنو عامر، وبنو سالم وغيرهم، وله في عسكره من الغُزّ مقدار ألف وخمسمائة فارس، ومن الفرنج مقدار أربعة آلاف فارس أو أزيد، وهم يركبون خاصة خلف ظهره، وله علوج مماليكه مسلمون مقدار خمسمائة فارس فرسان رماة، ومن الجند رماة، وهم الأندلسيون يرمون بقوس الرجل أزيد من ألفي فارس وطائفة كبيرة يقال لهم الوصفان
стр. 1239
خاصّون بالسلطان يسكنون حواليه، وينزلون في السفر إلى جوانب محلّته دائرين في جملة نواحيه، يقال لهم أهل الدوار، وكل جيوشه فرسان أبطال نقاوة لايطاق هياج أسدهم، ومصالته سيوفهم.
قال لي أقضى القضاة أبو الروح عيسى الزواوي (١): إن بعض أبطال الغرب قال:
إنه إذا كان منا مائة ولاقاهم زناتي واحد هربوا قدامه ولم يتجاسروا على إقدامه وملاقاته.
قال، وقال لي: إذا جاء الزناتي مغيرًا فلايعتقد أن أحدًا يهجم عليه، وأما إذا طمع وأخذ الأخذة وولّى فربما ينال منه غرض.
وقال لي شيخنا حجة الأدب ولسان العرب أثير الدين أبو حيان: إنَّ بني مرين يعدّ منهم كل فارس شجاع مثل عنترة وأمثاله.
قال لي السلايجي: مثل أولاد أدريس، عامر، وحسين، ومحمد، ومثل ريان بن أبي يعلى، وعامر بن عبد الله، وعبد الحق بن كندون، وعبد الحق بن عثمان، وأبي رزين ثابت بن أحية، وهما اللذان قتلا مع أبي تاشفين عبد الرحمن العبد الوادي حين دخلت عليه تلمسان، ومثل عثمان بن أبي العلاء وأولاده وبني عمه أولاد سوط النساء ومنيف المغراوي الباقي في قيد الحياة الآن، وغيرهم من المشاهير.
قال، ويقال: إن كل واحد من هؤلاء يعدّ بخمسمائة فارس، وقد صورهم الفرنج عندهم في كنائسهم لعظم ما لاقوا به.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد العقيلي: إن أبا يعقوب أراد إنهاد ألف فارس لجهة من جهة أعدائه، فعيّنت خمسمائة فارس، فقيل له: وأين تكملة الألف؟، فقال يوسف بن محمد بن أبي عباد بن عبد الحق: تقوم مقام الخمسمائة الأخرى، فكان كذلك.
стр. 1240
قال: ولقد خالف هذا يوسف بن محمد علي بن أبي ثابت بمراكش، وخرج في نحو أحد عشر فارسًا ثم حمل بمفرده على سبعمائة فارس من الهساكرة ففرقها.
قال: ومن هؤلاء يعيش بن يعقوب بن عبد الحق تعرَّض له مرة نحو خمسمائة فارس وهو مرتحل بأهله وعياله من بلاد هسكورية إلى مراكش، فلما رأى عياله خداق الفرسان دهشوا، فقال لهم: ما عليكم سيروا أنتم، ثم إنه دفع فيهم ففرق جمعهم ونجا بجميع أهله وما معه.
وقد كان أول خروجهم جهلةً لا تخطم أنوفهم حتى قال رجل منهم اسمه أبو عامر عبد الله _ المعروف بالعجب _: ما أسفي إلا كوني لم أكن في زمان علي بن أبي طالب حتى ألقاه. وعلى هذا فقس ما كان في رجال هؤلاء القوم من الشجاعة والجهل.
قال السلالجي: وهم على شجاعتهم وأزيد، وأما جهلهم فزال من أكثرهم لسكنهم بالحاضرة ومداخلتهم الناس.
قال: ولا تعد للكثرة فرسانهم ولا تحصى في الأبطال وقائعهم.
قال: وهذا عثمان بن أبي العلاء وسيف المغراوي، وعبد الرحمن بن يعقوب وأخوه الوطاسيين لم يزالوا في الأندلس تشد على الفرنج حملاتهم، وتعد على قلتهم في كثرتهم فتكأتهم.
قال: ولقد أنشأ هذا السلطان من فرسان هذا الزمان ورجالات الدهر من أحمل كل مذكور، وغلب على كل مشهور مع ما هم عليه من العلم والتقى لا يقدر أحد منهم لمهابته على ارتضاع كأس وإهمال صلاة يناقشهم على هذا ويؤاخذهم به حتى إذا كانوا في السفر وأذّن المؤذنون نزل ونزلوا حتى تقام الصلاة ويصلون جماعة.
وحدثني أبو عبد الله محمد بن محمد السلالجي: أنَّ هذه المملكة طولها يوم أو أزيد، وعرضها ثلاثون يومًا بالسير المعتاد، وطولها من جزائر بني مرغانة، وهي بلد حسنة على ساحل البحر الشامي، واقفة قبالة جزيرة ميورقة بانحراف يسير، وبعدها عن بجاية ستة أيام إلى البحر المحيط، وعرضها من ساحل الزقاق من سبتة إلى نهاية بلاد البربر المتصلة بالصحراء الكبيرة الفاصلة بين بر العدوة وبين بلاد السودان لم يخرج عن مملكة هذا السلطان من بر العدوة الأندلس وأعمالها.
خرج سلطان بر العدوة _ الآن _ عنها للموحدين أصحاب إفريقية، وهبها إحسانًا منه لكونها كانت قديمًا لهم وانتزعها بنو عبد الواد أصحاب تلمسان منهم.
وحدَّ هذه المملكة من الجنوب الصحراء الكبيرة الآخذة طولًا من بلاد البربر إلى
стр. 1241
جنوب إفريقية، ومن الشرق جزائر بني فرغانة وما هو آخذ على حدها إلى الصحراء الكبيرة، ومن الشمال البحر الشامي، ومن الغرب المحيط.
وقاعدة الملك بها مدينة فاس ثم مراكش وهي التي كانت قديمًا في زمان بني عبد المؤمن قاعدة الملك العظمى، فلما انتقل الملك إلى بني مرين وتحلى جيده بعقدهم الثمين أبوا ألا يتخذوا لهم مدينة فاس دار ملك فاستوطنوها وبنوا معها ثلاث مدن موازية لها على ضفة الوادي المعروف بوادي الجوهر غربًا بقبلة فأولها المدينة البيضاء وتعرف بالبلد الجديد، بناها أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق. وهو أول من استقل بالملك بعد الموحدين؛ لأنّ أخاه يحيى أبا بكر ثار عليهم ومات واستقل له سلطان، ولا استقر له من عز الملك أوطان.
ثم مدينة حمص، ويعرف موضعها بالملاح بناها ولده أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف - والد سلطانها القائم الآن - بناها إلى جانب البيضاء، وربض النصارى المتخذ لسكنى الطائفة الفرنجية المختصة بخدمة السلطان، ويطلق على هذه الثلاث المتخذات اسم فاس الجديدة.
وهذه المتخذات كلها على ضفة الوادي الغربية على ترتيب ما نذكره، فربض النصارى يقع قبالة فاس القديمة على بعد من ضفة الوادي من غير مسامتة ولا بر.
والبيضاء وهي المسماة بفاس الجديدة آخذ [ة] من شمالي ربض النصارى إلى ضفة النهر، ويقع أول عمارة فارس الجديدة قبالة آخر عمالة فاس العتيقة. وحمص راكبة على النهر بشمالي على جانب فاس الجديدة آخذة إلى ربض النصارى عقد على الوادي قناطر، وبنيت حمص على ضفته، وهي فوق الجميع؛ لأن الوادي منها ينحدر على ما بينته وهو أن هذا النهر ينصب من الجنوب إلى الشمال ثم ينعطف على زاوية آخذًا من الغرب إلى الشرق كأنه ينحدر من الغرب، وحمص على مجراه هناك ثم يمر آخذًا إلى الشرق على حاله فوق فاس الجديدة، ثم ينعطف عليها زاوية إلى الجنوب، ثم ينعطف إلى الشرق جائزًا بها. وهناك فاس العتيقة على الضفة الشمالية والقصبة بها في غريبها مرجلة على الأرض لا تتميز على المدينة برفعة ولاببناء عال. وتلك المتخذات كلها على الضفة الغربية، ويبقى النهر مستديرًا بفاس الجديدة من جانبي الشمال على المجرى المركب عليه حمص. ومن الشرق حيث انعطف النهر حيث فاس العتيقة.
وهذا الوادي هو متوسط المقدار يكون عرضه في المكان المتسع قريب أربعين ذراعًا، وفي المضايق دون هذا، وربما تضايق إلى خمسة عشر ذراعًا، وأقل من ذلك وعمقه في الغالب يقارب قامة رجل وعليه الناعورة المشهورة برفع الماء إلى بستان
стр. 1242
السّلطان المعروف بالمصارة، وهو بستان جليل، له فيه قصر جليل جميل. وهذا البستان خارج المدينة الجديدة، وهذه الناعورة مشهورة الذكر يضرب بها المثل، ويتحدّث بها الرفاق. وفاس العتيقة ذات عيون جارية، يقال: إنّ فيها أربعمائة عين سارحة.
قال الإمام أبو عبد الله العقيلي: إنّها ثلاثمائة وستون عينًا معدودة، والماء مسلّط على دياراتها ومساكنها، وأمّا المتّخذات فإنّها على علوّ لا على عيون بها ولا يحكم الوادي عليها وجميع أرض فاس العتيقة مجبلة غير مستوية، وأمّا المتّخذات فمستوية، وعلى كلّ من عتيقها وجديدها أسوار دائرة محصّنة ذوات بروج وبدنات وجميع أبنيتها من الحجر والآجر والكلْس موثّقة البناء، ومشيّدة الأركان.
وتزيد فاس الجديدة على فاس العتيقة في الحصانة والمنعة، والعتيقة بسور واحد من الحجارة، والجديدة بسورين من الطّين المفرّغ بالقالب من التراب والرمل، والكلْس المضروب، وهو أشدّ من الحجر ولا تعمل فيه المنجانيق ولا تؤثّر فيه. ويلي القصبة القديمة مخازن الغلال داخلها المطامير، وهي مجموعة في مكان واحد يستديرها سور منيع عليه باب وغلَق، ويسمّى هذا الموضع بالمرْس القديم، وأبنية فاس ومتّخذاتها جميعها جليلة مفخّمة وإنْ كانت لا تلحق بمراكش فيما كانت عليه من عظمة مبانيها وفخامة مغانيها، وهو باق منه دليل على ما كان - وسيأتي ذكرها في موضعه -.
وبفاس العتيقة داخل سورها جنائن ورياض ذوات أشجار ورياحين في دار الكبراء، وبيوت الأعيان، وبها أرجاء كثيرة دائرة على الماء.
قال السلّالجي: تقارب أربعمائة رحى، وبكلّ من فاس القديمة، وفاس المجدّدة المسماة بالبيضاء وحمص الجوامع والمساجد والمآذن والحمّامات والأسواق، فأمّا المدارس والخوانق والرّبط، فمما خلت صحائف حسنات أهل المغرب من أجودها إلا النزر اليسير جدًّا.
وبفاس العتيقة مارستان، وعمائر العتيقة - كما قدمنا القول فيه - بالآجر، فأما المتخذات فغالها بالقالب من نسبة أسوارها، وسقوفها بالأخشاب، وربّما قرنصت بعض السقوف بالقصدير والأصباع الملوّنة وتفرش بالرخام دياراتهم وبالزّليج، وهو نوع من الآجر كالقاشاني بأنواع الألوان، وغالبه بالأزرق الكحلي، ومنهم من يتّخذ منه وزرّات لحيطان الدور. وأمّا دور هؤلاء فتفرش بآجر يسمّى المزهري.
ولأهل فاس ولع ببناء القبّاب فلاتخلو دار كبير في الغالب من قبّتين أو ازيد. وصورة تفسير أبنية دورهم مجالس متقابلة على عمد من حجر أو آجر ورفارف مطلّة
стр. 1243
على صحن الدار، وقدامها ظفَافِير يجري إليها الماء، ثمّ يخرج إلى بركة في وسط الصّحن، ويسمّى البركة عندهم صهريجًا.
وغالب أعيانهم يعملون لهم حمامات في بيوتهم أنفةً من الدّخول مع عامّة النّاس؛ لأنّ حماماتهم صحن واحد لا خلوة فيها تستر بعض الناس من بعض. ولهم تأنّق في البناء، وهم لا تقصير بهم عن الغاية فيه.
قلتُ: وثمّ فائدةٌ لابنها بذكرها والتنبيه عليها: ذكرها ابن سعيد في المغرب:
وهي أنّ فاسًا القديمة هي أيضًا مدينتان أقدمهما المعروفة بمدينة الأندلسيين بنيت في زمان إدريس بن عبد الله الحسني (١) - أحد خلفاء المغرب - ثمّ المعروفة بمدينة القرويين بنيت بعدها.
قلت: وهاتان المدينتان هما المعبر عنهما - الآن - بفاس العتيقة فجملة فاس الآن ما بذكر مدينة الأندلسيين ومدينة القرويين ومدينة البيضاء، ومدينة حمص وربض النصارى والقصبة والذي يُطلق على الجميع فاس القديمة، ولجميع الأندلسيين والقرويين وفاس الجديدة، ولجميع البقية وهي البيضاء وحمص والربض ويطلق على الجميع اسم فاس.
وقد ذكر ابن سعيد: أنها إنما سميت [بفاس]؛ لأنهم لما شرعوا في بناء أساسها وجدوا فأسأ فسمُّوها به.
стр. 1244
وذكر ابن سعيد فأسَا، فقال: هي متوسطة بين مدن الغرب - يعني الداخلة من مراكش - وسبتة وسجلماسة وتلمسان عشرة أيام.
قلت: ولتوسطها صلحت أن تكون قاعدة الملك ليقرب الملك من جميع نواحيه.
قال ابن سعيد: ولها جنات كثيرة وزروع وضرع وخيرات وعلى نهرها الأعظم الغربي نحو ثلاثة آلاف رحى. وعلى حافته القرى والضياع والمدن الجليلة، وهي تشبه بدمشق وبغرناطة والجبال تكتنفها وهي ممتدة بنفسها.
ونهرها يلاقي نهر وادى سيو، وهو من أعظم أنهار المغرب يصب في المحيط بين سلا وقصر عبد الكريم، وفوهته هناك متسعة، وأمواجه مضطربة، وهي أكثر مياهًا من دمشق ومن غرناطة.
قال ابن سعيد: ولم أر قط حمامات في داخلها عين تنبع إلا بها، وأثنى الشريف الإدريسي في أخباره على مالكها ومأكلها ومطاعمها، ولأهلها اليد الطولى في صناعة المخروطات من الخشب والنحاس، وهي تشبه بدمشق في البساتين وأهلها يُشَبّهون بأهل إسكندرية في المحافظة على علوم الشريعة وتغيير المنكر والقيام بالناموس. وفي عامتها الزعارة والمفاخرة بالقتل، وبه بستان ابن خلدن يشقه نهر فاس.
قال ابن سعيد: وما رأى أحد ما أنفق فيه من الأموال بين بنيان ونجاد وزخرفة وغرس.
ثم قال: وفي فاس وظاهر من هذه الإيوان ما يفوق به غيرها من البلدان، وقد قال ابن منقذ - رسول الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - إلى المنصور بن عبد المؤمن - رحمهما الله - في رسالته المغربية: ولقد أخرجوني إلى بستان يقال له: البحيرة أتفرج فيه ضمانه خمسة وأربعون ألف دينار، وفيه دكة دعت كل جانب منها مائتان وستة عشر ذراعًا بالمرفق، ويكون دور البركة ثمانمائة ذراع وأربعة وستين ذراعًا، وعندهم ما هو أكبر من ذلك.
والذي حكى لي السلالجي: أنَّ أكثر عمائر المتنزهات في البساتين بها خفيفة الآن لا مبالغة لها ولا كلفة فيها.
وقال: أما قول ابن سعيد: إن على ضفة النهر ثلاثة آلاف رحى لا حقيقة لها ولا بعضها إلا ما تقدم ذكره.
стр. 1245
وفاس وخيمة البقعة ثقيلة الماء، يعلو وجوه سكانها صفرة، ويُحدث لأجسادهم كسلًا وفتْرة.
وقواعد الملك بهذه المملكة ثلاثة وهي: فاس وهي قاعدة الملك الثالثة، فأما سبتة فإنا وإن ذكرناها مملكة، وصدرنا بها في هذا الفصل بالممالك، فإنها ليست لملوك بني مرين بقاعدة ولا ينظر إليها عندهم بعين الإحتفال، وأما كوننا ذكرنا ــ هنا ــ مراكش، ولم نذكر [ها] في صدر هذا الفصل في الممالك؛ فلأنها وفاس ذات مملكة واحدة، وإنما التقدمة اليوم لفاس فلم يبق لذكرها معنى، وأما ذكرها هنا فلأنها ملحوظة عند ملوكها يعدونها بعد فاس.
وأما تلمسان فمملكة تمادى الأمر عليها، وهي مستقلة بنفسها وقد استصفاها هذا السلطان إليه فصارت له قاعدة ثالثة.
وأما المدن الكبار بهذه المملكة فهي اثنتان وأربعون مدينة القائم فيها هذا السلطان عن آبائه ست وعشرون مدينة وهي: فاس، ومراكش، وأغمات، وآسفي، وأنفا، وآزمور، وتيط، وسلا، وأزيلا، والعرايش، وطنجة، والقصر الصغير، وسبتة وبادس، وتيجيساس، وعصابة ــ وهي المسماة باللدية البيضاء ــ وقصر ابن عبد الكريم، وتازا، وصا، وسجلماسة، وتكارين، ومليلة، والمزّمة، وتازوطة، ومكناسة.
والمستجد لهذا السلطان عند فتحه بسيفه لمدينة تلمسان وقتل ملكها أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو العبد الوادي، فهو تسع عشرة مدينة هي: تلمسان، ووجدة، ومديونة، وندرومة، وهنين، ووهران، وتيمزغران، وبرشك، وشرشال، وتتونت، ومستغانم، وتنس والجزائر، والقصيبات، ومازونة، وتاحيجمت، ومليانة، والمدية.
وأما صفروي ــ وهي مما ورثه عن أبيه ــ فهي قرية كبيرة لا مدينة، وكذا الطحا وتيمز وعوت مما فتحه فمن عدها في المدن جعل جملة العدّة خمسة وأربعين مدينة وإلا فالصحيح ما بيناه.
هذا ما تملكه هذا السلطان مما على جنوب البحر الشامي من أول مخرج بحر الزقاق المحيط إلى آخر عمالة جزائر بني مزغانه مع طول البحر وما يليه في الجنوب إلى الصحراء الكبيرة، وله بالأندلس الجزيرة الخضراء ورندة ومرباطه وما فتحه بجيوشه المجهزة بها، فهو بلد طريف وجبل الفتح، فتكون جملة المدن الكبار المنتظمة في مملكته ثمانية وأربعين مدينة، بمالها من المعاملات والرساتيق والقرى والضياع والقلاع والحصون والبوادي، كل هذا بيد سلطانها القائم الآن يتصرف تصرُّف الاستقلال فيه.
стр. 1246
ولولا جيوشه مع الله تعالى لما بقيت، وقد كان على ملكها للفرنج في كل سنة أربعون ألف دينار، فمدَّ آجال بالأندلس خيله قطع تلك القطيعة، وأنعش بها رمق الإسلام.
فأما إفريقية فقد نبهنا فيها على أنه لولا إنجاد هذا السلطان لصاحبه على بني عبد الودود وعلى ذعار العرب، وثوار أهل بيته لما ثبتت له قدم، وقد ذكرنا أنه أعاد عليهم مدينة تدلس وبلادها. وكان قد أخذها بنو عبد الواد منهم.
وحدثني غير واحد من أهل إفريقية: أن صاحبه ما بعث بنته إلى السلطان ابي الحسن المريني - صاحب بَرَّ العدوة - إلا ليبقى عليه ملكه، وقد كان بعث بمفاتيح بجاية وأشهد على نفسه أنه خرج عنها للسلطان المريني، ومن وفائه أن ردها عليهم وصرفها إليهم، ولم يطمع لهم في شيء من بلادهم بل أعاد لطارقهم وتلادهم مع المساعدة بالأنجاد حتى استولى على عدوهم بالقتل وتملك جميع بلاده كما قدمنا.
ونحن وإن كنا ذكرنا إفريقية بذاتها مفردة بسلطان فإنها في الحقيقة جزء من مملكة صاحب إفريقية فيها كالنائب له.
وأما صاحب بَرَّ العدوة [ف] ينظر إليه بعين الإجلال لكونه بقية الموحدين، وهم أهل بيت ملك، ولهم أصالة السلطنة.
وصاحب إفريقية إنما اشتدَّ بمصاهرته له، وبهذا تمَّ له في إفريقية سلطانه وانكفت أطماع العرب عنه بعد أن استخفوا في إفريقية بالسلاطين، وهان عليه أمر الأمراء، وكانوا بأيديهم تتولى الملوك وتعزل، وتسمن السلطنة وتهزل.
فأما السبب الباعث لصاحب إفريقية على إرسال بعثه إلى هذا السلطان أبي المريني فهو أنَّ سلطان بني عبد الوادي - صاحب تلمسان - كان قد حاصر بجاية ونزل عليها ونازلها وضايقها، ولم يطق صاحب إفريقية دفعه فأراد تأكيد معاضدة المريني له فزوّجه ابنته في أيام أبيه أبي سعيد عثمان، وبعث إليه في البحر يستنجده فخرج لإنجاده.
ثم مات وأوصى ابنه أبا الحسن بإتمام النجدة لهم فلم يزل على محاصرة تلمسان حتى كان من فتوحه لها ما كان.
وحدثني من له اطلاع على ما حدثني به قال: وكان صاحب إفريقية مع انقياده إلى المريني وعداوته لسلطان بني عبد الواد، وقيام المريني على عدوه في هواه لا يؤثر في الباطن، أنَّ المريني يظفر بصاحب تلمسان عدوه ليكون له به شغل عن قصده، وانتزاع إفريقية منه لعلمه أنَّ تلمسان حجاب بينهما، وأنه لا طاقة له بالمريني ولا قبل له به ويحق له الخوف فإنه في قبضته متى أراده.
стр. 1247
قلت: ومع ترامي صاحب إفريقية للمريني وإذعانه له لا يخطب له على منابره ولا تضرب السكة باسمه، ومع اقتدار المريني عليه وكونه لا يعدُّ إلا كأحد نوابه ما طلب هذا منه.
ولقد قال أبو الحسن المريني في كتابه الوارد إلى حضرة السلطان بمصر مخبرًا بفتوح تلمسان: إن مملكته اتصلت من البحر المحيط إلى برقة، وهذا يؤكد ما قلناه من أن إفريقية كجزء من بلاده، وإن صاحبها كالنائب له؛ لأنه قال: إنَّ مملكته إلى برقة وإفريقية وهي داخلة في هذا الحد.
وهذه المملكة المجتمعة لهذا السلطان أبي الحسن فإنها هي الغرب بمجموعه منها ما هو بيده، ومنها ما هو بيد ملوك في طاعته حيث يقال اليوم: صاحب الغرب، فهو المراد.
ولقد كان الناس في زمان أبيه في جور حتى ولي فبسط بساط العدل، وحمل على محجة الإنصاف، وأبطل المظالم على يد كل ظالم، وأسقط المكوس، ولم يدع إلا الخراج والزكاة والعشر وما يوجبه موجب طلب الشرع وحلّ عقد الضمان، وكان سببًا للظلم والطلب المجحف. وكان يقال: إنَّ بعد أن حل البلاد من الضمان تنقص الأموال فزادت وأدل الله بالعدل من البركات أضعاف ما كان.
قال أبو عبد الله السلالجي: أما ما ازداد وتثمّر فلا أعلم كم هو، وأما ما كان في عقدة الضمان في زمن السلطان أبي سعيد - والد هذا السلطان - خارجًا عما كان يؤخذ من أصحاب الماشية من الإبل والبقر والغنم فهو تفصيله:
فاس: مائة وخمسون ألف مثقال.
مراكش: مائة وخمسون ألف مثقال.
سبتة: خمسون ألف مثقال.
آسفي: خمسة وعشرون ألف مثقال.
أغمات: خمسة وعشرون ألف مثقال.
أنفا: أربعون ألف مثقال.
أزمور: عشرون ألف مثقال.
طنجة: ثلاثون ألف مثقال.
باديس: عشرة آلاف مثقال.
مكناسة: ستون ألف مثقال.
стр. 1248
صفروي: ستة آلاف مثقال.
سجلماسة: ودرعة: مائة وخمسون ألف مثقال.
تازة: ثلاثون ألف مثقال.
عصاصة ومليلة والمزية: ثلاثون ألف مثقال.
تيط: خمسة آلاف مثقال.
تيجيساس: خمسة آلاف مثقال.
قال السلاجي: وهذا الضمان كان جاريًا على جميع المجابي ما كان يستأدى من وجوه الخراج والزكاة والموجبات والمكوس خارجًا عن عداد المواشي وغلات المجاسر والحصون والقلاع، والمجاسر وهي القرى.
قال: وأما تطاوين والقصر الصغير، فإنها كانت بكفلها إلا يتحصل شيء منها.
قال: هذا المبلغ هو الذي كان يجري عليه الضمان، وقد كان يزيد وينقص باختلاف الأحوال والأوقات، وإنما هذا هو الغالب ولاكثير تفاوت فيما يزيد أو ينقص منه.
قال: والذي استفتحه الآن لا يقصر عن نظر الثلاثين، فإنما يقصر شيئًا يسيرًا؛ لأن تلمسان مملكة جليلة وسيعة المدى كثيرة الخير ذات حاضرة وبادية وبر وبحر.
وسألت السلاجي عن عدة العسكر لاختلاف الأقوال فيهم فمن مكثر إلى غاية ومن متقارب. وكان ابن جرار قد قال: إلى أنهم مائة ألف وأربعون ألفًا؟.
قال السلاجي: الذي نعرفه قبل فتح تلمسان فما كانت تزيد جريدة جيشه المثبتين في الديوان على أربعين ألف فارس لاغير، غير حفظ المدن والسواحل. وكان يمكنه إذا استجاش لحرب أن يخرج في جموع كثيرة جدًا لا تنحصر بعد دماء، ويكون الآن قد زاد على ما أعرفه مثله لاستجداد تلمسان له، وهي مملكة كبيرة وسلطنة جليلة تكون قريب الثلاثين مما كان بيده، ولطاعته أمم من أهل الجبال والأطراف وقد كانوا يعصب رؤوسهم التيه، ويجنح بهم العصيان، وقد ثغلت له اليوم أسادهم، وأصحرت له وعولهم.
قال العقيلي: أما جيشه الآن فيكون مائة وأربعون ألفًا غير من يستجيش به.
وسألت السلاجي عن مقدار عمارة فاس عتيقها وجديدها، فقال: تكون قدر
стр. 1249
ثلث مصر والقاهرة وحواضرها، لكن عالمَهما أقلُ. وبالغ في وصف دياراتها وأوطانها وما اشتملت عليه بساتينها المتنوعة الثمار المطردة الأنهار وما بها من الرخاء الدائم والأمن والدعة فسألته عن معاملاتها وأسعارها فقال: المثقال الذهب بمائة وعشرين درهمًا من الدراهم الصغار، وهي ستون درهمًا من الكبار؛ لأن كل درهم من الكبار بدرهمين من الصغار، وكل درهم من هذه الكبار يكون نظير درهم أسود في مصطلح أهل مصر. والدرهم الأسود بمصر هو ثلث درهم نقرة من معاملة مصر والشام.
قال السلالجي: وكل ثلاثة كبار بدرهم واحد نقرة من معاملة مصر والشام هذا على جهة التقريب لا التحقيق.
وأما الدراهم الصغار فكل درهم منها نصف درهم كبير، وهو نصف درهم أسود يكون سدس درهم نقرة من معاملة مصر والشام، وحيث يقال درهم ويسكت لا يراد به إلا الدرهم الصغير، وهو سدس درهم إلا بمراكش وما جاورها وما قاربها [فإنه] حيث قيل درهم لا يراد به إلا الدرهم الكبير بِيض على الصغير هذا في مراكش وعملها وما قاربها خاصة دون بقية برّ العدوة على الإطلاق والرطل هو نظير رطل إفريقية سواء على ما تقدم ذكره.
وأما الكيل فأكبره الوسق ويسمى الصحفة، وهو ستون صاعًا من الصاع النبوي محررًا.
قال: وأما الأسعار فإن أوسط الأسعار كل وسق قمح بأربعين درهمًا من الصغار والشعير دون ذلك، وكل رطل لحم بدرهم واحد من الصغار، وكل طائر من الدجاج بثلاثة دراهم من الصغار هذا كله من المتوسط بالسعر المتوسط في غالب الأوقات.
وبرّ العدوة به من أرزاق الحبوب القمح والشعير والفول والحمص والعدس والدخن والسلت وغير ذلك إلا الأرز فإنه قليل، وإن ازدرع في بعض الأماكن من برّ العدوة، ولكنه يجلب إليهم من بلاد الفرنج وما لهم نهمة في أكله ولا عناية به، ويزرع به السمسم، ولكنه ليس بكثير لا يعتصر منه بالغرب شيرج، ولا يأكل الشيرج منهم إلا من وصفه له الطبيب، وإنما أكلهم عوضه الزيت ومزروات الضعفاء وهم يعملون الحلواء بالعسل والزيت، وبها أنواع الفواكه المستطابة اللذيذة المتعددة الأنواع والأجناس من النخل والعنب والتين والرمان والزيتون والسفرجل والتفاح على أصناف الكمثرى كذلك. ويسمى ببرّ العدوة الإنجاص كما يسمى بدمشق، والمشمش والعين والبرقوق والقراسيا والخوخ غالب ذلك على عدة أنواع.
وأما التوت فقليل، وبها الجوز واللوز، ولا يوجد بها الفستق والبندق إلا إذا جاء
стр. 1250
مجلوبًا، وبها الأترج والليمون والنارنج والرُّتبوع، وهو المسمى بمصر والشام الكباد، والبطيخ الأصفر.
وأما الأخضر فهو يسمى عندهم بالدَّلاع وهو قليل، والموجود منه لا يُستطاب وبها الخيار والقثاء واللفت والباذنجان والقَرع والجزر واللوبياء والشمار والكرنب والسمر والصعتر، وسائر البقول.
وأما القلقاس فلا يُزرع عندهم إلا للفرجة على ورقه، لا لأن يؤكل ولا يوجد بها الموز إلا في بعض المواضع نادرًا مما يُهدى ويُباع.
وأما قصب السكر فهو بجزائر بني مزغنا وبالسُّوس وبنواحي مراكش وبسلا كثير ولولا عدم استقامة أهل السُّوس وتلك الأطراف وكثرة التَّوائهم لكان كثيرًا جدًا والموجود منه يُعمل منه قند، ويُسبك منه السكر، ولكنه متوسط المقدار.
وقد سألت ابن جرار عمّا يُعمل بمراكش من السكر؟، فقال: يُعمل منه أنواع ويُخلص منه مكرر يجيء في نهاية البياض والصلابة ولطافة الذوق يُقارب مكرر مصر إن لم يكن مثله، ولكن نوع السكر المعمول بالغرب غير كثير.
قال: ولو أنهم أكثروا من نصب الأقصاب لكثر.
قال العقيلي: إنَّ بمراكش أربعين معصرة للسكر أو أزيد وزادت على سُوس ومزارعه في أرض مراكش بوادي يعرف بوادي نفيس، وإن حمل حمار من القصب يُباع بثلاثة دراهم يكون بدرهم واحد كاملي، فسألته عن السبب المانع لهم عن الاستكثار منه فقال: لكثرة وجود العسل النحل، واعتياد المغاربة لأكله، ووصف العسل عندهم ولذاذة طعمه وكثرة ألوانه.
ولقد سألت كثيرًا من المغاربة حتى ممن أقام بمصر وتمصر عن السكر فوجدتهم مائلين بالطَّباع إلى تفضيل العسل في الأكل عليه واستطابتهم له أكثر من السكر، واستعمالهم للعسل بدلًا منه في أطعمتهم وحوائجهم. وزعموا أنَّ ما يُعمل من العسل أَلَذ مما يُعمل من السكر، وهذا مما لا نسلمه إليهم ولا يدعي هذه الدَّعوى ذو ذوق سليم ولا نظر مستقيم.
ولقد قال لي كثير منهم: إنَّه ما يُستعمل السكر عندهم في الغالب إلا المرضى أو الغرباء أو الكبار من الناس في المواسم والضيافات.
قالوا: وكذلك الأرز لا يُؤكل عندهم إلا في يوم حفل أو دعوة أو مريض أو غريب اعتاد أكل الرز في بلاده، وقد طال ما جرَّه الحديث في هذا ونعود إلى تكملة ما يوجد في بر العدوة.
стр. 1251
قال السلاّلجي: بها من الرياحين: الورد والبنفسج والياسمين والآس والنرجس والسوسن والبهار وغير ذلك.
وبها من الدواب: الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم ولا يعدم عندهم الجاموس؛ فإنه لا يوجد عندهم.
وبها أنواع من الطير: من الإوز والحمام والدجاج وغير ذلك، والكركي كثير عندهم على بعد الديار وغربة الأوطان - وتسمى عندهم الغرانيق - وهي عندهم صيد الملوك كما هو بمصر والشام في صحاريها من أنواع الوحش الحمر والبقر والنعام والغزال والمها وغير ذلك.
وأما مراكش فهي متوسطة بين المحيط إلى الصحراء إلى البحر أربعين ميلًا، ومثله إلى الصحراء وهي - كما قدمنا - ثانية قواعد الملك.
حكى لي غير واحد عن سعة دورها وضخامة عمائرها وما فيها من قصور بني عبد المؤمن وأولادهم وأجنادهم حتى يقال: إنه إذا كان الرجل في صدر الدار ونادى رفيقه وهو في صدرها الآخر بأعلى صوته لا يكاد يسمعه لاتساعها.
قال ابن سعيد: ودورها سبعة أميال، وهي بسيطة يمتدُّ فيها البصر بناها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وأول ما بنى بها القصر المعروف بقصر الحجر، ثم بنى الناس حوله.
ثم إن يوسف العَشَرِي وهو أبو يعقوب بن عبد المؤمن (١) كبرُها وفخمها ومصرها
стр. 1252
وضحمها وجلب إليها المياه والغراس ومنارة جامعها المعروف بالكتبيين طولها مائة وعشرة أذرع من الحجر، وعلى باب جامعها ساعات إرتفاعها في الهواء خمسون ذراعًا ينزل عند انقضاء كل ساعة صنجة وزنها مائة درهم يتحرك بنزولها أجراس يسمع وقعها من بعد، وتسمى عندهم المنجانة، وهي الآن بطالة لاتدور.
قال ابن سعيد: وحضرة [مراكش] مماسكها وعرّفتها ظاهرًا وباطنًا، ولأرى العبارة تفي بما تحتوي عليه، ويكفي أن كل قصر من قصورها مستقل بالديار والبساتين والحمام والإصطبلات والمياه وغير ذلك حتى يغلق الرئيس منهم بابه على جميع خوله وأقاربه وما يحتاج، له ولا تخرج له إمرأة إلى خارج داره ولا يشتري شيئًا من السوق لمأكل ولا يقره أولاده في مكتب خارج، ويخرج هو من بيته راكبًا لا تقع عليه العين راجلًا. وفيها قصور عظيمة، وبها قصر الخلافة بناء المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن - وهو وسط المدينة إختطها خارج مراكش خاصة به وبخواصه وتعرف ب (تامراكت).
قال ابن سعيد: ولا أدري كيف أصل إلى غاية من الوصف أصف به ترتيب هذه المدينة المحدثة فإنها من عجائب همات السلاطين ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية، وبها قصر الخلافة، وبه ديار عظيمة منها دار البلور، ودار الريحان، ودار الماء. وكل دار منها لا تخلو من المياه والبساتين العجيبة والمناظر المرتفعة المشرفة على بسائط مراكش، ولها ثلاثة أبواب مختصة بها باب البستان. وكان لا يراه إلا خواص بني عبد المؤمن يفضي إلى بستان يعرف بالبحيرة طوله اثنا عشر ميلًا فيها العمائر الجليلة والمصانع العظيمة والبركة التي لم يُعمل مثلها.
قال العقيلي: وطولها ثلاثمائة وثمانون باعًا على جانبها الواحد أربعمائة شجرة من النارنج وبين كل اثنتين إما ليمونة وإما ريحانة.
والباب الثاني «باب القراقين» وهو داخل في المدينة مراكش يتصرف منه إلى ما يحتاج إليه بالمدينة.
والباب الثالث «باب الرياض» وأمامه رحبة عظيمة تحمل طراد الخيل وكان بها
стр. 1253
أنواع من الوحوش في زمان بني عبد المؤمن، وبها قبة الخلافة إلى جانب الباب كان يخرج إليها خليفتهم بكرة كل نهار وتكون بها الخدمة، وفي رحبة القصر دار الكرامة والأضياف، وفيها يقول أبو بكر بن مجير المرسي - (١) ﵀: [من الخفيف]
ذاك داعي الهوى بمثوى الإمامة … موجب للأنام دار الكرامة
قد دعا دعوة العموم إليها … مُعلنًا كالنداء أو كالإقامة
فتباروا إلى نعيم عميم … فتحوا بابَهُ وفَضُوا خِتامَهْ
خير قوم دعوا إلى خير دار … هي للملك نضرة وكمامة
عالم السبعة الأقاليم فيها … وهم في فنائها كالقلامة
ما توسمت قبل جمع أتاها … أن ذا الحشر قبل يوم القيامة
تسام الريح حين تطوي مداها … وتجول العيون دون شامه
وفي هذه الرحبة المدرسة، وهي مكان جليل به خزائن الكتب وفيه كان خلفاء بني عبد المؤمن يجالسون العلماء. وفيها دار مخصوصة للوزارة المحلاة بوزير الجند.
وتفضي هذه الرحبة إلى باب السادة، وهو يفضي إلى خارج مراكش. كان مخصوصًا ببني عبد المؤمن إليه ينتهون على خيلهم، وعليه سلسلة منها ينزلون، وهناك مقابر أكابرهم، وجنائز الأعيان في نهاية حسن المباني والغراس.
وفي الرحبة باب السقائف، وهو باب كبير يخرج منه إلى سقائف أهل الجماعة وهم ذرية العشرة أصحاب مهديهم ابن تومرت، وسقائف أهل خمسين، وسقائف الطلبة، وهم أهل العلم والقراءة، وسقائف الحفاظ، وهم المقدمون على الأعمال لحفظها، وسقائف أهل المدار، وهم غلمان الخلافة.
ثم يخرج من هذه الرحبة إلى سقائف القبائل وأعيان الغز والجموع، ثم يفضي إلى رحبة عظيمة فيها سقائف جنفيسية وجدميوه، والقبائل هكسورة وصنهاجة، وهؤلاء هم قبائل الموحدين.
стр. 1254
وبها موضع صاحب الشرطة وبازائها الجامع المبني في تامراكشت على صحنه شبك من الصفر الأندلسي، وهو في غاية الزخرفة والإتقان ولا يبرح المنبر مستورًا في بيت المقصورة، وهو والمقصورة مستوران إلى يوم الجمعة قريب الصلاة، وترفع ستورها.
والنهر الذي جلبه المنصور إليها يخترق قصوره، ثم يمرّ على السقائف والرحاب - المقدمة الذكر - ثم يحدق بالجامع، ثم يمر بالجامع وبين السواق قدر ميل إلى أن يخرج على باب الصالحية من أبواب مراكش.
وفي هذه الرحبة - المقدمة الذكر - باب الكحل كان منه دخول الموحدين وأمامه فضاء عظيم يسع وقوف الخلائق وتصرفها، وباب الرب لا يدخل هذا النوع إلا منه لاحتمال أن يدخل المدينة خمر.
وبها الصهريج الكبير - والصهريج في لغة أهل المغرب البركة - وهي بركة عظيمة عليها سور وباب يصب فيها النهر الثاني الداخل إلى مراكش، وفيها يوزع بقياس معلوم على قصور الناس، ثم ينحدر بقية الماء في نهر يشق المدينة من نهر من جهة أخرى في وسط الأسواق وما بعد، وفيها برك تصب فيها المياه.
وفي هذه الرحبة باب الشريعة أمام مصلى العيدين وبينهما فسيح عظيم به سوق الخيل، وللسلطان به قصر مطل عليه.
ويليه باب تفليس يخرج منه إلى بلد تفليس المفضلة بالمياه والأعناب وقدامه بركة أقنا يتعلم فيها الصبيان العوم.
ويليه باب مخزن السلطان كان به وإلى جانبه قصر سعيد وقصر أمة العزيز وقصر ابن جامع لا يعلم كم غرم على كل واحد منها حتى قال ابن سعيد في المغرب عن قصر ابن جامع: وهو أحد وزراء بني عبد المؤمن، وإنه كان في داره ساحة يلعب فيها خمسمائة جارية على خيل الخشب وتتطاعن.
ويلي ذلك باب مسوفة يفضي إلى المقابر وباب دكاله، وهو مفض إلى المتنزهات.
ويليه باب الرخاء، ويليه باب باغورت ويليه باب فاس، وهو مُفض إلى فضاء يفضي إلى نهر كبير لا يخاض إلا في زمان الصيف وعليه بساتين جليلة ومتنزهات، ويليه باب الدباغين، ويليه باب بيسان، ويليه باب ايلان ويليه باب أغمات، وأمامه منازل المخدومين لا يمازحون الحضرة، ويليه باب الصالحية وخارجه مقابر وبساتين.
ولمراكش بَوَادٍ فسيحة، وما اختار ابن تاشفين بقعتها إلا لمراعي إبله حولها، وبها كثير من أرباب العمائر.
стр. 1255
وأما تلمسان وهي قاعدة الملك الذي فتحه هذا السلطان بسيفه واستضافه إلى ملكه.
قال الشريف في كتاب رُجّار: وهي في سفح جبل وبها آثار الأول، وماؤها مجلوب من عيون على ستة أميال، ولها أسواق ضخمة ومساجد جامعة وأنهار وأشجار. وشجر الجوز كثير بها، وفيها المشمش المقارب في حسنه لمشمش دمشق، وعلى نهرها الأرجاء ويصب نهرها في بركة عظيمة من آثار الأول، ويسمع لوقعه خرير على مسافة ثم يصب في نهر آخر بعدما يمر على البساتين ويستدير بقبليها وشرقيها، وتدخل فيه السفن اللطاف حيث يصب في البحر، وهي دار علم متوسطة في قبائل البربر، ومقصد تجار الآفاق زكية الأرض من الزرع والضرع، ولها حصون كثيرة، وقرص عديدة أشهرها فرضة هنين وهي قبالة المرية ووهران.
وتلمسان - على ما بلغ حد التواتر - في غاية المنعة والحصانة مع أنها في وطاءة، لكنها محصنة بالبناء، ولقد أقام أبو يعقوب يوسف - عم هذا السلطان أبي الحسن نحو عشر سنين، وبنى عليها مدينة سمّاها تلمسان الجديدة.
ثم مات وسمّى أهل تلمسان تلك السنة سنة الفرج حتى كتبوا في سكتهم ونقشوا: «ما أقرب فرج الله»،
وشرع حينئذ أبو حمو بعد إتمام سنة من الفرج من رحيل بني مرين عنها - وهو والد سلطانها أبي تاشفين المأخوذة منه - تحصيل موتها وتحصين أسوارها، ولم يدع ما يحتاج إليه المحاصر لعدة سنين كثيرة حتى حصله من الأقوات والآلات حتى سليت الشحوم، وملئت بها الصهاريج، وملئت أبراج المدينة بالملح والفحم والحطب واختزل أرض داخل المدينة كلها زرع.
ومات أبو حمو وولي بعده أبو تاشفين فزادها تحصيلًا من الأقوات وتحصينًا من الأسوار والآلات، وبناها البناءات العجيبة الشكل والقباب الغريبة المثل والبرك المتسعة، والقصور المنيفة، وغرس فيها بساتين، غرس بها من سائر أنواع الثمار إلى أن حاصر بجاية ونازلها، وبنى عليها فاستنجد الموحدون المريني فأرسل إليه العلماء والصلحاء والأعيان وندبوه إلى الصلح بينهم فأبى إلا عتوًّا وفسادًا فنهض إليه أبو الحسن وحاصره أشدَّ حصار وبنى عليه مدينة سماها المنصورة، وبقي أربع سنين محاصرًا لها مضيقًا عليها آخذًا بخناقها، ونصب عليها المجانيق، وأخذ عليها المسالك من كل جهة، ولم يدع طريقًا لداخل إليها ولا لخارج منها، وسلطانها أبو تاشفين وجميع أهلها في ضيق الخناق معهم لا يفك لهم وثاق، ولا يحل لهم خناق، ولا تبرق لديهم
стр. 1256
بارقة خلاص. وكانوا مع التشديد الشديد في غاية الامتناع الحصانة بلدهم وكثرة ما بها من الماء والأقوات.
وكان في المدينة عين ماء لا يقوم بكفايتها. وكان يجري إليها الماء من عين خارجة عن البلد، لم يعرف لها أحدًا منبعًا أخفيت بكثرة البناء المحكم ولم يظهر لها على علم إلى أن خرج أحد من يعرفها من البنائين المختصين بسلطانها الكاشف عليها حين بنائها فأظهرها للسلطان أبي الحسن وكشف عنها فقطعها عنهم وأبعدها منهم، وصرفها إلى جهة أخرى فقنعوا بالعين الذي في داخل بلدهم، واكتفوا بالبلالة، ولم يظهر منهم وهن ولا خور لانقطاع الميرة لما كان عندهم من المخزون حتى قدائد اللحوم، ومسليات الشحوم، ولم يتغيَّر طعمها؛ لأنَّ بلاد الغرب مخصوصة بطول مكث المخزونات بها فإنه ربما بقي القمح والشعير في بعض أماكنها ستين سنة لا يتغيّر ولا يسوس، ثم يخرج بعد خزن هذه المدة الطويلة فيزرع وينبت وخصوصًا تلمسان في بر العدوة وطليطلة في الأندلس.
حكى ابن ظافر في كتابه المترجم بـ «سياسة الملوك» أن القمح يقيم بطليطلة ثمانين سنة مخزونًا في صهاريج، ثم يخرج ويزرع.
قال: ولا يزيدها مدة الخزن إلا صفاء، ولا طول المكث إلا جدة.
ونعود إلى ذكر تلمسان فنقول: إنها منحرفة إلى الجنوب الشرقي [من] فاس، ولها ثلاثة أسوار، ومن جهة القصبة ستة أسوار بعضها داخل بعض، ولم يهجس بخاطر أنها تؤخذ، ولكن يسر الله لهذا السلطان أبي الحسن المريني صعبها، وذلل له إباءها حتى ملك ناصيتها، وبلغ دانيتها وقاصيتها.
وإذ قد ذكرنا قواعد الملك الثلاثة فلنذكر ما لا بأس بذكره من هذه البلاد، وأول ما نبدأ بذكر سبتة لصيتها الطائر في الأفاق لمكان بحر الزقاق منها وهي على ضفة بحر الزقاق الداخل من البحر المحيط، وهي في طرف من الأرض شديد الضيق من جهة الغرب، والبحر المحيط محيط بها شرقًا وغربًا وقبلة، ولو شاء أهلها أن يصلوها به من جهة الشمال لوصلوه فتكون جزيرة منقطعة ولها فاكهة كثيرة، وبها قصب سكر ليس بالكثير، وعليها أبراج كثيرة واسوارها عظيمة من صخر محيط بها، وكذلك يحيط بجبل مينائها الذي بشرقيها وبربضها أسوار، وبها حمامات يجلب إليها الماء على الظهر من البحر في السواني وطول المدينة من السور الغربي المحيط على ربضها إلى آخر الجزيرة خمسة أميال، ولم يزل دار علم وفقه.
وقد ذكر الحجاري أول مصنفي كتاب المغرب: أنّها أول ما بني في بر العدوة
стр. 1257
وهي من قرص البحر العظيمة لكثرة ما يرد عليها من مراكب المسلمين والنصارى من كل جهة وجميع طرف الدنيا أو غالبها موجود فيها. وهي مليحة نزهة، والبحر عندها ضيق. وإذا كان الصحو بصر أهلها منها الجزيرة الخضراء المسامتة لها من الأندلس. وشرب أهلها من الماء مجلوبًا إليهم من البحر من بليوس وغيرها من متنزهاتها، وفي داخلها صهاريج من ماء المطر والأغنام تجلب إليها، والقمح لايزكو نباته في ارضها، وإنما يجلب إليها جلبًا كثيرًا، وبها الصخرة التي قبالها أن موسى ﵇ أوى إليها، ولا يصح.
وبها سمك كثير منه نوع يسمّى سمك موسى نسبةً إلى حوته الذي اتخذ سبيله في البحر سربًا، ولحمه نافع من الحصى مقو للباه، وهو يوجد بالبحر قريب جبل سبتة المعروف بجبل موسى ﵇ وبه رمال ينبط منها الماء العذب ويتبعث من أجراف على ضفة البحر.
ولقرب سبتة من الزقاق الذي منه البحر الشامي، يقال للبحر الشامي البحر السبتي.
وكانت سبتة دار ملك للعزقيين حتى أخذها بنو مرين تقرّب بها صاحبها إبراهيم إلى السلطان أبي سعيد وتغلب له عليه صاحبها محمد ابن القائد علي العزقي وأخذها بالملاطفة بالسيف وسلمها إليه وعوضهم عنها بما أرضاهم من الإحسان والضياع والمرتبات العظيمة وأقاموا معه بفاس ملحوظين بالإكرام والتقديم.
ثم نذكر طنجة؛ لأنها لا يخلو مصنف في هذا الشأن من ذكرها؛ لأنها كانت دار ملك قديم، وذكر شائع، وهي مدينة مسورة متقنة على ساحل بحر الزقاق، وهو محط السفن اللطاف.
وكانت قاعدة تلك الجهات قبل الإسلام - وحين الكتب القديمة المصنفة في هذا الشأن ذكرها - وهي كثيرة الفواكه وخصوصًا العنب والكمثرى وأهلها مخصوصون ومشهورون بقلة العقل وسخف الرأي على أنَّ أبا الحسن بن بياع الصنهاجي الطنجي (١) منها، وقد أثنى عليه الفتح - صاحب قلائد العقيان - فقال: طود سكون ووقار، وروضة
стр. 1258
نباهة يانعة الأزهار. ووصفه بالعلم والبلاغة والطب، وأنشد له أشعارًا منها يصف روضة ممطورة (١): [من الكامل]
وقفت عليها السحب وقفة راحم … فبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت للأزهار كيف تضاحكت … ببكائها وتباشرت بقطوبها
وقوله (٢): [من الوافر]
لقد جثمت بقلبكَ مُتلفاتُ … بكلِّ ثنيّةٍ منها صريع
وقد تحمي الدروع من العوالي … ولا تحمي من الحدق الدروع
ومن أهل طنجة أيضًا: أبو عبد الله، محمد بن أحمد الحضرمي الطنجي القائل: [من الطويل]
فؤادي وإن زموا الحُمُولَ حَمُولُ … ودمعي وإن بثوا الوصول وَصُولُ
ولم ير واش كالغرام بدمعةٍ … فانا سكتنا والدموع تقول
قال: [من الطويل]
وقالوا: رحيل كان قلنا: فإنّهُ … حياةٌ لها عنا نوى ورحيل
وظنوا بتوديع وجادوا بتركه … وربَّ دواء مات منه عليل
وقد ذكرنا فيما ذكره صاحب القلائد، وأخرجنا للتقليب هذه الفوائد، لنعرف به أنَّ من طنجة على ما نسب إلى أهلها من الحمق من هذا عنوان عقله، وتبيان فضله.
ثم نذكر سجلماسه .. ؛ لأنها من أجل مدن بر العدوة، وهي باب الصحراء إلى أرض السودان وبلاد مغزارة الذهب، ولموقع عجيب في زرعها سنذكرها بمشيئة الله تعالى.
فأول ما نقول: إنَّ سجلماسة مدينة جليلة في جنوبي برّ العدوة متصلة بالصحراء الكبيرة، من أكبر مدن الغرب وأشهرها ذكرًا في الأفاق، وعليها نهر كبير ذات قصور مشيدة، وأبنية علية وأبواب رفيعة صحيحة الهواء لمجاورة البيداء.
وأرضها سهلة سبخيَّة، ولها أرباض كثيرة مخصوصة بأن لا يجذم أحد من أهلها، لكن تلحقهم رطوبة في أجفانهم. وبها نخيل كثير تمره على أصناف يحمل منه إلى عامة الغرب، ويفضل تمرها على ما سواها حتى يضاهي به تمر العراق. وبتمرها يضرب في الغرب المثل، ولها بساتين خضرة نضرة على قشف مكانها وجفاء سكانها.
стр. 1259
قال ابن حوقل (١): ونهرها يزيد في الصيف كزيادة النيل ويزرع بمائه مثل زرع مصر، وربّما زرعوا الزرع ثم حصدوه، ويبقى جذره في الأرض إلى السنة الآتية، ثم يسقى فيطلع ويحصدها كذا سبع سنين يستغل سبع مغلات ببذار واحد.
قال ابن سعيد قال الجدلي: مغل أول سنة هو القمح ثم المغلات الباقية السلت وهو ما بين الحنطة والشعير.
قال ابن سعيد وأهلها مياسير، ولهم متاجر إلى بلاد السودان، قال: ولقد رأيت صكًا فيه حق على رجل من سجلماسة آخر من أهلها باثنين وأربعين ألف دينار.
ومدينة سجلماسة آخر العمران ليس قبليها عمران بل منها يدخل التجار إلى بلاد السودان بالملح والنحاس والودع، ويعودون بالذهب وليس بعدها إلا تابلبلت في البرية إلى أولاثن وبينهما المغازة العظمى وهي أربعة عشر يومًا لا يوجد بها ماء ولا يدخلها إلا الإبل المصبرة على الظمأ.
وهي أرض موحشة الأقطار مجهولة المسالك لا يحمل سالكها على ركوب خطرها إلا الفائدة العظيمة على السودان، فإنّهم يتوجهون بما لاقيمة له، ويعودون بالذهب الصامت وقر ركائبهم.
وأما زي هذا السلطان وزيّ الأشياخ وعامة الجند فهي عمائم طوال رقاق قليلة العرض من كتان، ويعمل فوقها إحرامات يلفونها على أكتافهم من الجباب ويتقلدون بالسيوف تقليدًا بداويًا والأخفاف في أرجلهم وتسمّى الأنمقة والمهاميز، ولهم المضمات وهي المناطق، ولكنهم لا يشدُّونها إلا في يوم الحرب أو يوم التمييز، وهو يوم عرض سلطانهم لهم، وتعمل من فضة، ومنهم من يعملها ذهبًا، ومنها ما يبلغ ألفي مثقال، ويختص سلطانهم بلبس البرنس الأبيض الرفيع، لا يلبسه ذو سيف سواه.
فأما العلماء وأهل الصلاح واسمهم عندهم المرابطون فإنهم لا حرج عليهم في لبسه. هذا ما في البرانس البيض، فأما سائر الألوان فلا حرج عليهم في لبسها كائنًا من كان ولا يدق طبل لأحد في سفر ولا حضر إلا للسلطان خاصةً لاغير.
حكى لي السلالجي: أنّ بعض الحلق من مصر. دخل إلى فاس وعمل بها حلقة وبقي يدق بطبله له على عادته وعادة أرباب الحلق فحصل عليه الإنكار وأمر بإبطاله.
وضرب الطبول محفوظ لأهل بيت خاص بهم من أهل مراكش هذا لبس ذوي السيوف.
стр. 1260
فأما القضاة والعلماء والكتاب وعامة الناس فقريب من هذا الزي إلا أن عمائمهم خضر، ولا يلبس أحد منهم الأنمقة، وهي الأخفاف في الحضر. فأما في السفر فلاجناح منهم على من لبسها، وليس لهؤلاء سيوف.
ومن عادة هذا السلطان أن يعرض جنده في رأس كل ثلاثة أسهم ليعرف منهم الحاضر والغائب والقادر والعاجز فيخرج إلى مكان معدّ لهذا بظاهر قصوره ويجلس على علو في ذلك المكان، ويجلس تحته الكتاب، ويستدعي عسكره بالأسماء اسمًا اسمًا ويقابل على أسمائهم وحلاهم، ثم يصرف على كل واحد منهم راتبه، هذا للجند الأندلسيين الذين يرمون بقوس الرجل والفرنج.
وأما سائر العسكر فلهم إقطاعات وبلاد وإحسان من رأس السنة إلى رأس السنة، والراتب يسمى بأفريقية البركة، ويسمّى بمصر والشام النقد، أو الإقطاع، ولكن لايقاس إفريقية بها في هذا.
ولا يعرف في هذه المملكة ما هم الأمراء اسمًا ولا معنى كما هو بمصر وإيران، بل الأشياخ الكبار والصغار - كما تقدم القول فيه - في إفريقية فإنّه ليس في الغرب من يطلق عليه هذا الإسم كما يعرف في مصر والشام، إنَّ هذا الإسم يصدق على حقيقة رجل له عدة من الجند.
قال أبو عبد الله محمد بن محمد السلالجي: والذي للأشياخ الكبار على السلطان يكون لكل واحد منهم في كل سنة عشرون لف مثقال من الذهب في كل سنة يأخذها من قبائل وقرى وضياع وقلاع، ويتحصل له من القمح والشعير والحبوب في تلك البلاد نحو عشرين ألف وسق، وفي كُلّ سنة حصان بسرجه ولجامه وسيف ورمح محلّيان وسبنية، وهي بقجة قماش فيها ثوب طرد وحش مذهب إسكندري، ويسمى عندهم الزرد خانه وثوبان بياض من الكتان - عمل إفريقية - وإحرام وشاش طوله ثمانون ذراعًا وقصبتان من ملف يعني من الجوخ من أي لون كان، وربما يزيد الأكابر، وربما ينقص من لم يلحق بهذه الرتبة من أصاغر الأشياخ.
وأما الأشياخ الصغار فيكون لهم من الراتب والمجاسر نصف ما للأشياخ الكبار، والحصان المسرج الملجم والسيف والرمح والكسوة، ومنهم من لا يلحق بهذه الرتبة فيكون أنقص.
وأما للجند فأعلى طبقات الجند المقربين إلى السلطان فيكون للرجل منهم ستون مثقالًا من الذهب في كل شهر، وقليل ما هم.
وأما المعظم فأعلى طبقتهم من يكون له في الشهر ثلاثون مثقالًا ثم ما دونها إلى
стр. 1261
أن تتناهى إلى أقل، الطبقات، وهي ستة مثاقيل في كل شهر، هذا المستقر لهم، وليس لأحد منهم بلد ولا مزدرع.
قال: وجميع أرزاقهم ناضة إليهم ميسرة عليهم.
قال: ومن عادة هذا السلطان أن يجلس في بكرة كل يوم ويدخل عليه الأشياخ الكبار وهم في دولته بمنزلة أمراء التوامين بإيران ومقدمي الألوف بمصر ليسلموا عليه، ثم يمدّ لهم سماط ثرائد في جفان وحولها طوافير، وهي المخافي فيها أطعمة ملونة منوعة ومعها الحلواء منها ما هو السكر ومعظمها بالعسل، ومنها النوعان موجودان إلا أن السكر قليل، وجمهور ما يعمل من العسل من الحلواء بالزيت، فإذا أكلوا الطعام تفرقوا إلى أماكنهم، وربما ركب السلطان بعد هذا.
فأما أخريات كل نهار فقل أن لا يركب إلى نهر هناك بعد العصر ويخرج إلى مكان فسيح من الصحراء قبقف به على نشز ويركب العسكر حوله ويتطارد قدامه الخيل فتتطاعن الفرسان، وتتداعى الأقران، وتمثل الحرب لديه وتقام صفوفها المرصوصة بين يديه كأنه حقيقة يوم الحرب واللقاء على سبيل التمرين ثم يعود في موكبه إلى قصره وتتفرق العساكر إلى أماكنهم، ويحضر العلماء والفضلاء والأعيان إلى مسامرته، ويمد لهم سماط بين يديه ويواكلهم في ذلك الوقت لكاتب سره معه خصوصية إجتماع للأخذ في المهم وعرض القصص والرقاع ويبيتون عنده أكثر الليالي إلا كاتب السر فإنه في بعض الليالي قد يؤمر بالمبيت فيبيت بخاصته.
وأما هيأة جلوسه للمظالم فإنه يجلس على فرس مرفوعة في قبة معلومة للجلوس له بحضرته الأشياخ مقلدين بسيوفهم.
فأما من لا له هذه الرتبة، ولا له وضع من ذوي السيوف فإنهم إذا دخلوا إلى مجلس السلطان وقفوا بعيدًا منه مصطفين متكئين على سيوفهم، وإذا أراد صاحب الشكوى إبلاغ شكواه، وهذا إنّما يكون حين ركوبه وظهوره صاح من بعد «لا إله إلا الله» أنصرني نصرك الله، فيعلم أنه شاك فتؤخذ قصته وتُعطى لكاتب السر، فإذا رجع إلى مقره واجتمع مع كاتب سرّه، وقرأ عليه تلك القصة وغيرها فينظر في ذلك بما رآه وإذا سافر السلطان وخرج من قصره ونزل بظاهر بلده وارتحل من هناك ضرب له طبل كبير قبيل الصبح إشعارًا بالسفر فيتأهب الناس، ويشتغل كل أحد بالاستعداد للرحيل، فإذا صليت صلاة الصبح ركب الناس على قبائلهم وطبقاتهم ومنازلهم المعلومة ووقفوا في طريق سلطانهم صفًا بجانب صف، ولكل قبيل وجند علم معروف به ومكان في الترتيب لا يتعداه، فإذا صلّى السلطان الصبح قعد أمام الناس ودارت عليه ما له من العبيد
стр. 1262
والوصفان والعدويين الذين هم كالنقباء، ويجلس حوله ناس يعرفون بالطلبة يجري عليهم ديوانه ويقرؤون حزبًا من القرآن الكريم ويذكرون شيئًا من الحديث الشريف النبوي - على قائله أفضل الصلاة والسلام - فإذا أسفر الصبح ركب وتقدم أمامه العلم الأبيض الذي هو سعد الدولة، ويقال له: المنصور وبين يديه الرجالة بالسلاح والخيل المجنوبة ببراقع الوشي والبراقع من ثياب السروح.
وعندما يضع السلطان رجله في الركاب يضرب في طبل كبير ثلاث ضربات، يقال له: تريال إشعارًا بركوبه.
ثم يسير السلطان بين صفي الخيل، ويسلّم كل صف عليه بأعلى صوته: سلام عليكم، ويكتنفانه يمينًا ويسارًا، وحينئذ تضرب جميع الطبول التي تحت البنود الكبار الملونة خلف الوزير على بعد عن السلطان، وربّما ركب إلى جانبه ولا يتقدم راكب إلا عن بعد كبير أمام العلم الأبيض إلا من يكون من خواص علوجه، وربما يأمرهم بالجولان بعضهم على بعض، ثم ينقطع ضرب الطبول إلى أن يقرب من المنزل، فإذا قرب السلطان من المنزل ضربت الطبول تتقدّم الزَّمَّالة إلى المنزل، وهؤلاء هم الفراشون وتضرب شقة من الكتان في قلبها جلود تقوم بها عصا وحبال من القنب في أوتاد وتستدير على كثير من أخبيته وبيوت السفر الخاصة به وبعياله وأولاده الصغار وتكون هذه الشقة كالمدينة لها أربعة أبواب في كل جهة باب ويحف به عبيده وعلوجه ووصفانه.
قال السلالجي: وهؤلاء بني مرين أكثر ميلهم إلى بيوت الشعر على عاداتهم الأولى في البداوة مع أنهم اليوم [من] أشياخهم من ضرب أخبية كثيرة مع البيوت ولهم في ذلك تنافس.
قال: ويضرب للسلطان أمام ذلك قبة كبيرة مرتفعة من كتان يسمى قبة الساقية لجلوسه للناس فيها وحضورهم عندهم بها وإذا ركب هذا السلطان لا يسايره إلا بعض الأشياخ الكبار من بني مرين أو بعض عظماء العرب وكثيرًا ما إذا استدعى أحدًا لا يجيء إليه ماشيًا فربما حدثه وهو ماش معه، وربما أكرمه فأمره أن يركب. وإذا عاد السلطان إلى حضرة ملكه ضربت البشائر له سبعة أيام، وأطعم الناس طعامًا شاملًا في موضع يسع الجماهير.
وشعار هذه المملكة هو اللواء الأبيض - المقدم الذكر - وهو المسمى عندهم العلم المنصور كما وصف، وهو أبيض مكتوب بالذهب نسجًا من الحرير آي من القرآن بدائر طرته، وحوله أعلام مختلفة الألوان.
стр. 1263
ومن شعاره إذا ركب في سفره من مدينة، أو يوم دخوله، أو في يوم عيد أن يركب الأشياخ حوله، وقدامه محمول سيف ورمح وترس - وهي الدُّرّاقة عندهم - يحملها ثلاثة من خاصته من الوصفان، وهم من خدمة السلطان أو أبناء خدم السلافة وحوله من أهل الأندلس رجالة بأيديهم الطربيات وهي كالأطبار، وقوّاد النصارى الكبار بأيديهم ذلك، وهم خلفه وقدامه خمسون نفرًا مشاة وأوساطهم مشدودة، بأيدهم رماح طوال وهم خلفه وقدامه وبأيديهم رماح طوال ورماح قصار، بيد كل واحد منهم اثنان، طويل وقصير، وكل منهم متقلّد د - مع ذلك - بسيف وأمامه الجنائب، وتسمى عندهم المقادات يجرها أناس مشاة وهي مسرجة ملجمة على السروح براقع حرير منسوجة بالذهب، وهي ثياب السروج، والسروج مخروزة بالذهب خرزًا شبيهًا بالزركش وركبها ذهب مسبوك زنة ركابي السرج ألف مثقال ذهبًا. فأما تحلية السروج بالأطواق وما يجري مجراها فإنّه لا يعرف عندهم، ومن عادته في العيدين أن لا تضرب الطبول خلفه إلا بعد أن يفرغ من الصلاة والخطبة.
قال السلالجي: وفي ليلة العيدين أو ليلة ورود السلطان على حضرته ينادي والي البلد في أهلها بالميز ومعناه: أنَّ أهل كل سوق يخرجون ناحية ومع كل واحد منهم قوس أو آلة سلاح متجملين بأحسن الثياب.
ويبيت تلك الليلة الناس أهل كل سوق بذاتهم خارج البلد، ومع أهل كل سوق علم يختص بهم عليه رَنْك أهل تلك الصناعة بما يناسبهم فإذا ركب السلطان بكرة اصطفوا صفوفًا يميسون قدامه، وركب هو والعسكر ميمنة وميسرة والعلوج خلفه ملتفين به والأعلام منشورة وراءه، والطبول خلفها حتى يصلي ثم يعود فينصرف أرباب الأشواق إلى بيوتهم، ولا يحضر طعام عيد السلطان إلا خواصه وأشياخه، وله طعام عام يحضره الضعفاء والمساكين.
وسألت أبا عبد الله السلالجي عن أرزاق القضاة والكتاب عنده؟، فقال: أما قاضي القضاة فله في كل يوم مثقال من الذهب، وله أرض يسيرة يزرع فيها ما يجيء منه مؤنته، وعليق دوابه.
وأما كاتب السر وهو الفقيه الإمام العالم الفاضل أبو محمد عبد المهيمن بن الحضرمي (١) فله في كل يوم مثقالان من الذهب، وله محيران في قريتين يتحصل منهما
стр. 1264
متحصل جيد، وله رسوم كثيرة على البلاد ومنافع وإرفاقات، ولكل واحد منهما في كل سنة بغلة بسرجها ولجامها وسبنية قماش برسم الكسوة نظير للأشياخ الكبار إلا الثوب الزردخاناه يعني الطرد وحش.
قال: وهذان هما المصيبان والبقية لا أعرف ما لهم، ولكن لا نسبة لأحد إلى هذين الرجلين، وإنما أعلم أنه تطلق الرواتب من المحارث والأرض للفقهاء والعلماء والفقراء والحساء، وهم أرباب البيوت.
وأما [ما] يكتب عن هذا السلطان فمن عادته أنه إذا كتب عنه كتاب يكتب في أوله بخط الكاتب بعد، بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على النبي ﷺ : من أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق فإذا انتهى الكتاب إلى آخره وختمه الكاتب بالتاريخ، كتب هذا السلطان بخطه في آخره ما صورته: وكتب في التاريخ المؤرخ به.
قال أبو عبد الله السلالجي: ولم يكتب أحد من ملوك بيته هذا بيده، بل كان كاتب السر هو الذي يكتب هذا إلا هذا السلطان أبو الحسن وأخوه أبو حفص عمر حين حياته. هذا مع وثوقه العظيم بكاتب السرّ الفقيه الفاضل أبي محمد عبد المهيمن بن الحضرمي واعتماده عليه ومشاركته في أمر له.
وأما هذا السلطان أبو الحسن في ذاته فإنّه ممن أصلح الله باطنه وظاهره وعمر بالتقوى قلبه وسائره. يساوي العلماء ويواسي الفقراء معدود في أبطال الرجال،
стр. 1265
وشجعان الفرسان ترد علينا من أخباره ما يراوح النسيم، ويفاوح التسنيم، تدارك الله به أهل الأندلس، وقد جاذبت معاقلهم الكفار، وثبت مدنهم وهي على شفا جرف هار. قد أجرى الله على يديه أجر بقائها في يد الإسلام، واستوقف به طغيانها وقد آذنت بسلام.
وهو في هذا الطرف ماسك بأوتاده، سالك فيه سبيل جهاده، راد لأعداء الله عن منى أطماعهم. ما لاذ به خائف إلا أجاره، ولا أمله آمل فخاب ظنّه، وقد وسع الخلق بخلقه، وجمع أممهم على ما أطعمه الله من رزقه.
ولقد حدثني غير واحد عن خلقه وخلائقه الرضية، وآثاره الوضية، وكمالاته التامة وفضائله المنقية المرضية، ما لحق به مَنْ سلف مِنَ السلف وهو ممن لا يثنى له عن الجهاد عنان، ولا يغمد له سيف ولاسنان حتى يسترد باقي ضالته المفقودة، وما أستولى عليه العدو من الأندلس من البلاد وجدير بمن هذه نيته أن يسهل الله له ببلوغ مرامه، واستكمال ما بقي في أيامه.
وهو رجل قتل الأيام، وفتل غارب الأنام، وخالط العلماء وتأدب بآدابهم، وخالل الشجعان وزاد عليهم، لو صدع الحجر لأنفذه، او صدف المتردي من السماك لا نقده. لا يلتفت طرفه إلى ما نبذه ولا إلى ما تركه من الدنيا، أو ما أخذه، فلو رمى البحر لما زخر زاخره، أو قذف الزمان لما دارت دوائره، وقد أحيا حوله من حوله من صنائع آبائه، من اتبعهم بهم من صنائعه، أسود غيل، وجنود صرير وصليل. لا يبدرهم صدى جبل إلى إجابة صريخ، ولا يخبرهم بألطاف المتجدد سمع فرس يصيح بهمم غطت على من تقدم، وآنست عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم.
وأما كيفية انتقال الملك إليه، فنقول - وبالله التوفيق -: إنَّ هذا السلطان ولد بفاس سنة ست وثمانين وستمائة، وأخذ الملك عن أبيه أبي سعيد عثمان. كان قد عهد إليه لما غضب على أخيه أبي علي عمر. وكان عمر الموشح عند أبيه أولًا حتى خرج عمر على أبيه وغلبه على فاس، ثم أخذها أبوه منه وحاصره في المدينة البيضاء مقدار خمسة أشهر. وكان عمر في هذه المدة ضعيفًا فدخل العلماء والصلحاء بينهما فأعطاه سجلماسه وأصار ولاية العهد إلى هذا السلطان أبي الحسن علي.
ثم تغير عليه بسبب جرحه لقمر خادمه، وهي التي بيدها مفاتيح بيت المال، وذلك أن أباه أبا سعيد عثمان سافر لزيارة ضريح سلفه بشالة، وهو موضع على مقربة من سلا - وترك ولده عليًا خلفًا منه بفاس فاحتاج إلى شيء هو في بيت المال فأراد أخذه وطلب من قمر المهاجرة المفاتح فأبت أن تمكنه من ذلك، ولا أن تبلغه هنالك، فاغتاظ عليها وجرد سيفًا كان معتقلًا به فجرحها فبلغ ذلك أباه فغاظه ما سمع فكتب كتابًا