أن تتناهى إلى أقل، الطبقات، وهي ستة مثاقيل في كل شهر، هذا المستقر لهم، وليس لأحد منهم بلد ولا مزدرع.
قال: وجميع أرزاقهم ناضة إليهم ميسرة عليهم.
قال: ومن عادة هذا السلطان أن يجلس في بكرة كل يوم ويدخل عليه الأشياخ الكبار وهم في دولته بمنزلة أمراء التوامين بإيران ومقدمي الألوف بمصر ليسلموا عليه، ثم يمدّ لهم سماط ثرائد في جفان وحولها طوافير، وهي المخافي فيها أطعمة ملونة منوعة ومعها الحلواء منها ما هو السكر ومعظمها بالعسل، ومنها النوعان موجودان إلا أن السكر قليل، وجمهور ما يعمل من العسل من الحلواء بالزيت، فإذا أكلوا الطعام تفرقوا إلى أماكنهم، وربما ركب السلطان بعد هذا.
فأما أخريات كل نهار فقل أن لا يركب إلى نهر هناك بعد العصر ويخرج إلى مكان فسيح من الصحراء قبقف به على نشز ويركب العسكر حوله ويتطارد قدامه الخيل فتتطاعن الفرسان، وتتداعى الأقران، وتمثل الحرب لديه وتقام صفوفها المرصوصة بين يديه كأنه حقيقة يوم الحرب واللقاء على سبيل التمرين ثم يعود في موكبه إلى قصره وتتفرق العساكر إلى أماكنهم، ويحضر العلماء والفضلاء والأعيان إلى مسامرته، ويمد لهم سماط بين يديه ويواكلهم في ذلك الوقت لكاتب سره معه خصوصية إجتماع للأخذ في المهم وعرض القصص والرقاع ويبيتون عنده أكثر الليالي إلا كاتب السر فإنه في بعض الليالي قد يؤمر بالمبيت فيبيت بخاصته.
وأما هيأة جلوسه للمظالم فإنه يجلس على فرس مرفوعة في قبة معلومة للجلوس له بحضرته الأشياخ مقلدين بسيوفهم.
فأما من لا له هذه الرتبة، ولا له وضع من ذوي السيوف فإنهم إذا دخلوا إلى مجلس السلطان وقفوا بعيدًا منه مصطفين متكئين على سيوفهم، وإذا أراد صاحب الشكوى إبلاغ شكواه، وهذا إنّما يكون حين ركوبه وظهوره صاح من بعد «لا إله إلا الله» أنصرني نصرك الله، فيعلم أنه شاك فتؤخذ قصته وتُعطى لكاتب السر، فإذا رجع إلى مقره واجتمع مع كاتب سرّه، وقرأ عليه تلك القصة وغيرها فينظر في ذلك بما رآه وإذا سافر السلطان وخرج من قصره ونزل بظاهر بلده وارتحل من هناك ضرب له طبل كبير قبيل الصبح إشعارًا بالسفر فيتأهب الناس، ويشتغل كل أحد بالاستعداد للرحيل، فإذا صليت صلاة الصبح ركب الناس على قبائلهم وطبقاتهم ومنازلهم المعلومة ووقفوا في طريق سلطانهم صفًا بجانب صف، ولكل قبيل وجند علم معروف به ومكان في الترتيب لا يتعداه، فإذا صلّى السلطان الصبح قعد أمام الناس ودارت عليه ما له من العبيد
стр. 1262
والوصفان والعدويين الذين هم كالنقباء، ويجلس حوله ناس يعرفون بالطلبة يجري عليهم ديوانه ويقرؤون حزبًا من القرآن الكريم ويذكرون شيئًا من الحديث الشريف النبوي - على قائله أفضل الصلاة والسلام - فإذا أسفر الصبح ركب وتقدم أمامه العلم الأبيض الذي هو سعد الدولة، ويقال له: المنصور وبين يديه الرجالة بالسلاح والخيل المجنوبة ببراقع الوشي والبراقع من ثياب السروح.
وعندما يضع السلطان رجله في الركاب يضرب في طبل كبير ثلاث ضربات، يقال له: تريال إشعارًا بركوبه.
ثم يسير السلطان بين صفي الخيل، ويسلّم كل صف عليه بأعلى صوته: سلام عليكم، ويكتنفانه يمينًا ويسارًا، وحينئذ تضرب جميع الطبول التي تحت البنود الكبار الملونة خلف الوزير على بعد عن السلطان، وربّما ركب إلى جانبه ولا يتقدم راكب إلا عن بعد كبير أمام العلم الأبيض إلا من يكون من خواص علوجه، وربما يأمرهم بالجولان بعضهم على بعض، ثم ينقطع ضرب الطبول إلى أن يقرب من المنزل، فإذا قرب السلطان من المنزل ضربت الطبول تتقدّم الزَّمَّالة إلى المنزل، وهؤلاء هم الفراشون وتضرب شقة من الكتان في قلبها جلود تقوم بها عصا وحبال من القنب في أوتاد وتستدير على كثير من أخبيته وبيوت السفر الخاصة به وبعياله وأولاده الصغار وتكون هذه الشقة كالمدينة لها أربعة أبواب في كل جهة باب ويحف به عبيده وعلوجه ووصفانه.
قال السلالجي: وهؤلاء بني مرين أكثر ميلهم إلى بيوت الشعر على عاداتهم الأولى في البداوة مع أنهم اليوم [من] أشياخهم من ضرب أخبية كثيرة مع البيوت ولهم في ذلك تنافس.
قال: ويضرب للسلطان أمام ذلك قبة كبيرة مرتفعة من كتان يسمى قبة الساقية لجلوسه للناس فيها وحضورهم عندهم بها وإذا ركب هذا السلطان لا يسايره إلا بعض الأشياخ الكبار من بني مرين أو بعض عظماء العرب وكثيرًا ما إذا استدعى أحدًا لا يجيء إليه ماشيًا فربما حدثه وهو ماش معه، وربما أكرمه فأمره أن يركب. وإذا عاد السلطان إلى حضرة ملكه ضربت البشائر له سبعة أيام، وأطعم الناس طعامًا شاملًا في موضع يسع الجماهير.
وشعار هذه المملكة هو اللواء الأبيض - المقدم الذكر - وهو المسمى عندهم العلم المنصور كما وصف، وهو أبيض مكتوب بالذهب نسجًا من الحرير آي من القرآن بدائر طرته، وحوله أعلام مختلفة الألوان.
стр. 1263
ومن شعاره إذا ركب في سفره من مدينة، أو يوم دخوله، أو في يوم عيد أن يركب الأشياخ حوله، وقدامه محمول سيف ورمح وترس - وهي الدُّرّاقة عندهم - يحملها ثلاثة من خاصته من الوصفان، وهم من خدمة السلطان أو أبناء خدم السلافة وحوله من أهل الأندلس رجالة بأيديهم الطربيات وهي كالأطبار، وقوّاد النصارى الكبار بأيديهم ذلك، وهم خلفه وقدامه خمسون نفرًا مشاة وأوساطهم مشدودة، بأيدهم رماح طوال وهم خلفه وقدامه وبأيديهم رماح طوال ورماح قصار، بيد كل واحد منهم اثنان، طويل وقصير، وكل منهم متقلّد د - مع ذلك - بسيف وأمامه الجنائب، وتسمى عندهم المقادات يجرها أناس مشاة وهي مسرجة ملجمة على السروح براقع حرير منسوجة بالذهب، وهي ثياب السروج، والسروج مخروزة بالذهب خرزًا شبيهًا بالزركش وركبها ذهب مسبوك زنة ركابي السرج ألف مثقال ذهبًا. فأما تحلية السروج بالأطواق وما يجري مجراها فإنّه لا يعرف عندهم، ومن عادته في العيدين أن لا تضرب الطبول خلفه إلا بعد أن يفرغ من الصلاة والخطبة.
قال السلالجي: وفي ليلة العيدين أو ليلة ورود السلطان على حضرته ينادي والي البلد في أهلها بالميز ومعناه: أنَّ أهل كل سوق يخرجون ناحية ومع كل واحد منهم قوس أو آلة سلاح متجملين بأحسن الثياب.
ويبيت تلك الليلة الناس أهل كل سوق بذاتهم خارج البلد، ومع أهل كل سوق علم يختص بهم عليه رَنْك أهل تلك الصناعة بما يناسبهم فإذا ركب السلطان بكرة اصطفوا صفوفًا يميسون قدامه، وركب هو والعسكر ميمنة وميسرة والعلوج خلفه ملتفين به والأعلام منشورة وراءه، والطبول خلفها حتى يصلي ثم يعود فينصرف أرباب الأشواق إلى بيوتهم، ولا يحضر طعام عيد السلطان إلا خواصه وأشياخه، وله طعام عام يحضره الضعفاء والمساكين.
وسألت أبا عبد الله السلالجي عن أرزاق القضاة والكتاب عنده؟، فقال: أما قاضي القضاة فله في كل يوم مثقال من الذهب، وله أرض يسيرة يزرع فيها ما يجيء منه مؤنته، وعليق دوابه.
وأما كاتب السر وهو الفقيه الإمام العالم الفاضل أبو محمد عبد المهيمن بن الحضرمي (١) فله في كل يوم مثقالان من الذهب، وله محيران في قريتين يتحصل منهما
стр. 1264
متحصل جيد، وله رسوم كثيرة على البلاد ومنافع وإرفاقات، ولكل واحد منهما في كل سنة بغلة بسرجها ولجامها وسبنية قماش برسم الكسوة نظير للأشياخ الكبار إلا الثوب الزردخاناه يعني الطرد وحش.
قال: وهذان هما المصيبان والبقية لا أعرف ما لهم، ولكن لا نسبة لأحد إلى هذين الرجلين، وإنما أعلم أنه تطلق الرواتب من المحارث والأرض للفقهاء والعلماء والفقراء والحساء، وهم أرباب البيوت.
وأما [ما] يكتب عن هذا السلطان فمن عادته أنه إذا كتب عنه كتاب يكتب في أوله بخط الكاتب بعد، بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على النبي ﷺ : من أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق فإذا انتهى الكتاب إلى آخره وختمه الكاتب بالتاريخ، كتب هذا السلطان بخطه في آخره ما صورته: وكتب في التاريخ المؤرخ به.
قال أبو عبد الله السلالجي: ولم يكتب أحد من ملوك بيته هذا بيده، بل كان كاتب السر هو الذي يكتب هذا إلا هذا السلطان أبو الحسن وأخوه أبو حفص عمر حين حياته. هذا مع وثوقه العظيم بكاتب السرّ الفقيه الفاضل أبي محمد عبد المهيمن بن الحضرمي واعتماده عليه ومشاركته في أمر له.
وأما هذا السلطان أبو الحسن في ذاته فإنّه ممن أصلح الله باطنه وظاهره وعمر بالتقوى قلبه وسائره. يساوي العلماء ويواسي الفقراء معدود في أبطال الرجال،
стр. 1265
وشجعان الفرسان ترد علينا من أخباره ما يراوح النسيم، ويفاوح التسنيم، تدارك الله به أهل الأندلس، وقد جاذبت معاقلهم الكفار، وثبت مدنهم وهي على شفا جرف هار. قد أجرى الله على يديه أجر بقائها في يد الإسلام، واستوقف به طغيانها وقد آذنت بسلام.
وهو في هذا الطرف ماسك بأوتاده، سالك فيه سبيل جهاده، راد لأعداء الله عن منى أطماعهم. ما لاذ به خائف إلا أجاره، ولا أمله آمل فخاب ظنّه، وقد وسع الخلق بخلقه، وجمع أممهم على ما أطعمه الله من رزقه.
ولقد حدثني غير واحد عن خلقه وخلائقه الرضية، وآثاره الوضية، وكمالاته التامة وفضائله المنقية المرضية، ما لحق به مَنْ سلف مِنَ السلف وهو ممن لا يثنى له عن الجهاد عنان، ولا يغمد له سيف ولاسنان حتى يسترد باقي ضالته المفقودة، وما أستولى عليه العدو من الأندلس من البلاد وجدير بمن هذه نيته أن يسهل الله له ببلوغ مرامه، واستكمال ما بقي في أيامه.
وهو رجل قتل الأيام، وفتل غارب الأنام، وخالط العلماء وتأدب بآدابهم، وخالل الشجعان وزاد عليهم، لو صدع الحجر لأنفذه، او صدف المتردي من السماك لا نقده. لا يلتفت طرفه إلى ما نبذه ولا إلى ما تركه من الدنيا، أو ما أخذه، فلو رمى البحر لما زخر زاخره، أو قذف الزمان لما دارت دوائره، وقد أحيا حوله من حوله من صنائع آبائه، من اتبعهم بهم من صنائعه، أسود غيل، وجنود صرير وصليل. لا يبدرهم صدى جبل إلى إجابة صريخ، ولا يخبرهم بألطاف المتجدد سمع فرس يصيح بهمم غطت على من تقدم، وآنست عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم.
وأما كيفية انتقال الملك إليه، فنقول - وبالله التوفيق -: إنَّ هذا السلطان ولد بفاس سنة ست وثمانين وستمائة، وأخذ الملك عن أبيه أبي سعيد عثمان. كان قد عهد إليه لما غضب على أخيه أبي علي عمر. وكان عمر الموشح عند أبيه أولًا حتى خرج عمر على أبيه وغلبه على فاس، ثم أخذها أبوه منه وحاصره في المدينة البيضاء مقدار خمسة أشهر. وكان عمر في هذه المدة ضعيفًا فدخل العلماء والصلحاء بينهما فأعطاه سجلماسه وأصار ولاية العهد إلى هذا السلطان أبي الحسن علي.
ثم تغير عليه بسبب جرحه لقمر خادمه، وهي التي بيدها مفاتيح بيت المال، وذلك أن أباه أبا سعيد عثمان سافر لزيارة ضريح سلفه بشالة، وهو موضع على مقربة من سلا - وترك ولده عليًا خلفًا منه بفاس فاحتاج إلى شيء هو في بيت المال فأراد أخذه وطلب من قمر المهاجرة المفاتح فأبت أن تمكنه من ذلك، ولا أن تبلغه هنالك، فاغتاظ عليها وجرد سيفًا كان معتقلًا به فجرحها فبلغ ذلك أباه فغاظه ما سمع فكتب كتابًا
стр. 1266
وأمر بعض الأشياخ بمسيره إليه يأمره فيه بالخروج من البلد الجديدة، وسكناه بقصبة البلد العتيقة برأسه ليس إلا على فرسه ولا يركب معه أحد من جيشه، وسلبه عن كل شيء، فلما بلغه الكتاب - وهو في قصره حيث جلوسه للناس - قرأه وعرف ما فيه فأخذه وألقاه على رأسه وقبله بفيه وخرج من حينه إلى الموضع الذي رسم له فيه، وبقي محجوزًا مدّة إلى أن دخل العلماء والصلحاء والخطباء والأعيان فشفعهم فيه، ورضي عنه وأعاده إلى ولاية العهد.
ثم إن أباه توجّه على قصد تلمسان بسبب وصول الأمير أبي زكريا يحيى - صاحب بجاية - إليه لاستنجاده لهم على ما تقدمت إليه الإشارة على عدوهم المحاصر لهم فعرض له المرض وصدّه عن الوصول إلى تلمسان ضعف أصابه في طريقه فرجع إلى مدينة تازي وهناك وصلته ابنة المير أبي بكر في الأصطول الذي بعثه إليها فرجع إلى فاس واشتدّ به المرض فمات بعقبة البقر قريب فاس.
وحين مات والده وقف أبو الحسن راكبًا على فرسه حتى بايعه الناس، ثم دخل فاسًا ودفن اباه وجلس موضعه، واستقل بالملك، وكتب إلى أخيه عمر يعزيه بأبيه، ويقره على حاله فأبى عمر وخرج على أخيه أبي الحسن فجهز إليه أبو الحسن ولده يعقوب.
ثم إنه في آخر الأمر قصده بنفسه بالجيوش والعساكر وأراد أن يقبض عليه، ثم دخل بينهما العلماء وأهل الصلاح فعفا عنه، واقره على حاله، وكتبت بينه وبينه وثيقة مشهودة بذلك.
ثم بعد ذلك خرج ابو الحسن قاصدًا إلى. (١)، فمال أخوه عمر إلى ممالاة أهل تلمسان عليه فضرب أبو الحسن وجهه عن تلمسان إلى سجلماسة قاصدًا لأخيه عمر فحاصره مدة.
ثم إنه دخل عليه سجلماسة وأمسكه قبضًا باليد، ووجده قد ارتكب فظائع من المحرمات من قتل عمه أبي البقاء يعيش، وجمع بين حرائر ذوات عقود أزيد مما أباحت الشريعة فاستفتى أبو الحسن عليه العلماء فأفتوا بقتله ففصده في يديه وتركه ينزف دمه حتى مات واستقل حينئذ أبو الحسن ورست قواعد أركانه، وانتشرت أعلام سلطانه.
ووالده أبو سعيد ورث الملك عن أمير المسلمين أبي الربيع سليمان بن عبد الله ابن أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق.
وأبو الربيع ورث الملك عن أخيه لأبيه أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب، وأبو يحيى ورث الملك عن أبي يعقوب يوسف أمير المسلمين وابو يعقوب ورث الملك عن
стр. 1267
أبيه أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق. وهو أول من استقلّ بالملك من ملوك بني مرين.
وكان أهل انتقال الملك إليهم، إنَّ دولة الموحدين بمراكش كان قد انحل عقد نظامها، وانثل عقد أيامها لانهماك آخرهم على اللذات وتشاغلهم بها عن الأخذ بالحزم في الأمور.
وكانت قبائل بني مرين رحالة نزالة أهل بادية ذوي بأس ومنعة فثأر فيهم أبو يحيى أبو بكر بن عبد الحق وجمع الجموع وتغلب على فاس، فملكها وملك غيرها من البلاد ثم مات أبو يحيى بن عبد الحق فقام أخوه أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق فقصد مراكش فخرج إليه أبو دبوس ابو العلا إدريس فقتل أبو دبوس وهو آخر من كان قد انتهى إليه الملك من بني عبد المؤمن بن علي. ومن يومئذ ظهرت دولة بني مرين واستقل سلطانها بالمغرب الأقصى.
* * *
стр. 1268
الباب الرابع عشر في مملكة الأندلس
المملكة الإسلامية بالأندلس - حماها الله تعالى - طول مسافتها عشرة أيام، وعرضها ثلاثة أيام. وسلطانها الآن - أعني عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة - هو يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر (١) مستقرة.
غرناطة (٢):
وهي الآن دار هذه المملكة وأضخم بلادها، مدينة كبيرة مستديرة، رائقة المنظر،
стр. 1269
كثيرة الأمطار والأنهار والبساتين والفواكه قليلة مهب الرياح لا يجري بها الريح إلا نادرًا لاكتناف الجبال إياها واصل أنهارها نهران عظيمان (شنيل) و (حدرة) أما شنيل فينحدر من جبل شلير (١) بجنوبها وهو طود شامخ لاينفك عنه الثلج شتاء ولاصيفًا، فهو لذلك شديد البرد، وغرناطة كذلك في الشتاء بسببه إذ ليس بينها وبينه سوى عشرة أميال. وفي برد غرناطة يقول ابن صدرة: [من الطويل]
أُحِلَّ لنا ترك الصلاةِ بأرضكم … وشرب الحُميا وهو شيء مُحرَّمُ
فرارًا إلى نار الجحيم لأنها … أرقُ علينا من شلير وأرحم
لئن كانَ رَبي مدخلي في جهنم … ففي مثل هذا اليوم طاب جهنم!
وبها عيون كثيرة وأشجار مختلف ألوانها وخصوصًا التفاح والقراسيا البعلبكية التي لا تكاد توجد في الدنيا منظرًا وحلاوة حتى إنها ليعصر منها العسل، وبها الجوز والقسطل والتين والأعناب والخوج والبلوط وغير ذلك، وبذلك الجبل عقاقير كعقاقير الهند، وعشب يستعمل في الأدوية يعرفها الشجارون لا توجد في الهند ولا في غيره (٢).
[فحص غرناطة:]
ويمر شنيل على غربي غرناطة إلى فحصها يشق منها أربعين ميلًا بين بساتين وقرى وضياع كثيرة البيوت والعلالي وأبراج الحمام وغير ذلك من المباني (٣) وينتهى فحصها إلى (لوشة) حيث أصحاب الكهف على قول (٤).
стр. 1270
وأما (حدرة) فينحدر من جبل بناحية مدينة (وادي آش) (١) شرقي شلير فيمر بين بساتين ومزارع وكرمات إلى أن ينتهي إلى غرناطة، فيدخلها إلى باب الدفاف بشرقها، يشق المدينة نصفين تطحن به الأرحاء بداخلها وعليه بداخلها (٢)، قناطر خمس: قنطرة ابن رشيق، وقنطرة القاضي، وقنطرة حمام جاش والقنطرة الجديدة، وقنطرة العود (٣)، وعلى القناطر أسواق ومباني محكمة، والماء يجري من هذا النهر في جميع البلد في أسواقه (٤)، وقاعته ومساجده يبرز في أماكن على وجه الأرض ويخفي جداوله تحتها في الأكثر، وحيث طلب الماء وجد.
[قصور الحمراء:]
وقلعتها حيث سلطانها تعرف (بالحمراء) وهي بديعة متسعة كثيرة المباني الضخمة والقصور ظريفة جدًا، يجري بها الماء تحت بلط كما يجري في المدينة فلايخلو منه مسجد ولابيت، وبأعلى برج منها عين ماء (٥) وجامع المدينة من أبدع الجوامع وأحسنها
стр. 1271
بناء، وتعلق بجامع الحمراء ثريات الفضة، وبحائط محرابه أحجار ياقوت مرصوفة في جملة ما نمق به من الذهب والفضة، ومنبره عاج وأبنوس.
[معالم غرناطة:]
وبالمدينة جبلان يشقان وسطها، وبها دور حسان وعلالي مشرفة على الفحص فترى منظرًا بديعًا من مزدرعاته وفروع الأنهار تشقها وغير ذلك مما يقصر عنه التخيل والتشبيه، يعرف أحد الجبلين (بالجرة) و (مورور) ويعرف الثاني (بالقصبة القديمة) و (بالسند) وهناك (برج الديك) عليه ديك نحاس رأسه رأس فرس وعليه صورة راكب بحرية ودرقة، من حيث هبت الريح دار الراكب (١) وباقي المدينة وطيء.
[الأبواب والأرباض:]
وللمدينة ثلاثة عشر بابًا: باب البيرة (٢) وهو أضخمها، وباب الكحل، وباب الرخاء، وباب المرضى، وباب المصرع، وباب الرملة (٣)، وباب الدباغين، وباب
стр. 1272
الطوابين (١)، وباب الفخارين، وباب الخندق، وباب الدفاف. وباب البنود (٢) وباب الأبندر.
وحول غرناطة أربعة أرباض: ربض الفخارين وربض الأجل وهو كثير القصور والبساتين وكلا الربضين على شنيل، وربض الرملة، وربض البيازين الذي بناحية باب الدفاف وهو كثير العمارة يخرج منه نحو من خمسة عشر ألف مقاتل كلهم شجعان مقاتلون معتادون بالحروب وهو ربض مستقل بحكامه وقضاته وغير ذلك (٣)،
وجامع غرناطة محكم البناء بديع جدًا لا يلاصقه بناء تحف به دكاكين للشهود والعطارين، وقد قام سقفه على أعمدة ظراف وبداخله الماء وبه أسانيد منصوبون لإقراء العلوم، وهو معمور بالخير كل حين، ومساجد المدينة ورباضاتها لاتكاد تحصى لكثرتها.
[جلوس السلطان:]
ويقعد السلطان للناس بدار العدل بالسبيكة (٤) من الحمراء يوم الاثنين ويوم الخميس صباحًا فيقرأ بمجلسه عشر من القرآن وشيء من حديث رسول الله ﷺ : ويأخذ الوزير القصص من الناس ويحضر معه المجلس الرؤساء من أقاربه ونحوهم.
стр. 1273
[لباس الأندلس:]
وأهل الأندلس لا يتعممون بل يتعهدون شعورهم بالتنظيف والحناء ما لم يغلب الشيب، ويتطيلسون إلا العامة فيلقون الطيلسان على الكتف أو الكتفين مطويًا طيًا ظريفًا، ويلبسون الثياب الرفيعة الملونة من الصوف والكتان ونحو ذلك، وأكثر لباسهم في الشتاء الجوخ وفي الصيف البياض. والمتعمم فيهم قليل (١).
[الجند:]
وأرزاق الجند بها ذهب بحسب مراتبهم، وأكثرهم من بر العدوة من بني مرين وبني عبد الواد وغيرهم (٢) والسلطان يسكنهم القصور الرفيعة، وبينهم وبين الأفرنج حروب ووقائع جمة في كل سنة إلا أن يكون بينهم صلح إلى أمد. وحروبهم سجال تارة لهم وتارة عليهم. والنصر في الغالب للمسلمين على قلتهم وكثرة عدوهم بقوة الله تعالى. وقد كانت لهم وقيعة في الافرنج سنة تسع عشر وسبعمائة على مرج غرناطة قتل فيها من الافرنج أكثر من ستين ألفًا وملكان (بطرة) و (جوان) عمه وبطرة الآن معلق جسده في تابوت على باب الحمراء وافتديت جيفة جوان بأموال عظيمة (٣)، وحاز
стр. 1274
المسلمون غنيمة من أموالهم قل ما يذكر مثلها في تاريخ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحكيم﴾ (١).
[الأسطول:]
وبالبلاد البحرية أسطول حراريق للغزو في البحر الشامي يركبها الانجاد من الرماة والمغاورين والرؤساء المهرة، فيقاتلون العدو على ظهر البحر. وهم الظافرون في الغالب، ويغيرون على بلاد النصارى بالساحل أو بقرب الساحل. فيستأصلون أهلها ذكورهم وإناثهم ويأتون بهم بلاد المسلمين، فيبرزون بهم ويحملوهم إلى غرناطة إلى السلطان فيأخذ منهم ما شاء ويهدي ويبيع.
[ساحل الأندلس:]
والبلاد البحرية أولها من جهة المشرق ألمرية وهي ذات مرسى على البحر الشامي، وهي أول مراسي البلاد الإسلامية بالأندلس. وكانت العمارة قبل لبجانة فانتقلت إلى الساحل لمنافع الناس و (بجانة) على وادي المرية. وهي الآن قرية عظيمة جدًا ذات زيتون وأعناب وفواكه مختلفة وبساتين ضخمة كثيرة الثمرات، ووادي المرية يقال فيه: إنه أبدع الأودية، على أن الماء فيه يقل في الصيف فيكون بالقسط للبساتين، ويبلغ متصلًا (بمرشانة) وقراها أربعين ميلًا (٢).
стр. 1275
ألمرية ثلاث مدن: الأولى من جهة الغرب تعرف بالحوض الداخلي: لها سور محفوظ من العدو بالسمار والحراس ولا عمارة بها. ويليها إلى الشرق المدينة القديمة وتليها المدينة الثالثة المعروفة بمصلى المرية، وهي أكبر الثلاث. والقلعة تحوز القديمة من جهة الشمال وتسمى القصبة في ألسنتهم. وهما قصبتان في غاية الحسن والمنعة. وساحل المرية أحسن السواحل وحولها حصون وقرى كثيرة، وجبال شامخة، وجامعها الكبير بالمدينة القديمة وهو بديع، والمرية كثيرة الفواكه وأما الحنطة فبحسب السنين الممطرة لأن أكثر زرعها بالمطر وترتفق بما يجلب إليها من الحنطة من بر العدوة. وبها دار الصناعة لإنشاء الحراريق لقتال العدو. ويأتيها الآن ولاة من صاحب غرناطة. وقد كانت فيما مضى مملكة مستقلة، وبينها وبين غرناطة مسيرة ثلاثة أيام. ويلي المرية من البلاد البحرية من جهة الغرب (شلوبين) (١) وهي معدة لإرسال من يغضب
стр. 1276
عليه السلطان من أقاربه ويرسل. ويزرع بها قصب السكر ويقاربها (المنكب) (١) وهي مدينة دون المرية، وبها أيضًا دار صناعة لإنشاء السفن وبها قصب السكر والموز ولا يوجد في بلد من البلاد الإسلامية هنالك إلا فيها إلا مالًا يعتبر، ويحمل منها السكر إلى البلاد، وبها زبيب مشهور الاسم.
ويلي المنكب (قلش)، وهي كثيرة التين والعنب والفواكه.
قال أبو عبد الله بن السديد: إنّه ليس في الأندلس أكثر عنبًا وتينًا يابسًا منها.
وأما (مالقة) (٢) فمدينة بديعة كثيرة الفواكه لها ربضان عامران أحدهما من علوها والآخر من سفلها، وبها دار صناعة لإنشاء الحراريق وجامعها بديع وبصحنه نارنج ونخل: وتختص بعمل صنائع الجلد كالأغشية والحزم والمداورات وبصنائع الحديد كالسكين والمقص، وبالفخار المذهب الذي لا يوجد مثله في بلد، وبالتين الغزير الذي يجلب منها إلى جميع البلاد الغربية بالأندلس وغيرها فيعم البلاد شتاء وصيفًا لا يكاد يخلو منه دكان بياع، واللوز مثله في الكثرة والحسن والطيب، وكذلك الزبيب، وهي
стр. 1277
خصيبة جدًا، وفي تينها يقول الشاعر (١).: [من السريع]
مالقةٌ حييت يا تينها … فالفُلك من أجلك يأتينها
نَهَى طبيبي عنك في علَّتي … ما لطبيبي عن حياتي نهى
قال ابن السديد: إن بها سوقًا ممتدًا لأطباق تعمل من الحوض إلى غير ذلك مما يعمل منه.
ويلي مالقة مدينة (مربلة) (٢) وهي صغيرة كثيرة الفواكه والسمك.
ويليها (اشتبونة) وهي مثلها ساحلية كثيرة الفواكه ويلي أشتبونة (٣) (جبل الفتح) (٤) وهو طود شامخ يخرج في بحر الزقاق ستة أميال و (بحر الزقاق) أضيق مكان
стр. 1278
في البحر الغربي سعته ستة فراسخ، وجرية الماء به قوية، ولا يكاد يركد، ويسمى بحر القنطرة، والقنطرة جسر أخضر من (شلش) إلى (آلش) يراه المسافرون إذا سكن البحر، وشلش واللش ما بين (طريف) (١) و (الجزيرة) (٢) وقد كان هذا الجبل تملكه الافرنج منذ سنين ثم أعاده الله إلى الإسلام منذ قريب، وعمره السلطان أبو الحسن المريني واتخذه عتادًا لجنده إذا دخلوا الجزيرة لحرب الكفّار، وقد كان أسكنه طائفة من عسكره. وأخذ الجزيرة الخضراء من السلطان يوسف بن الأحمر - ملك الأندلس - لتكون مستقرًا لجيشه، وأعاضه عنها زروعًا تؤدى إليه ومالًا يؤدى عنه، هكذا حدثني الثقات من بني مرين، والقاضي الفقيه إبراهيم بن أبي سالم.
ثم أخذت الفرنج الجزيرة الخضراء حين قتل أبو مالك بن السلطان المريني وانهزم جيشه بعد النصرة العظمى، وحينئذ زادت الهمم المرينية في تشييد هذا الجبل وتحصينه وتعمير ما عمر منه، والله يحيى هذا الملك لإكمال ما شرع فيه من غزو الفرنج واستعادة ضوال الإسلام منهم، وينصره النصر المؤزر ويفتح عليه الفتح المبين.
وهذا الجبل جبل منيع جدًا يتمكن من حازه من الجزيرة وسبتة وما بينهما، ويلي الجبل الجزيرة الخضراء - المشار إليها - وهي مدينة محكمة كثيرة الزرع والماشية، وبها نهر يعرف بوادي العسل عليه بساتين وأرح وغير ذلك، وبها دار صنعة لإنشاء الحراريق، وهي آخر البلاد البحرية الإسلامية بالأندلس وليس بعدها، وهي بيد النصارى - أعادها الله وقصمهم -.
ومن البلاد الكبار غير البحرية رندة، وهي والجزيرة الخضراء والجبل ومربلة وما والاهم تحت يد صاحب برّ العدوة السلطان أبي الحسن - أحسن الله إليه وأعانه.
وبين رندة والجزيرة الخضراء مسيرة ثلاثة أيام، وهي جبلية كثيرة الفواكه والمياه
стр. 1279
والحرث والماشية، وأهلها موصوفون بالجمال ورقة البشرة واللطافة. ويليها بلدة أشقيرة، ثم أرحضونة، ثم لوشة، وبين المرية وغرناطة مدينة وادي آش، وهي بلدة حسنة بديعة منيعة جدًا كثيرة المياه والفواكه والمزارع قريبة من شنيل فلذلك هي شديدة البرد بسبب الثلوج، وهي بلدة مملكة، وأهلها موصوفون بالشعر، ويحكم بها الرؤساء، وهم من قرابة السلطان أو من يستقل بها السلطان، أو من خلع من سلطان لنفسه والمياه تشق أمام أبوابها كغرناطة.
ويليها مشرقًا بسطة وهي كثيرة الزرع واختصت بالزعفران، وبها منه ما يكفي أهل الملة الإسلامية بالأندلس على كثيرة ما يستعملونه. وبهذه المملكة من البلاد برجة وبيرة واندرش وهي مدينة ظريفة كثيرة الخصب، وتختص بالفخار لجودة دربتها فلا يوجد في الدنيا مثل فخارها للطبخ وحصونها كثيرة جدًا فليس بها من بلد إلا وحوله حصون كثيرة محفوظة بولاة من السلطان، ورجال تحت أيديهم وببعضها فرسان مرتبون، وجند السلطان معظمهم بغرناطة ثم بمالقة وبيرة وبالثغور البرية.
وأما الثغور البحرية كالمرية فليس لها حاجة بالخيل إلا قليلًا وحاجتها إلى الحراريق؛ لأنَّ بلاد البرّ تغزو وتغزى من البر، وبلاد البحر بالعكس. وأخبار الأندلس كثيرة مما سبق عليه الكتاب، وسلف حديثه في سلف هذه الأبواب مما فيه كفاية، وإليه انتهت الغاية (١).
* * *
стр. 1280
الباب الخامس عشر: في ذكر العرب الموجودين في زماننا وأماكنهم
ومضارب أحيائهم ومساكنهم على افتراق فرقهم، واختلاف طوائفهم، وأشتات قبائلهم، ومنازلهم من أطراف العراق إلى آخر المغرب دون من في اليمن وخراسان، فإنه لم يتحرر لي أمرهم وإنما ذكرتُ مَنْ عرفتُ منهم إذ لم يكن بد من ذكرهم. وهم نُزَّال حول الحاضرة، وذوو توغل في البادية. وهم أَسْوَارُ المدن، وحَفَظَةُ الطرق، ولم يزل منهم أئمة للطلائع، وجناح للجيوش. ومنهم بممالكنا - مصر والشام - حَفَظَةٌ الدروب، والقَومَةُ بِخَيْل البريد، والحَمَلَةُ للسياق في غالب المملكة. ولم تزل الملوك تهش لوفَادَتهم، و تَهَبُ لهم جزيل الأموال، وتُقْطِعُهم جُلَّ البلاد هذا إلى التنويه بأقدارهم، والتعويل على أخيارهم، ورفعهم في المجالس. وقد ذكرناهم على ما هم عليه الآن من النسب مع ما حصل من التداخل في الأنساب، والتباين في الأسباب، والتنقل في الديار، والتبدل بالأقطار، واعتمدت في أكثر ذلك على ما ذكره الأمير الثقة بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن أبي المعالي بن زَمَّاخ المعروف بابن سيف الدولة الحَمْدَاني المِهمندار (١)، وما حدثني به الشيخ الدليل النسابة محمود بن عرام من أصحاب قناة بن حارث (٢)، وهو من ذوي الثقة، والعلم بقبائل العرب وأنسابها، وبلادها، وتَفرُّق فِرَقها في أغوارها وأنجادها - وأبوه عرّام بن كويب بن خليل بن ماجد بن ثابت (٣) بن ربيعة الذي يُنسب إليه آل ربيعة قاطبةً - إلى ما كنت نقلته عن
стр. 1281
أحمد بن عبد الله الواصلي وغيره من مشيخة العرب. وقد كان كلُّ من الأمير فضل بن عيسى (١) وموسى بن مهنا (٢) يُحدّثني بطرفٍ من أخبار العرب. وكذلك ما نقلته عن الشريف أبي عبد الله بن عمر بن الإدريسي من أخبار عرب الغرب، وعن الشيخ زكريا المغربي. وقد صَحَّحْتُ ذلك بحسب الجهد، وما ألام في تقصير في هذا الباب الذي لم أتأنس قبلي بداخل منه والطريق الذي لم أجد غيري سالكًا فيه ولا مُسْتَخْبِرًا، على أنه يَلْزَمُ مِنْ ذكر العُرْبان الموجودين في زماننا الكلام على قبائل العرب البائدة، والعاربة، والمُسْتَعْرِبة؛ لأن هؤلاء أغصان تلك الشجرة، وفروع تلك الأصول، فلنتكلّم عليهم على مُقْتَضَى ما ذكره المؤرّخون ونَسُوقهم إلى أن بَزَغَتْ شمس الإسلام وآن مولد النبي -. وكان الأولى أن نذكر ذلك في جملة سكّان الأرض ليلحق بَعْضُه بِبَعْضٍ، وإنما أتينا به المناسبة بينه وبين الأبواب السابقة في ذكر الممالك، إذ مساكن العربان مُتَخَلَّلة لأكثر الممالك التي ذكرناها، أو مُجاورة لها. وإذا تقدم شيء عن موضعه لمَعْنَى اقتضاه وأُحيل على المتقدم في موضعه كان أولى من تأخيره وإلفات النظر إليه.
فنقول: (٣) قسم المؤرخون العرب إلى ثلاثة أقسام: بائدة، وعاربة، ومُسْتَعْرِبةٌ.
أما البائدة فهم العرب الأول الذين ذهبت عنا تفاصيل أخبارهم لتقادم عهدهم، وهم: عَادُ، وثَمُودُ، وجُرْهُمُ الأولى.
وأما العرب العاربة فهم عرب اليمن من ولد قحطان.
وأما العرب المُسْتَعْرِبة فهم من وَلَد إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
[العرب البائدة]
فالعرب البائدة (٤): طَسْمٌ، وجَدِيسٌ، وكانتْ مساكن هاتين القبيلتين باليمامة من جزيرة العرب، وكان المُلْكُ عليهم في طسم واستمروا على ذلك بُرهَةً من الزمان حتى انتهى المُلْكُ إلى رجلٍ ظَلُومٍ، غَشُومٍ (٥)، قد جعل سُنَّتَه أَنْ لا تُهْدَى بِكْرٌ من
стр. 1282
جَدِيسٍ إِلى بَعْلها حتى تَدْخُلَ عليه فيفترعها. ولما استمر ذلك على جديس أنفُوا منه واتفقوا على أن دفنوا سيوفهم في الرمل وعملوا طعامًا للملك ودعوه إليه. فلما حضر في خواصه من طَسْمٍ عَمَدَتْ جَدِيسٌ إلى سيوفهم فانتزعوها من الرمل، وقتلوا المَلِكَ وغالب طَسْم. فهرب رجلٌ من طسم (١) وشكا إلى تُبَّع بن حسّان (٢) مَلِك اليَمَن (٣) فسار مَلِكُ اليَمَن إِلى جَديس وأوقع بهم وأفناهم فلم يبق لطَسْمٍ وَجَديس ذكر بعد ذلك.
[العرب العاربة]
والعرب العاربة (٤): بنو قحطان بن عابر بن شالخ بن أَرْفَخْشَد بن سام (٥). فمنهم بنو جُرْهُم بن قحطان (٦)، وكانت منازلهم بالحجاز، ولما أسكن إبراهيم الخليل ابنه إسماعيل ﵉ مكّةَ وكانتْ جُرْهُم نازلين بالقرب من مكة، واتصلوا بإسماعيل وزوجوه منهم، وصار من ولد إسماعيل العرب المستعربة؛ لأن أصل إسماعيل ولسانه كان عبرانيًا، فلذلك قيل له ولولده العرب المُستعربة (٧).
ومن العرب العاربة (٨): بنو سَبَأ، واسمُ سَبَأ عبدُ شَمْسٍ، فلما أكثرَ الغَزْوَ وَالسَبْيَ سُمِّيَ سَبَأ. وهو ابنُ يَشْجُب بن يَعْرُب بن قحطان (٩) وسيأتي نَسَبُ قَحْطان. وكان لسبأ عدة أولاد (١٠)، فمنهم حِمْيَر، وكهلان وغيرهم. وجميع قبائل اليمن وملوكها المتتابعة
стр. 1283
من وَلَد سَبَأ المذكور، وجميع تبابعة اليَمَن من وَلَد حِمْيَر بن سبأ خلا عمران وأخيه مزيقيا، فإنهما ابنا عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. والأزد من ولد كهلان بن سبأ (١)، وفي ذلك خلاف فنذكر هنا أخبار عرب اليمن وقبائلهم المنسوبين إلى سبأ المذكور، ونبذأ بذكر بني حِمْيَر بن سبأ، فإذا انتهوا ذكرنا كهلان بن سبأ حتى آخرهم إن شاء الله تعالى.
فمن بني حمير (٢) بن سبأ التبابعة، ومنهم قضاعة، وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ، وقيل قضاعة بن مالك بن عمرو بن مروة بن زيد بن مالك بن حمير (٣) وكان قضاعة مالكًا لبلاد الشحر، وقبر قضاعة في جبل الشحر (٤).
ومن قضاعة كلب (٥) وهم بنو كلب بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان (٦) بن علوان بن الحاف بن قضاعة. وكانت بنو كلب في الجاهلية ينزلون دومة الجندل، وتبوك، وأطراف الشام. ومن مشاهير كلب زهير بن جناب الكلبي وهو القائل (٧): [من الطويل]
ألا أصبحت أسماء في الخَمْر تَعْدُلُ … وتَزْعُمُ أنّي بالسفاءِ مُوَكَّلُ
فقلتُ لها كُفّي عِتابَكِ نَصْطَبَحْ … وإلا فبيني فالتعرب أمثل
ومنهم (٨) حارثة الكلبي، وهو أبو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وكان قد أصاب ابنه سبي في الجاهلية، فصادر إلى خديجة زوج النبي ﷺ فوهبته للنبي ﷺ وأنشد ابن عبد البر في كتاب «الصحابة» لحارثة المذكور يبكي ابنه زيدًا لما فقده (٩): [من الطويل]
стр. 1284
بَكَيْتُ على زيد ولم أَدْرِ ما فَعَلْ … أحيُّ يُرْجَى أم أتى دونه الأَجَلْ
تذكرنيه الشمس عند طُلوعِها … وتَعرِضُ ذِكراه إذا قارب الطفل
وإن هَبَّت الأرواح هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ … فيا طول ما حُزني عليه ويا وَجَلْ
ثم اجتمع حارثة بزيدٍ ولده عند رسول الله ﷺ فَخَيَّرَه رسول الله ﷺ فاختاره على أبيه وأهله.
ومن قضاعة بهراء (١).
ومن (٢) قُضاعة جهينة، وهي قبيلة عظيمة ينتسب إليها بطون كثيرة، وكانت منازلها بأطراف الحجاز الشمالي من جهة بحر جدة.
ومن قضاعة بلي.
ومن قضاعة تنوخ. وكان بينهم وبين اللخميين ملوك الحيرة حُروب.
ومن قضاعة بنو سليح، وكان لهم بادية الشام، فغلبهم عليها ملوكُ غَسَّان وأبادوهم.
ومن قضاعة بنو عُذْرَة، منهم عُرْوَةُ بن حزام، وجميل صاحب بثينة.
ومن قضاعة بنو نَهْدِ، منهم الصَقْعَب بن عمرو النهدي، وهو أبو خالد بن الصقعب، وكان رئيسًا في الإسلام (٣).
ومن بطون حِمْيَر شعبان، ومنهم عامر الشعبي الفقيه.
انتهى الكلام في بني حمير.
و من (٤) بني كهلان بن سبأ (٥) المذكور أحياء كثيرة، والمشهور منها سبعة وهي:
الأزد، وطيّئ، ومذحج، وهمدان، وكندة، ومراد، وأنمار.
أما الأزد فهم من ولد الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن أدد بن زيد بن كهلان، فمن قبائلهم الغساسنة ملوك الشام، وهم بنو عمرو بن مازن بن الأزد، ومنهم الأوس والخزرج أهل يثرب، وهم الأنصار ﵃. ومن الأزد خزاعة،
стр. 1285
وبارق، ودوس، والعتيك، وغافق. فهؤلاء بطون الأزد.
أما خزاعة فإنها لما انخزعت عن غيرها من قبائل اليمن الذين تفرقوا من سيل العرم وسكنت ببطن مرّ على قرب من مكة وحصلت لهم سدانة البيت، والرئاسة، ولما اصطلح رسول الله ﷺ (١) مع قريش في عام الحديبية، دخلت خُزاعة في عهد رسول الله ﷺ . وقد اختلف في نسب خُزاعة بين المعدية واليمانية، والأكثر أنها يمانية (٢). والذي تنتسب إليه خُزاعة هو كَعْبُ بن لُحَيّ بن حارثة بن عمرو مُزَيقيا بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد وقد تقدم ذكر عمرو مزيقيا. وما زالت (٣) سدانة البيت في خُزاعة حتى انتهت إلى رجل منهم يقال له أبو غُبشان، وكان في زمن قصي بن كلاب، فاجتمع مع قصي بالطائف في شرب فأسكره قصي وخدعه واشترى منه مفاتيح الكعبة بزق خمر وأشهد عليه وتسلّم المفاتيح وأرسل ابنه عبد الدار بن قصي بها إلى مكة. فلما وصل إليها رفع صوته وقال: يا معشر قريش هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل، قد ردها الله عليكم من غير عارٍ ولا ظلم، فلما صحا الخزاعي ندم حيث لا تنفع الندمة. فقيل: أخسر من أبي غُبشان (٤). وأكثرت الشعراء القول في ذلك فمنه: [من البسيط]
باعث خُزاعة بيت الله إِذْ سَكِرَتْ … بِزِقٌ خَمْرٍ فَبِئسَتْ صَفْقَةُ البادي
باعث سِدانَتَها بالنَزْرِ وانصرفت … عن المقام وظل البيت والنادي
وجمع قصي أشتات قريش وأخرج خُزاعة من مكة.
ومن خزاعة بنو المصطلق الذين غزاهم رسول الله ﷺ (٥).
وأما بارق (٦) فهم من ولد عمرو مُزَيْقِيا الأزدي. نزلوا جبلًا بجانب اليمن يقال له
стр. 1286
بارق فَسُمُّوا به (١). ومنهم مُعَقِّرُ بنُ حِمارٍ البارقي. ذكره صاحب الأغاني (٢)، وهو صاحب القصيدة التي من جملتها البيت المشهور (٣): [من الطويل]
وألقت عصاها واستقر بها النَوَى … كما قَرَّ عَيْنًا بالإياب المُسافِرُ
وأما دوس (٤) فهو ابن عُدْثان بن عبد الله بن وهزان بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد. وسكنتْ بنو دَوْس إحدى السروات المطلة على تهامة، وكانت لهم دولة بأطراف العراق. وأوّل مَنْ مَلَكَ منهم مالك بن فهم بن غنم بن دوس (٥)، وقد تقدم ذكر مالك بن فهم ومن تملك بعده. ومن الدوس أبو هريرة، وقد اختلف في اسمه، والصحيحُ عُمَيْرُ بن عامر (٦).
وأما العتيك (٧) وغَافِق فقبيلتان مشهورتان في الإسلام، وهم من ولد الأزد. ومن الأزد بنو الجُلَنْدَى ملوك عُمان. والجُلَنْدَى لَقَبٌ لكلِّ مَنْ ملك عُمان منهم. وكان مُلك عُمان في أيام الإسلام قد انتهى إلى حَبْقَر وعبد ابني الجُلَنْدَى، وأسلما مع أهل عُمان على يد عمرو بن العاص (٨). إنتهى الكلام في الأزد.
وأما طيئ (٩) فإنّها نزلت بعد الخروج من اليمن بسبب سيل العرم بنَجْد الحجاز في جبليْ أَجَأَ وسَلْمَى، فَعُرِفَا بجبلي طيئ إلى يومنا هذا. وأما طيئ فهو [ابن] أُدَدُ بن زيد بن كهلان. فمن بطون طيّئ (١٠) جَدِيلَة، ونَبهان، وبَوْلان، وسلامان، وهنيّ،
стр. 1287
وسُدُس - بضم السين. وأمّا سَدُوس التي في قبائل رَبِيعَة بن نزار فمفتوحة السين (١). ومن سلامان بنو بُحْتُر، ومن هني إياس بن قبيصة (٢) الذي ملك بعد النعمان. ومن طيئ عمرو بن المُسبِّح، وهو من بني ثعل الطائي، وكان عمرو أرمى الناس، وفيه يقول امروء القيس (٣): [من المديد]
رُبَّ رام من بني تُعَلٍ … مُخْرِجٌ كَفَّيْهِ من سُتَرِه
ومن بني ثُعَل الطائي زَيْدُ الخَيْل، وسماه رسول الله ﷺ زَيْدَ الخَيْر (٤). ومن طيئ حاتم طيئ المشهور بالكرم.
وأما بنو مَذْحِج (٥)، واسم مَذْحِج مالك بن أُدد بن زيد بن كهلان، وهم بطون كثيرة، فمنها خَوْلان وجَنْب، ومنهم معاويةُ الخَيْرِ الجَنْبيُّ صاحب لواء مذحج في حرب بني وائل، وكان مع تغلب. ومن مَذْحِج أود قبيلة الأفوه الأودي الشاعر (٦). ومن بني مَدْحِج (٧) بنو سعد العشيرة، وسُمِّي بذلك؛ لأنّه لم يَمُتْ حتى رَكِبَ معه من ولده، وولد ولده ثلاثمائة رَجُلٍ، وكان إذا سُئِلَ عنهم يقول: هؤلاء عشيرتي دفعًا للعين عنيهم، فقيل له سَعْدُ العشيرة لذلك (٨). ومن بطون سَعْد العَشِيرة جُعْف، وزُبَيْد قبيلةُ عَمْرو بن مَعْدي
стр. 1288
كرب الزبيدي (١). ومن بطون مَدْحِجِ النَخَع، ومنهم الأشتر واسمه مالك بن الحارث صاحب رسول الله ﷺ (٢)، ثم عليّ بن أبي طالب ﵁. ومن النخع سنان بن أنس قاتل الحسين. ومنهم القاضي شريك (٣). ومن مَذْحِجِ عَنْسٌ بالنون: وهي قبيلة
стр. 1289
الأسود الكذاب العنسي. وعَنْسٌ أيضًا رهط عَمَّار بن ياسر صاحب رسول الله ﷺ .
وأما همدان (١) فهم من ولد ربيعة بن حَيَّان بن مالك بن زيد بن كهلان، ولهم صيتُ في الجاهلية والإسلام.
وأمّا عِنْدَة (٢) فهم بنو ثَوْر، وثَوْر هو كِنْدَة بن عفير بن الحارث، من ولد زيد بن كهلان، وسمي كندة؛ لأنه كند أباه اي كفر نعمته (٣). وبلاد كندة باليمن تلي حضرموت، وقد تقدم ذكر ملوكهم. ومن كندة حجر بن عدي (٤) صاحب علي بن أبي طالب، قتله معاوية صبرًا. ومنهم شُرَيحُ القاضي (٥) .. ومن بطون كندة (٦) السكاسك، والسكون بنو أشرس بن كندة. فمن السكون معاوية بن خديج قاتل محمد بن أبي بكر الصديق ﵄ ومنهم حصين بن نمير السكوني، الذي صار صاحب جيش
стр. 1290
يزيد بن معاوية بعد مسلم بن عقبة نوبة الحرة بظاهر مدينة الرسول ﷺ .
وأما مُراد (١) فبلادهم إلى جانب زبيد من جبال اليمن، وإليه ينتسب كل مرادي من عرب اليمن.
وأما أنمار (٢) ففرعان، وهما بجيلة، وخثعم. وبجيلة رهط جرير بن عبد الله صاحب رسول الله ﷺ (٣) وكان يقال لهذا جرير يوسف الأمة لحسنه. وفيه قيل: [من الرجز]
لولا جرير هلكت بَجِيلَه
نِعْمَ الفَتَى وبئست القَبِيلَة
وأما القبائل المنتسبة إلى عمرو بن سبأ (٤)، فمنهم لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ (٥). ومن لخم بنو الدار، رهط تميم الداري (٦). و. ومن لخم المناذرة ملوك الحيرة، وهم بنو عمرو بن عدي بن نصر اللخمي، وكانت دولتهم من أعظم دول العرب، وقد ذكرناهم. ومنهم جُذام بن عمرو بن سبأ، وهو أخو لَحْم. وجميع جذام من ابنيه حرام وحشم. وكان في بني حرام الشرف. ومن بطون حشم بن جُذام عتيب بن أسلم.
وأما بنو الأشعر بن سبأ، فهم الأشعريون، وهم رهط أبي موسى، واسمه عبد
стр. 1291
الله بن قيس (١).
وأما بنو عاملة بن سبأ فمن القبائل اليمانية التي خرجت إلى الشام زمن سيل العرم ونزلوا قرب دمشق في جبل عاملة. فمن عاملة عدي بن الرقاع الشاعر (٢).
[العرب المستعربة]
وأما العرب المستعربة (٣) فهم ولد إسماعيل، وقيل لهم المستعربة؛ لأن إسماعيل لم تكن لغته عربية بل عبرانية ودخل في العربية فلذلك سُمّي ولده المستعربة.
سبب سكني إسماعيل وأُمّه مكة (٤)، وأن ذلك كان بسبب سارة ﵂
стр. 1292
وأن الله تعالى أمر إبراهيم أنْ يُطيعَ سارة، وأن يُخرجَ إسماعيل عنها. فخرج إبراهيم من الشام ومعه إسماعيل، وقدم بهما مكة، وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (١) فأنزلهما إبراهيم هناك وعاد إلى الشام، وكان عمر إسماعيل أربع عشرة ة سنة، وذلك لمُضيّ مائة سنةٍ من عُمر إبراهيم. فمن (٢) سكني إسماعيل ﵇ مكّة إلى الهجرة ألفان وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة، وكان هناك قبائل جرهم فتزوج إسماعيل منهم امرأةً، وولدت له اثني عشر ولدًا ذكرًا، فمنهم قيدار. وماتت هاجر، ودُفِنَتْ بالحِجْر، ومات إسماعيل ودُفِنَ معها. وقد اختلف (٣) المؤرخون اختلافًا كثيرًا في أمر ملك جرهم على الحجازيين وبني إسماعيل، فمن قائل: الملك على الحجازيين في جرهم ومفتاح الكعبة في ولد إسماعيل، ومن قائل: إن قيدار توجته أخواله وعقدوا له الملك عليهم بالحجاز. وأما سدانة البيت ومفاتيحه فكانت مع بني إسماعيل بغير خلافٍ حتى انتهى ذلك إلى نابت من بني إسماعيل، فصارت السدانة بعده لجُرْهُم، ويدلّ على ذلك قول عامر بن الحارث الجرهمي من قصيدته (٤)، منها: [من الطويل]
وكنا ولاة البيت من بعدِ نابت … نطوف بذاك البيت والأمر ظاهر
كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصَفَا … أنيس ولم يَسْمُر بمكة سامر
بَلَى نحن كنا أهلها فأبادَنا … صُروف الليالي والجدود العواثِرُ
ثم ولد لقيدار ابنه حمل، ثم ولد لحمل نبت، ويقال نابت، وقيل هو ابن قيدار، وقيل: ابن إسماعيل، وفي ذلك خلاف. ثم ولد لنبت سلامان، ثم ولد لسلامان الهميسع، ثم ولد للهميسع اليسع، ثم ولد لليسع أدد، ثم ولد لأدد أد، ثم ولد لأد ابنه عدنان، ثم ولد لعدنان ولدان وهما عك - ومنه بنو عك - ومعد. ثم ولد لمعد قضاعة، ومنه بنو قضاعة ونزار.
стр. 1293
ثم ولد لنزار أربعة فمنهم مضر على عمود النسب النبوي، وثلاثة خارجون عن النسب، أولهم إياد (١)، وكان أكبر من مضر، وإليه يرجع كل إيادي (٢) من بني معد.
وفارق إياد الحجاز وسار بأهله إلى أطراف العراق. فمن بني إياد كعب بن مامة الإيادي، وكان يضرب بجوده المثل والثاني ربيعة (٣)، ويُعرف بربيعة الفرس؛ لأنه ورث الخيل من أبيه، وولد لربيعة أسد وضبيعة. فولد لأسد جديلة، وغيره، ومن جديلة وائل. ومن وائل بكر، وتغلب، فمن تغلب كليب ملك بني وائل، وقتله جساس (٤). ومن بكر بن وائل بنو شيبان، ومن رجالهم مُرَّة، وابنه جساس (٥) قاتل كُلَيْب، وطرفة بن العبد الشاعر. ومن بكر المُرقشان، الأكبر والأصغر. ومن بكر بنو حنيفة، ومنهم مسيلمة الكذاب (٦). وأما عنزة بن أسد بن ربيعة فمنه بنو عنزة، وهم أهل خيبر. ومن بني عنزة القارظان (٧). وأما ضبيعة بن ربيعة، فمن ولد المتلمس الضبعي الشاعر. ومن قبائل ربيعة النمر، ولجيم، والعجل، وبنو عبد القيس وهم من ولد أسد بن ربيعة. ومن ولد ربيعة سدوس - بفتح السين واللهازم. والثالث أنمار. ومضى أنمار إلى اليمن، فتناسل بنوه بتلك الجهات وحسبوا من اليمن.
لما حضرت نزار الوفاة (٨) دعا إيادًا وعنده جارية شمطاء، وقال: هذه الجارية الشمطاء وما أشبهها لك. ودعا أنمارًا، وهو في مجلس له، وقال: هذه البدرة، والمجلس وما أشبههما لك. ودعا ربيعة فأعطاه حبالًا سودًا من شعر، وقال: هذا وما أشبهه لك. وأعطى مضر قبة حمراء، وقال: هذه وما أشبهها لك، ثم قال: وإن أشكل عليكم شيء، فأتوا الأفعى ابن الأفعى الجرهمي - وكان ملك نجران.
فلما مات نزار ركبوا رواحلهم آمين الأفعى. فلما كانوا من نجران على يوم، إذا
стр. 1294
هم بأثر بعير. فقال إياد: بعير أعور! فقال أنمار: إنه لأبتر! فقال ربيعة: وإنه لأزور! وقال مضر: شارد لا يستقر! فلم ينشبوا أن وقع لهم راكب. فلما غشيهم قال: هل رأيتم من بعير ضال؟ فوصفوه له فقال: إن هذه لصفته عينًا، فأين بعيري؟ قالوا: ما رأيناه! قال: أنتم أصحاب بعيري، ما أخطأتم من نعته شيئًا! فلما أناخوا بباب الأفعى واستأذنوه، وأذن لهم صالح الرجل بالباب، فدعا به الأفعى، وقال: ما تقول؟ قال: أيها الملك ذهب هؤلاء ببعيري فسألهم الأفعى عن شأنه، فأخبروه فقال لإياد: ما يدريك أنه أعور؟ قال: رأيته قد لحس الكلًا من شق والشق الآخر وافر. وقال أنمار: رأيته يرمي بعره مجتمعًا ولو كان أهلب لمصع به، فعلمت أنه أبتر. وقال ربيعة: أثر إحدى يديه ثابت، وأما الآخر فاسد، فعلمت أنه أزور. وقال مضر: رأيته يرعى الشقة من الأرض ثم يتعداها فيمرّ بالكلأ الغض فلا ينهش منه شيئًا، فعلمت أنه شرود. فقال الأفعى: صدقتم! وليسوا بأصحابك فالتمس بعيرك. ثم سألهم الأفعى عن نسبهم، فأعلموه، فرحب بهم وحياهم، ثم قصوا عليه قصة أبيهم فقال لهم: كيف تحتاجون إلي وأنتم على ما أرى؟ قالوا: أمرنا بذلك ابونا. فأمر خدم دار ضيافته أن يحسن إليهم، ويكرم مثواهم. وأمر وصيفًا له أن يلزمهم ويتفقد كلامهم، فأتاهم القهرمان بشهد فأكلوه، وقالوا: ما رأينا شهدًا أعذب ولا أحسن منه. فقال إياد: صدقتم لولا أن نحله في هامة جبار. ثم جاءهم بشاة مشوية فأكلوها، واستطابوها، فقال أنمار: صدقتم لولا أنها غُذيت بلبن كلبة. ثم جاءهم بالشراب فاستحسنوه، فقال ربيعة: صدقتم لولا أن كرمته نبتت على قبر. ثم قالوا: ما رأينا منزلًا أكرم قرى ولا أخصب رحلًا من هذا الملك! فقال مضر: صدقتم لولا أنه لغير أبيه فذهب الغلام إلى الأفعى فأخبره. فدخل الأفعى على أمه فقال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتيني من أبي. قالت: أنت الأفعى ابن الملك الأكبر. قال: حقًا لتصدقيني! فلما ألح عليها قالت: أي بني، إن الأفعى كان شيخًا قد أثقل، فخشيت أن يخرج هذا الأمر عنا أهل البيت، وكان عندنا شاب من أبناء الملوك اشتملت عليك منه. ثم بعث إلى القهرمان فقال: أخبرني عن الشهد الذي قدمته إلى هؤلاء النفر ما خطبه؟ قال: أجتزنا بدبر في كهف فيه عظام نخرة، وإذا النحل قد عسلت في جمجمةٍ من تلك العِظام، فأمرت باشتياره، فأتوا بعسل لم ير مثله قط، فقدمته إليهم لجودته. ثم بعث إلى صاحب مائدته، فقال: ما هذه الشاة التي أطعمتها هؤلاء النفر؟ قال: إني بعثت إلى الراعي أن يبعث لي أسمن ما عنده، فبعث بها. فسألته عنها فقال: إنها أول ما ولدت من غنمي فماتت أمها وأنست السخلة بجراء الكلبة ترضع معهم فلم أجد في غنمي مثلها، فبعثت بها إليك. ثم بعث إلى صاحب الشراب
стр. 1295
وسأله عن شأن الخمر، فقال: هي كرمة غرستها على قبر أبيك، فليس في بلاد العرب مثل شرابها. فعجب الأفعى من القوم وقال: ما هم إلا شياطين! ثم أحضرهم وسألهم عن وصيّة أبيهم، فقال إياد: جعل لي خادمًا شمطاء وما أشبهها. فقال الأفعى: إنه ترك غنمًا برشاء فهي لك ورعاؤها مع الخادم. وقال أنمار: جعل لي بدرة ومجلسه، وما أشبههما. فقال: لك ما ترك من الرقة، والأرض. وقال ربيعة: جعل لي حبالًا سودًا وما أشبهها. فقال: ترك أبوك خيلًا دهماء وسلاحًا فذلك لك وما فيها من عبيد، فقيل ربيعة الفرس. وقال مضر: جعل لي قبة حمراء وما أشبهها. قال: إن أباك ترك إبلًا حمرًا، فهي لك، فقيل مضر الحمراء. فكانوا كذلك حينًا من الدهر إلى أن أصابتهم سنة، فهلكت الشاءُ، وعامة الإبل، وذهبت بالرقة، والمتاع، وكان ربيعة يغزو على خيله ويغير ويعول إخوته، وكان سبب تحوّل أنمار إلى اليمن أنه تعرق عظمًا في جنح الليل، ثم دحا به وهو لا يبصر، ففقأ عين مضر، فصاح مضر، وتشاغل به إخوته، فاعرورى أنمار بعيرًا من إبله فلحق بأرض اليمن.
ثم ولد لمضر المقدم ذكره إلياس … على عمود النسب، وولد له خارجًا عن عمود النسب، قيس عيلان بن مضر (١) - بالعين - وقيل: إن عيلان فرسة (وقيل كلبه) وقيل: عيلان أخو قيس، وهو الياس بن مضر (٢). وقد جعل الله تعالى من الكثرة لقيس أمرًا عظيمًا. فمن ولده قبائل هوازن (٣)، ومن هوازن بنو سعد بن بكر بن هوازن، الذين كان فيهم رسول الله ﷺ رضيعًا (٤). ومن قبائل قيس بنو كلاب، وصار منهم أصحاب حلب، وكان أولهم صالح بن مرداس، ومن قبل قبائل عقيل الذين كان منهم ملوك الموصل، المقلد، وقرواش، وغيرهما (٥). ومن ولد قيس بنو عامر بن صعصعة، وخفاجة. وما زالت الخفاجة إمرة العراق من قديم، وإلى الآن (٦). ومن هوازن أيضًا بنو
стр. 1296
ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. ومن هوازن أيضًا جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، ومن جُشَم دريد بن الصمة. ومن قيس أيضًا بكر وبنو هلال، وثقيف، واسم ثقيف عمرو بن منبه بن هوازن. وقد قيل: إنَّ ثقيفًا من إياد، وقيل: من بقايا ثمود، وهم أهل الطائف (١). ومن قيس عيلان أيضًا بنو نُمَيْر، وباهلة، ومازن وغطفان، وهو ابن سعد بن قيس عيلان. ومن قيس أيضًا بنو عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان. وكان بين عبس، وذبيان حروب داحس (٢) المقدم ذكرها. ومن بني عبس عنترة العبسي، وادعاه أبوه شداد بعد أن كبر. ومن قيس أشجع، وهم أيضًا من ولد غطفان. ومن قيس قبائل سليم، ومن قيس بنو ذبيان بن بغيض، ومن بني ذبيان المذكورين، بنو فزارة، فمنهم حصن بن حذيفة بن بدر (٣) الذي يمدحه زهير بقوله (٤): [من الطويل]
تراهُ إذا ما جئتَهُ مُتَهَلِّلًا … كَأَنَّكَ تُعطِيهِ الذي أَنْتَ سَائِلُهْ
وأسلم حصن ثم نافق (٥). وكان بين بني ذبيان وبين عبس إحن وحروب معروفة. ومن بني ذبيان النابغة الذبياني (٦). ومن قيس عدوان بن عمرو بن قيس عيلان، وكانوا ينتزلون
стр. 1297
الطائف قبل ثقيف. ومنهم ذو الإصبع العدواني (١) الشاعر. انتهى الكلام على قيس (٢).
وولد لإلياس، مدركة، على عمود النسب (٣)، وولد له خارجًا عن العمود طابخة، وبعضهم ينسب مدركة، وطابخة إلى أمهما خندف، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وجميع أولاد إلياس من خندف، وإليها ينسبون دون أبيهم فيقولون بني خندف ولا يذكرون إلياس وصار من طابخة الخارج عن العمود قبائل (٤)، فمنهم بنو تميم بن طابخة والرباب، وبنو ضبة، وبنو مزينة، وهم بنو عمرو بن أد بن طابخة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة.
ثم ولد لمدركة بن إلياس خزيمة على عمود النسب (٥)، وولد له خارجًا عن العمود هذيل، وغالب، وسعد، وقيس، المنسوب إليهم أبناؤهم. ومن هذيل جيمع قبائل الهذليين (٦). فمنهم عبد الله بن مسعود (٧) صاحب رسول الله ﷺ ، وأبو
стр. 1298
ذؤيب الهذلي (١) الشاعر، وغيره.
ثم ولد لخزيمة المذكور كنانة على عمود النسب (٢)، وولد له خارجًا عن العمود الهون، وأسد ابنا خزيمة. فمن الهون عضل، وهي قبيلة أبوهم عضل بن الهون بن خزيمة، ومنه أيضًا الديش بن الهون، وهو أخو عضل. ويقال لهاتين القبيلتين، وهما عضل وديش:
القارة (٣). وأما أسد بن خزيمة فمنه الكاهلية ودودان وغيرهما. وإليه يرجع كل أسدي.
стр. 1299
ثم ولد لكنانة المذكور النضر بن كنانة على عمود النسب (١)، وكان للنضر عدّة إخوة ليسوا على العمود (٢)، وهم ملكان، وعبد مناة، وعمرو، وعامر، ومالك، أولاد كنانة. فصار من ملكان بنو ملكان، وصار من عبد مناة عدّة بطون، وهم بنو غفار - رهط أبي ذر، وبنو بكر، ومن بني بكر الدُّئِل - رهط أبي الأسود الدئلي. ومن بطون عبد مناة بنو ليث، وبنو الحارث، وبنو مدلج، وبنو ضمرة. وصار من عمرو بن كنانة العمريون، ومن أخيه عامر العامريون. ومن مالك بن كنانة بنو فراس. ومن بطون كنانة الأحابيش، وليسوا من الحبشة، بل هم من عرب كنانة، فهؤلاء إخوة النضر، وولدهم. وأما النضر فقيل: إنه قريش (٣)، والصحيح أن قريشًا هم بنو فهر.
وولد للنضر مالك على عمود النسب، والصلت، ويخلد (٤).
وولد لمالك فهر على عمود النسب (٥)، وفهر هو قريش، وكل من كان من ولد فهر فهو قرشي، وسمي قريشًا لشدّته تشبيهًا له بدابة من دواب البحر يقال لها القرش. وقيل: إن قصيًا لما استوى على البيت وجمع أشتات بني فهر حول الحرم سموا قريشًا؛ لأنه قرشهم أي جمعهم، كذا نقل ابن سعيد المغربي (٦). فعلى هذا تكون لفظة قريش اسمًا لبني فهر لاله. ولم يولد لمالك غير فهر على عمود النسب.
وولد لفهر غالب على عمود النسب (٧). وولد له خارجًا عن العمود ولدان:
стр. 1300
محارب، والحارث. فمن محارب بنو محارب - وهم شيبان، ومن الحارث بنو الخلج. ومنهم أبو عبيدة بن الجراح (١)، أحد العشرة ﵃.
ثم ولد لغالب لؤي على عمود النسب (٢)، وولد له خارجًا عن العمود تيم الأدرم - والأدرم الناقص الذقن (٣). ومن تيم بنو الأدرم. وكان لؤي سيد قومه، فاق شجاعة، وكرمًا، وحلمًا، وخطابة، وكان ذا مال وإبل كثيرة. وحكي أنه ند له بعير فخرج يردّه فاستصعب، فتناول حجرًا، فضربه به في جبهته فأنفذه من الجانب الآخر، فعجب لذلك، ثم أخذ الحجر فوجده حديدًا أخضر فأتى به قينًا من يهود، فقال له: اطبع هذا سيوفًا. ثم أتاه يتقاضاه نجازها، وكانت قد نجزت، فأخذ القين سيفًا منها وهزّه بيده ثم قال: [من الطويل]
سيوف حِدادٌ يا لُؤي بن غالب … حِدادٌ ولكن أين بالسيف ضارب
فتناوله لؤي بيده وضرب به عنقه.
ثم ولد للؤي أولاد (٤): كعب على عمود النسب، وإخوته خارجون عن العمود، وهم: سعد، وخزيمة، والحارث، وجُشم، وعوف، وعمرو، وعامر، وسامة أولاد لؤي بن غالب. ولكل منهم ولد ينتسبون إليه خلا الحارث. ومن ولد عامر (٥) بن لؤي عمرو بن عبدود، فارس العرب، قتله علي بن أبي طالب ﵁.
ثم ولد لكعب مرة على عمود النسب (٦)، وولد له خارجًا عن العمود هصيص (٧)،