ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. ومن هوازن أيضًا جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، ومن جُشَم دريد بن الصمة. ومن قيس أيضًا بكر وبنو هلال، وثقيف، واسم ثقيف عمرو بن منبه بن هوازن. وقد قيل: إنَّ ثقيفًا من إياد، وقيل: من بقايا ثمود، وهم أهل الطائف (١). ومن قيس عيلان أيضًا بنو نُمَيْر، وباهلة، ومازن وغطفان، وهو ابن سعد بن قيس عيلان. ومن قيس أيضًا بنو عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان. وكان بين عبس، وذبيان حروب داحس (٢) المقدم ذكرها. ومن بني عبس عنترة العبسي، وادعاه أبوه شداد بعد أن كبر. ومن قيس أشجع، وهم أيضًا من ولد غطفان. ومن قيس قبائل سليم، ومن قيس بنو ذبيان بن بغيض، ومن بني ذبيان المذكورين، بنو فزارة، فمنهم حصن بن حذيفة بن بدر (٣) الذي يمدحه زهير بقوله (٤): [من الطويل]
تراهُ إذا ما جئتَهُ مُتَهَلِّلًا … كَأَنَّكَ تُعطِيهِ الذي أَنْتَ سَائِلُهْ
وأسلم حصن ثم نافق (٥). وكان بين بني ذبيان وبين عبس إحن وحروب معروفة. ومن بني ذبيان النابغة الذبياني (٦). ومن قيس عدوان بن عمرو بن قيس عيلان، وكانوا ينتزلون
стр. 1297
الطائف قبل ثقيف. ومنهم ذو الإصبع العدواني (١) الشاعر. انتهى الكلام على قيس (٢).
وولد لإلياس، مدركة، على عمود النسب (٣)، وولد له خارجًا عن العمود طابخة، وبعضهم ينسب مدركة، وطابخة إلى أمهما خندف، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وجميع أولاد إلياس من خندف، وإليها ينسبون دون أبيهم فيقولون بني خندف ولا يذكرون إلياس وصار من طابخة الخارج عن العمود قبائل (٤)، فمنهم بنو تميم بن طابخة والرباب، وبنو ضبة، وبنو مزينة، وهم بنو عمرو بن أد بن طابخة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت كلب بن وبرة.
ثم ولد لمدركة بن إلياس خزيمة على عمود النسب (٥)، وولد له خارجًا عن العمود هذيل، وغالب، وسعد، وقيس، المنسوب إليهم أبناؤهم. ومن هذيل جيمع قبائل الهذليين (٦). فمنهم عبد الله بن مسعود (٧) صاحب رسول الله ﷺ ، وأبو
стр. 1298
ذؤيب الهذلي (١) الشاعر، وغيره.
ثم ولد لخزيمة المذكور كنانة على عمود النسب (٢)، وولد له خارجًا عن العمود الهون، وأسد ابنا خزيمة. فمن الهون عضل، وهي قبيلة أبوهم عضل بن الهون بن خزيمة، ومنه أيضًا الديش بن الهون، وهو أخو عضل. ويقال لهاتين القبيلتين، وهما عضل وديش:
القارة (٣). وأما أسد بن خزيمة فمنه الكاهلية ودودان وغيرهما. وإليه يرجع كل أسدي.
стр. 1299
ثم ولد لكنانة المذكور النضر بن كنانة على عمود النسب (١)، وكان للنضر عدّة إخوة ليسوا على العمود (٢)، وهم ملكان، وعبد مناة، وعمرو، وعامر، ومالك، أولاد كنانة. فصار من ملكان بنو ملكان، وصار من عبد مناة عدّة بطون، وهم بنو غفار - رهط أبي ذر، وبنو بكر، ومن بني بكر الدُّئِل - رهط أبي الأسود الدئلي. ومن بطون عبد مناة بنو ليث، وبنو الحارث، وبنو مدلج، وبنو ضمرة. وصار من عمرو بن كنانة العمريون، ومن أخيه عامر العامريون. ومن مالك بن كنانة بنو فراس. ومن بطون كنانة الأحابيش، وليسوا من الحبشة، بل هم من عرب كنانة، فهؤلاء إخوة النضر، وولدهم. وأما النضر فقيل: إنه قريش (٣)، والصحيح أن قريشًا هم بنو فهر.
وولد للنضر مالك على عمود النسب، والصلت، ويخلد (٤).
وولد لمالك فهر على عمود النسب (٥)، وفهر هو قريش، وكل من كان من ولد فهر فهو قرشي، وسمي قريشًا لشدّته تشبيهًا له بدابة من دواب البحر يقال لها القرش. وقيل: إن قصيًا لما استوى على البيت وجمع أشتات بني فهر حول الحرم سموا قريشًا؛ لأنه قرشهم أي جمعهم، كذا نقل ابن سعيد المغربي (٦). فعلى هذا تكون لفظة قريش اسمًا لبني فهر لاله. ولم يولد لمالك غير فهر على عمود النسب.
وولد لفهر غالب على عمود النسب (٧). وولد له خارجًا عن العمود ولدان:
стр. 1300
محارب، والحارث. فمن محارب بنو محارب - وهم شيبان، ومن الحارث بنو الخلج. ومنهم أبو عبيدة بن الجراح (١)، أحد العشرة ﵃.
ثم ولد لغالب لؤي على عمود النسب (٢)، وولد له خارجًا عن العمود تيم الأدرم - والأدرم الناقص الذقن (٣). ومن تيم بنو الأدرم. وكان لؤي سيد قومه، فاق شجاعة، وكرمًا، وحلمًا، وخطابة، وكان ذا مال وإبل كثيرة. وحكي أنه ند له بعير فخرج يردّه فاستصعب، فتناول حجرًا، فضربه به في جبهته فأنفذه من الجانب الآخر، فعجب لذلك، ثم أخذ الحجر فوجده حديدًا أخضر فأتى به قينًا من يهود، فقال له: اطبع هذا سيوفًا. ثم أتاه يتقاضاه نجازها، وكانت قد نجزت، فأخذ القين سيفًا منها وهزّه بيده ثم قال: [من الطويل]
سيوف حِدادٌ يا لُؤي بن غالب … حِدادٌ ولكن أين بالسيف ضارب
فتناوله لؤي بيده وضرب به عنقه.
ثم ولد للؤي أولاد (٤): كعب على عمود النسب، وإخوته خارجون عن العمود، وهم: سعد، وخزيمة، والحارث، وجُشم، وعوف، وعمرو، وعامر، وسامة أولاد لؤي بن غالب. ولكل منهم ولد ينتسبون إليه خلا الحارث. ومن ولد عامر (٥) بن لؤي عمرو بن عبدود، فارس العرب، قتله علي بن أبي طالب ﵁.
ثم ولد لكعب مرة على عمود النسب (٦)، وولد له خارجًا عن العمود هصيص (٧)،
стр. 1301
وعدي ابنا كعب. فمن هصيص بنو جمح. ومن مشاهيرهم أُمَيَّةُ بن خلف، عدو النبي ﷺ وأخوه أُبي بن خلف، وكان مثله في العداوة. ومن هصيص أيضًا بنو سهم. ومن بني سهم عمرو بن العاص السهمي. ومن عدي بن كعب بنو عدي، ومنهم عمر بن الخطاب، وسعيد بن زيد من العشرة (١) ﵃.
ثم ولد لمرة على عمود النسب ابنه كلاب (٢)، وولد له خارجًا عن العمود تيم، ويقظة. فمن تيم (٣) بنو تيم، ومنهم أبو بكر الصديق، وطلحة من العشرة ﵃. ومن يقظة بنو مخزوم. منهم خالد بن الوليد ﵁، وأبو جهل بن هشام، واسمه عمرو المخزومي.
ثم ولد لكلاب قصي على عمود النسب (٤)، وولد له خارجًا عن العمود زهرة، ومنه بنو زهرة، ومن بني زهرة سعد بن أبي وقاص أحد العشرة، ونسب آمنة أم رسول الله ﷺ ، ونسب عبد الرحمان بن عوف (٥) ﵃. وقصي كان عظيمًا في قريش، وهو الذي استعاد سدانة البيت من خُزاعة، وجمع قريشًا، وأثّل مجدهم. وجاء الإسلام وهو على ذلك في التعظيم لشأنه، وكانوا لا يبرمون أمرًا إلا بدار الندوة؛ لأنها كانت داره و به اجتمعت قبائل قريش في الحرم. وفي ذلك يقول الشاعر (٦): [من الطويل]
أبوكم قُصَيَّ كان يُدعَى مُجمعًا … به جَمَّعَ الله القبائل من فِهْرِ
ثم ولد لقصي عبد مناف، واسمه المغيرة، على عمود النسب (٧). وولد له خارجًا
стр. 1302
عن العمود عبد الدار، وعبد العُزَّى ابنا قصي. فمن بني عبد الدار بنو شيبة الحجبة (١)، ومن ولد عبد الدار النضر بن الحارث، وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ، وقتله رسول الله ﷺ يوم بدر صبرًا (٢). ومن بني عبد العُزَّى خديجة بنت خويلد، زوج النبي ﷺ . ومن بني عبد العزى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى (٣). ولبني عبد مناف في قريش النسب الصميم، والحسب الكريم، وإلى هذا أشار أبو طالب عم النبي ﷺ بقوله (٤): [من الطويل]
إذا افتخرتْ يومًا قُرَيْشٍ بِمَفْخَرٍ … فَعَبْدُ مَنَافٍ أصلُها وصَميمها
وولد عبد مناف أربعة أبناء (٥)، وهم نوفل، وعبد شمس، والمطلب، وهاشم ويقال (٦): إن عبد شمس، وهاشمًا ولدا لبطن، وجلداهما معتلقان، فلما فرقا سال بينهما الدم قالوا: إنه سيكون بينهما، وهكذا كان، وقد تظارف من قال (٧): [من الخفيف]
عبدُ شَمْسٍ قد أوقدت لبني ها شم … نارًا يشيب منها الوليد
فابنُ حَرْبٍ للمصطفى وابنُ هند … لعلي وللحسين يزيد
وكان عبد شمس ونوفل متآلفين بينهما، منافرين لهاشم والمطلب، وكذلك كان هاشم والمطلب متآلفين بينهما منافرين لنوفل وعبد شمس من كانوا، ولم يفترق هاشم والمطلب في جاهلية ولا إسلام، وإلى هذا أشار النبي ﷺ بقوله (٨)، ولهذا حرمت الصدقة على بني هاشم مع بني المطلب ولم تحرم على نوفل وعبد شمس، وكلهم لأب.
стр. 1303
فأما عبد شمس (١) فهو أبو أمية المنسوب إليه كلُّ أُموي، ومنه أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وهو عثمان بن عفان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. ومنه معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، ومنه مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - ذكر معاوية، ومروان وأبنائهما فيما بعد لمكانهما، هما وأولادهما من الخلافة في موضعه. ومن ولد المطلب الإمام الشافعي محمد بن إدريس بن العباس بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب.
وأما الابن الرابع من بني عبد مناف، الذي علا قدره بأبنائه، فهو هاشم، وعليه عمود النسب (٢)، فإليه انتهت سيادة قومه، وكانتْ إليه الرفادة والسقاية (٣). وكان رجلًا موسرًا، وكان إذا حضر الحج قام في قريش فقال (٤): يا معشر قريش! إنكم جيران الله، وأهل بيته، وإنّه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله، وحجاج بيته وهم ضيوف الله، وأحقُّ الضيف بالكرامة ضيفه، فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعامًا أيامهم هذه التي لابد لهم من الإقامة بها. فوالله لو كان مالي يسع ذلك ما كلفتكموه، فتخرجون لذلك خرجًا من أموالكم، كلُّ امرئ بقدر ما عنده فيصنع به للحاج طعامًا حتى يصدروا منها. وكان هاشم أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء والصيف، وأول من أطعم الثريد بمكة. وإنما كان اسمه عمرًا فسمّي هاشمًا لهشمه الثريد بمكة، فقال بعض العرب (٥): [من الكامل]
فعمرو الذي هشم الثريد لقومِهِ … قوم بمكّة مُسنتين عجاف
كانت إليه الرحلتان كلاهما … سَفَرُ الشتاءِ ورحلة المصطاف
وقبر هاشم بغزة من الشام. ولد ولدين (٦)، أحدهما أسد، أبو فاطمة أم أمير
стр. 1304
المؤمنين علي ﵇، وعبد المطلب، وعليه عمود النسب (١)،، وهو الذي حفر بئر زمزم لرؤيا رآها - وكانت قد تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأذهبت العظم، فرأت رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم في منامها هاتفًا يقول (٢): يا معشر قريش! إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه فحي هلا بالخصب! فانظروا رجلًا منكم وسيطًا - ووصف صفة عبد المطلب - فليخلص هو وولده، وليهبط إليه من كل بطن رجل فليشنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، واستلموا الركن ثم ارتقوا أبا قبيس، وليستسق الرجل، وليؤمن القوم، فغثتم ما شئتم! فأصحبت رقيقة مذعورًا وقصت رؤياها فقيل: هو شيبة الحمد عبد المطلب. ففعل، ومعه رسول الله ﷺ وهو غلام قد أيفع أو كرب. قال: اللهم ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت معلم غير معلم، ومسئول غير مبخل، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك، يشكون إليك سنتهم، أذهبت الخف والظلف. اللهم فأمطر غيثًا مغدقًا ضريعًا. قالت رقيقة: فورب الكعبة! ما راحوا حتى تفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثجيجه، فسمعتُ سادات قريش يقولون لعبد المطلب: هنيئًا لك أبا البطحاء أي عاش بك أهل البطحاء. وقال رقيقة (٣): [من البسيط]
بشَيْبةِ الحَمدِ أَسقَى اللهُ ُبلْدَتَنا … لما فقدنا الحَيَا واجلَوَّذَ المطَرُ
فجاد بالماءِ جَوْني له سَبَلٌ سَحًْا … فعاشت به الأنعام والشجر
مُبارك الأمر يُسْتَسْقَى الغمام به … ما في الأنام له عِدْلٌ ولا خَطرُ
وولد عبد المطلب عشرة أولاد (٤)، الذين أعقب منهم ستة (٥): حمزة، والعباس
стр. 1305
﵄، وأبو طالب، وأبو لهب، والحارث، وعبد الله. فأما حمزة فانقرض عقبه. وأما العباس ﵁ فكانت إليه السقاية والرفادة بعد أبيه عبد المطلب.
وفي سقيا الحجيج، والفخر بزمزم يقول القائل (١).: [من الهزج]
ورثنا المجد من آبا ئِنا … فسمَا بنا صُعُدا
ألم نَسْقِ الحجيج وننـ … حَرَ الدلافة الرفدا
فإِنْ نَهْلِك ولم نُمْلَكُ … ومَنْ ذا خالد خلدا
فزَمْزَم في أرُومَتِنا … ونفقأ عينَ مَنْ حَسَدا
وهو أبو الخلفاء - قدس الله أرواحهم - وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في مكانه. وأما أبو لهب، والحارث فلهما عَقِبٌ باقٍ. وأما أبو طالب فقد كثر الله ببركات البضعة الطاهرة النبوية أبناءه، ووصل نسبه وحَسَبَهُ.
وكان عمر ﵁ خَطَبَ أم كلثوم إلى علي (٢) ﵁ فقال علي: إنها صغيرة!
فقال عمر: زوجنيها يا أبا الحسن! فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد!
فقال له علي: أنا أبعثها إليك فإن رضيتها فقد زوجتكها! فبعثها إليه ببرد، وقال لها: قولي له: هذا البرد الذي قلت لك! فقالت ذلك لعمر.
فقال: قولي له: قد رضيته رضي الله عنكِ! ووضع يده على ساقها فكشفها فقالت له: أتفعل هذا! لولا أنّك أمير المؤمنين لكسرتُ أنفك! ثم خرجت حتى جاءت أباها وأخبرته الخبر وقالت: بعثتني إلى شيخ سوء!
فقال: مهلًا بابنية فإنّه زوجكِ!
فجاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى مجلس المهاجرون في الروضة كان يجلس فيه المهاجرون الأولون، فجلس إليهم وقال: رفتوني!
стр. 1306
فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟
فقال: تزوَّجتُ أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب! سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: كل نسب وسبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري.
فكان لي به ﷺ النسب والسبب، وأردتُ أن أجمع إليه الصهر فرفؤوه.
وولد أبو طالب أبناء ثلاثة (١)، وهم: عقيل، وجعفر الطيار، وأمير المؤمنين وابن عم سيد المرسلين الواجب الحبّ أبو الحسن علي - عليه وعليهما السلام - ولكل من عقيل وجعفر وعلي أبناء. وسنذكر المشاهير من أبناء علي ﵁ إن شاء الله، فعليهم عمود النسب المتصل بالنبي ﷺ .
وأما عبد الله فعليه عمود نسب النبي - هو أبو سيدنا ونبينا، وشفيعنا محمد خاتم الأنبياء - ﷺ . انتهى الكلام على طوائف العرب البائدة، والعاربة، والمُسْتَعْرِبة بتوفيق الله تعالى سبحانه.
وأما طوائف العرب الموجودين في زماننا فهم:
عرب الشام
ثعلبة الشام [مما] يلي مصر إلى الخروبة، وهم من در ما آل غياث الجواهرة، ومن الحنابلة، ومن بني وهم من الصبيحيين. ومن أحلافهم فرقة من النعيميين ومن العار والجمان.
ثم جرم (٢) وهي بلاد غزة والداروم، ممّا يلي الساحل إلى الجبل، وبلد الخليل ﵇. وفي العروب جروم كثيرة (٣): جرم قضاعة (٤)، ومنهم بنو جشم (٥)، وبنو قدامة، وبنو عوف، وجرم بجيلة، وجرم عاملة، وجرم طيئ - ومنها هؤلاء الذين نحن في ذكرهم.
стр. 1307
قال الحمداني: واسمه ثعلبة (١)، واسم أمه جرم، فحضنته فسمي بها، وهو جرم بن عمرو بن الغوث بن طيئ، وهم شمجي، وقمران، وحيان قال: وكانوا متفقين مع ثعلبة بالشام يدًا مع الإفرنج على المسلمين، فلما فتح السلطان صلاح الدين البلاد جاءت ثعلبة وطائفة من جرم مصر، وبقيت بقايا جرم مكانها. قال: والمشهور من جرم هذه الآن جذيمة. ويقال: إن لهم نسبًا في قريش. وزعم بعضهم أنها ترجع إلى مخزوم. وقال آخرون: بل من جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر (٢).
قال: وجذيمة هذه آل عوسجة، وآل أحمد وآل محمود، وكلهم في إمارة شاور بن سنان ثم في بنيه. وكان لسنان أخوان فيهما سؤدد، وهما غانم وخضر. ومن هؤلاء جذمة جمائع الرائدين، جماعة منصور بن جابر، وجماعة عامر بن سلامة.
ومنهم بنو أسلم قال: وهذه أسلم من جذام لا من جذيمة، لكنّها اختلطت مع جذيمة.
ومنهم شبل ورضيعة جرم ونيفور والقدرة، جماعة عليم بن رميح، والأحامدة، والرفثة وكور من رجم، جماعة جابر بن سعيد وموقع، وكان كبيرهم مالك الموقعي، وكان مقدمًا عند السلطان صلاح الدين وأخيه العادل.
ومنهم بنو عوف، قال: ويقال: إنهم من جرم بن جرمز من سنبس (٣)، ومن هؤلاء العاجلة، والضمان، والعبادلة، وبنو تمام، وبنو جميل. ومن بني جميل بنو مقدام. ومن بني عوف أيضًا آل نادر، وبنو غورث، وبنو بهي وبنو خولة، وبنو هرماس، وبنو عيسى، وبنو سهيل، وارضهم الداروم. وكانوا سفراء بين الملوك. وجاورهم قوم من زبيد تعرف ببني فهيد، ثم اختلطوا بهم.
قال الحمداني: فهذه جرم الشام وحلفاؤهم ومن جاورهم ولاذ بهم.
وبنو جابر بدرمى من غزة، وتُعرف بالحريث، جماعة فهد بن بدران.
وأما بنو صخر (٤) وهم الدعيجيون، والعطويون، والصويتيون، وبلادهم ما حول الكرك - ومنهم طائفة بمصر. وبنو خصيب، وهم أشتات بمصر والشام. وبنو هوبر،
стр. 1308
ووفدت منهم طائفة على المعز أيبك بمصر، وبقيتهم بالشام. وبنو مرة خفراء القدس.
وبنو فيض. وبنو شجاع بالقدس أيضًا، والعناترة ببلد الخليل ﵇، وبنو أيوب بجينين. وبنو نمير بن قيس خفراء غور الكفرين ونمرين. وبنو وهران بجبل عوف. وبنو عمرو عرب الصلت، ومرجعها إلى جذام بنو طريف من جذام، ومنهم مسهر، وعجرمة ومهدي.
وبنو مهدي (١) منهم المشاطبة، ومنهم أولاد ابن عسكر. ومن الأدعياء جماعة نعيم. ومن بني مهدي أيضًا العناترة جماعة أولاد راشد، والسرات، واليعاقبة، والمطارنة، والعفير، والرويم، والقطاربة، وأولاد الطابية، وبنو دوس، وآل سيار، والمخابرة، والسماعة، والعجارمة من بني طريف، وكان شيخهم مسعود بن جرير ذا مكانة عند ولاة الأمور. وبنو خالد والسلمان، والفرانسية والدرالات، والحمالات، والمساهرة، والمغاورة، وبنو عطا، وبنو مياد وآل شبل، وآل رويم، وهم غير الرويم (المتقدم ذكرهم) والمحارقة، وبنو غياض، وهؤلاء ديارهم البلقاء إلى باير إلى الصوان إلى علم أعفر. وهؤلاء بالبلقاء طائفة من حارثة، ولهم نسب بقرى بني عقبة.
ومن بني مهدي أيضًا بنو داود، وجماعة فضل بن عليم من المشاطبة، وجماعة زائد بن بشير من العناترة، وجماعة قرسة بن حربان من السماعة وجماعة غضبان بن عمرو بن جرير من العجابرة، وجماعة سلمان العبادي من بني عباد، وجماعة عساكر بن حياش - وهؤلاء ديارهم حول الكرك. وبنو جوشن خفراء الموجب. وبنو بعجة من هلبا خفراء الزويرة. وبنو عجرمة خفراء الرقطانة، والحسبة من بني عقبة - وعقبة من جذام (٢)، وديارهم من الشوبك إلى حسمى إلى تبوك إلى تيماء إلى برد ورؤاف (٣) إلى الحديدا وهو شرقي الحجر. وآخر أمرائهم كان شطي بن عبية، وكان سلطاننا الملك الناصر قد أقبل عليه إقبالًا أحله فوق السماكين وألحقه بأمراء آل فضل وآل مرا، واقطعه الإقطاعات الجليلة، وألبسه التشريف الكبير، وأجزل له الحباء، وعمر له ولأهله البيت والخباء.
وبنو زهير عرب الشوبك ايضًا. والحريث - وهم بالساحل الغزاوي وغزوا عسقلان أيام الملك الصالح مع بيبرس الكنجي، فأقطعهم هناك.
وبنو سعيد عرب صرخد - وهم من سعد جذام (٤).
стр. 1309
وزبيد (١) فرق شتى بصرخد منهم، وبغوطة دمشق، وببلاد سنجار، وبالحجاز، وباليمن. والذين بصرخد منهم آل مياس، وآل صيفي، وآل برة، وآل محسن، وآل جحش، وآل رجاء. وبغوطة دمشق آل رحال، وآل بدال، والدوس، والحريث - وهم جماعة نوفل الزبيدي.
وأما آل ربيعة - وهم ملوك البر، وأمراء الشام والعراق والحجاز. فهم آل فضل، وآل مرا. وآل علي من آل فضل.
قال الحمداني (٢): وربيعة رجل من سلسلة نشأ في أيام أتابك زنكي وولده نور الدين - رحمهما الله - ونبغ بين العرب. قال: ويقال: إنّ أباه رجل من علقى. قال: وتقول بنو ربيعة الآن: إنّه من ولد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك. قال: وهذا ليس بصحيح.
قلت: وأصلهم إذا نسبوا إليه أشرف لهم؛ لأنهم من سلسلة بن عنين بن سلامان، من طيئ. وهم كرام العرب، وأهل الباس، والنجدة فيهم. والبرامكة، وإن كانوا قومًا كرامًا فإنهم قوم عجم وشتان بين العجم والعرب! وقد شرف الله العرب إذ بعث فيهم محمدًا ﷺ نبيه، وأنزل فيهم كتابه، وجعل فيهم الخلافة والملك، وابتز بهم ملك فارس والروم، وقرع بأسنتهم تاج كسرى وقيصر. وكفى بهذا شرفًا لا يطاول، وفخرًا لا يقاول.
قال المهمندار الحمداني: وزعموا أنهم من ولد جعفر من أخت الرشيد التي عقد له عليها - كما قالوا - لتخرج عليه على أنه لا يطؤها، فوطئها على حين غرة، فحبلت بغلام كان هذا ربيعة من بنيه. قال: وهذا الخبر ليس بصحيح! وإن كان صحيحًا فقد دفنت المرأة وولدها كما قيل في تمام الحكاية، ولم يعلم لهما أثر. قالوا: وكانت نكبة البرامكة بهذا السبب، ومما يدل على بطلان هذه الدعوى ما نقل من ثقات أن مسرورًا الخادم سئل عن سبب الإيقاع بالبرامكة فقال: كأنك تظن حديث المرأة صحيح؟ وأنّ الإيقاع بهم كان بسببه! فقلت: نعم! فقال: ما لهذا الخبر صحة، وإنما حسد موالينا
стр. 1310
وملكهم! قلت: ولا يبعد ذلك من ملك الملوك ولاسيما البرامكة كان قد علا صيتهم، وانتشر ذكرهم، وكثرت فيهم المدائح، وقصدتهم الشعراء، ووفدت عليهم الوفود حتى تضاءلت الخلافة بهم.
قال الحمداني (١): والأصح في نسب ربيعة هذا أنه ربيعة بن حازم بن علي بن مفرج بن دغفل بن جراح بن شبيب بن مسعود بن سعيد بن حرب بن السكن بن رفيع بن علقى بن حوط بن عمرو بن خالد بن معبد بن عدي بن أفلت بن سلسلة بن عمرو بن سلسلة بن غنم بن ثوب بن معن بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ. فهذا ما ذكره الحمداني.
وأما نسب ربيعة إلى برمك فقالوا (٢): ربيعة بن سالم بن شبيب بن حازم بن علي بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك.
قال الحمداني (٣): ولد ربيعة أربعة، وهم فضل، ومرا، وثابت، ودغفل، وسنذكرهم على ما هم في وقتنا، على ما ذكره لي محمود بن عرام من بني ثابت بن ربيعة.
قال: فضل منهم آل عيسى، وقد صاروا بيوتًا (٤)، بيت مهنا بن عيسى، وأميرهم وأمير سائر آل فضل أحمد بن مهنا. وبيت فضل بن عيسى، وأميرهم سيف بن فضل. وبيت حارث بن عيسى، وأميرهم قناة بن حارث. وأما أولاد محمد بن عيسى وأولاد حديثة بن عيسى، وآل هبة بن عيسى فأتباع. وهذا البيت أسعد بيت في العرب في وقتنا الذي أشرقت فيه طوالع سعودهم، وأينع فيهم مخضر عودهم. وأما بقية بيوت آل فضل (٥) فمنهم آل فرج، والأمير فيهم زيد بن ظاهر، وغنّام بن وهيبة. وآل سميط، والإمرة فيهم في صافية بن حجير بن الصميد وآل مسلم والإمرة فيهم في طامي بن عباس. وآل عامر، والإمرة فيهم في بني عامر بن دراج.
وأما آل علي فهم (٦) وإن كانوا من ضئضئ آل فضل فقد انفردوا منهم واعتزلوا عنهم حتى صاروا طائفة أخرى وسيأتي ذكرهم. فهؤلاء آل فضل.
وأما (٧) من ينضاف إليهم ويدخل فيهم فمن يذكر وهم: زغب (٨)، والحريث وبنو
стр. 1311
الباب الخامس عشر: في ذكر العرب الموجودين في زماننا وأماكنهم كلب، وبعض بني كلاب وآل بشار - وهم موالٍ، وخالد حمص (١)، وطائفة من سنبس، وسعيدة، وطائفة من فرير، وبنو خالد الحجاز (٢)، وبنو عقيل من كرز (٣)، وبنو رميم، وبنو حي (٤) وقمران، والسراحين. ويأتيهم من عرب البرية من يذكر. فمن غزية (٥): غالب، وآل أجود، والبطنين، وساعدة. ومن بني خالد آل جناح، والصبيات من مياس، والجبور، والدغم والقرسة، وآل منيخر، وآل بيوت، والمعامرة، والعلجات، وهؤلاء من خالد، وفرقة من عائذ (٦)، وهم آل يزيد، وشيخهم ابن مغامس والمزايدة، وشيخهم كُليب بن أبي محمد وبنو سعيد، وشيخهم محمد العليمي والدواسر، وشيخهم رواء بن بدران. هؤلاء غير من يحالفهم في بعض الأحايين، على أنني لا أعرف في وقتنا من لا يؤثر صحبتهم، ويظهر محبتهم. وأمير القوم - كما تقدم - أحمد بن مهنا، وهذا نسبه إلى ربيعة. [أبوه مهنا بن عيسى بن مهنا بن مانع بن حديثة بن عصية بن فضل بن ربيعة] (٧). وديارهم (٨) من حمص إلى قلعة جعبر إلى رحبة آخذين على شقي الفرات، وأطراف العراق حتى ينتهي حدهم قبلة بشرق إلى الوشم وآخذين يسارًا إلى البصرة. ولهم مياه كثيرة ومناهل مورودة: [من الخفيف]
ولها منهل على كلِّ ماءٍ … وعلى كلِّ دِمْنَةٍ آثارُ
قلت: وكان من خبر هذا البيت الذي رفعت عمده، وشد بطنب الجوزاء وتده، يد سلفت لعيسى بن مهنا عند الظاهر بيبرس حال تشريده، وتطريده احتاج فيها إلى فرس يركبه، فبالغ في إكرامه، وأركبه خير خيله، فلما ملك قلده الإمرة، ورقاه، وأنهله ري الأمل ورواه. ثم لم يزل يزداد سموًا، ويترقى علوًا حتى مات. وقلد في الأيام المنصورية مهنا ولده الإمرة، وعظم بنفسه وبأبيه، وعرف بعلو الهمم، وبلغ المرجو من رعاية الذمم، وعف عن الفواحش إلا اللمم، فزاد قدره ارتفاعًا وصدره اتسعًا.
стр. 1312
قلت (١): هذا البيت أوله رجل من طيئ من بني سلسلة بن عنين بن سلامان. نشأ هذا الرجل في أيام أتابك زنكي، وأيام ولده نور الدين الشهيد كما تقدم وفد عليه فأكرمه، وشاد بذكره. وإلى هذا عنين ينتسب كلُّ عرب عنين (٢) من كان من ولده أو من حلفائه، أو من استخدمه الأمراء الذين من ولده. وجد مهنا هذا ابو أحمد الأمير الآن هو الأمير مانع بن حديثة بن فضل بن ربيعة الطائي الشامي التدمري، وكان أمير عرب الشام في دولة طغتكين صاحب دمشق، ولم يصرّح لأحدٍ من هذا البيت بإمرة على العرب بتقليد من السلطان إلا من أيام العادل أبي بكر أخي السلطان صلاح الدين أمر منهم حديثة. ثم إن ابنه الكامل قسم الإمرة نصفين، نصفًا لمانع بن حديثة، ونصفًا لغنام أبي طاهر بن غنام. ثم إنّ الإمرة انتقلت إلى أبي بكر بن علي بن حديثة، وعلا فيها قدره، وبعد صيته. فلما كان من البحرية ما كان ساقت تصاريف الدهر الملك الظاهر بيبرس إلى بيوتهم وهو طريد مشرد، ولم يكن قد بقي معه سوى فرس واحدٍ يعول عليه، فسأل علي بن حديثة فرسًا يركبه، فلم يعطه شيئًا. وكان ذلك بمحضر من عيسى بن مهنا، فأخذه عيسى، وضمه إليه وآواه، وأكرمه، وقراه، وخيره في رباط خيله، فاختار منها فرسًا، فأعطاه ذلك الفرس، وزوّده، وبالغ في الإحسان إليه، فعرفها له الظاهر. فلما تملك انتزع الإمرة من أبي بكر بن علي وجعلها لعيسى بن مهنا، وأتاه محمد بن طاهر بن غنام، وساله أن يشركه في الأمرة، فأرضاه أن يعطيه أمرةً ببوق وعلم. وبقي أبو بكر بن علي شريدًا طريدًا، تارةً بنجد وتارةً بأطراف الشام إلى أن مات. وآمنه الملك الظاهر غير مرة، وحلف له، فما وثق به، ولا اطمأنّ. ثم إن درجة عيسى بن مهنا علت عند الملك الظاهر ولم يزل معظمًا إلى أن مات. ثم إن الإمرة صارت لولده الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى في أيام الملك المنصور قلاوون، وعلت مكانته في أيام المنصور أكثر من مكانة أبيه.
حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود (٣). قال: حضرت طرنطاي
стр. 1313
المنصوري وهو مخيم بالخربة، وقد حضره أحمد بن حجي أمير آل مرا يدعي بألف بعير أخذتها آل فضل لعربه، ومهنا حاضر، وكلٌّ منهما جالس إلى جانب من طرنطاي. فألح أحمد بن حجي في المطالبة، واحتد وارتفع صوته، ومهنا ساكت لا يتكلم. فلما طال تمادي أحمد في الضجيج وتمادي مهنا في السكوت أقبل طرنطاي على مهنا وقال: ما تقول يا ملك العرب؟ فقال: وما أقول!؟ نعطيهم ما طلبوا، هم أولاد عمنا، وإن كانت لهم عندنا هذه البعيرات أعطيناهم حقهم، وإن كان مالهم شيء فما هو كثير إذا أعطينا بني عمنا من مالنا! فقال له أحمد: لا! ألا قل! اتكلم! وزاد في هذا ومثله ومهنا ساكت. فلما زاد رفع مهنا رأسه إليه وقال: يا أحمد! إن كان كلامك عليك هينًا فكلامي علي ما هو هين وهذه الأباعر اقل من أن يحصل فيها كلام! وأنا معطيك إياها. ثم قام! فقال طرنطاي: هكذا - والله - يكون الأمير! ودام مهنا على هذا حتى جاءت الدولة الأشرفية. ولما خرج الأشرف لفتح قلعة الروم مرت العساكر بسرمين إقطاع مهنا، فأكلت زروعها وآذت أهلها فشكوا إلى مهنا اذية العساكر فشكا إلى الأشرف، فعز عليه واستنقص همته، وقال: كم جهد ما آذوا حتى تواجهني بالشكوى، وما كان يغتفر هذا الفعل لهذا الجيش العظيم الخارج لأجل إذلال العدو وقص جناح الكفر!؟ وأسمعه من هذا ومثله.
ثم لما كان الفتح ركب الأشرف في الفرات في خواصه ومعه جلساؤه من بني مهدي، وكانوا يضحكونه، فجاء مهنا بن عيسى فأمر بمد الإسقالة له ليدخل. فلما دخل عليها غمز عليه فحركت الإسقالة فوقع في الماء، وتلوث بالطين، فهزئت به بنو مهدي،
стр. 1314
وضحك الأشرف ومن حوله. وطوى مهنا جوانحه على ألمها ثم إنه استأذن في الانصراف إلى بيوته فأذن له وقال: إلى لعنة الله! فأسرها مهنا في نفسه ولم يبدها.
وركب من وقته وتوجه إلى أهله، وأقام عندهم على حذر. ثم عاد الأشرف، ونزل بحماة، فبعث إليه مهنا بالخيل والجمال، فقبلها، وخلع على رسوله وبعث إليه خلعة سنية ليطمنه ثم يكبسه. فلما جاءت لبسها إظهارًا للطاعة وارتحل لوقته ضاربًا في وجه البر. فلم يتم للأشرف ما أراده منه وعاد إلى مصر وفي نفسه من إمساك مهنا وبنيه وإخوته. وظن مهنا أن لا حقد عنده فلم يلبث الأشرف أن خرج إلى الكرك، وخرج إلى دمشق، وخرج منها على أنه يصيد كباش الجبل.
ثم إن مهنا عمل له ضيافة عظيمة، فحضرها الأشرف وأكل منها. ولما فرغ ذلك أمسك مهنا ومعه جماعة، وجهزهم إلى مصر، وحبسهم ببرج في القلعة، وضيق عليهم إلا في الراتب لهم. وكان مهنا في الحبس لا يأكل إلا بعد المدة. وإذا أكل أكل ما يقيم رمقه، ويصلي الصبح، ويدير وجهه للحائط، ويصمت ولا يكلم أحدًا حتى تطلع الشمس. ثم يقوم بعجلة وسرعة، ويأخذ كفًا من حصى وتراب كان هناك، ثم يزمجر ويرمي به إلى الحائط كالأسد الصائل. فلما خرج الأشرف إلى الصيد ترك ذلك الفعل فقيل له في ذلك فقال: قضي الأمر! ولم ير متبسطًا إلا في ذلك الحين.
قال: وحدثني مظفر الدين موسى ولد مهنا قال: لما كنا بالاعتقال كان عمي محمد بن عيسى مغرى بدخول المرتفق والتطويل فيه، وكان المرتفق قريبًا لدور حريم السلطان ولبعض الأمراء، فقلت له في ذلك فقال: ياولد مهنا! لعلي أسمع خبرًا من النسوان فإنهن يتحدثن بما لا يتحدث به الرجال. فبينا نحن ذات يوم وإذا بمحمد قد خرج وقال: بشراكم! قد سمعت صائحة النساء تقول: واسلطاناه! فقلنا له: دعنا مما تقول! فقال: ما أقول لكم حق! وكان لنا صاحب من العرب تنكر وأقام بمصر فكان يقف قبالة مرمى البرج [الذي نحن فيه]، ويومئ إليه ونومئ إليه غير أنه لا يسمعنا ولا نسمعه، فلما كنا في تلك الساعة، ومحمد يحدثنا وإذا بصاحبنا قد جاء وأومأ، ثم مد يده إلى التراب وصنع فيه هيأة قبر، ونصب عليه عودًا عليه خرقة صفراء كأنها صنجق السلطان ثم نكسها وقعد كأنه يبكي، ثم وقف قائمًا ورقص. فتأكد الأمر عندنا بموت الأشرف. فلما فتح علينا من الغد سألنا الفتاح والسجانين فأنكرونا ثم اعترف لنا بعضهم، وكان ذلك أعظم سرور دخل على قلوبنا.
ولما خرجوا من السجن شكوا احتياجهم إلى النساء فأطلق لهم جماعة من [الجواري] الأشرفيات، ولم يكن مرادهم بذلك إلا التشفي. وأعيد الجماعة إلى أهلهم
стр. 1315
إلا مهنا فإنه أخر مدة ثم جهز. فلما خرج من دمشق لحقه البريد إلى ثنية العقاب (١) بأن يعود، فامتنع، وتوجه إلى أهله، وكانوا قد ندموا على إطلاقه. ثم إنه قدم مصر بعد ذلك مرات، وهو كالطائر الحذر الذي نصب له الشرك في كل مكان. وآخر مدة قدمها في آخر الدولة الناصرية الأخيرة سنة عشر وسبعمائة، وكان برلغي [الكبير] مملوك مهنا، وهو الذي قدمه، فلما وجده قد أمسك تحدث فيه مع السلطان وقال: هذا مملوكي وقدمته ليعطى إقطاعًا في الحلقة (٢) أعطيتموه فوق حقه حتى صار ملكًا من الملوك وأنا أريد أن تأخذ ماله كله ومماليكه وتعطيني إياه برقبته ليكون عندي إلى أن يموت! فوعد بذلك. ثم إن برلغى مات في ذلك الوقت فقيل له: قد مات فعزّ ذلك عليه عدم قبول شفاعته مع ما كان يمت به من سوابق الخدم.
ولما كان السلطان في الكرك فخرج مهنا، وقد طار خوفًا ورعبًا. ولما اجتمع بقراسنقر، وكانت بينهما صداقة قديمة مؤكدة، وكل منهما مستوحش، فجددا الأيمان والعهود على المضافرة وأن لا يُسلم أحدٌ منهما صاحبه. فلما توجه قراسنقر إلى حلب زاره مهنا، فخلا به مهنا فأقرأه قراسنقر كتابًا من السلطان فيه إعمال الحيلة على إمساك مهنا، فقال له مهنا: ما أنت صانع؟ فقال: أنا أطيعه فيك وأجاهره، وهو يجعلني دأبه ووكده فمن يحميني منه إذا قصدني؟ فقال له مهنا تجيء إلينا! فتحالفا على ذلك. ثم إن مهنا وفى لقراسنقر لما توجه إليه على ما هو معروف في موضعه حتى أن زوجة مهنا عائشة بنت عساف بالغت في خدمة قراسنقر، وكانت تقول لمهنا: يا مهنا ذكر الدهر لا تدعه! وكذلك محمد بن عيسى بن عليّ إلا فضل بن عيسى، أخو مهنا، فما كان رأيه إلا التقرب بإمساك قراسنقر والجماعة إلى السلطان فكانت عائشة تقول: تعسًا لأم ولدت الفضل بعد مهنا وعيسى!.
وكتب مهنا إلى السلطان يستعطفه ويقول: هؤلاء مماليكك ومماليك أبيك وكبار بيتكم، وقد هربوا من الموت وسألوا أن تكف عنهم وتجعل البيرة لقراسنقر، والرحبة للأفرم (٣)، وبهنسا (٤) للزردكاش. وإذا حضر مهم جامع للإسلام حضروا إليه وجاهدوا
стр. 1316
بين يديك. فأجابهم بإطابة القلب وأنّه قد جعل الصبية لقراسنقر، وعجلون للأفرم، والصلت للزردكاش أو إمرية كما كان فما اطمأنوا لذلك وزادهم نفورًا. فجهزهم إلى خربندا وقال له: متى حميت هؤلاء كنت أنا في طاعتك معهم، وأخفر الركب العراقي. وسيرهم مع ابنه سليمان، وبعث معهم من جهته لخربندا ومن حوله خيولًا مسومة، فقوبلوا بالإكرام، والرعاية، وخلع على سليمان وأطلق له أموالًا جمةً. وجهزت لمهنا خلع وإنعامات ويرالغ بالبصرة له ولأهله، ومعها الحلة، والكوفة، وسائر البلاد الفراتية.
واشتدت الوحشة بينه وبين السلطان الملك الناصر وتأكدت، فأعطى الإمرة لأخيه فضل. وتظاهر مهنا بالمنافرة، والمباينة، والوحشة. وحضر إلى عند خربندا، فأكرمه غاية الإكرام، وأجله نهاية الإجلال، وقرر أمر الركب العراقي، وأعطى عصاه خفارة لهم وتأمينًا. وضاع الزمان، وامتدت الأيام والليالي في المراوغة من مهنا وهو يعد السلطان أنّه يحضر إليه ويمنيه، ويسوف به من وقت إلى وقت، والبريد يروح ويجيء والرسل تتردد. وجهز إليه أرسلان الدوادار (١) والطنبغا الحاجب (٢) الذي عمل نيابة حلب، والشيخ صدر الدين ابن الوكيل، ولا ألوى ولا عاج. ثم كان أولاده وإخوته يتناوبون الحضور على السلطان وهو ينعم عليهم بمئين ألوف، والإقطاعات العظيمة والأملاك. وهم يمنونه حضوره ويعدونه بقدومه، ومهنا لا يزداد إلا حذرًا، والسلطان لا يزداد إلا طمعًا. وإذا حضرت للمسلمين نصيحة أو مصلحة كان مهنا ينبه عليها ويشير بها، وكان السلطان يقبل نصحه ويعرف ديانته.
ثم لما كانت سنة أربع وثلاثين توجه مهنا بنفسه إلى السلطان ودخل إلى مصر فأكرمه غاية الإكرام، وأنعم عليه إنعامات كثيرة إلى الغاية، وعاد منها راجعًا إلى بلاده. ولم يزل إلى أن توفي في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وسبعمائة بقرب سلمية، وأقاموا عليه المآتم، ولبسوا السواد وعاش نيفًا وثمانين سنة. وكان وقورًا، متواضعًا، لا يحتفل بملبس.
تتميم (٣):
وهؤلاء آل عيسى هم في وقتنا ملوك البر ما بعد واقترب، وسادات الناس،
стр. 1317
و «لا تصلح إلا عليهم العرب» (١). قد ضربوا على الأرض نطاقًا، وتفرقوا فجاجها حجازًا وشامًا وعراقًا. أنَّى نزلوا خلت الأرض قد رمت أفلاذها، أو السماء قد مرت رذاذها، ترتج بخيولها صهيلًا، وتحتج بسيوفها على الرقاب صليلًا. تجمع قنابل، وتلمع مناصل، وتنبت قنًا، وتميت فتنًا. قد نصبوا بمدرجة الطريق خيامهم، وأوقروا في عالم الأسماع أعلامهم، أنَّ الكرم أعلامهم. وتقارعوا في قرى الضيفان (٢)، وسارعوا إلى تقريب الجفان. قد داروا على البلاد أسوارًا حصينة، وسوارًا على معصم كل نهر، وعقدًا في جيد كل مدينة، وأحاطوا بالبر من جميع أقطاره، وحالوا بين الطير المحلق وبين مطاره، وحفظوه من كل جهاته، وحرسوه من سائر مواضعه وآفاته، وصانُوهُ من كل طارق يتطرّق، وسارق يتسلل أو يتسرق. فلا تبصر إلا مرسي خيام، ومسرى هيام ومورد كرام، وموقد ضرام ومقعد همام، ومعقد ذمام، ومجال غمام، وآجال رزق أو حمام، ومعهد أيادٍ جسام، ومشهد يوم يرعف به أنف قناة أو حسام، وتكبير وتكثير صلاتٍ، ومكان مفزع، وأمان من يجزع. وملجأ خائف، وملجم حائف، وسجايا ملكية، وعطايا برمكية، ومواهب طائية، ومذاهب حاتمية، وبوادر ربيعية، ونوادر مرعية. وصوارم تنحس بذيلها الرقاب، ومكارم تتحسس على آثارها السحاب. لا يطرق لهم غاب، ولا يطرق لهم بذل رغاب. ولا يطرح لهم بيت مضيف، ولا يطيح إلا إليهم تابع، مشتى، ومصيف لا يخلو ناديهم عن سيد مسود، وكريم مقدم، وشجاع بطل، وجواد كريم، وحليم وقورٍ، ووافد آمل، وقاصد بنائلٍ، وصارخ ملهوف، وهارب مستجير. لا تنفك لهم نار قرى وقراع، ومنار مني ومناع، يسرح عدد الرمل لهم إبل وشاء، ومدد البحر ما يريد المريد منهم ويشاء. تطل منهم على بيوت قد بُنيت بأعلى الربى وبلغت السحاب وعقدت عليهم الحبي. قد اتخذت من الشعر الأسود، وبطنت بالديباج والحرير والوشي المرقوم، وفرشت بالمفارش الرومية، والقطائف الكرجيَّة، ونُضّدت بها الوسائد، وقامت حولها الولائد. وشُدَّت بوتِدِ السماء أطنابها، وأُعِدَّتْ لطوالع النجوم قبابها، وأرخيت سجفها، وشرعت أبوابها إلى الهواء، واستصرخت واستغيث بها لدفع اللأواء، ورفعت عمدها، ووضعت
стр. 1318
حجلاتها، وقرر في الأرض وتدها، وطلعت البدور في أكلتها، ورتعت الظباء في مشارق أهلتها. وحولهم خيول تحمي حجبها، وترمي إزاء البيوت سحبها، وتعرف بين العرب الأتراب عربها، وتعرض في الشهب الحسان نخبها من كرائم الخيل المبخورة، وعظائم السيل معنى وصورة. قد تمايلت ألوانًا، وتقابلت في مناسب الخيل إخوانًا، وتنوعت شياتها فبرزت بستانًا. وتسرعت أعوجياتها السوابق فقصر مدى لاحق، وتقدمت قدامه ميدانًا. وتفرعت من أصول العرب في ربيعة ومضر، وتبرعت بما لا يلزمها فمنها ما انتظر ما خلفه، ومنها ما فات النظر. وتقدمت وامهلت وراءها الرياح، وأقدمت وأنهلت ظمأها مورد الصباح. ومرّ كل طرفٍ منها وَطَرَفُ البرق حائر، ومد وجوار المجرة ما فيها طريق لسائر. وحفت والطير في كناتها لم تبرح. ووفت والوحوش في مكان بياتها لم تسرح. تمت كأنها كثبان وهمت كأنها عقبان. قد صلدت حوافرها كأنها قعب حالب، وصلدت مشاعرها كأنها وجه عاتب. واتسع منخرها كأنه وجار ثعالب. وارتفع مؤخرها كأنه ربوة مراقب. وطال غرتها كأنه انتظار غائب. ومالت نواصيها كأنّها عقود ترائب. ودق منخرها كأنه طرف قاضب. ورق أديمها كأنّه حديث حبائب. واتسع ذيلها كأنه ذيل راهب. وتلبد مغرزها كأنه إقعاء أرانب. وقصر عجب ذنبها كأنه بقاء ذاهب ونهد موضع لببها كأنه نهد كاعب. ونتأ صدرها كأنه نهضة واثب. وولولت آذانها كأنها أقلام كاتب. ولانت شعرتها كأنما عليها لوف سليط ذائب. ولانت عريكتها كأنها للتأديب لعبة لاعب. ونظرت نظر حاذر، وتلفتت التفات ربائب. وأشبهت الوحش والطير فطورًا تحلق وطورًا تواثب. وقد برزت شهبًا ودُهمًا وحمرًا وشقرًا وصفرًا وخضرًا وما بين هذه الألوان، وما بين صنوان وغير صنوان قد رتعت كالظبا، ورفعت كالخبا، وطلعت كالكواكب، وتطلعت كالرقبا. وجالت أمام بيوت الحي تهز ثندوة عطفه، وخطوة فارسه المعلم في موقف صفه. فكم ترى من سابق وسابقة توافقا فلم تر أيهما سليلة سابقين تناحلاها، ولا بأيهما تعقد الظبية الأدماء طلاها، ولا أيهما بلغ السما واغتصب النجوم حلاها. ولا أيهما الموصوف في كرائم الخيل. ولا أيهما ابترد برداء النهار أو أطاح رداء الليل. من حصون كالحصون الشوامخ تتحصن على صهواتها، ويتحصل الظفر ولا تروى فواغر لهواتها. قد اشتدت مبانيها الوثيقة. وتشيدت فكانت حصونًا لاحصنًا على الحقيقة. ومن حجر كالحجر بل شيء أشد من الحجارة، وأشد من السهم في مهاجمة الغارة. قد تبرجت تبرج الحسان، وتخرجت تخرج الكاعب وبرزت للفرسان. وأقبلت في ميدانها تتمطر. وجالت وعنانها لا يزيد على أن يتخطر. كلاهما محفوظ النسب، ملحوظ الحسب محظوظ البحث لا عن غير سبب. فمن قرطاسية بيض
стр. 1319
ةلالباب الخامس عشر: في ذكر العرب الموجودين في زماننا وأماكنهم ذاب على أعطافها اللجين. وبقي عليها أثر الفضة وذهب العين. أقبلت كأنها البيض الكواعب، واستقبلت كأنها أيام وصل الحبائب. كأنما جللت بالنهار، أو حولت إلى مطالع الأقمار. أو خولت مما تلبس الشمس من حلل الأنوار. وجاءت قرطاسية لما قرطست سهامها، قربت مواعيد الظفر أيامها. ومن دهم لم ترض بالليل رد ردائها، ولا بلمم الشبيبة شبيبة ظلمائها، ولا بالأهلة إلا تحت مواطئ حوافرها، ولا بالصباح إلا لما بين وظيفها ومشاعرها. فأما ما سال أو استدار من الغرر الصباح، فإنّه مما قر أو تموج بين عينيها من لوامع الأسنة لا من طلائع الصباح. ومن حمر أوقد الشفق عليها جمره، وبدد الشقيق على كاسها خمره. منها معصم بسواد كأنما ذر المسك على وردها، أو أمسك الليل فحمته على وقدها. ومنها كميت يميل براكبه ميل الكميت بشاربها، ويستطيل باقي ظلماته في شفق الصباح على ذاهبها. ومنها ورد كأنه أباة قد قطف أو رباة إذا شبه بخذ غانية أو وصف. وفيها صامت وأعز منها ما طلع كواكب الصبح بمحلّقه. ومنها ما هاب خوض الدماء فتغطى بسجاف أفقه. فأما الحجول فمنها ما أدار عليه جباها، ومنها ما قال هذه حيلة لنقيصة فأباها. وبدت تعرف الأنفة في مناخيرها الشم، وتعوض الجبال إذا أقبلت شوامخها الصم. ومن شقر قدح الفرق فيها فما أفاد، وقرح الذهب عينه حتى لبست منه جيدًا من جساد. واصطدمت جياد الخيل فطار منها شرارة من زناد، واقتحمت حلبة السباق فجاءت سابقة عليها آثار الخلوق دون بقية الجياد. ومنها رافلة في أعلام الشيات. ومنها عاطلة من أعلامها، هذه قد تجلت بالغرر والحجول، وتلك جعلتها حلية لأيامها. ومن صفر هي في العصر الأصائل، وفي الفجر آخر ما بقي من شعاعه السائل. شاقت اللجب وهو الطائر والطائل. وفاقت الذهب وهو الحائز والحائل. وراقت فهي الشمول، ورقت فهي الشمائل. وتاقت إليها لمع البرق فحال دونها حائل. وضاقت بها الحزم واتسعت مصبغات الغلائل. وساقت إليها الشمس وأوقعتها من خيط سوادها الممتد في الحبائل. ونوهت بالحبش لما قيل إنها حبشية، وأفاضت عليهم النائل من فواضل حللها الموشية. وسعد بها هذا الجنس لما نسبت إليه، وحمد لما كان النسب يصح أن يطلق عليها وعليه. وفخر كل حبشي لكونها تعد منه وهو من أعدادها وتطاول حتى موه عليها بالشبه وأخذ في وجهه محاسن التخطيط من خط سوادها. فكأنها نار ترفع في الليلة الظلماء لها لهب فتوقدت شعلها إلا ما اعتلق به الليل من العرف والناصية والذنب. ومن حصير ما منها إلا من بيت العرب. وما فيها إلا ما يهتدي إلاّ إلى الهرب. كأنها عليه ظلُّ دائب، أو علاها رحيق سحائب. أو ألقي عليها زبرجد أو أبقي منها أثر شعاعة مهند. قد أفادتها الجباه نضرتها، والشفاه من
стр. 1320
كثرة التقبيل خضرتها. وبدت ولاهي بيض ولاجون. وغدت تنتشي وما قطعت بها عناقد النواصي ولا عصرت من أعطافها ابنة الزرجون. ومن بلق كرام ما قعدت بها هجنة. ولا بعدت عن شبهين أخذت من كل منهما حسنه. لا كما يقال إن الطبيعة قصرت في إنضاجها. ولا إن حسنها كله ذهب في ديباجها، بل كل منهما علم على صاحبه يعرف به إذا ركبه. ويحلف أنه اقتاد الروض وتوقل منكبه. منها ما يقابل بين صباح وظلام. ومنها ما ماثل بين البياض والحمرة خدَّ غُلام. فأما الأول فقد طلع منظرًا حسنا، وجمع بين ضدين لما اجتمعا حسنا (١). كأنه توليع السحب وترضيع السخب. أو قطع ليل يهزّ بالشهب، أو نقع حرب ظهر في وجوه لمعان القضب. في كل منهما ما أظلم وما أنار. وما أظل جانبي الأرض ففي وقت واحد في هذا ليل وفي هذا نهار. وأما الثاني وكأنه اختلاط ماء وراح، واختلاف مجاري شفق على صباح. لايقاس بها البرق وهو أحقر، ولا يشبه به إلا كان هو (إلى) التشبيه بها أفقر. ولا يبالغ واصفه إلا قال كظهر الحصان الأنبط البطن يكشف الجُلَّ واللون أشقر (٢). ومما سوى ذلك جميعه من ألوان الخيل مما يمزج من أحمر يقق، وأصفر أصيل، وأخضر سحر، وأشهب نهار، وأدهم ليل. ومنه كل ديزج، ذلك بفيروزج. كأنما لون من ماء يتموج، أو كون من سماء صدره بصداد على سناه ينسج. وأصدأ لا يقدر جون الغمام لمعارضته يتصدى. وأكهب لاهو كالأحمر أو كالأشهب. وهي فتية وما فيها إلا عتيق، وكثيرة وما فيها إلا ما هو قليل كالصديق (٣). ما استنكرها إلا من تجرب، ولا استكبرها إلا من جاء بنقعها في وجه المساء يترب. وكأنما عنيتها في قصيدة كنت في وصف الخيل بنيتها، وهي: [من الخفيف]
أقبلت في ميدانها تتجارى … هي والريح في المدى تتبارى
ودعت سائق العمائم للسَبْـ … ـقِ فأضحى بذيلها يتواري
стр. 1321
سابقات ما قصر البرقُ لما … أدرك البرقُ بعدها الآثارا
سابقات ما فاتتِ الطَّرْف حتى … خَلَّتِ الشهب في الظلام حيارى
وأرتنا يوم الرهان أناسـ … ـي سكارى و ما هم بسكاري (١)
من جيادٍ منسوبة في بيوت … ليس ترضى من غيرها الإضمارا
كلُّ حِجْرٍ كأنّها الحَجَرُ الصلـ … د لهذا تفَجِّرُ الأنهارا
وحصان كأنّهُ شِعْبُ رَضُوى … رابط الجأش لا يخاف وقارا
نُخْبةُ الخيل من خيول كرام … ردَّدَتْ في اختيارها الاختبارا
وأتت بالجياد من كلّ فَجٍّ … واستجادت منها الخيار خيارا
علمتها في حربها كلَّ شيءٍ … في مجال للموت إلا الفرارا
مشرقات كأنها روضةُ الحَزْ … ن بَلِ الحَزْمِ أينعت أزهارا
أبيضُ جاء مثل يومِ وصالٍ … قد تعالى ضياؤُه واستنارا
مُلفتًا جيده إلى ذاتِ حُسْنٍ … مثلِهِ قَدْ بَدَتْ نهارًا جهارا
لا يباري الشهباء شيء سواها … ليس مثل الشهباء مما يُبارى
وكذا أخضر هو الآس غضًّا … أشبه المُرْدَ سالفًا وعِذارا
وأتانا ما بين لونيهِ يَحْكي … مذتَبَدَّى مَساءَةً واعتذارا
مَعَهُ من شَرْواهُ خضراء تجري … حيثُ تَجري زُمُرُّدًا مُنْهارا
وأَغَرُّ كأنّهُ الليلُ إلاّ … ما بدا بينَ مُقْلَتَيْهِ نَهارا
أَدْهَمْ رَقَّ جِلْدُهُ فَحَسِبْنا … منه مارقٌ في الدجى إسحارا
وشَبيةٌ بجنسه بنت دهما … ءَ ببهماء لاتخاف القفارا
وكميت لو قابل (الخمر) في الكأ … س شَرِبْنا مما كساها العُقارا
ثُمَّ وَرْدٌ يَطيب منه شميمٌ … قد قطفنا منْ غُصْنِهِ أَنوارا
بهما منْ لَوْنَيْهما كُلِّ عَذْرا … ء عليها يبدو حياء العذارى
وكذا أَشْقَرٌ كريمٌ مُفَدَّى … جاءَ كالبرق يستطير شرارا
ثم شقراء كم تَوَلّعَ صَبٌ … بهواها وبات يشكو النارا
وكذا أصفر تراه أصيلًا … سارنَجْم منه وسال نضارا
ثم صفراء ما تشرب طرفٌ … خَمْرَها الحِلَّ ثم خاف الخُمارا
стр. 1322
ثُمّ وافى عقيبها الأَبْلَقُ الفَرْ … دُ يَضُمُّ الظلام والأقمارا
معَهُ مِثْلُهُ مِنَ البُلْقِ لاثتْ … فوقَ ثوبِ الدُّجى عليها الإزارا
فهي تحكي بيضًا مظلومة الجشم … فبعض دجى وبعض أنارا
وكذا أبلق بأحمر قان فك … عمدًا عن جبينه الأزرارا
ثم بَلْقاءُ أقبَلَتْ تُخْجِلُ الخدَّ … بياضًا من لونها واحمرارا
تتهادى في مشيها كعَروسِ … أَفْرَغوا فوقها الجُيوبَ نِثارا
ما كفاهم أن نقطوها إلى أنَّ … نَقَطوا كل درهم دينارا
ثُمّ في الخيلِ دَيْزَجٌ ماج بَحْرًا … أو سماء وصارما بارا
ثُمّ حِجرٌ تَلزُّهُ فرأينا … جدولًا منه صادف التيارا
ثُمّ من سائر الجياد كرام … أرسل الركضُ نَوْءَها مدرارا
وتذكر مع السوابق أصدًا … مثل ما تَصْدَأُ السيوف مرارا
ثم صدياء لا تضاهى غَمامٌ … مُكْفَهِرٌ من سَيْلِها الأمطارا
بعدها أكهب تحيَّرَ لَوْنًا … لا شقيقًا حَكَى ولا نوارا
لا ولكن بحكمها في امتزاج … قد تردى لذا وهذا شعارا
ثُمَّ يَتلوه في المحاسن حجر … مِثْلُهُ لا يميل عنه از ورارا
صافنات زادت على الخيرِ حُسنًا … في مداها وزانت الأخيارا
وأنت في فعالها وحلاها … بصفاتٍ تُعَجِّبُ النظارا
مَلَكَتْ حُكْمَ مالكيها الأماني … وحَوَتْ للذي حواها الفخارا
سُبَّقُ تجعل الأنام جميعًا … من رعاياه والبسسيطة دارا
فأما هؤلاء العرب إذا ركبوا الهياج أو وثبوا إلى معاركة الفجاج، سدت الأفق قتاما، والطرف إبلًا كراما. قد تقلدوا سيوفًا تغرق الأرواح في لججها، وتقصر مناظرات الرقاب لحججها كأنّما طبعت فيها حمر المنايا أو طبقت عليها سود الرزايا. ترصعت النجوم، وانتعلت بالهلال وتقطعت من الغيوم، وضربت مرهفات النصال. لا يحشى ورق حديدها الأخضر، ولا يجتلى وجه فرندها الصقيل، ولا ينظر. قيل لها: صوارم؛ لأنها صرمت الأعمار، وقواضب، لأنها تقتضب الأجل وتعجل الدمار، ومشرفيات؛ لأنها أشرفت على الرؤوس، ومهندات لأنها ترى رأي الهند في إحراق النفوس، ومناصل؛ لأنّها تتنصل لامما جنت، وقواطع؛ لأنّها تقطع بالأمر أساءت أو أحسنت. كأنّما تأكلت فيها النار أو تشكلت فيها الأنهار ما على ضجيعها أين بات ولا قريعها عار لعدم الثبات، ولا على حاملها الجازر إن كثرت لديه النحائر، أو كبرت
стр. 1323
عليه من حيث الأعداء الجرائر. كأنما رضعت زرق اليواقيت، أو علت قرى نمل أو قرى رمل لها فيها آثار مخافيت، وقد اعتقلوا من عوالي الرماح كل ردينية سمراء ما ماس مثلها قد، ولا مال أهيف ولعب مثلها دست يد عواسل قصبها المران، عوامل شهبها تعمل في أطرافها النيران تطاولت لتثقب در الكواكب أو لتنقب سد السحائب. ثم رأت أنه لا تروى بغير الدماء حوائم أسنتها العطاش، ولا يقوم بكفايتها إلا ورود الوريد لا من المطر الرشاش فرمت على لبات الرجال عنقها، وبلت صداها ونقعت غليلها، وما رويت من دماء أعدائها، ما دارت دوائرها على عدو إلا وخاف أن يصعد على أسوارها أو يتسور، ولا صبحت بصاعها ذا عنق إلا تطاير بها وتشاءم بكعبها المدور. ورأيت من الرجال في تلك البيد صقورًا تحمي محارمها، وسيولًا تطم فجاجها ليوثًا ضراغم، وعقبانًا كواسر، وأبطالًا لا تعبأ بمن لاقت ورجالًا لا تبالي أين نزلت. تدخل على عزيز قوم بلاده، وتحمي عليه أرضه، وترد دونه ماءه وتمنعه شربه. وترد عليه قوله، وتصد عنه قومه. وتأخذ ماله إذا شاءت غصبًا وتقسمه اقتسامًا لانهبًا، لا تحوش في ليل ولا تجتمع في نهار. كفتها المهابة أن تخاف والمنعة أن تتوقى. فإذا سارت قلت الشهب سارت، والسحب سالت والجبال مادت، والرمال مالت. تركب النجب، وتجنب الجياد فتختال الأرض في حلية السماء ببدور أخفاف المطي وأهلة حوافر الخيل، ونجوم أسنة الخرصان توطأ لهم الرواحل، وتطوى بهم المراحل. وتبدو ركائبهم كأنها قلل جبال أو حلل نزال، يتسع مجال الرياح بين فروجها، وترتفع طوال الرماح فوق بروجها، تمد أعناقها طلبًا لقرب المنزل، وتجد أشواقها إلى أرض وتصبح [عنها] بمعزل كأنها لتمام الخلق بنيان، [أو لإكام الأرض تبيان]. لايقر بعينها الزئبق المتدحرج، ولا في بينها سيرها المتلجلج. يتثنى راكبها كأنه شارب ثمل، ولا يستقر كأنه بارق عمل، ركب من الإبل السحاب وهو محتفل ووثب وكأنه لتمايلها يتخبط تخبط الظبي في أشراك محتبل، من امتطاها وركبها أضرم نشاطه، ومن استبطأها فضرها ظلمها وظلم بالضرب لها سياطه. والأكوار تتراءى عليها كأنها أهلة على غمام والمجرة البطان والجوزاء الزمام. وأمامهم الظعائن تجري بها في الآل السفائن وقد شد كل هودج على كور راحلته الثريا، وسعد بسعدى وطاب بريا. فسايرتها نظرات الأحداق، وعادت ولم تحرج، وعاجت وما وقف لها سائق الركب ولا عاجت ربة الهودج (١). فما فازت إلا من بعيد بنظرة، ولافاءت إلا وبين الجوانح حسرة. وتعرض
стр. 1324
لها فلم تفعل ولم تخرج، وتعرف بها فما زاد على أن فقد قلبه وعاد وهو محرج. حتى إذا نزلوا بليل ونزحوا غدير النهار وجاء الظلام بسيل، أوقدوا نارًا يشب بالمندل الرطب وقودها، ويشد بعنان السماء عمودها. رقص بها الليل في قميص أرجوان، وتنقص ظلامته بأدنى ضوئها. وهو وإن تشعشعت كالسُّلاف، وتورعت إلا عما هو إرث عن الآباء والأسلاف. نار كرمية ترمي بكل شرارة كطراف ضرميّة تُشَبُّ بالعراق وضوؤها يغشى نائل وإساف تهتدي الضيفان بها لابصوت النابح، وترتدي بشعاع دماء القرى من كل بازل كوماء، وطرف سابح (١).
وأما آل علي (٢) فأميرهم رملة بن جماز بن محمد بن أبي بكر بن علي بن حديثة بن عصية بن فضل بن ربيعة. وقد كان جده أميرًا ثم أبوه. وقلّد الملك الأشرف جده محمّد بن أبي بكر إمرة آل فَضْلٍ حين أمسك مُهنَّا بن عيسى. ثم تقلدها من الملك الناصر أخيه حين بعث قجليس (٣) في طرد مهنا وسائر إخوته وأهله. ولما أمر رملة كان حديث السن فحسده أعمامه بنو محمد بن أبي بكر فقدموا على السلطان بتقادمهم، وتراموا على الخواص وسائر الأمراء وذوي الوظائف. فلم يحضرهم السلطان لديه ولا أدنى أحدًا منهم إليه. فرجعوا بعد معاينة الحين بخُفَّي حنين، ثم لم يزل يتربصون به الدوائر، وينصبون له الحبائل، ويقيه الله سيئات ما مكروا، ويدفع عنه بالسلطان ما قصدوا. وها هو اليوم سيد قومه وفرقد دهره، والمسود في عشيرته المبيض لوجوه الأيام بسيرته. وله إخوة ميامين كبراء أمراء فضل ومرا، وهم أهل بيت عظيم الشأن، مشهور السادات إلى أموال جمة ونعم ضخمة، ومكانة في الدول عالية وديارهم مرج دمشق وغوطتها بين إخوتهم آل فضل وبين أعمامهم آل مرا، ومنتهاهم إلى الجوف والحيانية إلى الشبكة إلى تيماء إلى البراذع (٤).
وأما آل مرا (٥) فبيت الإمرة فيهم آل أحمد بن حجي. وبقيتهم آل منيخر وأميرهم
стр. 1325
سعد بن محمد وآل نُمَيّ، وأميرهم برجس بن سكال، وآل بقرة وأميرهم علوان بن أبي غراء، وآل شماء وأميرهم عمرو بن واصل. ثم صارت الإمرة في بيتين، في آل أحمد، فمن بيت نجاد بن أحمد قناة بن نجاد ومن بيت سليمان بن أحمد شطي بن عمرو بن توبة بن سليمان. وأحمد هذا هو ابن حجي بن يزيد بن نبل بن مرا بن ربيعة والإمرة مقسومة بين هذين الأميرين نصفين. ويدخل في إمرتهم من يذكر - وهم: حارثة، والحاص، ولام، وسعيدة، ومدلج، وفرير، وبنو صخر، وزبيد حوران، وهم زبيد صرخد - وقد تقدم ذكرهم. وبنو غني، وبنو غزّ. ويأتيهم من عرب البرية آل طفير، والمفارجة، وآل سلطان، وآل غزي، وآل برجس، والخرسان، وآل المغيرة، وآل أبي فضيل، والرزاق، وبنو حسين الشرفاء، ومطير، وخثعم وعدوان، وعنزة. وآل مرا أبطال مناجيد، ورجال صناديد وأقيال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (١). لا يعد معهم عنترة العبسي (٢)، ولا عرابة الأوسي (٣)، إلا أن الحظ لحظ بني عمهم أتم مما
стр. 1326
لحظهم. ولم تزل بينهم نوب الحرب، ولهم في أكثرها الغلب. وقد كانت لهم بأحمد بن حجي الأنفة الشماء والرتبة التي لا تتطاول إليها السماء. ثم قتلت بينهم القتلى، وأنزف قوة بأسهم سفك الدماء، وتشتتت كلمتهم بقسمة الإمرة على أنه لو لم تقسم لظل بينهم كل يوم قتيل وأخذ بجريرته قبيل لإباء نفوسهم، وعدم انقياد نظير منهم لنظير. وديارهم (١) من بلاد الجيدور والجولان إلى الزرقاء والضليل إلى بصرى. ومشرقًا إلى الحرة المعروفة بحرة كشب قريبة مكة المعظمة إلى شعباء إلى نير ابن مزيد إلى الهضب المعروفة بهضب الراقي. وربما طاب لهم البر وامتد بهم المرعى أوان خصب الشتاء فتوسعوا في الأرض، وأطالوا عدد الأيام والليالي حتى تعود مكة المعظمة وراء ظهورهم، ويكاد سهيل يصير شامهم، ويصلون مستقبلين بوجوههم الشام.
وأما زبيد الغوطة والمرج وقد تقدّمت الإشارة إليهم. وإمرتهم في بني نوفل وهم والمشارقة جيران. وليس للمشارقة إمرة. ولكن لهم شيوخ منهم. وأمر هؤلاء وهؤلاء إلى نواب الشام ليس لأحد من أمراء العرب عليهم إمرة. وديارهم جميعًا المرج والغوطة بدمشق إلى لاهة إلى أم أوعال إلى الرويشدات (٢)، وعليهم الدرك وحفظ الأطراف. وبهم تم ذكر بني ربيعة.
قال الحمداني (٣) وقد ذكر أعيانهم: وفي آل ربيعة جماعة كثيرة أعيان لهم مكانة وأبهة. فأول من رأيت منهم مانع بن حديثة وغنام ابو الظاهر على أيام الملك الكامل. ثم حضر الكل في هذه الأيام إلى أبواب السلاطين من دولة المعز أيبك وإلى أيام المنصور قلاوون، وهم: زامل بن علي بن حديثة، وأخوه أبو بكر بن علي، وأحمد بن حجي وأولاده وإخوته، وعيسى بن مهنا وأولاده وأخوه - وهم رؤساء أكابر وسادات العرب ووجوهها. ولهم عند السلاطين حرمة كبيرة وصيت عظيم إلى رونق في بيوتهم
стр. 1327
ومنازلهم (١): [من البسيط]
[من تَلْقَ منهم تَقُلْ لاقيت سيدهم … مثل النجوم التي يسري بها الساري] (٢)
قال الحمداني: إلا أنهم مع بعد صيتهم قليل عددهم.
قلتُ (٣): [من الطويل]
تُعَيِّرُنا أنا قليلٌ عَديدُنا … فقلتُ لها: إنّ الكرام قليل
وما ضَرَّنا أنا قليل وجارنا عَزيزٌ … وجارُ الأكثرين ذليل
قال المهمندار الحمداني: وقد وفد فرج بن حية على المعز، وأنزلناه بدار الضيافة وقعد أيامًا، فجاء مقدار ما وصل إليه من عين وقماش وإقامة - له ولمن معه - ستة وثلاثين ألف دينار. واجتمع أيام الظاهر جماعة من آل ربيعة وغيرهم، وحصل لهم من الضيافة خاصة في المدة اليسيرة أكثر من هذا المقدار. وكل ذلك على يدي قال: وما يعلم ما خرج على يدي من بيوت الأموال والخزائن والغلال للعرب خاصةً إلا الله تعالى مما لا يحصر إلا بالجهد، فسبحان من سخر لهم وقسم.
قلت (٤): قد قال الحمداني هذا واستكثره وأطال في هذا واستعظمه واستكبره فكيف لو عمر إلى زماننا ورأى إليهم إحسان سلطاننا، ورأى العطايا كيف كانت تفيض فيهم فيضًا من الذهب العين، والدراهم بمئين ألوف، والخلع والأطلس بالأطرزة الزركش، وأنواع القماش الذي يفصل لملبوسهم بالسمور والوشق والسنجاب، والبرطاسي، والأطرزة المزركشة، والملمع والباهي، والساذج، والعتابي من الإسكندري وفاخر المقترح والمصبوغات المجوهرة، والذهب، وأنواع الزركش لنسائهم، والسكر المكرر، والأشربة المختلفة بالقناطير المقنطرة، وأحمال الجمال المقطرة إلى ما ينعم به على أعيانهم من الجواري الترك والخيل للنتاج، والفحول للمهائر - مع ما يطلق لهم من الأموال الجمة بالشام، ويقطع باسمهم من المدن والبلاد، ويملك لهم من القرى والضياع ويعطى غلمانهم، ويجرى من الإقطاعات لهم وللأئذين بهم، وللمتوجهين بجاههم، مع المكانة العلية، والشفاعات المقبولة في استخدام
стр. 1328
الوظائف (١)، وترتيب الرواتب، وإقطاع الجند، والإطلاق من السجون، والرعاية في الغيبة والحضور إلى غير ذلك من تجاوز أمثال الكفاية في الإنزال والمضيف لهم ولأتباعهم، منذ خرجوهم من بيوتهم وإلى حين عودهم إليها، مع مؤاكلة السلطان مدة إقامتهم بحضرته غداء وعشاء، والدخول عليه في المحافل والخلوات، وملازمته أكثر الأوقات. وإن وجدت لسانًا قائلًا فقل! وهم إلى الآن يقلعون بتلك الريح، ويستضيئون بتلك المصابيح.
قال الحمداني: ولقد رأيتهم في الوقائع مع من غلب إلا نوبة حمص، يعني الكائنة أيام المنصور قلاوون (٢). فإنّهم أثروا أثرًا حسنًا، وعملوا في التتار عملًا جيدًا، وقاتلوا قتالًا شديدًا. وربّما تقدموا الجيش في اللقاء، فكانوا سبب الكرة، يعني المؤدية إلى النصرة.
قلت (٣): وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود أنه رأى آل مرا حين جاءوا تلك الكرة قال: كنت جالسًا على [سطح] باب الإسطبل السلطاني بدمشق وقد اقبلوا زهاء أربعة آلاف فارس شاكين في السلاح على الخيل المسومة، والجياد المُطَهَّمة، وعليهم الكزغندات الحمر من الأطلس المعدني، والديباج الرومي، وعلى رؤوسهم البيض مقليدين بالسيوف، بأيديهم الرماح كأنّهم صقور على صقور، وأمامهم العبيد تميل على الركائب، ويرقصون بتراقص المهاري، وبأيديهم الجنائب التي ظلت إليهم عيون الملوك صورًا، ووراءهم الظعائن والحمول، قال: وكانت معهم مغنية لهم تعرف بالحضرمية، وكانت لها سمعة طائرة في زمانها، ورأيتها سافرة من الهودج وهي تغني (٤): [من الطويل]
وكنا حَسِبْنا كُلَّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً … ليالي لاقينا جُذامًا وحميرا
ولما لقينا عُصْبةً تغلَبيّةً … يقودون جُردًا للمنيَّةِ ضُمَّرا
стр. 1329
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه … ببعض أبتْ عِيدَانُهُ أَنْ تَكسرا
سقيناهُمُ كأسًا سَقَوْنا بمثلها … ولكنهم كانوا على الموت أصْبرا
فقال رجل كان إلى جانبي: هكذا يكون ورب الكعبة! فكان الأمر كما قال. فإنّ الكسرة كانت أولًا على المسلمين، ثم كانت النصرة لهم، واستحرّ القتل بالتتار. فسبحان منطق الألسنة، ومصرف الأقدار، فهو الفاعل لما يشاء - الفاعل المختار.
وإذ قد انتهينا من ذكر آل ربيعة، فلنذكر ما حضرنا من بقيّة العرب وديارهم فنقول: بنو خالد عرب حمص (١) يدعون النسب إلى خالد [بن الوليد]. وقد أجمع أهل العلم بالنسب على انقراض عقبه. ولعلهم من ذوي قرابته من مخزوم، وكفاهم ذلك فخرًا أن يكونوا من قريش.
وبنو كلاب: عرب أطراف حلب والروم. ولهم غزوات معلومة، وغارات لاتعد، ولا تزال تباع بنات الروم وأبناؤهم من سباياهم وهم يتكلمون بالتركية ويركبون الأكاديش، وهم عرب غزّ، رجال حروب، وأبطال جيوش. ولإفراط نكاياتهم في الروم صنفت السيرة المعروفة بدلهمة والبطال منسوبة إليهم بما فيها من ملح الحديث، ولمح الأباطيل، والكذب فيها يغلب الصحيح. وقد رأيت لعبد الوهاب ذكرًا في سواها، فقيل: عبد الوهاب بن نوبخت. وذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر البطال وسماه عبد الله الأنطاكي (٢) وذكر أنه كان ايام بني مروان، وفيها هلك (٣)، ومصنف هذه السيرة قد
стр. 1330
جعله أيام بني العباس. وذلك حديث خرافة. ولم أقف لدلهمة على ذكر البتة فيما يوثق به. وقد نبهت على هذا ليعرف. قلت: وذكر لي رجال من بني مروان أنهم ينتسبون إلى عبد الوهاب هذا.
قال المهمندار الحمداني ما معناه: فأما بنو كلاب عرب الروم فقد كانوا ظهروا على آل ربيعة؛ لأن الملك الكامل كان طلب من مانع بن حديثة وغنام بن الظاهر جمالًا يحمل عليها غلالًا إلى خلاط يقويها بها، فاعتذر بأن الجمال عَزَبَت في البرية، وكان بعض بني كلاب حضورًا لديه، فتكفل له بحاجته من الجمال، ووفى بقوله، فحقدها الكامل على مانع بن حديثة وغنام بن الظاهر، واستوحشا منه، ثم أتياه عند أخذه آمد فوبخهما وقال: والله لولا أنكما عربيان لأفعلن بكما الواجب فخرجا خائفين منه إلى أن فتح دمشق فأتياه بأنواع التقادم وتقربا إليه بالخدمة. قال: وكانت بنو كلاب تخدم الملك الأشرف موسى (١) وتصحبه المتاخمته لبلاد الروم، وكانوا مترصدين لخدمه، ومعدودين من خدمه.
قلت: وكان سلطاننا لا يزال متلفتًا إلى تألف بني كلاب. وكان أحمد بن نصير المعروف بالتتري قد عاث في البلاد والأطراف، واشتد في قطع الطريق فأمنه، وخلع عليه وأقطعه فانقادت بنو كلاب.
وحكى لي الأمير علاء الدين الطنبغا أيام نيابته بالشام أن بني كلاب أشد العرب بأسًا، وأكثرهم ناسًا، ولكنّهم لا يدينون لامرئ منهم يجمع كلمتهم. قال: ولو انقادوا
стр. 1331
لأمير واحد لم يبق لأحد من العرب بهم قبل ولا طاقة. ولما توجه إلى حلب لإمساك طشتمر (١) أتاه مشاهير بني كلاب مثل أحمد بن نصير وندي بن ضحاك وغيرهم، فكانوا أعوانه وظهراءه. ولم يزالوا معه حتى حقت عليه النوبة ففارقوه من المعيصرة وكان ذلك بمباطنة من سليمان بن مهنا لهم. وكانوا قد صاروا أحلافًا له، وكان الملك الناصر قد أمره على عرب بني كلاب، وجعل عليه حفظ جعبر وما جاورها.
وآل بشار (٢) ديارهم الجزيرة والأخص (٣) ببلاد حلب. والأحلاف منهم حالهم في عدم الانقياد لأمير واحد حال بني كلاب، ولو اجتمعوا لما أمن بأسهم. وهم على تفرق كلمتهم، وتشتت جماعتهم لا يزال آل فضل منهم على وجل. وطالما باتوا وقلوبهم منهم ملأى من الحذر، وعيونهم وسنى من السهر، وبينهم دماء. وهم وبنو ربيعة وبنو عجل جيران. وديارهم من سنجار وما يدانيها إلى البازار قريب الجزيرة العمرية إلى أطراف بغداد.
غَزِيَّة (٤)، قال الحمداني: وهم بطون وأفخاذ ولهم مشايخ، منهم من وفد على السلاطين في زماننا. وهم متفرّقون في الشام والحجاز وبغداد، وفيما بين العراق والحجاز. وأما شيوخ غزيَّة الذين في طريق بغداد إلى الحجاز الذين مياههم اليحموم، واللصف والنخيلة والمغيثة مياه البطنين ومياه الأجود لينة، والثعلبية، وزرود (٥).
فمن غزية البطنين منهم آل دعيج - وكان شيخهم مانع بن سليمان قد وفد الديار المصرية سنة ثلاث وستمائة، ويل روق، وآل رفيع (٦)، وآل سرية،
стр. 1332
وآل مسعود، وآل تميم، وآل شمر دل - هذه البطنين من غزية.
بطون الأجود بن غزية (١): آل منيع، وآل سنيل، وآل سند، وآل منان، وآل أبي الحزم، وآل علي، وآل عقيل، وآل مسافر. هؤلاء هم المشهورون من بطون غزية، والله أعلم. هذا ما ذكره الحمداني.
قلتُ: وذكر لي نصر بن برجس المشرقي زيادةً: أولاد الكافرة، وساعدة (٢)، وبنو جميل، وآل أبي مالك. وأما أحلاف آل فضل فقد قدمنا ذكرهم فيهم. وديار آل أجود (٣) منهم الرخيمية، والوقبى (٤)، والفردوس، ولينة، والحدق، وآل عمرو بالجوف. وديار بقاياهم اللصف، والكمن، واليحموم، والإم، والمغيثة.
وبينهم ساعدة، ويدارهم من الخضراء إلى برية زرود - ولا محيد للركب العراقي عنها، إلى سعارة، إلى النقعاء، إلى الثيب، إلى السائبة، إلى حفر. وخالد ودارها التنومة، وضئيدة، وأبو الزيدان، والقوبع، وضارج، والكوارة، والنبوان إلى ساقة العرفة، إلى الرسوس، إلى عنيزة، إلى وضاخ، إلى جبلة، إلى السر، إلى العردة، إلى العشيرية، إلى الأنحل.
وخفاجة وعبادة (٥) عرب بغداد والعراق. وقال ابن عرام (٦): منازل عبادة من بغداد إلى الموصل. وبمرج دمشق قوم من عبادة. وخفاجة من هيت والأنبار إلى الحلة
стр. 1333
إلى بئر ملاحا إلى الكوفة، إلى قائم عنقاء والثرثار، إلى المثنى دون البصرة، وهو غاية مرماهم ونهاية بعدهم.
قال الحمداني: إنّهم وفدوا (١) على الدولة الظاهرية بعد كسرة الخليفة المستنصر المجهز من مصر لاستفتاح العراق. وكان كبير جماعتهم خضر بن بدران بن مقلّد بن سلمان بن مهارش العبادي، وشهري بن أحمد الخفاجي في أشياخ منهم: مقبل بن سالم، وعياش بن حديثة، ووشاح وغيرهم. فأنعم الملك الظاهر عليهم وفتاهم. ثم كانوا عينًا له على التتار، وأعوانًا له للانتصار.
عربان العذار (٢): وهم عرب المسيب بالبطائح. وقد كانوا يعصون على الخلفاء وملوك التتار لتمنعهم بالماء والمقاصب المعلقة والأجم المتأشبة ومقدمهم ابن رؤوف، وهم من سنبس والجبور، وآل نطاح إلى بطون أخرى. وقد صاروا أهل مدرة، وحلال دارة لا يبارحونها، ورزقهم مقدر عليهم.
عرب العارض والعارض وراء الوشم (٣). والوشم هو الذي ينتهي إليه آل فضل إذا توسعوا في البرّ، وهم بنو زياد والجميلة، وعرب الخرج (٤)، وهم العقفان والبرحان (٥). ومن بلادهم البريك والنعام (٦)، وهما قريتان في واد منيع إذا حصن مدخله بسور كان أمنع بلاد الله.
قال ابن عرام وإلى هذا الوادي أزمع تنكز (٧) على الهرب حين خاف من الملك الناصر. وعليه طريق ركب الحسا، وعليه ممر الركب من الحسا والقطيف. وفيه يقول بعضهم: [من الطويل]
стр. 1334
لعلَّكَ تُوطيني نعامًا وأهله … ولو بان بالحجاج عنه طريق
عائذ بني سعد (١): دارهم من حرمة إلى جلاجل (٢)، والتويب ووادي القرى، وليس [المعني] بالوادي المقارب للمدينة الشريفة النبوية - زادها الله شرفًا - ويُعرف بالعارض ورماح والحفر (٣).
قلت: وحدثني (٤) أحمد بن عبد الله الواصلي أن بلادهم بلاد خير ذات زرع وماشية بقرى عامرة، وعيون جارية، ونعم سارحة. ولأرضهم بذلك الوادي مَنْعةٌ وحصانة. قال: وقد كان المظفّر بيبرس الجاشنكير (٥) اهتم بقصده واللحاق به والمقام فيه، وأن يكون فيه كواحد من أهله مرتزقًا من سوائم الإبل والشاء. قال: ثم انثنى رأيه عن ذلك آخر وقت، ولو وجه إليه وجهه كان أحمد لمنتجعه، وأدنى لعوده إلى صلاح الحال ومرتجعه.
стр. 1335
بنو يزيد (١): ودارهم (٢) ملهم، وبنيان، وحجر، ومنفوحة، وصباح، والبرة، والعويند، وجو.
المزايدة: دارهم (٣) البخراء، وحرمة، وهي حرمة أخرى غير الذي تقدم ذكرها، وسبخة الدبيل، والحلوة، والهزيم، والبريك، والنعام، والخرج.
عقيل: وهم من آل عامر (٤).
قال الحمداني: وهي غير عامر المنتفق وغير عامر بن صعصعة. قال: ومنهم القديمات، والنعائم، وقبات، وقيس، ودفنل، وحرثان، وبنو مطرق وذكر أنهم وفدوا في الأيام الظاهرية صحبة مقدمهم محمد بن أحمد بن العقدي بن سنان بن عقيلة بن شبانة بن قديمة بن نباتة بن عامر، وعوملوا بأتمّ الإكرام، وأفيض عليهم سابع الإنعام، ولحظوا بعين الاعتناء.
قلت: وتوالت وفاداتهم على الأبواب العالية الناصرية، وأغرقتهم تلك الصدقات بديمها، فاستجلبت النائي منهم. وبرز الأمر السلطاني إلى آل فضل بتسهيل الطريق لوفودهم، وقصادهم، وتأمينهم في الورد والصدر، فانثالت عليه جماعتهم، وأخلصت له طاعتهم، وأتته بأجلاب الخيل والمهارى، وجاءت في أعنتها وأزمتها تتبارى، فكان لايزال منهم وفود بعد وفود، وكان منزلهم تحت دار الضيافة لا يزال يسد